رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لدي قناعة قوية بفروسية قطعان بني صهيون, سواء لدى نخبهم الحاكمة المتمثلة في بنيامين نتنياهو الذي يرأس حكومة من عتاة التطرف في الكيان, أو جيش الاحتلال أو قوات الأمن, أو المستوطنين الذين يتصدرون المشهد السياسي والديني في هذه الدويلة التي ابتليت بها الأمة العربية، غير أن هذه القناعة تضاعفت مساحتها وتضاريسها عندي, بعد أن قام هؤلاء القطعان بدعم وإسناد من جيش وأمن الاحتلال بجريمة حرق منزل أسرة فلسطينية بالكامل فجر يوم الجمعة الفائت وأفرادها نيام، مما أدى إلى استشهاد طفل لم يبلغ العامين وإصابة باقي أفراد الأسرة بجروح بالغة, وأظن أن التاريخ لم يرصد فروسية من هذا النوع من قبل وحتى من بعد, إلا إذا تكررت من قطعان بني صهيون، وهو أمر مؤكد لأنه منذ وجودهم غير الشرعي في الأراضي الفلسطينية العربية, وهم يمارسون أنماطا متعددة من الفروسية تجاه الأطفال الأبرياء, أو النساء العزل أو الشيوخ الذين حاصرتهم السنون, أو الشباب الذي لا يحمل سلاحا يقتلونهم أو يحرقونهم أو يغتالونهم, أو يحاصرونهم حتى الموت أو يهدمون منازلهم على كل من فيها، صنوف من العدوانية والهمجية غير مسبوقة أو مكررة في دفتر أحوال البشر، لا يمارسها إلا هؤلاء القطعان الذين جاءوا بدعم وإسناد واضح وسافر من الغرب، وفي المقدمة منه بريطانيا العظمى التي منحت الوعد في العام 1917 بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين العربية, وقدمت العون الرئيسي لإقامة الكيان غير الشرعي في العام 1948 ولم يتحرك ضمير نخبها السياسية حتى الآن, لتصحيح هذا المسار المغلوط الذي لا يتسق مع جوهر الحضارة الإنسانية التي يزعم الغرب أنه يدافع عنها، ثم جاءت الولايات المتحدة لترث الدور البريطاني في تقديم الدعم والإسناد والعون, بكل أشكاله العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية والسياسية لهذا الكيان, حتى صار هناك التزام مبدئي إستراتيجي معه بالدفاع عنه, وجعله الأكثر تفوقا عسكريا على كل جيرانه, بحيث لا تتوافر ثمة قدرة على تهديده من هؤلاء الجيران, الذين أقروا بحقيقة وجود هذا الكيان في وثيقة رسمية أطلق عليها مبادرة السلام العربية في العام 2002, والتي - على الرغم من تضمنها استعداد العرب للتطبيع الكامل مع الكيان إن اختار سبيل السلام - فإن قادته من اليمين واليسار وعلى تنوع حكوماتهم منذ ذلك التاريخ, لم يقبلوا بها وظلت بمنأى عن أي مفاوضات جرت بين الجانبين على مدى العقد الأخير. إن قطعان بني صهيون يتعاملون مع الشعب الفلسطيني بحسبانه كائنات من الدرجة الثانية، تستحق القتل والاغتيال والسحق والدهس والمحاصرة والتعذيب على المعابر وفي السجون، وذلك على الرغم من كل ما يتشدقون به من تبني قيم الديمقراطية الغربية ودعايتهم المستمرة منذ إطلاق كيانهم غير المشروع، بأنهم يمثلون واحة الديمقراطية في المنطقة وسط محيط من الوحوش. هل يمكن للمرء أن ينسى الطفل الفلسطيني محمد الدرة ( 12)، والذي قتله جند الاحتلال بقلوب باردة تنم عن توحش استثنائي في التاريخ في الثلاثين من سبتمبر من العام 2000, أثناء المواجهات معه, ضمن فعاليات انتفاضة الأقصى التي اندلعت احتجاجا على تدنيس أريل شارون رئيس وزراء الكيان الأسبق للمسجد الأقصى وقت أن كان زعيما للمعارضة, وأراد أن يعمد نفسه ليأتي على رأس حكومة من المتطرفين بتلويث هذا المكان المقدس, على الرغم من أن والده ظل يشير بإصبعه لهؤلاء الجند القطعان بالتوقف عن إطلاق النيران, ولكنهم لم يفعلوا واستمروا يطلقونه في حقد دفين على كل طفل فلسطيني, فسكن محمد على ساقي والده مسجي في دمائه. وبالطبع، فإن عملية حرق قطعان المستوطنين للطفل محمد علي دوابشة - والكلام لوالد الطفل محمد الدرة جمال الدرة في حديث لصحيفة مصرية - هي عملية إرهابية ونازية بمعنى الكلمة، وهذه ليست أول عملية، والتاريخ يشهد على حرقهم للشعب الفلسطيني منذ احتلال فلسطين إلى يومنا هذا, فقبل عام تم حرق الطفل الفلسطيني محمد أبو خضير، حيا, وقُتِل الكثير من أطفالنا، وهذه عقيدة مرسخة عندهم. المستوطنون يقتلون ويحرقون وتحميهم قوات من الجيش الصهيوني، ولا أحد يحرك ساكنًا للأسف من أمتنا، بل الكل يدين ويشجب وماذا تفيد هذه الكلمات الرنانة. والله لو كانت الصورة بالعكس ونفّذ العملية فلسطيني لقامت الدنيا كل علينا ولم تقعد". ويتابع "الدرة" قوله: "عشرات الأطفال قتلوا بدم بارد فلا نستطيع أن ننسي محمد الدرة، فارس عودة، والطفلة الرضيعة إيمان حجو، وكثير غيرهم، ولم يحاكم هذا المحتل على كل الجرائم والمجازر التي ارتكبها ويرتكبها في حق شعبنا، ولم يكون هناك إصرار من قيادات وزعماء أمتنا على مجلس الأمن ومحكمة الجنايات الدولية لمحاكمتهم، حسبنا الله ونعم الوكيل ورحمة الله على شهدائنا وشهداء أمتنا". ما يقوله جمال الدرة هو عين الصدق فكل, ما فعله العرب وغيرهم هو إصدار بيانات شديدة اللهجة, غير أن الكيان الصهيوني لا يلقي بالا لهذه النوعية من البيانات التي اعتاد عليها منذ أن تكرس احتلاله للأراضي العربية, وإذا أجرى المرء مقارنات بين ما تضمنته البيانات في حوادث الحرق والقتل السابقة, مع حالة حرق الطفل محمد علي دوابشة فلن يرصد كبير فرق, ربما في بعض المفردات لكن المضمون واحد, لا يثمن ولا يغني من جوع, والجوع هنا لحرية فلسطين وإنقاذ شعبها من أسوأ أشكال الاحتلال في التاريخ الإنساني, وأشدها بشعة وتطرفا ورداءة في السلوك مع الشعب المحتل. ولا تتوقف ممارسات الكيان عند حرق البشر فحسب ولكنها تمتد إلى الحجر أيضا فقد تم- وفق بيان لقطاع فلسطين والأراضي المحتلة بالجامعة العربية الذي يشرف عليه السفير محمد صبيح الأمين العام المساعد للجامعة - حرق كنيسة "الطابغة" القديمة الشهيرة والعديد من المنازل, ودور العبادة الإسلامية والمسيحية والكتب الدينية، وتُعلِن مجموعات مسئوليتها وتضع شعاراتها وتفتخر بهذه الأعمال الإجرامية, هادفة من هذه إلى ترويع المواطنين وتدمير ممتلكاتهم وصولاً إلى تهجيرهم قسراً, في عملية تطهير عرقي متكاملة، وقد بدأ هذا النهج وهذا الفكر, منذ أن تمت مجزرة دير ياسين في ٩ إبريل عام ١٩٤٨، وفور وقوع مثل هذه الجرائم المتكررة والعديدة يخرج رئيس الوزراء الإسرائيلي ليستنكر ويؤكد أنه يقوم بإجراء التحقيق اللازم، ولم يصل أي من هذه التحقيقات إلى نتائج، وتدعي السلطات الإسرائيلية في كثير من الأحيان أنها لم تتوصل إلى الفاعل, متناسية أنها الفاعل الرئيس والأساس. لقد قدم الفلسطينيون التنازل تلو التنازل ودعمهم العرب للأسف في هذه التنازلات, ظنا منهم أن ذلك قد يدفع قادة قطعان بني صهيون إلى التراجع عن الاحتلال والتناغم مع طروحات دولية قابلها العرب برضا, ضمن ما يسمى بصيغة حل الدولتين والتي صارت من أدبيات الرؤية السياسية في التعاطي مع الملف الفلسطيني, بيد أن هؤلاء القادة مدعومون من الإدارة الأمريكية لم يقدموا مقابل ذلك أي تنازل, ظلوا متمسكين بالأرض التي زرعوها بالمستوطنات التي تشكل الآن حزاما خطيرا في الضفة الغربية والقدس المحتلة, دون أن يتجاوبوا مع أي طرح بوقف هذا التمدد الاستيطاني والاستعماري. إن أضعف الإيمان يتمثل فيما طالبت به الجامعة العربية أمس الأول, بدعوة الأمم المتحدة بتشكيل لجنة للقيام فوراً بزيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة ,والتحقيق المحايد والشفاف في جريمة حرق الطفل محمد على دوابشة البشعة, وتحديد المسئولين عنها وتقديم تقريرها إلى الأمين العام للمنظمة الدولية "بان كي مون" ومجلس الأمن لاتخاذ الإجراءات الرادعة والكفيلة بحماية الشعب الفلسطيني، ومساءلة المجرمين فضلا عن مطالبة جميع المؤسسات الدولية العاملة في مجال حقوق الإنسان, والطفولة والقانون والمنظمات الأهلية, بإرسال وفود إلى الأراضي الفلسطينية للوقف الفوري لهذه الجرائم التي تتم ضد حقوق الإنسان وحق تقرير المصير, وأن تضع على قوائم الإرهاب الدولي كل المؤسسات التي تعمل من خلال هذا الفكر الإرهابي المتطرف, والتي تُمارس هذا النهج الخطير في الأراضي الفلسطينية المحتلة لتوفير حماية للشعب الفلسطيني من هذا العدوان المستمر. إن ذلك أضعف الإيمان الذي نطالب به في ظل حالة التفكك والتشرذم العربي الراهنة, والاضطرابات التي تطال الكثير من الدول العربية وتحد من قدرتها على الفعل المؤثر.
