رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحوار يجب أن يكون مقدمة لاختيارات وبدائل للقرار
الحوار وسيلة التواصل بين العقلاء، وبدون تحديد أهداف الحوار داخل المجتمع في المرحلة التي يجري فيها الحوار، يصبح ما يدور "بغبغة" بين الأطراف، ويطلقون عليه حوار الطرشان.
والحوار بحث جاد عن المشتركات بين الأطراف، وهو يتطلب لغة مشتركة بين المتحاورين، والاجتهاد في تحديد أطراف الحوار، وتحديدا قضايا الحوار، وفوق ذلك كله إعداد بيئة مناسبة للحوار.
ونجاح الحوار يتطلب أن يدرك المشاركون فيه، أنهم جاؤوه لعدم إمكانية الحياة المنفردة، ولا القدرة على الوجود الأناني، وإن كانوا قد دخلوا إليه أطرافا بينها اختلاف، فهم ينشدون أن يخرجوا منه، وقد اتفقوا على رؤية مشتركة، مع احترام التمايز بينهم.
ما يدور في مصر تحت عنوان الحوار، وهو كثير ومتعدد إلى حد التشتت، يبتعد كثيرا عن الحوار المنشود، وإن كان السبب الرئيسي في ذلك محاولات من اليمين الديني للثأر من التاريخ الوطني، وثورة يوليو، دون بديل غير الاقتتال الديني بلا رؤية اجتماعية وسياسية، واستخدام الدين وسيلة للإرهاب الفكري، ومحاولات من اليسار للعودة إلى ذات الموقف الذي قاده لطفي الخولي عام 1971 لوراثة ثورة يوليو بالارتماء في حضن السادات والحديث عن "الديمقراطية المفقودة"، فلا هو حافظ على رؤية اجتماعية ولا هو لحق بقاطرة الديمقراطية، ويومها أيضاً تجاوز المجتمع في 18 و19 يناير 1977 كل أباطرة الفكر داخلة وقاد شباب التيارات الناصرية واليسارية مظاهرات الخبز، وكان أيضاً الشعب ذخيرتها، ويدخل على المشهد في هذه المرحلة تيار ليبرالي بأوعية متعددة، يشخص مشاكل الوطن في جانبها السياسي، ولا يطرح لقضايا الوطن الاجتماعية غير عناوين دون مضمون.
حالة التشتت هذه يرجعها البعض إلى ما أصاب الحركة الوطنية من تبعثر نتيجة التعاملات الحادة من النظام السابق، وإلى الفصل بين النظام السياسي والاقتصادي داخل المجتمع، وإلى الحالة التي فرضتها نجاحات ثورة يناير، بإفراز تشكيلات جديدة من أرصفة المظاهرات وميادينها، دون رؤية سياسية سوى ترديد الهتافات على أنها برامج عمل، مما أفقد الوجود البشري محتواه الاجتماعي والسياسي.
وساعد على التشتت أداء عناصر من النخبة، والتي كانت من قبل تنتمي إلى نداءات التغيير والعصيان، وأصبحت من بعد يناير في حالة من الارتباك الذهني تحركها إما عقد قديمة أو تدفعهم مخاوف أن تتجاوزهم الأحداث التي فاقت قدرتهم على التوقع أو حتى الاستيعاب ومازالوا في حالة الهذيان، وانتاب الجميع محاولات الهروب للأمام ليحدث الصدام بالأجساد أكثر منه جدل الأفكار وتخصيبها.
وأضيف إلى هذا الأمر فزاعة "المؤسسة العسكرية"، والخلط بين أنها مؤسسة الأمن القومي الرئيسية، والمملوكة للشعب، والتي استقر على علاقتها بالشعب منذ وقائع يونيو 1967 وما استتبعها من احتمالات الصدام بين عناصر المؤسسة العسكرية وبين الدولة، وهو ما تطلب إدارة حوار داخلي في تحديد المهام والعلاقات، بدأ بانتحار عبدالحكيم عامر، وتجسدت قمة التعبير عنه في معركة العبور عام 1973 والتي مثلت مدى النجاح في طبيعة العلاقة بين القوات المسلحة وبين الشعب في إطار دولة القانون والدستور.
