رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تقاطر المدعوون صباح السبت 7 مايو 2011، إلى مركز المؤتمرات بمدينة نصر لحضور مؤتمر مصر الأول، يلبسون ملابس العيد، الكل يتعانق، شباب في مقتبل العمر، وبأدب جم يقومون بتسجيل الحضور، الحالة التي يحياها الجميع هي مصدر الأمن، صافحت الدكتور إبراهيم الزعفراتي القيادي الإخواني، هل جاء مشاركا أم معتذرا؟، فالإخوان اعتذروا بعد الاكتفاء بغنائمهم من الثورة، ولا يعنيهم الموقف الوطني الجامع، صافحت الدكتور محمد مندور في عناق طويل، لم أره منذ أن غادرنا السجن معا عام 1972، بادرني قائلا: لي خمس سنوات في دارفور، من قبلها في فلسطين، تذكرت جيفارا وحملاته الثورية، هنا امامنا مندور وحملاته الطبية، والعقيدة والانتماء الثوري والاجتماعي لديهما واحد.
الكل جاء علي رجاء أن يقوي بالكل، الكل جاء والأمل يسبقه، والرجاء والأمل لم يمنعا الواقعية.
الكل في حذر، اليوم يجب أن يكتمل، وأن تصل كل رسائله إلى الجميع. رسالة وحدة القوي الوطنية ــ غير من اختار الوقوف خارجها ــ بأن الجميع معا، وأن كان الحوار مشواره طويل، ويحده توقيتات المهام، إلا أن الكل يرفض سرقة الثورة. ورسالة رفض للاختيار الذي تضمنه الإعلان الدستوري بناءا علي لجنة البشري بإحالة أمر الدستور إلى لجنة المائة الفنية، دون الحوار المجتمعي الوطني حول العقد الاجتماعي قبل الصياغات الفنية. ورسالة ثالثه تعلن قبول التحدي إن فرضت خيارات الإعلان الدستوري أن تذهب مصر مرغمة إلى الانتخابات النيابية المزعومة، وأن الجميع يحاول أن يكون معا في مواجهة هذا التحدي.
وتصدح موسيقي النشيد الوطني ويغنيه الحضور وقوفا، 4300 عضوا الذين سجلتهم لجان الاستقبال، ويعلن مذيع المؤتمر البدء باسم الشهداء، وتنطلق موجة تصفيق عاليه لمدة عشر دقائق بلا انقطاع، تحية لأرواح من وهبونا فرصة للتطهر والعيش الكريم، مشهد مزلزل، أرواح الشهداء بيننا، ليسوا بعيدين، دموعا كثيرة تشهدها والكل في وقوف صامت، والتصفيق الحاد متصل ولا يخبوا، يحاول أن يصعد إلى السماء، عبر السنوات الضوئية الفارقة، يسابق رحلة الأرواح ليلقاها ويعانقها، والدموع تجري من الجميع، دموع حب ورحمة وعهد، والتصفيق يتواصل ومذيع المؤتمر يعاهد الله والوطن والشهداء.
وتبدأ الجلسة الأولى ويأتي صوت الدكتور حسام عيسى النحاسي، واضحا، وقاطعا، فأستاذ القانون لا تخذله الكلمات المعبرة، والمحددة المعنى، والقاطعة الدلالة، فالموضوع وثيقة إعلان "مبادئ الدستور المصري القادم"، وهو لا يقدم الوثيقة، ولكنه يقول، منذ اليوم الأول الخامس والعشرين من يناير نزلت إلى ميدان التحرير ولم تغادره إلا بعد سقوط النظام وخلع رئيسه، وقال أنها تحدثت إلى "جمعية المحكمة الدستورية" بأنهم جميعا أمام فرصة تاريخيه، وأنها فرصة لمصر وليست عملا سياسيا، وأنهم يجب أن يكونوا والشعب في بنيان واحد، وهي من تقدم لكم الورقة: القاضية تهاني الجبالي نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا، ويقف الجميع في مشهد لا يخلو من الجلال، وموجة تصفيق حاد أخرى تؤكد أن المؤتمر يربط بين الشهداء وإرادة العقل فيه، تكرار من نسخة واحده، والقاضية، تقف في ثبات لا يأخذ بلبها عاصفة التحية، وأمامي بالقاعة شابة في رداء أبيض، ووجهها وعيناها أتصور أنه وجه كليوباترا تقفز الحيوية منه، تطلق صوتا عاليا كما صوت الطاووس وله استمرار غريب، يتصاعد الدم إلى وجهها وأسألها، ما هذا الصوت، وتقول أحب تهاني واحترمها، كنت أريد أن أطلق صفيرا، ولا اعرف، قأطلقت هذا الصوت، فقلت لها أنه صوت الطاووس، وقالت ضاحكة ابنة النيل الخمرية، التي يزين جيدها سلسلة فضيه علي شكل هلال يحتضن صليبا من فصوص تتلألأ: كنت أود أن يكون صوت الكروان!، كم أنت جميلة يا مصر العربية بأهلك.