360
| 03 أغسطس 2015
تنبئ خارطة انتشار تنظيم "داعش" - وهو اختصار تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام - في المنطقة العربية، عن خطر داهم بات يتهدد دولها، لاسيَّما الكبرى منها، ولعل تمدده الشديد الاتساع في كل من العراق وسوريا يعكس هذه الحقيقة المريرة، على نحو واضح ودونما لبس، خاصة بعد أن سيطر على أكثر من نصف مساحة سوريا وثلث مساحة العراق. ورغم كل العمليات الجوية والبرية التي تخاض ضده، سواء من قبل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، أو من قبل الطيران العراقي أو الطيران التركي الذي دخل على خط محاربته قبل أيام، فإن التنظيم يكاد أن يحقق مكاسب وأرباحاً بصورة يومية، تخصم بالتأكيد من رصيد الاستقرار في النظام الإقليمي العربي، وبالذات بعد أن بات يمتلك مساحات للتأثير في كل من ليبيا ولبنان ومصر إلى حد ما، تحديدا في شمال سيناء، وإن كانت محاولاته ليتحول فيها إلى رقم مهيمن، مثلما فعل في الموصل والأنبار والرقة وتدمر، تبوء بالفشل. وثمة ملاحظات أساسية يمكن الإدلاء بها في هذا الشأن، أولها أن هذا التنظيم ليس وليد السنوات الثلاث المنصرمة، إنما هو امتداد للظاهرة الجهادية السلفية التي تكرست في عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الفائت، والتي بلغت ذروتها بالمشاركة النشطة لقياداتها وكوادرها والمنتمين إليها، خاصة من الدول العربية في حرب أفغانستان، والتي كانت آنذاك موجهة لطرد الاحتلال الشيوعي السوفيتي، فيما عرف بعد ذلك بتنظيم القاعدة والذي تحالف مع جماعات أفغانية موازية له في النشأة والتوجه، ووجدت الاستخبارات الأمريكية والغربية الفرصة مواتية لتوظف أداء وحماس هذه الجماعات، بكل ما كانت تحمله في تلك الفترة من "ديناميكية جهادية" - إن صح التعبير - في مساعيها للتغلب على الكتلة السوفيتية في إطار صراعها الممتد معها، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية والتي كانت منطقتنا العربية ومحيطها الإسلامي مجالا حيويا لها. وشخصياً تابعت قوة وحمية هذه الجماعات الجهادية خلال زيارتي لتغطية حرب أفغانستان، تحديدا في نهاياتها في مارس من العام 1989 بالذات المعارك المشتعلة بين فصائل المجاهدين وقوات الحكومة الشيوعية في كابول، وفي مقدمتها معركة مدينة جلال أباد الإستراتيجية والتي كدت أن أتعرض فيها للإصابة، وربما القتل بعد سقوط طلقات على بعد نصف متر من وقوفي مع إحدى مجموعات المجاهدين التابعين، وشاهدت بأم عيني في المناطق المحيطة بجلال أباد مواقع المجاهدين العرب، وكذلك وجودهم المؤثر في مدينة بيشاور الباكستانية والتي تحولت إلى ما يشبه الإمارة العربية، من فرط انتشارهم فيها مع أسرهم وسكن بعض قياداتهم في فيلاتها وشققها السكنية، وكانت السلطات الباكستانية آنذاك تبدي تساهلاً في إجراءات الإقامة والبقاء على أراضيها مع هؤلاء القادمين من أراضي العرب، وهو ما حدث معي عند عبوري الحدود مع أفغانستان من دون أي تدقيق في هويتي إلا من سؤال حول وجهتي، والمفارقة أنني رددت العبارة الخطأ التي حفظني إياها القائد الميداني من المجاهدين الأفغان باللغة الفارسية أو الأوردية لا أتذكر بالضبط، فعوضا عن أن أقول إنني مجاهد عربي متجه للمشاركة مع المجاهدين الأفغان لتحرير بلادهم من الاحتلال الشيوعي، ذكرت العبارة التي كان يتعين عليَّ أن أذكرها عند العودة وهو ما جعل جندي الحدود الباكستاني يبتسم ثم يسمح لسيارتنا بالمرور. ثانياً: تكثفت هذه الديناميكية الجهادية في الكثير من البلدان العربية التي كانت مصدرا للمجاهدين العرب، ودفعت الأثمان باهظة من استقرارها وأمنها، غير أن الانطلاقة القوية لهذه الديناميكية تحققت بالغزو الأمريكي للعراق في العام 2003، والذي شكل بممارساته القمعية ولجوئه إلى سياسة المحاصصة العرقية والمذهبية والدينية، ثم فترات الاعتقال الطويلة نسبيا للعديد من الرموز والقيادات والعناصر، أرضية خصبة لنشوء جماعات جديدة تحت مسميات دينية، خاصة تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، والذي شهد العديد من التحولات حتى وصل إلى مرحلة داعش بعد سلسلة من الانشقاقات والانقسامات والصراعات على دوائر النفوذ العليا، بما تعنيه من ثروات وهيبة ووجاهة وقبضة حديدية في المناطق التي توجد فيها مثل هذه الجماعات، ثم جاءت الممارسات التي اتسمت بالعداء الشديد للسنة من قبل دوائر في السلطة المركزية وامتداداتها في المناطق العراقية، والتي كانت تخضع لنفوذ رئيس الوزراء السابق نور المالكي لتضيف المزيد من الوقود وعناصر التحفيز لهذه الجماعات، التي - مع تفاقم هذه الممارسات في السنوات الأخيرة لحكم المالكي ووصولها إلى حد التطهير العرقي وانتهاج سياسة الإقصاء والتهميش - أخذت تعلن عن حضورها الموغل في تطرفه وإرهابيته، والذي تبلور في الإعلان عن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، ثم تمدد إلى سوريا فيما بعد مستغلا حالة السيولة والفوضى في البلاد، بعد انخراط النظام الحاكم بقيادة بشار الأسد وزمرته الحاكمة، بغباء مفرط في عسكرة الأزمة من خلال توجيه كل آلة القتل وترسانته العسكرية إلى شعبه، بدلا من أن تخصص لهدفها الرئيسي المتمثل في الاحتلال الصهيوني لهضبة الجولان التي تخضع له منذ حرب يونيو 1967. ثالثاً: بوسع المرء أن يؤكد أن انتهازية الغرب، وعدوانيته المستمرة ضد شعوب المنطقة وانتهاك حقوقها وعدم تخليه عن الكيان الصهيوني كقوة احتلال ما زالت تخضع الشعب الفلسطيني لهيمنتها، مع الرفض المستمر لكل طروحات السلام، تحالفت مع حالة الاستبداد القائمة في المنطقة في دفع هذه الجماعات المتطرفة إلى الوجود، بل وفر هذان العاملان - وما زالا - الوقود المستمر لإبقاء جذوة التطرف والإرهاب متقدة والتي توشك أن تحرق العديد من أقطار المنطقة، ولا يمكن في هذا الشأن إغفال عنصر طارئ في هذه المعادلة والمتمثل في انضمام الآلاف من أبناء الحضارات المتقدمة في أوروبا والولايات المتحدة وأستراليا وكندا، إلى داعش ومثيلاته على نحو مكنه من التفاعل مع ثورة المعلومات والإعلام بكفاءة ملحوظة. رابعاً: إن التعاضد العربي لمواجهة هذه التنظيمات المتطرفة وفي مقدمتها داعش ما زال هشا ومحدودا على الرغم مما يبدو من تعاون استخباراتي في بعض المراحل والمشاركة في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة وهو ما استغله التنظيم في تكريس حركته ومعادلاته في المنطقة، والمراهنة اليوم قوية على إطلاق القوة العربية المشتركة، والتي ستشهد اعتبارا من بعد غد الأربعاء دفعة قوية، حيث سيوقع وزراء الخارجية والدفاع العرب في اجتماعهم المشترك على برتوكول إنشاء هذه القوة، والتي - إن تم الانتهاء من تشكيلها على النحو المطلوب من السرعة - ستشكل رافدا مهما في محاربة هذا التنظيم وغيره من التنظيمات الإرهابية، باعتبارها باتت تشكل أحد مهددات الأمن القومي العربي، أو العدو الرئيسي، في المرحلة الراهنة، لأنه أخذ يخترق بنى الدولة الوطنية، فضلاً عن هدفه الأسمى لإزالة النظام الإقليمي العربي بمكوناته الحالية، والدفع بما يطلق عليه دولة الخلافة الإسلامية التي أعلنها داعش بالفعل في أجزاء من العراق وسوريا منذ يونيو من العام الماضي. خامساً: إن المواجهة الحاسمة والتي من شأنها أن تقضي على التنظيمات الإرهابية بالضربة القاضية لن تقتصر على البعد الأمني والعسكري باعتراف العديد من النخب العربية الحاكمة إلى جانب الخبراء الإستراتيجيين وإنما تستوجب إستراتيجية مواجهة شاملة سواء على مستوى الدولة الوطنية أو على مستوى النظام الإقليمي العربي وهي خطوة ما زالت تخضع للنقاش والجدل ولم يتم بلورتها في خطوات محددة تطال الجوانب التعليمية والثقافية والإعلامية والفكرية والاقتصادية وإن كانت هناك العديد من الدراسات التي قدمها باحثون ومراكز بحث في غير دولة عربية بيد أنها ما زالت بمنأى عن المقاربة الواقعية وهو أمر بات في حكم الفريضة الواجبة على الجميع في المنطقة العربية قبل أن تتفاقم التطورات مما يفتح الباب واسعا أمام هذه التنظيمات لتتسيد الموقف وتتصدر المشهد وحينها سيدفع الكل الثمن الذي قد يمتد إلى وجودهم ومصائرهم.