ورغم الدعوة إلى الشرعية الدستورية بديلا عن الشرعية الثورية التي استتبعت وقائع رحيل جمال عبدالناصر عن المشهد، إلا أن تجاوزات وإعادة صياغة القوانين والمفاهيم ومواد الدستور، جعلت كل بناء الدولة المصرية معرضا للتشوه، وأجابت وقائع ثورة يناير العظيمة عن السؤال الحائر: إلى من سينحاز الجيش في المواجهة بين الشعب والسلطة؟ وانحاز الجيش إلى الشعب، وكانت علامة الطريق الثانية في مسار العلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة، إنها درع الوطن في مواجهة العدوان الخارجي، وإنها للشعب ولا تقبل أن توجه مدافعها ورصاصها للشعب الذي ائتمنها عليه لحمايته، الذين هم المكون البشري الوحيد لقوام الجيش.
هكذا أجابت ثورة يناير عن السؤال الحائر، الجيش لمن؟
وبقي أن نتمسك بأعلى نقطة تطور داخل العلوم العسكرية، والتي ترتبط بتقدير دائم للمواقف يدرس كل عناصر تكوين الصراع، من العدو إلى أرض المعركة، وتعلمنا في كلية ضباط الاحتياط القاعدة الذهبية للتكتيك العسكري والتي تقول: "سرعة استغلال النجاح"، وهكذا لمن يرون أن العسكرية عبارة عن حالة جامدة، فالعسكرية في اتخاذها للقرار تربط بين الاستراتيجي والتكتيكي، فالهدف النهائي للمعركة واضح، وتحويله إلى مهام تكتيكية أيضاً واضح، وإن اتخاذ القرار ينتج من تقدير متجدد للمواقف، وإن الزمن وإنجاز المراحل يفتح الأفق لاستغلال النجاح وتطوير الحركة لتحقيق الأهداف التالية.
وهكذا بتطبيق قواعد القرار في العسكرية المصرية، يصبح الحوار داخل المجتمع هو وسيلة الاستطلاع، وهو المدخل الرئيسي لتقدير الموقف في مواجهة ما ترتب على تحقق الثورة سواء في شأن هدم النظام البائد أو بناء النظام الجديد.
وهذا الحوار لا يفرق بين أطرافه بلون الزي، ولا بسلطة الرتبة العسكرية، ولا بمن يملك قوة السلاح، فكل هذا ملك للشعب، لذا لا يجوز لأحد أن يدعي أن هناك من يهاجم جيش الشعب، أو أن يمارس بجيش الشعب أداء إرهابيا على عناصر الثورة من أبناء الشعب.
وهكذا تجسدت الحاجة إلى الشرعية الدستورية عبر الحوار بين قوى المجتمع، مدخلا إلى القرار، والقرار في مسار الأمم وصناعة تاريخها لا يأتي بالاختطاف، فتعرض على المجتمع عناصر للاستفتاء، ثم تدخل عليه بتزييف الوعي أنه اختيار بين الإسلام وما عداه، ثم تخرج نتيجة الاستفتاء، فيدعي البعض أنها إرادة الشعب لخطوات نحو الشرعية الدستورية بالانتخابات أولا، أو يدعي الآخرون أنها تفويض مطلق للمجلس العسكري، كلاهما يوظف نتيجة الاستفتاء لما يريده هو، مناقضا لاحتياج الوطن.
الانتقال من ثورة بالشعب إلى ثورة للشعب، هو مهمة المرحلة.