وبوقار المعنى الدستوري للكلمات تعلن الأستاذة تهاني أن هذا الإعلان هو جهد أساتذة القانون الدستوري وشيوخه في مصر، وتتلوه، وكأنها ابنة مصر البدوية التي صاغتها المحلة الكبرى وصاغتها ترانيم العشق لآل البيت التي يتغني بها أبناء طنطا البدوية، وشاركت أهل الثورة في ميدان التحرير طوال أيامها حتى خلع الرئيس، كأنها ترتل سفر الوجود الجديد الهابط علي مصر الثورة من السماء، ويكمل الفقيه الدستوري الدكتور محمد نور فرحات الخناق على "جريمة البشري" في حق مصر، ويقول بضرورة الجمعية التأسيسية لوضع الدستور وأن دور القانونيين هو الصياغة وليس البناء، فهذا حق أصيل للمجتمع وقواه التي تحيا فوق أرض الوطن.
هذه المشاهد جمعت بين الحب والشهادة والوفاء والعقل والتقدير من الجميع وإنكار الذات.
ويعلن المذيع الداخلي الحاجة إلى طبيب لحالة طارئة، ويجري الدكتور محمد غنيم أبو الكلي في مصر، بطول القاعة كما لو كان ابن العشرين، ويقفز الدكتور نزيه رفعت فوق حاجز ووزنه يتجاوز المائة وعشرين كيلو جرام، وتعدوا طبيبات بأعمار مختلفة من كافة أرجاء القاعة إلى خارجها لإسعاف الحالة، مصر تستدعي قدرتها في لحظة، دون صراع الأجيال الذي يصنعون منه الفتنة الجديدة.
وكأن مصر تضرب مثلا جديدا لمعني المرأة من أهلها، لا تعترف بها التزاما بمواثيق ومعاهدات دوليه، فتلك المواثيق والمعاهدات الدولية لإلزام من لم يصنعوا الحضارة، ويدركون معني الإنسان، رجلا أو امرأة، وتستقي عناوينها لتحقق حقوقا ضائعة، ولكن مصر ــ التي خاضت تجربة أن يكون الحاكم امرأة مع حتشبسوت 1458 ق.م.، ومع شجرة الدر 1250م ــ تضع مضمون حقوق المرأة بممارسة ناعمة ولا تأبه بتلك الصياغات القاصرة. وهي مصر التي تأبي أن يشدها أحد إلى عصور الظلام بادعاءات دينيه، لا صلة لها بالإسلام الحنيف.
سيدة أخرى، في عمر الزهور، وكأنها زهرة اللوتس المصرية، مضيقة جوية تقول عن نفسها ضاحكة: "دخلت الثورة من التليفزيون عندما شاهدت لقطة ضايقتني جدا قررت أني لازم أنزل".
وتستطرد: "المشهد كان للرجالة ع الكوبري بتصلي والأمن المركزي مسلطين عليهم خراطيم المياه وطبعا عرفت بعد ما نزلت أنها مياه مجارى".. وتكمل: "وكانوا كل يوم يأتون قرب صلاة العشاء ويغرقون أرض الميدان بها، وكنا بنجيب أي حاجة جرايد رمل زلط طوب اللي نلاقيه ونقعد برضه!!" و "إحنا كنا بندفع بعض ونتخانق علشان كنا بنجري للشهادة لكن مع الأسف ربنا لم يكرمني بها"، "كان نفسى فيها قوي. كنت متخيله أنها لو حصلت هشوف بابا وأهديها له وأخلد أسمه في الدنيا لما يكتبوا أسمى مع الشهداء بس لسه عندي أمل ياااارب يكتبها لي"، "والله العظيم كان بيضحك لي أنا عارفه أنه كان عارف أنى هعمل كده وكان مرتاح وفي أثناء الثورة كنت دايما بقول لزمايلي مش إيمان اللي واقفة معاكوا لأ ده ناجي مصطفى اللي واقف مش أنا. كان نفسي أشوفه وساعة التنحي في الميدان بعد ما قلت الحمد لله فضلت أنادى عليه بأعلى صوت وأصرخ وأقوله الحمد لله يا بابا اللي كنت عايزه، ولادك عملوه ومش عارفه هتصدقني ولا لأ بس كنت شايفة وشه بينظر لي ويضحك ويقولي زي ما كان دايما بيقول شاطره يا إيمان بنت أبوكى صحيح أنا عارف أنى خلفت راجل. الله يرحمه".