247
| 27 يوليو 2015
كانت عروبة مصر قبل ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 - والتي سنحتفل بذكراها الثالثة والستين يوم الخميس المقبل - واضحة المعالم، وهو ما تجلى في احتضانها الجامعة العربية في العام 1945 ثم استضافتها لأول قمة عربية في مدينة أنشاص في العام 1946 ومشاركتها في الدفاع عن فلسطين ضد الهجمة الصهيونية في 1948، مع مجموعة من الدول العربية الأخرى، وإن كانت للأسف، لم تحقق أهدافها بسبب أخطاء عدة، في مقدمتها عدم الاستعداد للدخول في الحرب، وتسليح الجيش المصري بأسلحة فاسدة وغير ذلك من أسباب لا مجال للخوض فيها.غير أن هذا العروبة لم تكن محملة بالزخم الذي يجعلها عنوانا حقيقيا لانتماء القُطر المصري، أكثر من كونها إطارا يجمعه مع عدد من الأقطار الأخرى، فجاءت ثورة الثالث والعشرين من يوليو بقيادة مفجرها الزعيم الخالد جمال عبد الناصر لتعيد الاعتبار لعروبة مصر، وتعلي من قيمتها الإستراتيجية وترفع سقفها إلى حد بدت أنها أشبه بالسياق الأيديولوجي، الذي يرتكز على القومية العربية التي شهدت في ظل تبني الثورة لها، حالة غير مسبوقة من التوهج، سواء في الشكل أو في المحتوى، ليس في مصر فحسب، وإنما في المنطقة العربية.وأخذت العروبة منحى متجذرا في التوجهات السياسية للدولة المصرية في زمن يوليو، لاسيَّما في فترة حكم عبد الناصر التي امتدت عمليا من 1954 إلى الثامن والعشرين من سبتمبر 1928 موعد رحيله المفاجئ عن دنيانا، ففضلا عن النصوص التي احتوى عليها الدستور المصري الذي انبثق في العام 1954 وأكد في نص صريح وواضح أن مصر جزء من الأمة العربية، وهو تعبير لم يكن مألوفا في أدبيات تلك الفترة، حدد كتاب فلسفة الثورة (والذي وضع أفكاره ومحدداته عبد الناصر نفسه وصاغه محمد حسنين هيكل، الكاتب الذي كان الأكثر قدرة عن التعبير عن توجهات وأشواق وطموحات الثورة وزعيمها) الدائرة العربية، ضمن أهم مجالات السياسة الخارجية لمصر، والتي على الرغم من أنها كانت المحدد الثاني بعد الدائرة الإفريقية، إلا أنها كانت الدائرة الأكثر حركية وديناميكية وتفاعلا واحتواء، لتوجهات عبد الناصر وارتبطت عمليا بمشروعه القومي في المنطقة، والذي غدا من أهم المشروعات الفكرية والسياسية، وله ظلاله وامتداداته الإقليمية التي تخطت الشرق الأوسط إلى القارة الإفريقية وآسيا وأمريكا اللاتينية.ولم تقف عروبة مصر عند حد كونها محددا سياسيا وفكريا لحركة نظام ثورة يوليو فحسب، ولكنها تبلورت في خطوات وإجراءات عملية، بدأت مبكرا بعد رسوخ الثورة في المشهد الداخلي، شكلت القضية الفلسطينية رأس حربتها - إن جاز القول – وبالذات عقب اعتداء إسرائيلي سافر في العام 1954 على قطاع غزة، والذي كان ضمن الإدارة المصرية، عندئذ أدرك عبد الناصر أهمية التعاطي مع التهديد الذي تمثله دولة الكيان الصهيوني، سواء على مصر أو على المنطقة العربية، فسعى إلى إنجاز صفقة الأسلحة التشيكية التي كانت مدخلا لعلاقات قوية ووثيقة وراسخة مع الاتحاد السوفيتي، القوة الموازية لقوة الولايات المتحدة في ذلك الزمان ومن جراء ذلك تعرضت مصر لعدوان 1956، ثم لعدوان 1967، وانطلقت مصر في الدفاع عن أمنها الوطني الذي كانت تربطه على الدوام بالأمن القومي العربي، وهو ما تحقق في أعلى درجاته في حرب أكتوبر 1973 عبر الشراكة بين الجيشين المصري والسوري، والتى انضمت إليها جيوش عربية أخرى من دول عدة في مقدمتها الكويت والسودان والعراق والجزائر والمغرب، فضلا عن الأدوار المهمة التي لعبتها كل من السعودية والإمارات على صعيد توظيف سلاح النفط ، وكل ذلك حاصل المكون الأساسي الذي صاغته ثورة يوليو في المنطقة العربية منذ عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.هذا هو الملمح الأول، أما الملمح الثاني، فيتمثل في عملية الإسناد واسعة النطاق، سياسيا وعسكريا ولوجستيا، التي قدمتها ثورة يوليو لحركات التحرر العربي وعلى رأسها ثورة الجزائر في خمسينيات القرن الفائت، والتي نتجت عنها هزيمة واحدة من أهم القوى الاستعمارية في ذلك الوقت وهي فرنسا، مما شكل ذريعة لدى النخبة الحاكمة في باريس للمشاركة بغباء في العدوان الثلاثي على مصر في 1956 والذي دفعت، مع المملكة المتحدة، ثمنه انتقاصا من نفوذهما في الإقليم ودورهما كإمبراطوريتين استعماريتين، فضلا عن الوقوف إلى جانب الثورة اليمنية التي اندلعت في سبتمبر 1962 والتي انتهت بالانتصار على القوى المناوئة لها، ورغم الكلفة الباهظة لذلك، إلى جانب انتقادات حادة من قبل دوائر عدة، فإن هذا الوقوف هو الذي أتاح للقوات المصرية أن تفرض الحصار على باب المندب في حرب أكتوبر 1973، الذي منع التحرك البحري لإسرائيل عبر البحر الأحمر وهو ما كان له تأثيره الإستراتيجي في تحقيق الانتصار، بالإضافة إلى كونه أسهم في تحرير شعب عربي من حكم الإمامة الذي كان مضفرا بسمات التخلف، بكل معاييره سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، فضلا عن كونه حضاريا.ولا يمكن في هذه العجالة، تجنب الإشارة إلى الدور الذي لعبته ثورة يوليو في تفجير الطاقات الاستقلالية لدى منطقة الخليج، والتي كانت محتلة من قبل بريطانيا العظمى، بل إن هزيمتها -على الأقل سياسيا - في العدوان الثلاثي، وإجبار قواتها إلى جانب قوات فرنسا وإسرائيل على الانسحاب، سواء بفعل الإنذار السوفيتي الذي اتسم بالجدية، أو عبر ضغوط الولايات المتحدة التي كانت تستعد لوراثة الدور الإمبريالي لكل من لندن وباريس في المنطقة، شكل واحدا من أهم أسباب اضطرار القوات البريطانية إلى مغادرة منطقة الخليج واستقلال أغلب دولها في مطلع ستينيات، ثم سبعينيات القرن الفائت، واستتبع ذلك حركة مصرية نشطة وقوية ومتحمسة للمساهمة في بناء قدرات دول الخليج الناشئة، عبر الدفع بأعداد هائلة من المعلمين والأطباء والخبراء والإعلاميين، بالإضافة إلى عناصر القوة الناعمة من مواد ثقافية ومنتجات فنية وإعلامية، مما أتاح لها رفد بنيتها التحتية بمقومات قوة أسهمت في انطلاقتها تاليا، بعد توظيفها لوفورات الثروة النفطية التي شهدت تفعيلا لتأثيراتها ونموها عقب حرب أكتوبر 1973. الملمح الثالث يتجلى في بلوغ المشروع القومي لثورة يوليو ذروته، من خلال السعي إلى بناء أول نسق وحدوي في التاريخ المعاصر، فقد تعرضت المنطقة العربية إلى مؤامرة التقسيم الناجمة عن تفاهم القوتين الإمبرياليتين بريطانيا وفرنسا، فيما سمى باتفاقية سايكس بيكو في العام 1916 مدعومتين من الإمبراطورية الروسية ، والتي أسفرت عن الحدود الراهنة في المنطقة العربية، وظل حلم الوحدة العربية منزويا في خانة الأشواق الكبرى، وحتى عندما كان يتوهج لفترة مثلما حدث في الثورة العربية الكبرى، فإنه سرعان ما كان يجهض، ولكن عبد الناصر أيقظ الحلم وفتح الطريق للأشواق لتحقق في أرض الواقع، متجليا في الوحدة المصرية السورية التي استمرت زهاء ثلاث سنوات من 1958 وحتى 1961، ولأنها كانت تناهض التوجهات الإمبريالية بما في ذلك الولايات المتحدة القوة الصاعدة، فضلا عن تعارضها مع مصالح أطراف إقليمية رأت فيها خطرا على وجودها، فقد تعرضت للإجهاض المبكر والحرب العلنية، ومع ذلك ظل هذا الحلم واحدا من أهم الأحلام القومية لعبد الناصر، ليس سعيا لبناء إمبراطورية تعلي من نفوذه في المنطقة العربية وفق ما حاولت دوائر – وما زالت - أن تردده، وإنما لبناء قوة عربية قادرة على الوقوف في وجه المخاطر المحدقة بالأمة، وفي مقدمتها تمدد الكيان الصهيوني والذي كان، ومازال بالطبع، المهدد الرئيسي للأمن القومي العربي، حتى رغم بروز مخاطر أخرى يجسدها نشوء وتصاعد التنظيمات الإرهابية والمتطرفة وبروز أطراف إقليمية تسعى إلى فرض مشاريعها على المنطقة، إلى جانب ما نراه واضحا من مخاطر راهنة في مقدمتها الحروب الأهلية والصراعات الطائفية والمذهبية التي باتت عنوانا للمرحلة.إن المطلوب بعد كل هذه الأعوام من المشروع القومي العربي الحضاري لثورة يوليو، إعادة قراءته مجددا من قبل النخب الفكرية والسياسية المخلصة له لتصويب مساراته من أخطاء وقع فيها بالضرورة، ووضع محددات جديدة تحكم حركته باتجاه يدفع بها إلى صدارة المشهد العربي، حتى يمكن التعامل بفعالية مع المهددات المحيطة بالعروبة ذاتها، والتي توشك أن تقذف بها إلى دائرة الذبول لمصلحة مشروعات أخرى، تقوم على التطرف والإقصاء والتهميش وفتح أبواب المنطقة أمام التدخل الخارجي الذي حاربته ثورة يوليو بكل قوة وكفاءة.