وعليه فمهمة الاستطلاع بالحوار لا تتأتي بالحديث بين أصحاب الياقات البيضاء وفقط، ولكن من دون أن ينضم أصحاب الجلابيب الزرقاء والأفرولات إلى حلقات الحوار، تتحول جلسات الحوار إلى بغبغة بين "تنابلة السلطان"، وبدون أن يكون الحوار مقدمة لاختيارات وبدائل للقرار الوطني، يصبح حرثا في الماء، وبدون أن يكون الحوار بين أنداد وأحرار يصبح إملاءات، ويبقى السؤال الحائر مدويا من جديد في كل أرجاء الوطن: الجيش ينحاز لمن؟
وعليه، فبقدر حاجة المجتمع إلى الحوار يحتاج متخذ القرار إلى الحوار.
ومن غير الصحيح ألا تكون هناك قواعد تحدد من هم المتحاورون وما هي قضايا الحوار؟
والعجيب أن القول بأن الثورة نجحت وضربت مثلا رائعا لحركة الشعوب في مواجهة الطغيان هو قول صحيح، إلا أن الجميع يقول بأن الثورة ليست بالسلطة، ولا هي تملك القرار، حتى أن رئيس حكومة تسيير الأعمال يأتي بمستشار سياسي يهدد ويتوعد، وهو القادم من بين مقاعد الدراسة أو صفحات الجرائد، ويرتكن وبلا مبرر إلى سلطة توهمها لكرسيه الذي يمكن أن يطاح به في لحظة، وأيضا ليس من المقبول أن يعبر عن المجلس العسكري من يستعدي الشعب، بل ويتهم الإعلام بأن يقول إن المظاهرات حاشدة وهي ليست كذلك!!، ويهدد أحد الصحفيين على الهواء أن حديثه عن شبهة صفقة بين المجلس العسكري والإخوان يعرضه للمحاسبة القانونية، ويرد الصحفي عليه إنه قال في زمن مبارك أكثر من هذا ولم يتلق تهديدا مماثلا، ونجح ذلك اللواء في استفزاز الجميع وتوحيدهم في موقف منه، وبديلا عن الربط بين موقفه وموقف المجلس العسكري، صارت الملاحظة التي يرددها الجميع، أليس هناك عقلا أكثر رجاحة يمكنه عن يعبر عن المجلس العسكري المصري؟
الحوار وقضاياه المتنوعة يتطلب أن تمسك بنقطة المركز قوة حاسمة وغير منحازة، ورغم ترديد مقولة مجلس رئاسي مدني بين الكثيرين، إلا أن الوصول إليه قد يكون صعبا ومعطلا لإمكانية الإنجاز، وليس مطلوبا استمرار فتح بوابات الفتنة بأنواعها، ما إن نغلق إحداها حتى يسارعوا بفتح أخرى، والزمن ينقضي من حولنا دون إنجاز حقيقي يحمي ثورة تمت بالشعب، وينقلها إلى تحقيق أهدافها كثورة للشعب.
لقد نجحت مظاهرة يوم الجمعة 27 مايو في تحقيق أهداف متعددة، وهي أن الشعب يحمي ثورته، وأنها ليست صنيعة من يحاولون اقتناصها، بل لقد أطاحت بمحاولات غير أمينة من الإخوان للوقيعة بين الشعب والجيش، وأوضح انسحاب الجيش من الميادين والشوارع، أن محاولات التهديد بحمامات من الدم ذهبت أدراج الوعي السياسي والأمني للشعب، واتضح أن هجمات البلطجة مصنوعة وليست وليدة غياب الأمن، وتولي المتظاهرون أمن المظاهرات، والتزموا جانب الثورة، وكانوا أرقى من كل محاولات الوقيعة وتجاوزوها.