لون من المشاعر يحدد دافعا لم يرصده المحللون، دافع اختمر ولم يكن حدثا انفعاليا، وهو يقول أن الجيل الذي تحرك كان امتدادا لجيل سبقه، ولحظة الثورة تحددت عندما وصل حجم نمو الرفض وانتشاره الحجم الحرج الذي أديى للانفجار. زهرة اللوتس المصرية ابنة النيل كانت من الجرانيت الأحمر، وجدتها في المؤتمر، جاءت لتشارك في التنظيم.
ويتحدث محمد فائق كلمة المؤتمر الرئيسية، ويتضمن المؤتمر مداخلتين واحدة لنجل جمال عبدالناصر المهندس عبدالحكيم، والمداخلة الأخرى لناجح إبراهيم أحد قيادات الجماعات الإسلامية، ويحضر المؤتمر رئيس الطرق الصوفية!.
كأن المؤتمر ينافس ذاته، كان يحاول أن يقوم بكل المهام الفكرية، والتنظيمية وإنتاج قياده للثورة، عبر محاوره، وخلال يوم واحد ويستهدف المؤتمر الوصول إلى توافق عريض حول عدد من المسائل الأساسية: المبادئ الأساسية للدستور القادم، ورؤية مستقبلية للتنمية ومتطلبات العدل الاجتماعي، وأهمية دعم قائمة انتخابية موحدة، التوافق على مجلس وطني لدعم واستمرار الثورة.
وتقدم المؤتمر على هذه المحاور، علي وعد بان يكون اللقاء الثاني في النوبة، بأقصى الجنوب. وأن تبدأ مهمة إنجاز المجلس الوطني بإنتاجه من قاعدة شعبيه تمتد بطول الوطن وعمق تكوينه.
اقترب المؤتمر من نسبة 50% من مقاعد المجالس النيابية للعمال والفلاحين، وخرجت أصوات كثيرة تطالب بالغائها، ووقف أحد الفلاحين ليقول أنه منذ غياب عبدالناصر، وأصبح العمال والفلاحون غائبين عن المشهد الوطني، وكأنه يذكرهم بغياب تمثيل العمال والفلاحين بما يتناسب مع وجودهم في المجتمع، وأوضح الحاجة إلى مؤتمر لدراسة ممارسة الحياة السياسية في مصر، وأننا في حاجة للمصالحة مع تاريخنا، وأن القضايا الاقتصادية تحتاج إلى مؤتمر علمي يخصها، وكذلك قضية العنف المتزايد، وقضية التنظيمات الدينية والخطر علي المجتمع، ويكشف ذلك أن الجمعية الوطنية للدستور هي محطة الوصول عبر مسارات عديدة، وليست مجرد استنباط لمواد دستورية جامدة.
كتلة شعبيه ينقصها أن تكتمل ببضع إضافات لا تحتاج التعجل، تبدأ من مؤتمر مصالحة التاريخ الوطني الذي تملكه الأمة، وتمر عبر تمثيل الفلاحين والعمال، وتبحث أمر اقتصاد الوطن في مؤتمر خاص به، وأن تنضج آلية بناء المجلس الوطني.
المؤتمر أعلن ميلاد مشروع الكتلة الشعبية الوازنة للعلاقات داخل المجتمع، وانتقلت المهام إلى الجغرافيا والقضايا الضرورية لبناء الدولة والحياة السياسية، فهل ينجح المؤتمر في مهامه؟ الزمن أمامنا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4863
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
4731
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1557
| 13 مايو 2026