357
| 20 يوليو 2015
لا تحتويني المدينة، تبادرني بالعدوان. في مديح كراهيتي هي أشد ما تكون. عبثا أحاول الركض باتجاه حدودها علي أعثر على مدينة أخرى. تمنحني السكن المـأمول والرجاء المنتظر. لكن المدن باتت متشابهة. هي في حالة عناق مع الدماء مع القتل مع سيادة روح الوجع. ليس ثمة مدينة قادرة على بعث الأشواق القديمة. وتدشين رياح للسفن المسافرة إلى الضفاف الأخرى. إلى المسارات التي تستوعب البراءة واليقين والسكينة. والعشق والصلاة النقية والأنفس الصافية. والأرواح المدهشة المتطلعة إلى الألفة والتآلف والحضور وليس الغياب.آه من وجعي. أمضي به في طرقات المدينة حاملا صنوفه المتعددة والمتلونة والمتجذرة والضاربة في أعماقي. هي أضحت خاوية من الابتسامات وطلاوة الحديث. ليس ثمة سوى دماء مسكوبة في البراري وعلى الحدود. أبرياء يذهبون وآخرون باسم الدين يقتلون البشر ويدمرون الحجر. ويوغلون في الفساد. ممتدة رايات الدين التي يرفعونها . محملة بروائح الدم تستقطب أبناء الأمة فتخدعهم الكلمات المكتوبة. والصور المدبلجة عن خلافة لن تأتي على هذا النحو. عبر طريق الدم والتدمير والقتل المجاني لكل ما هو حي. رجلا أم امرأة أو طفلا وليس ثمة ما يمنع من اجترار أزمنة سبي الحرائر. وبيعهن رقيقا في الأسواق أو التزوج منهما عصبا ونكاية وقهرا. أي إسلام هذا الذي يبيح مثل تلك الموبقات؟أي مسار للأمة تمضي فيه؟ وبأي نور تهتدي؟ في تلك العتمة التي أصابت كياناتها فباتت خاضعة لأهواء نفر. رسموا لأنفسهم القدرة على طرح البدائل وسيناريوهات الزمن الآتي. هم صانعوه بحكم ما لديهم من قدسية ومن فهم أحادي لقسمات الدين. الذي أبعدوه عن الواقع فقفز عليه مستعيرا طقوسا كهنوتية لم ترد في تراثنا الجميل والمدهش صكوها لتكون مطية لشباب متحمس. لكنه قاصر عن الفهم ولا يمتلك مهارة الفرز بين ما هو حقيقي وصادق وواقعي. وبين ما هو زائف ومدمر ومهلك ومشوه للدين والذين ينتمون إليه في مشارق الأرض ومغاربها. غدت الأمة موبوءة بهذه الأمراض الفتاكة والقاتلة. ولا أحد يقدم الدواء وإن سارع بتقديمه فهو عدو للدين وموغل في الكفر يستحق الإقصاء عن الحياة. أي أمة يمكنها أن تحقق وجودها وتشرع في بناء ذاتها ومعادلاتها؟ وهي تكابد مثل هذه الوضعية التي دفعتنا إلى آخر القائمة في المنحى الحضاري الراهن. فلم نعد نحن العرب والمسلمين سوى قتلة ومصاصي دماء. وسرعان ما يتم التفتيش عن ملامحنا في أي جريمة تقع في أي بقعة من الدنيا.أي مدينة أخرى تقبلني؟ لا أظن. فالمدائن لها أشراطها. فهي في حاجة لبشر يمتلكون القدرة على الإسهام الحضاري وليسوا عالة على غيرهم. ونحن العرب والمسلمين مازلنا قابعين في درك الاستهلاك وغياب الإبداع والركون إلي السهل والعادي والمألوف والتمسك بالتقليدي. حتى في الدين الذي حثنا صاحب رسالته سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم على تجديده كل مائة عام. من خلال نفر يخصهم الله بهذه المقدرة والمهارة. فتركنا المساحات لهؤلاء النفر المتلبسة مفاهيمهم والتي لا تتمكن من التمييز بين ما هو ديني وما هو دينوي. وما هو مرهون بتغير الأزمنة والأمكنة والتي تفرض معطيات متغيرة في التعامل مع مقتضيات المعاملات التي تنسجم مع هذا الزمان. أو مع ذاك المكان بدون الاقتراب من الثوابت العقيدية التي اقتحمها البعض فأحالوها إلى دائرة الفهم الضيق. فكدروا صفو الدين والعقيدة والمعاملات. وجعلوا الإسلام بمنأى عن واقعنا مجرد طقوس يريدونها لتظهرهم كأئمة بالملابس الفضفاضة . دون أن تكون لهم ملكة فهمه على حقيقته والمتمثلة في بناء المسلم القادرة على أن يلبي مطلب الخالق في إعمار الأرض. هم يربون المسلم على منهجية واحدة هي القتل والدماء وإهلاك الزرع والضرع فضلا عن البشر وليس الإعمار. هل رأيت تنظيما إرهابيا يعمر الأرض أو يزرعها أو يقيم مصنعا أو يصنع دواء؟ لاشيء من هذا القبيل. كل ما نرصده منهم هو سفك الدماء. والسعي إلىي تطبيق ما يصفونه من وجهة بأحكام الشريعة الإسلامية. مستخدمين مفردات وعبارات ومسميات تجاوزها الزمن والانخراط في حضارة. أسهم فيها أوائلنا من المسلمين الذين توجوا الحضارة بأفضل ما لديهم من إسهامات. طالت كل جوانب الصنائع والعلوم والإبداع والفلك والرياضيات. وظلت كتبهم تدرس في جامعات ومدارس أوروبا حتى بضعة مئات من السنين خلت.
290
| 13 يوليو 2015
متوالية الدم باتت مستعصية على التوقف في وطننا العربي، رغم حضور روحانيات شهر رمضان الكريم والتي من المفترض أن تدفع الجميع إلى الشعور بالحياء من الخالق الأعظم، لتجنب سفك الدماء التي أمر- سبحانه وتعالى – ألا تسفك إلا في الحق ومجاهدة العدو الخارجي الذي يغتصب الأوطان وينتهك الحقوق، لكن ما بالنا نحن العرب تركنا عدونا سادرا في غيه، متجبرا علينا، مستمتعا باغتصابه لأراضينا وممارسته القهر ضد شعوبنا، وأخذنا نتقاتل فيما بيننا، ولا نغادر فرصة لقتل أو قطع رؤوس أشقائنا، ومحاولة فرض الهيمنة على أبناء الوطن الواحد أو السعي إلى تمزيق هذا الوطن على أسس عرقية أو طائفية أو مذهبية، من دفع الأمور إلى هذا النحو المريع؟ الذي ينطوي على مخاطر بالغة، ليس على الدولة الوطنية والتي يكاد بعضها أن يبلغ حد الدولة الفاشلة، أي غير القادرة على أداء مهامها ولعب الأدوار المطلوبة منها من فرط حالة السيولة التي أصابت تماسك نسيجها الوطني وإنما يمتد إلى مجمل ما بات يطلق عليه الأمن القومي العربي المهدد في صميم وجوده وزمنه الآتي، وأخشى ما أخشاه أنه في ظل استمرار متوالية الدم وما ينتج عنها من حالات احتقان وانقسام وتفكك نفسي، قبل أن يكون عضويا، أن يدخل إلى نفق مظلم لا يمكننا مغادرته إلا بمعجزة إلهية،لقد تفجرت ثورات الربيع العربي وهي كانت من الضرورة بمكان منذ ما يزيد على أربع سنوات، وكان المأمول أن تدخل الأوطان التي اندلعت فيها زمنا جديدا عناوينه، بناء دولة جديدة على أسس الديمقراطية والمساواة والمواطنة والتعددية السياسية والعدالة والكرامة الإنسانية، بيد أنه سرعان ما أصاب العطب هذه الأهداف وتعطلت مسارات الثورات، ودخل أغلب دول الربيع نفق الدم المعتم والذي تجاوز ضحاياه مئات الألوف من القتلى والجرحى، والملايين من اللاجئين والنازحين ، وتصاعدت في الوقت ذاته مصادر التهديد الخارجي استغلالا لحالة السيولة السياسية والأمنية بل والاقتصادية، مما قاد بالضرورة إلى تفاقم الأوضاع نحو المزيد من السوء، فعوضا عن تحقيق تفاهمات وطنية يتطلب الأمر الاستعانة بأطراف إقليمية أو خارجية لحسم الكثير من الملابسات والإشكاليات القائمة، والتي من دونها يتعطل أي حل أو أي تفاهم تتوافق عليه القوى الوطنية. ومع ذلك، فإنني لست ممن ينحون باللائمة على العامل الخارجي فقط، رغم أهميته في حسابات التعاطي السياسي مع الأزمات العربية الغارقة في الوقت الراهن في مستنقع متوالية الدم، فالأطراف الداخلية هي الأساس والتي تمارس معول الهدم نتيجة قناعات طائفية ومذهبية وعرقية أخذت تتلبسها بعد ثورات الربيع العربي وبعضها رأى في هذه الثورات مجالا حيويا للتنفيس عما ترى أنه قهر يمارس ضدها من الدولة المركزية أو ما تظنه هيمنة من طائفة أو فئة، فسارع بعضها إلى محاولة فرض نفسه كرقم في المعادلة الوطنية وذلك ليس عيبا في حد ذاته وإنما العيب يكمن في الاستقواء بالخارج وفتح طريق له للانخراط في معادلات الداخل، الأمر الذي يفضي إلى المزيد من سفك الدماء وأنموذج اليمن وسوريا والعراق واضح في هذا السياق بلا أي لبس أو غموض وتلك معضلة كبرى تتطلب يقظة ضمير وطني وإدراكا أن أي محاولة لاستعادة حقوق تاريخية أو طائفية أو مذهبية لن يكتب لها النجاح إلا عبر التوافق الوطني والحوار السياسي، فيما بين الفرقاء وليس عبر الاستعانة بعناصر خارجية هي لا تهمها مصلحة هذه الفئة أو تلك بقدر ما يحقق لها مصالحها في استعادة أو خلق نفوذ أو هيمنة إقليمية لها في الوطن العربي، وأسهم ذلك من دون شك في دفع أقطار عربية عدة إلى الدخول في حالة الحرب الأهلية، التي إن لم تنتبه أطرافها إلى الإسراع بوأد جذوتها ستقود الجميع إلى الهلاك، حيث لن يكون هناك وطن أو ثروات أو مقدرات أو حتى شعب للهيمنة عليه، بل رماد وبقايا حرائق ودخان، وعندئذ فليبتهج الجميع، لأن الأطراف الخارجية سيكون السبيل مفتوحا أمامها للسيطرة على هذا الوطن والشعب ومقدراته وثوراته.وثمة عامل فرض نفسه على متوالية الدم في الوطن العربي، يتمثل في الظهور القوى للتنظيمات الإرهابية، والتي اتسع نطاق وجودها وتأثيرها لتتجاوز حدود الدولة الواحدة ولتمتد إلى بقية الإقليم العربي وتصل أعدادها حسب تقديرات الخبراء إلى عشرة ولكن تنظيم داعش يتصدرها حضورا طاغيا وقدرة على التمدد وتوجيه ضربات موجعة مما دفعه في غضون عام واحد منذ يونيو 2014 إلى السيطرة على أكثر من نصف مساحة سوريا وثلث مساحة العراق وأخذ يظهر عينه الحمراء في كل من ليبيا ومصر ولبنان بدرجة من الحدة، وإن كانت محاولاته لتحقيق اختراق جوهري في دولة مثل مصر تبوء بالفشل، ومع ذلك لا يمكن التقليل من مخاطره، وهو ما تجلى في محاولته قبل أيام استعراض قوته في شمال سيناء من خلال العملية الهجومية على مدينة الشيخ زويد، والتي كان يستهدف من ورائها رفع علم داعش عليها وتحريرها تمهيدا لإعلان حقيقي لما يطلق عليه ولاية سيناء، ولكن جسارة الجيش المصري تمكنت بعد ساعات قلائل يوم الأربعاء الفائت، من إجهاض المحاولة رغم قسوة المواجهات التي خاضها جنودها وضباطه.والسؤال الملح هل بالإمكان وقف متوالية سفك الدم؟ بصراحة الأمر يبدو من الصعوبة بمكان، فالملاحظ أن هناك حالة من التراخي الرسمي العربي في التعاطي مع هذه المتوالية، والأمور تمضي والدماء تراق كل يوم، بل كل ساعة ودقيقة، والحركة العربية مصابة بقدر من الفتور إلا من غليان البيانات المستنكرة والمنددة، مثلما حدث مؤخرا مع الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها كل من الكويت وتونس ومصر وهو أمر يبعث على القلق ويستوجب استعادة للفعل القومي القادر على بلورة تصور ما لوقف هذه المتوالية، ليس عبر صيغة تشكيل قوة عربية مشتركة، والتي ما زالت مطروحة للنقاش في أروقة النخب السياسية والعسكرية العربية فحسب، وإنما عبر خطوات عديدة تضمنتها العديد من الوثائق والدراسات التي قدمتها المراكز البحثية العربية، وفي مقدمتها بناء نسق إستراتيجي شامل للمواجهة لا ينهض على الأساليب العسكرية والأمنية فقط، وإنما يمتد إلى مجالات شتى تحتاج إلى تغيير في البني الفكرية والأطر التنفيذية وفي أدوات التنمية المعمول بها في أغلب دولنا العربية، وتقوم على احتكار فئة لمعادلة السلطة والثروة وقمع الاستبداد، الذي أخذ أشكالا مختلفة بعد ثورات الربيع العربي. إن مقومات محاربة متوالية سفك الدم قوية لكنها في حاجة إلى من يستنهضها ويقيلها من عثرتها ويدفعها لمغادرة كبوتها، لأن ما يحدث في المرحلة الراهنة ملهاة كبيرة ندفع كلفتها من وجود الأمة كلها.