لقد قدم الشعب شهادة الثقة في قواته المسلحة، وبات واجبا أن تعلن القوات المسلحة ردها على رسالة الشعب الراقية والواضحة، وبات مطلوبا، تغيير أداة التعبير عن المجلس العسكري بعقول قادرة على التعبير عن الاحترام لإرادة الشعب، وأن توقف المحاكمات لعناصر الثورة أمام المحاكم العسكرية، وبدأ التطهير الحقيقي للإعلام والقضاء والأجهزة الأمنية، وأن تفتح الباب للمحاسبة السياسية للنظام السابق ومحاكمتهم أمام محكمة الثورة، وأن تفتح أفق الحوار الوطني على مصراعيه، في قضايا الاقتصاد والاجتماع والسياسة تمهيدا للحوار داخل الجمعية التأسيسية للدستور حول العقد الاجتماعي الجديد، وأن يتم تشكيل هيئات الحوار بالانتخاب من كل المحافظات والنقابات والقوى السياسية، وليس باختيارات من مجهولين لأسماء أيضاً لا تعبر عن مخزون الإرادة الشعبية بمصر.
نجح الشعب يوم 27 مايو في رسالة "إرادة الشعب" المطالبة بالدستور قبل أي انتخاب، ووجب أن يسمع الشعب إجابة على رسالته بالإيجاب.
قائد استثنائي رسم مستقبل وطن
مهما كتبت الأقلام، ومهما أبدعت الكلمات، فلن تفي حق والدنا وقائدنا، صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن... اقرأ المزيد
72
| 29 يوليو 2026
الطب التكميلي.. حين يلتقي بالبينة البحثية
لم تكن المشكلة يوماً في أن يلجأ الناس إلى الطب التقليدي والتكميلي؛ فذلك واقع قديم ومتجدد، تحمله الذاكرة... اقرأ المزيد
30
| 29 يوليو 2026
أنديتنا بين الطموح والتحدي
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من... اقرأ المزيد
585
| 29 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
2913
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1530
| 26 يوليو 2026
حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى المحاكم، والقضاة، والسجون، ونصوص القوانين. غير أن الحقيقة أوسع من ذلك بكثير؛ فليست كل جريمة يُعاقب عليها القانون، وليست كل براءة تصدرها المحكمة تعني براءة الضمير. فهناك جرائم لا تعرفها مواد قانون العقوبات، لكنها تترك في النفوس من الألم ما لا تتركه كثير من الجرائم الجنائية، لأنها تستهدف الإنسان في كرامته، ومشاعره، وثقته، وأمله بالحياة. إن القانون، مهما بلغ من الدقة، يبقى أداة لتنظيم المجتمع، لا لصناعة الفضيلة. فهو يعاقب من يسرق المال، لكنه قد يعجز عن محاسبة من يسرق فرحة إنسان، أو يهدم مستقبله بكلمة، أو يكسر قلبًا كان مفعمًا بالأمل. وقد يخرج شخص من المحكمة بريئًا، بينما يبقى مدانًا في محكمة الضمير، لأن العدالة القانونية شيء، والعدالة الأخلاقية شيء آخر. ولعل أولى هذه الجرائم هي كسر الخواطر، فكم من كلمة قاسية أطفأت نورًا في قلب إنسان، وكم من سخرية حطمت موهبة، وكم من احتقار قتل الثقة بالنفس. إن الجروح التي تصيب الجسد قد تلتئم، أما الجروح التي تصيب الروح فقد تبقى عمرًا كاملًا. لذلك جاء الإسلام ليجعل الكلمة الطيبة عبادة، والابتسامة صدقة، لأن بناء الإنسان يبدأ من احترام إنسانيته. ومن هذه الجرائم أيضًا جحود المعروف، فما أقسى أن يقف إنسان إلى جانبك في ساعة عسر، ثم تنكره عندما تتبدل الأحوال. إن نكران الجميل لا يعاقب عليه القانون، لكنه يهدم قيمة الوفاء، ويجعل الإحسان مغامرة لا يجرؤ عليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة. وهناك جريمة أخرى لا تقل خطرًا، هي الظلم المعنوي؛ حين يُحرم إنسان من حقه في التقدير، أو تُسرق أفكاره، أو يُنسب جهده إلى غيره، أو يُقصى لأنه قال كلمة حق. وقد لا يجد القاضي نصًا يدين به هذا السلوك، لكنه يبقى عدوانًا على الكرامة الإنسانية، وهي أعظم ما يملكه الإنسان. ثم تأتي جريمة اللامبالاة، وهي من أخطر أمراض المجتمعات. أن ترى محتاجًا فلا تمد يدك إليه، أو تسمع أنين مظلوم فتدير وجهك عنه، أو تشاهد باطلًا يقع أمامك ثم تقنع نفسك بأن الأمر لا يعنيك. فالحياد أمام الظلم ليس دائمًا فضيلة، بل قد يكون مشاركة صامتة في استمراره. ومن أبشع الجرائم التي لا يعاقب عليها القانون أن يكون الإنسان قادرًا على رفع الظلم عن مظلوم، أو إنقاذ بريء، أو قول شهادة تعيد حقًا إلى صاحبه، ثم يختار الصمت خوفًا أو مصلحة أو مجاملة. فالظلم لا يعيش بقوة الظالم وحده، وإنما يعيش أيضًا بصمت القادرين على منعه. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، فجعل الإثم في القلب قبل اللسان، لأن كتمان الحق خيانة للعدل قبل أن يكون مخالفة للأمانة. ولا تقل عن ذلك خطرًا جريمة يبررها بعض الناس باسم الوفاء للصداقة. فقد يعلم الإنسان أن صديقًا له اعتاد الكذب، أو الظلم، أو أكل حقوق الناس، ومع ذلك يستمر في الدفاع عنه، أو تلميع صورته، أو التغاضي عن أفعاله بحجة أنه صديق قديم. لكن الصداقة ليست رخصة لمساندة الباطل، ولا سنوات المعرفة تمنح أحدًا حصانة أخلاقية. إن الوفاء الحقيقي لا يكون للأشخاص إذا تعارضوا مع الحق، وإنما يكون للمبادئ التي تحفظ كرامة الإنسان وعدالة المجتمع. ومن يجامل الظالم وهو يعلم ظلمه، فإنه لا يظلم الآخرين فحسب، بل يظلم الصداقة نفسها، لأنها تتحول من رابطة فضيلة إلى ستار يحجب الحقيقة. ثم تأتي جريمة الكلمة؛ فكم من أسرة تفككت بسبب إشاعة، وكم من سمعة اغتيلت بكذبة، وكم من إنسان عاش سنوات يدفع ثمن اتهام لم يرتكبه. إن الرصاصة قد تقتل إنسانًا واحدًا، أما الكلمة الكاذبة فقد تقتل حياة كاملة، وتترك آثارها في أسرته ومجتمعه. لقد أدرك الفلاسفة أن القانون يحفظ النظام، لكنه لا يصنع الأخلاق، وأن المجتمع لا يستقيم بالقوانين وحدها، بل بالضمائر الحية. فكلما ارتفع منسوب الأخلاق، قلت الحاجة إلى العقوبات، وكلما مات الضمير، ازدادت القوانين وعجزت عن تحقيق العدالة الحقيقية. إننا بحاجة إلى محكمة لا تُبنى بالحجارة، ولا يجلس فيها قاضٍ، بل يسكنها الضمير الإنساني. في تلك المحكمة تُحاكم قسوة القلوب، وكسر الخواطر، ونكران الجميل، وخيانة الأمانة، والصمت عن الظلم، ومجاملة الظالمين، والكلمة الجارحة، وكل ما يهدم الإنسان دون أن تلتفت إليه مواد القانون. وفي النهاية، قد ينجو الإنسان من حكم الأرض، لكنه لن ينجو من حكم السماء، ولن يفلت من محكمة الضمير التي لا تسقط أحكامها بالتقادم. فالجرائم التي لا يعاقب عليها القانون هي، في حقيقتها، أخطر الجرائم؛ لأنها لا تسرق مالًا أو تنتهك جسدًا فحسب، بل تقتل القيم، وتُميت الرحمة، وتكسر الإنسان من داخله. وإذا مات الضمير، فلن يبقى للقانون إلا أن يُحصي الضحايا، بعد أن يكون قد فات أوان إنقاذهم. باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
783
| 23 يوليو 2026