548
| 06 يوليو 2015
في التاريخ القديم وحتى المعاصر، كان شهر رمضان المبارك عنوانا للجهاد الحقيقي ضد أعداء الأمة وهزيمتهم وإنهاء تأثيراتهم ورسم خرائط جديدة وملامح مراحل مغايرة تماما، بعضها كان فاصلا في تاريخ الإسلام ذاته. مثلما وقع في غزوة بدر الكبرى في العام الثاني من هجرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة في السابع عشر من الشهر الكريم. وهي الغزوة التي وصفها الله سبحانه وتعالى في كتابه المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالفرقان، أي الفارقة بين مرحلة ومرحلة، وفي ضوء نتائجها الحاسمة تبلورت قسمات الدولة الإسلامية وقدراتها وإمكاناتها وتصوراتها للزمن الآتي. ثم وقع حدث مفصلي شديد الأهمية في الشهر الكريم، وهو فتح مكة في العام الثامن الهجري والذي ترتب عليه انهيار أسطورة الذين تحدوا الدين الجديد، وحاربوه بكل الوسائل ساعين إلى إجهاض رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، المحملة بروح التغيير، لما اعتادوا عليه وورثوه من سطوة ونفوذ وسلطان في الجزيرة العربية. وتتالت بعد ذلك العديد من الوقائع والغزوات والانتصارات التي تكللت بالنجاحات، محققة تغييرات نوعية على صعيد تمدد الدولة الإسلامية ومشروعها للنهوض بالأمة، والتي غدت بالفعل القوة الأهم في العالم بعد أن تمكنت جيوشها ودعوتها الإصلاحية والثورية في آن، من القضاء على الدولة الرومانية والدولة الفارسية وذوبان الكثير من شعوبها في الدين الجديد، ثم جاءت محطات أخرى فيما بعد متجلية في الانتصارات التي حققها صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين في موقعة حطين الشهيرة، ثم هزيمة جحافل المغول القادمين بقوة من الشرق، مدمرين كل من يقف في طريقهم بما في ذلك الدولة العباسية التي كانت عنوانا للقوة، وإن كانت قد اهتزت مكانتها في آخر أيامها في موقعة عين جالوت بقيادة سيف الدين قطز سلطان مصر وقائده العسكري المتميز الظاهر بيبرس.ويتجسد أنموذج الانتصار الذي حققه العرب والمسلمون في التاريخ المعاصر في حرب العاشر من شهر رمضان من العام 1393 هجري الموافق السادس من أكتوبر 1973، بعد أن تكامل الجيش المصري والجيش السوري في شن حرب مفاجئة كانت شديدة الوطء على العدو الذي يحتل كلا من سيناء وهضبة الجولان. ونجح العرب لأول مرة في إلحاق هزيمة مريرة بجيش العدو الذي كان يوصف بأنه لا يقهر، فضلا عن كسر نظرية الأمن الصهيونية التي ظلت مهيمنة على المشهد العربي منذ النشوء الباطل للكيان الصيهيوني في العام 1948. ألفت إلى كل هذه الوقائع ربما بقدر من التفصيل، وإن كان ليس مخلا للبرهنة على صحة الافتراض الذي طرحته في صدر هذا المقال، والذي ينظر إلى شهر رمضان المبارك بحسبانه شهر الجهاد وتحقيق الانتصارات على أعداء الأمة. وذلك على عكس ممارسات التنظيمات الإرهابية التي تتخذ من الإسلام عنوانا وعباءة وأرضية للأسف تنطلق منها لتحقيق مآربها وأهدافها العدوانية، مستغلة الشهر الكريم وتحت راية الجهاد المقدس في نظرها، فتصب نيرانها على مسلمين ومدنيين، سواء من داخل الأوطان العربية، أو قدموا زوارا من خارجها. فتقتل وتصيب المئات وتدمر المرافق والمنشآت وحتى بيوت الله لا تنجو من نيرانها فتحرق وتخرب وكله باسم الجهاد. مثلما حدث يوم الجمعة الفائت، عندما مارس الإرهابيون تحت عباءة الجهاد الإسلامي عمليات قتل شديدة الدموية في كل من الكويت وتونس أسفرت عن سقوط 25 قتيلاً و202 جريح في أول اعتداء يتبناه تنظيم داعش الإرهابي في الكويت، استهدف بهجوم انتحاري مسجداً بينما لقي 37 من السياح الأجانب مصرعهم وأصيب 36 آخرون في تفجير انتحاري نفذه مسلح في منتجع في سوسة في تونس ينتمي لتنظيم متطرف قد يأخذ اسم داعش أو غيره من التنظيمات التي باتت منتشرة في جسد الأمة على نحو سرطاني.وفي التوقيت ذاته تعرض مصنع للغاز في مدينة ليون بوسط شرقي فرنسا لهجوم انتحاري تبناه تنظيم لا يقل إرهابية عن داعش أو القاعدة بعد أن قام بقطع رأس مدير المصنع وتعليقه على سياج تاركا كتابات باللغة العربية في إشارة إلى جذوره وانتمائه لحفر المزيد من علامات التشويه للدين الإسلامي والأمة لدى الغرب.وبالطبع يوم الجمعة الفائت كان مجرد يوم في مسارات الدم في المنطقة العربية وإن كان من أشدها غزارة من فرط انتشار الفعل الإرهابي والذي أضحى واحدا من سمات المنطقة ويطور من أساليبه ويوسع دوائر نفوذه وتمدده حتى بات يحكم أكثر من نصف سوريا وثلث العراق ويسعى بقوة لتكريس حضوره في ليبيا واليمن ولبنان لم يعد بمنأى من تداعياته فضلا عن مصر التي تكابد حربا يومية من قبل تنظيماته.إذن المشهد الإرهابي بات من الخطورة بمكان واللافت أن كل الجهود والخطط والإستراتيجيات التي تم الحديث عنها بعد تمدد تنظيم داعش في العراق وسوريا لم تفلح في وقف هذا التمدد والذي يحاول أن يقترب من الكويت بعد أن طال السعودية خلال الفترة الأخيرة سائرا على نفس الحرب الطائفية المذهبية. مستغلا الأقليات التي تنتمي إلى المذهب الشيعي في الدولتين اللتين تتمتعان بأغلبية سنية. سعيا من داعش لإحداث فجوة طائفية تمكنه- إن تحققت لا قدر الله - من تحقيق أهدافه الخبيثة.وفي تقديري، فإن مقاربة مغايرة باتت مطلوبة للتعامل مع الفعل الإرهابي السائد في المنطقة، تتكئ أولا على تجاوز وسائل الحرب التي استخدمت ضد تنظيماته، وثبت عجزها وفشلها في القضاء عليها وعلى الأقل الحد من انتشارها وتمددها، بل إنها في ظل هذه الوسائل، وفي مقدمتها التحالف الدولي المكتفي بشن غارات جوية فقط والمكون من أكثر من 40 دولة بقيادة الولايات المتحدة ومشاركة بعض دول المنطقة وغيرها من دول العالم. تحقق المزيد من المكاسب والتحولات النوعية وتستعيد مناطق أجبرت على مغادرتها، مثلما حدث في الرمادي بالعراق ثم بعين العرب "كوباني" بسوريا.إن الوسيلة الناجعة - في رأي معظم الخبراء- تكمن في اللجوء إلى حرب برية واسعة بمشاركة الأطراف المؤثرة في المنطقة. وبالتعاون مع القوى الدولية المهمة صاحبة المصلحة في القضاء على هذه التنظيمات الإرهابية، وتجاوز حالة التردد والتلكؤ السائدة من خلال منظور إستراتيجي عسكري شامل يعتمد على الإعداد الجيد والتدريب المكثف والمتابعة المعلوماتية الفعالة. إلى جانب العمل على فك الاشتباك بين بعض النظم العربية وحالة الاحتقان السياسي والطائفي والمذهبي السائدة فيها، وفي مقدمتها الحالة العراقية، حيث لم تنجح حكومة حيدر العبادي من تأثيرات الأجهزة العميقة التي صنعها سلفه نور المالكي على مدى سنوات حكمه، والتي تصاعد فيها المنحى الطائفي والمذهبي على نحو مرعب. وفي سوريا بات تغيير النظام من الضرورة بمكان للخلاص من الفعل الإرهابي، والذي نتج بالأساس عن سياساته الاستبدادية والقمعية، فضلا عن تمييزه بين مواطنيه على أساس طائفي ومذهبي.بالطبع هذا مسار قصير ومتوسط الأمد في التعامل مع الفعل الإرهابي، بيد أن ثمة مسارات طويلة الأمد تتطلب تغييرا في مفردات الواقع العربي، ثقافيا وتعليميا واجتماعيا وسياسيا، بهدف تغيير بنية هذا الواقع، نحو أنساق أكثر تفاعلا مع المواطن ومتطلباته وأشواقه الكبرى، في الحرية والديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
338
| 29 يونيو 2015
تتصاعد التحركات والاتصالات سواء على المستوى العربى أو الإقليمى أو الدولى , سعيا لإنهاء الاحتلال الصهيونى للأراضى الفلسطينية المحتلة (بالطبع هناك أراض أخرى محتلة فى سوريا ولبنان ولكنها مؤجلة لحين صدور أوامر أخرى ) وتتجلى آخر هذه التحركات فى الجولة التى يقوم بها وزير الخارجية الفرنسى لوران فابيوس للمنطقة والتى تشمل زيارة القاهرة وعمان ورام الله والكيان الصهيونى , فضلا عن لقائه بأعضاء اللجنة العربية المعنية بملف إنهاء الاحتلال والتى اجتمعت بالعاصمة المصرية مساء أمس الأول بمشاركة وزراء خارجية مصر وفلسطين والأردن والمغرب , وثمة مراهنة قوية على نجاح فرنسا بإحداث تحولات يمكن أن تقود إلى حلحلة بعض المواقف المتصلبة بالذات لدى حكومة الكيان , بيد أن ذلك لن يكون كافيا بمفرده إن لم تنخرط الولايات المتحدة فى عملية جادة وحقيقية ترتقى فيها على رؤاها الضيقة فى التعامل مع الصراع العربى الصهيونى ,والتى ما زالت تعطي الأولوية لإعلاء مصالح وأهداف الكيان على تطلعات الشعب الفلسطينى على الرغم من إقرار الرئيس باراك أوباما نفسه بحجم المكابدات اليومية التى يعانيها فى ظل الاحتلال خلال زيارته للضفة الغربية قبل سنوات .لقد تحرك العرب مرارا خلال السنوات الماضية فى هذا الاتجاه وشكلوا وفودا وزارية زارت واشنطن وغيرها من العواصم الكبرى المؤثرة فى مسار الصراع ,وبدا أن هناك قناعة لدى الإدارة الأمريكية لدفع الأمور نحو هذا الهدف وهو ما برز فى تبني جون كيرى وزير خارجيتها لفكرة دفع المفاوضات الثنائية بين الجانبين الفلسطينى والإسرائيلى والتى استمرت لمدة تسعة أشهر ولكن ثبت بما لايدع مجالا للشك أن جاهزية حكومة الكيان الصهيونى غير متاحة للمضي قدما فى هذه المفاوضات وسرعان ما وضعت العراقيل أمام اقترابها من نقطة النهاية التى ترى فيها نهاية لمشروعها الاستيطانى والاستعمارى والتمددى فى المنطقة مما أجبر الطرف الفلسطيني على التوقف عن المشاركة فيما رآه لعبة يحدد الكيان قواعدها وحده لكنه متكئ على إسناد سياسي ومالي واستراتيجي من واشنطن والتي كان بوسعها- لوأرادت -أن تلجم جنوحه نحو مغادرة مربع السلام الذي دخله من باب العلاقات العامة وليس من منطلق قناعات حقيقية به وفي تقديري ,فإن الولايات المتحدة هي المسؤولة عن إجهاض عملية السلام لأنها وحدها القادرة على إجبار الكيان على الاستجابة لمحدداتها في مفاوضات ذات جدوى تفضي إلى بلورة القناعات التي تؤيدها واشنطن خاصة فيما يتعلق بحل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس بل إن خيار ا لدولتين كان بالأساس من إنتاج إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن على الرغم من كل عنجهيته السياسية تجاه قضايا المنطقة وممارساته العدوانية المتمثلة في غزو العراق بالذات , ولايتوقف الدور الأمريكي السلبي عند هذا الحد لكنه يمتد الى إغلاق الباب أمام أي إمكانية لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي لإنهاء الاحتلال سواء عبر منهجية اللجوء إلى الفيتو والتي بلغت خلال السنوات الثلاثين الأخيرة أكثر من 34 مرة وفقا لما قاله لي السفير محمد صبيح الأمين العام المساعد للجامعة العربية لشؤون فلسطين والأراضي المحتلة أو من خلال الامتناع عن التصويت وحث أطراف أخرى على تبني نفس الخطوة مثلما حدث عندما تقدم الفلسطينيون بمشروع قرار في ديسمبر الماضى مما أدى إلى عدم تمرير المشروع للتصويت عليه في المجلس والذي كان في حاجة إلى 9 أصوات ولكن تحرك واشنطن عطل مسيرته في المجلس مما شكل انتصارا للكيان وحلفائه في العالم .ولعل ما كشفه لي عزام الأحمد القيادي بحركة فتح عن طلب واشنطن لفرنسا بعدم التقدم بمشروع قرار جديد لمجلس الأمن يتسق مع المواقف الأمريكية السلبية وهو ما ينبئ عن حقائق باتت واضحة ولايجوز التغاضي عنها إن أردنا ألا نضع رؤوسنا في الرمال وقد يشكل إجهاضا مبكرا لجهودها الراهنة في هذا السياق على الرغم من أنها تحاول أن تتقدم به باسم الاتحاد الأوربي ولكن واشنطن المنبطحة في خندق الكيان بكل قوتها لايهمها الا مايرضي هذا الكيان ولعل حرص باراك أوباما على توجيه الدعوة لنتنياهو لزيارة واشنطن قريبا على الرغم من تجاهل الآخير له عندما قبل دعوة من الكونجرس بإلقاء خطاب أمامه دون تنسيق مع البيت الأبيض قبل أشهروهو ما اعتبر إهانة له يعكس حالة الخنوع السائدة لدى النخبة السياسية الحاكمة في واشنطن والتي لاترى في المنطقة سوى الكيان ومصالحه في البقاء والتمدد والنزوع العدوانى وانتهاك حقوق الآخرين حتى بالنسبة لموقفها من الملف النووي الإيراني فإن المبرر الأول له يقوم على أساس حماية أمن الكيان وليس حماية أمن المنطقة كما يتجلى ذلك بسفور في إجهاض الولايات المتحدة للمشروع المصري الرامي لجعل منطقة الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل في المؤتمر الدولي الذي استضافته الأمم المتحدة قبل نحو شهرين مما أدى إلى إعراب نيتانياهو عن شكره لأوباما وإدارته إذن المعضلة في الولايات المتحدة والتي يتعين السعي بكل قوة لدفعها الى تبني التوازن على الأقل على نحو يقود إلى بلورة حل الدولتين دولة فلسطينية جنبا إلى جنب دولة الكيان الصهيونى والتي رضينا بها مجبرين كهمٍّ ؛ لكن الهمَّ لايرضى بنا -وفق المثل العربي الدارج وأخشى ما أخشا ه أن تستمر حالة الجمود في عملية السلام في المنطقة على نحو لايكون بوسع العرب والفلسطينيين التحرك معه إلى الأمام على هذا الصعيد لاسيما مع عودة نيتانياهو بقوة إلى صدارة المشهد في الكيان رئيسا للحكومة لفترة خامسة مشكلة من عتاة المتطرفين ، وهوما دفعه إلى المزيد من تبني السياسات والمواقف العنصرية والعدوانية ومواقفه العنصرية والتي تكشف حقيقة تفكيره السلبي تجاه مجمل العملية السلمية لاسيما تنكره لحل الدولتين وقد سألت في هذا الصدد عزام الأحمد عما يتردد عن قبول نيتانياهو بحل الدولتين فقال لى : تلك فرية كبرى والرجل يكذب وليس ثمة أي مؤشرات على قبوله بحل الدولتين بدليل أنه هو الذى أبدى تعنتا وصلفا في خلال المفاوضات التي تمت برعاية جون كيرى وزير الخارجية الأمريكي مما أدى إلى توقفها وجمودها وما يحاول أن يدلي به من تصريحات غامضة وغير واضحة الملامح هو من قبيل تحسين صورته التي شوهت على نحو يفوق الفترات السابقة من فرط تصريحاته ومواقفه العنصرية والمناهضة لأي نزوع حقيقي باتجاه حل الدولتين مؤكدا أنه في ضوء هذه المعطيات فإن المفاوضات مع حكومة نيتانياهوغير مطروحة في الوقت الراهن . إذن ليس ثمة أمل في إنهاء الاحتلال إلا عبر الاعتماد على القدرات الذاتية العربية وهو أمر يطول الحديث بشأنه لأنه يتطلب تغييرا في كل القواعد والمعادلات السائدة في النظام الإقليمي العربي .
343
| 22 يونيو 2015
بالتأكيد ما جرى في الخامس من يونيو من العام 1967 - والذي مرت ذكراه الثامنة والأربعين يوم الجمعة الفائت - هو هزيمة بكل المقاييس لم تنعكس تداعياتها على ما كان يطلق عليه آنذاك. دول المواجهة وهي مصر وسوريا والأردن. فضلا عن فلسطين جوهر الصراع مع الكيان الصهيوني المغتصب. وإنما أصابت الأمة. كل الأمة. في جوهر مشروعها القومي. وفي محاولتها للنهوض. ما أدى إلى انكسار عام لهذا المشروع وشعور المنتمين له بحق بأنهم أصيبوا في مقتل ربما من فرط سقف التوقعات الذي كان عاليا وتجاوز ما تمتلكه الأمة من إمكانات وطاقات. غير أن الهزائم - وفق الحتمية التاريخية - ليس بوسعها أن تفت في عضد الأمة أي أمة. وإنما يتعين عندما أن تقفز عليها وتتجاوزها من منظور إيجابي. أي الوقوف عند الإخفاقات والأسباب والثغرات التي قادت إليها ثم العمل على احتوائها. وبناء منظومة مغايرة لما كان سائدا. تمهيدا لمحو تداعياتها السلبية والمضي باتجاه تحقيق التحولات الإيجابية. بما في ذلك دحر العدو الذي تسبب في هزيمة الأمة.ورغم انتمائي للفكر الناصري. دون أن ارتبط تنظيميا بحزب أو جماعة أو حركة بسبب هشاشة ما هو قائم منها وانخراطها في سلسلة من الانقسامات والصراعات التي أجهضت إمكانية بناء تنظيم حزبي أو سياسي يكون وريثا حقيقيا للفكر الناصري. فإنني بعد قراءات متنوعة. ليس بمقدوري أن أتجنب الإشارة إلى أن ثمة أسبابا في بنية الحكم الناصري آنذاك. أسهمت من دون شك في وقوع هذه الهزيمة المدوية. ويحمد في هذا السياق للزعيم الخالد جمال عبد الناصر إدراكه لهذه الأسباب. إلى جانب المؤامرة التي دبرتها أطراف إقليمية وغربية وكشفت عنها الوثائق فيما بعد. فضلا عن ضلوع الكيان الصهيوني فيها بكفاءة عالية. فسارع إلى إعلان تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية والعودة إلى صفوف الجماهير في خطابه الشهير في التاسع من يونيو.واللافت في خطاب التنحي أن عبد الناصر. بعد أن استعرض المعطيات الخارجية في حدوث النكسة تساءل: هل معنى ذلك أننا لا نتحمل مسؤولية في تبعات هذه النكسة؟ وأقول لكم بصدق - ورغم أي عوامل قد أكون بنيت عليها موقفي في الأزمة - فإنني على استعداد لتحمل المسؤولية كلها، ولقد اتخذت قراراً أريدكم جميعاً أن تساعدوني عليه: لقد قررت أن أتنحى تماماً ونهائياً عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير، أؤدي واجبي معها كأي مواطن آخر".وحسنا فعل عبد الناصر عندما أوضح بجلاء أن قوى الاستعمار تتصور أن جمال عبد الناصر هو عدوها، وأريد أن يكون واضحاً أمامهم - الكلام له - إنها الأمة العربية كلها وليس جمال عبد الناصر. والقوى المعادية لحركة القومية العربية تحاول تصويرها دائماً بأنها إمبراطورية لعبد الناصر، وليس ذلك صحيحاً، لأن أمل الوحدة العربية بدأ قبل جمال عبد الناصر، وسوف يبقى بعد جمال عبد الناصر. ولقد كنت أقول لكم دائماً: إن الأمة هي الباقية، وأن أي فرد مهما كان دوره، ومهما بلغ إسهامه في قضايا وطنه، هو أداة لإرادة شعبية، وليس هو صانع هذه الإرادة الشعبية. ثم شدد على أمر بالغ الأهمية: إنني بذلك لا أصفي الثورة، ولكن الثورة ليست حكراً على جيل واحد من الثوار، وإني لأعتز بإسهام هذا الجيل من الثوار. لقد حقق جلاء الاستعمار البريطاني، وحقق استقلال مصر، وحدد شخصيتها العربية، وحارب سياسة مناطق النفوذ في العالم العربي، وقاد الثورة الاجتماعية، وأحدث تحولاً عميقاً في الواقع المصري أكد تحقيق سيطرة الشعب على موارد ثروته وعلى ناتج العمل الوطني، واسترد قناة السويس، ووضع أسس الانطلاق الصناعي في مصر، وبنى السد العالي ليفرش الخضرة الخصبة على الصحراء المجدبة، ومد شبكات الكهرباء المحركة فوق وادي النيل الشمالي كله، وفجر موارد البترول بعد انتظار طويل. وأراد الزعيم ناصر أن يجدد ثقته في الشعب والقوات المسلحة في الخطاب ذاته فقال: لقد كان الشعب رائعاً كعادته، أصيلاً كطبيعته، مؤمناً صادقاً مخلصاً. وكان أفراد قواتنا المسلحة نموذجاً مشرفاً للإنسان العربي في كل زمان ومكان، لقد دافعوا عن حبات الرمال في الصحراء إلى آخر قطرة من دمهم، وكانوا في الجو - وبرغم التفوق المعادى - أساطير للبذل وللفداء وللإقدام، والاندفاع الشريف إلى أداء الواجب أنبل ما يكون أداؤه.ولم يشأ أن ينهي خطابه دون أن يؤكد على حقيقة مؤداها" إن هذه ساعة للعمل وليست ساعة للحزن، إنه موقف للمثل العليا وليس لأي أنانيات أو مشاعر فردية. إن قلبي كله معكم، وأريد أن تكون قلوبكم كلها معي، وليكن الله معنا جميعاً، أملاً في قلوبنا وضياءً وهدى". ولأن الشعب المصري أدرك في هذه اللحظة أن سقوط عبد الناصر والقبول برغبته في التنحي. يعني بشكل أو بآخر تحقيق لواحد من أهداف العدوان على مصر وعلى الأمة العربية في ذلك الوقت. فخرج هادرا بملايينه بعد انتهاء الخطاب مباشرة في القاهرة وغيرها من المدن. رافضا أن يترجل الفارس عن صهوة جواده وقت المحنة. كما خرجت الملايين من أبناء الأمة في غير عاصمة عربية تعلن رفضها لرحيل ناصر. وهكذا حاصرته الضغوط فدفعته للاستجابة لأوامر الشعب العربي. آه أستخدم الآن هذه العبارة التي محوت من خطابنا السياسي والإعلامي ونستخدم بدلا منها الشعوب العربية بينما الحقائق تؤكد أننا شعب واحد.وانطلق عبد الناصر منذ هذه اللحظة في عملية إعادة بناء شاملة ليس للمؤسسة العسكرية فحسب. وإنما لمؤسسات الدولة المصرية منطلقا من عملية نقد ذاتي لما كان يجري داخلها من نشوء دول داخلها. وتبع ذلك خطوة نوعية تمثلت في تطهير جهاز المخابرات العامة وإعادة بنائه على أسس احترافية ومهنية. ثم الإعلان عن صياغة التنظيم السياسي القائم في ذلك الوقت - الاتحاد الاشتراكي العربي -وهو بالمناسبة لم يكن حزبا بالمعنى المألوف. لكنه كان أشبه بوضعية الجبهة الوطنية التي تضم مختلف التيارات وشرائح المجتمع المصري. ولعل ذلك كان أحد عيوبه الكبرى. فعبد الناصر كان في حاجة إلى تنظيم حزبي خالص مؤمن أشد الإيمان بفكر الثورة وهو ما انتبه إليه. وإن كان بشكل متأخر. عندما أسس التنظيم الطليعي فيما بعد وأهم تطور في هذه الفترة تجسد في إعلان بيان 30 مارس 1968 والذي شكل بداية لتحولات ديمقراطية. ربما رؤي تأجيلها بسبب معطيات الإعداد لمعركة التحرير. لكن البيان على وجه العموم حمل رؤية ناصرية جديدة لبناء الدولة ولمشروع النهوض. وذلك جنبا إلى جنب مع مشروع إعادة بناء القوات المسلحة. وتطهيرها من القيادات المترهلة التي كانت في مراكزها العليا ضمن شلة حكيم للأسف. ما هيأها للدخول سريعا في حرب استنزاف طويلة ضد العدو الرابض على ضفة قناة السويس الشرقية. متخيلا أنه لن يغادرها. والتي شكلت البروفة العملية لحرب أكتوبر في العام 1973 والتي تأسست خططها الحربية على ما قام به عبد الناصر والقيادات الاحترافية للقوات المسلحة وفي مقدمتها الفريق أول محمد فوزي القائد العام والفريق عبد المنعم رياض رئيس الأركان- الذي مررت قبل أيام بالموقع الذي استشهد فيه في الضفة الغربية لقناة السويس خلال زيارة لمشروع القناة الجديدة ضمن أعضاء جمعية خريجي كلية الإعلام - عندما كان يتابع بنفسه الاستعدادات القتالية لجنوده في الجبهة الذين استعادوا روحهم المعنوية العالية، ورغبتهم الجامحة في تحرير ما أحتل من أرض وهزيمة عدو لم يتمكنوا من محاربته خلال عدوان يونيو.هنا تكمن واحدة من تجليات زعامة ناصر، فقد تمكن من تحويل الهزيمة أو النكسة إلى نقطة انطلاق جديدة، ولم يتوقف عند أوجاعها إلا بالقدر الذي يمكنه من فهمها بعمق تمهيدا للخلاص منها.
460
| 08 يونيو 2015
يكابد النظام الإقليمي العربي في المرحلة الراهنة حالة غير مسبوقة من الانكشاف، أو الخلل الإستراتيجي في بنيته الأساسية على نحو بات لا يهدد مفرداته المتمثلة في الدولة الوطنية فحسب، وإنما وجوده على المستوى القومي وذلك في ضوء جملة من العوامل الرئيسية والتي يمكن إجمالها فيما يلي:أولا: لم تفض ثورات الربيع العربي التي اندلعت في مطلع العام 2011 في غير دولة عربية. إلى قدر من الاستقرار النسبي الناتج عن إعادة بناء مؤسسات الدولة وتغيير هياكلها الرئيسية، بما يسهم في تغيير معادلة السلطة والثروة وبناء أنساق اجتماعية مقبولة شعبيا على نحو يتوافق مع الأهداف التي تبنتها هذه الثورات، باستثناء تونس ومصر، وإن كانت الدولتان، مازالتا تعانيان من بعض الأحوال الأمنية المضطربة خاصة في الأخيرة التي تواجه حربا من جماعات مسلحة مدعومة من تيارات تنتمي إلى الإسلام السياسي، ولم يتوقف الأمر عند حد الاضطراب الأمني، وإنما امتد إلى وقوع حروب أهلية وصراعات مذهبية وطائفية وعرقية، تكاد تنهى حالة التعايش التي كانت قائمة في هذه الدول بين مكوناتها، ووفقا لبعض رؤى الخبراء الإستراتيجيين فإن ما جرى في هذا السياق يعكس نوعا من تأثير النظام العالمي بقواه الفاعلة، والتي أدت عبر عقود طويلة إلى لعب دور واضح في تشكيل اتجاهات النظام الإقليمي العربي وتوجهاته، من خلال الاختراق السياسي لنظم الحكم وهيئات المجتمع المدني والتحكم في رؤاها وأولوياتها وفي إدراكها لمصالح التهديد والخطر، ومن ثم يمكن القول - تبعا لذلك - أن جوهر أزمة النظام الإقليمي العربي، تتمثل في أنه لم يكن إقليميا وعربيا كاملا، بل كانت التأثيرات والمصالح العالمية جزءا محوريا منه وهو ما أفرز، بشكل أو بآخر، اختلالا في بنيته الإستراتيجية لصالح النظام العالمي.ثانيا: نشوء وتنامي وتصاعد أدوار وتأثيرات التنظيمات الإرهابية في المنطقة العربية وعلى رأسها تنظيم "داعش"، والذي بلغ به التحدي مستوى الإعلان عن نفسه، كدولة أطلق عليها مسمى الخلافة الإسلامية في يونيو من العام الماضي عقب سيطرته على مساحات شاسعة من كل من العراق التي يسيطر على ثلث أراضيه فعليا في حين يسيطر على أكثر من نصف الأراضي السورية بعد أن تمكن مؤخرا من ضم مدينة تدمر الأثرية إلى قائمة المدن والمناطق الخاضعة له وتكمن خطورة تمدد التنظيمات الإرهابية في أنها تختفي بين أبناء البلد الواحد وتفاجئهم بأعمالها وتقوم بإعاقة تقدمهم وتدمر منشآتهم وتستنزف قدراتهم وتدمر ثرواتهم بل وتشغل جيوشهم وقواتهم المسلحة عن أداء واجبها الدفاعي ضد الأخطار الخارجية ولم تكتف هذه التنظيمات بالسيطرة على جزء من المجال العام المادي للدولة المتمثل في الأرض وإنما سعت إلى المنافسة على المجال العام السياسي والمعنوي فطرحت شرعية منافسة تستند إلى أساس ديني مما أدى إلى تهديد مباشر لاستمرار كيان الدولة وإمكانية تحللها وانقسامها وفي دول أخرى كمصر تمركزت ميليشيات هذه التنظيمات في منطقة جغرافية حدودية ومارست مختلف أشكال العنف والإرهاب ضد رموز ومؤسسات الدولة والمجتمع مما دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى وصف الموقف بأنه حالة حرب فرضت اتخاذ إجراءات استثنائية كإعلان حالة الطوارئ في تلك المنطقة وإخلاء خط الحدود من القاطنين فيه وإنشاء منطقة عازلة.ورغم تشكيل تحالف دولي لمحاربة هذا التنظيم فإنه عجز حتى الآن عن كبح جماعه مشروعه التمددي في المنطقة بل هو يحقق ما يمكن وصفه تحولات تكتيكية لصالحه مثلما حدث مؤخرا في كل من العراق وسوريا فضلا عن تمدده في كل من لبنان وليبيا وهو أمر ينطوي على تهديد واضح للنظام الإقليمي العربي. ثالثا: تعرض النظام الإقليمي العربي خلال العقدين الأخيرين خاصة بعد الغزو الأمريكي للعراق في 2003 إلى تغيرات كبيرة سياسياً وعسكرياً، رافقتها مشاريع وترتيبات جديدة حاولت الولايات المتحدة إدخالها إلى المنطقة من أجل تطويعها لإستراتيجيتها القائمة على الهيمنة والنفوذ والتي كان لها آثار خطيرة انعكست بصورة مباشرة على التوازن الإستراتيجي في المنطقة باتجاه تقليص مقدراتها وقوتها لصالح أطراف إقليمية لها مطامعها ومشروعاتها للتمدد في المنطقة العربية فضلا عن الرغبة في الاستحواذ عليها وفرض توجهاتها على شعوبها واللافت أن القوى الخارجية التي أتاحت لدول عربية في الماضي فرصة الاستعانة بقوى أجنبية لمواجهة ما تتعرض له من تهديدات الأطراف الإقليمية باتت تتضاءل بشدة نتيجة لعزوف الولايات المتحدة ومن ورائها الدول الغربية عن الاشتراك بقوات خارج أراضيها وبخاصة قواتها البرية التي لا غنى عنها لكسب أي معركة وفق تأكيدات الخبراء الإستراتيجيين ويتزامن مع ذلك تنامي علاقات القوى الغربية ببعض مصادر التهديد الإقليمي وبخاصة إسرائيل وإيران وتركيا واتجاهها إلى المزيد من التعاون معها على نحو أخل كثيرا بالتوازن الإستراتيجي فيما بين النظام الإقليمي العربي من جهة وهذه المصادر من جهة أخرى.وعلى الرغم مما يبدو من عتمة ملامح مشاهد الاختلال الإستراتيجي في النظام الإقليمي العربي فإن ثمة حراكا ملحوظا باتجاه القفز عليه وبناء أنساق جديدة في هيكليته السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية من أجل تجاوز جوانب هذا الاختلال ولعل في مقدمة هذا الحراك السعي العربي الحثيث إلى بناء قوة عربية مشتركة, ولاشك أن إنجاز هذه القوة سيكون المدخل الرئيسي لتجاوز حالة الاختلال الإستراتيجي الراهنة على نحو سيمكن أطراف النظام الإقليمي العربي من مواجهة التهديدات القائمة سواء داخليا أو خارجيا وإيجاد قاعدة قوية للشعوب العربية تمكنها من التعامل مع القوى الأخرى بما فيها مصادر التهديد المحتملة على أساس من الندية والمصالح المتبادلة ويساعد على ضمان الأمن القومي العربي بيد أن ذلك يستوجب حتى تتسم هذه الخطوة بعناصر الفعالية والاستمرارية تجاوز حالة الشك القائمة بين العديد من وحدات النظام الإقليمي العربي التي تصل إلى حد العداء وتبادل الحملات الإعلامية والسياسية التي بوسعها أن تقوض أي جهود للتكامل والتعاضد القومي المطلوب في هذه المرحلة والسعي إلى وحدة القرار العربي المستقل وهو أمر بات ملحوظا في الآونة الأخيرة وتجلى في تشكيل التحالف العربي لاستعادة الشرعية في اليمن في نهاية مارس الماضي ولاشك أن تجاوز حالة الاختلال الإستراتيجي لا ينهض فقط على مجرد إنشاء قوة عسكرية مشتركة بل يستوجب الأمر التفكير في بنيان شامل لمعالجة ومواجهة التهديدات والمخاطر التي شكلت البيئة الحاضنة لهذا الاختلال ضمن مشروع عربي متكامل يجب أن يقوم على أسس اجتماعية وسياسية واقتصادية معقولة تمتد عناصرها إلى إعادة البنى الديمقراطية وإقامة ما يطلق عليه في الفكر السياسي بالحكم الرشيد وصياغة أنساق من العدالة الاجتماعية وتكريس مبدأ المواطنة عوضا عن النزوع الطائفي والعرقي والمذهبي السائد في بعض الأقطار العربية وتجنب التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي للشعوب العربية.
528
| 01 يونيو 2015
تابعت عن كثب يوم الخميس الفائت، وقائع اجتماع مجلس وزراء الإعلام العرب في دورتهم السادسة والأربعين. التي عقدت بمقر الأمانة العامة للجامعة العربية. واستمعت إلى كلمات ومداخلات العديد من الوزراء ومسؤولي الجامعة العربية.. وما لفت انتباهي فيها أن ثمة إدراكا عميقا لديهم لحقائق معضلات وتحديات المشهد الإعلامي العربي. ويتفقون مع كثير من رؤى الخبراء والباحثين حول خطورة استمرارها ليس على المشهد ذاته، وإنما على حالة الأمة ككل.. بحسبان أن الإعلام بمختلف وسائطه بات واحدا من أهم المؤثرات. في مسارات السياسة والأمن والاقتصاد والاجتماع وغيرها.. وتساءلت ما الذي يحول دون أن ينفذ هؤلاء الوزراء. بحسبانهم أعلى سلطة مسؤولة. لتصوراتهم وخططهم وإستراتيجياتهم بخصوص تفعيل الأداء الإعلامي؟ هل ثمة قوى خفية تدفع باتجاه غير ما يدفعون هم إليه؟ أم أن وسائل الإعلام أضحت خارجة عن السياق. بحكم ما تتمتع من حرية نسبية.. ربما كل هذه الأسباب مجتمعة. إن المشهد الإعلامي العربي.رغم التحولات النوعية التي طرأت عليه خلال العقود الأخيرة. خاصة العشرين عاما المنصرمة. ما زال يواجه بعض التشوهات وجوانب الخلل في بنيته وتوجهاته.. وحتى قدرته على الوصول إلى المتلقي على نحو يدفع إلى الاقتناع برسالته أو برسائله التي تحاصره على مدار الساعة. وبالتالي هو في حاجة إلى إحداث تغيير في محتواه وأدواته ووسائله وتبني مناهج تكون أقرب إلى الأبعاد الأخلاقية. لقد ضاعت البوصلة من العديد من الوسائط الإعلامية العربية. فأخذت تنأى بنفسها عما يطلق عليه الإعلام التنموي. أي الهادف. الذي يعمق وعي المواطن العربي بقضاياه الجوهرية ويدفعه دفعا للانتماء إلى الوطن وإلى الأمة ليس عبر الشعارات الجوفاء ولكن عن طريق بث المضامين والمحتويات. التي تتناول من خلال الأشكال الإعلامية المتعارف وبالالتزام بحرفية المهنية. وبقواعد السلوك الأخلاقي والحس الوطني والقومي.. والتعبير الأخير للدكتور نبيل العربي الأمين العام للجامعة في كلمته التي خاطب بها وزراء الإعلام العرب في اجتماعهم الأخير. فلم يعد يليق بالمشهد الإعلامي العربي في المرحلة الراهنة. التي تكتنز فيها الأمة بأنواع المكابدات والمؤامرات سواء من الداخل أو من الخارج. خاصة من طرف الكيان الصهيوني أن يظل أسير الاستغراق في الغيبيات.. وترديد الحديث عن الجن والعفاريت والسحر الأبيض والأسود. وتقديم أنواع من الدراما والأعمال الفنية التي تروج لأنواع متعددة من الفساد الأخلاقي والسياسي والاجتماعي. وما يصحبها من إبراز الغارقين في هذا الفساد بحسبانهم نماذج ساطعة. لأنهم يحققون عبر وسائله غير الأخلاقية . وجاهة اجتماعية وفي بعض الأحيان حضورا سياسيا. فضلا عن امتلاك ناصية الثروة ومن ثم تبقى هذه النماذج المهترئة في جوهرها هي التي تسعى قطاعات واسعة من شبابنا إلى الاقتداء بسلوكها.والمرء يحار أمام هذه الوسائط الإعلامية العربية. التي لم تعد تبدي حماسا للقضايا العربية الكبرى وفي مقدمتها القضية الفلسطينية . فعلى سبيل المثال فإن عددا محدودا منها عالج بشكل أو بآخر مرور 67 عاما على نكبة فلسطين. وقضية شعبها التي غدت في ذيل اهتمامات هذه الوسائط. فلم تعد النبأ الأول أو حتى الثاني أو الثالث. بل في كثير من الأحيان. من فرط الأحداث الناجمة عن الأزمات المتعددة. لا تكاد تذكر وقائعها رغم خطورة ما تفعله حكومة قطعان بني صهيون الشديدة التطرف. التي يقودها بنيامين نتنياهو ضد الشعب الفلسطيني واعتداءاتها المتواصلة ضد مقدساته. على نحو يخصم من رصيد الهوية الحضارية الإسلامية والعربية للقدس خاصة ولقدس أقداسها – المسجد الأقصى.. واللافت أن معالجة الكثير من وسائطنا الإعلامية للقضايا والملفات الساخنة في المنطقة الراهنة. تتسم بقدر كبير من التبسيط المخل في بعض الأحيان.. خاصة فيما يتعلق بالقضية الأهم.. وهي تمدد التنظيمات الإرهابية في المنطقة العربية، على نحو جعلها رقما مهما في المعادلة الوطنية والإقليمية . ومن ثم فإن "هناك حاجة- كما يقول الدكتور العربي أيضا- إلى توظيف الكلمة الصادقة باعتبارها أمضى سلاح في الحرب الشاملة التي تخوضها الدول العربية ضد جماعات الإرهاب المدمر، هذا العدو المشترك الذي يمس أوطاننا وعقيدتنا وثقافتنا ويعيق وتيرة التنمية في بلداننا، والتصدي له بكل الوسائل المتاحة ولكافة أنماطه ومنابع تغذيته والمحرضين عليه خاصة الإرهاب الفكري الذي بات يستهدف أساسا فئة الشباب الطاهر النقي ليحول العقول والذهنيات إلى آلات صماء تستعمل للهدم والتخريب بدل البناء والتعمير". وذلك يستوجب - حسب رؤية الدكتور محمد المومني وزير الدولة لشئون الإعلام بالأردن أن تمتلك وسائط الإعلام العربية القدرة على لعب دور حاسم في مواجهة الفكر المتطرف والحيلولة دون تمكينه من التأثير في الرأي العام، مما يسهل تجفيف منابعه ومحاصرته تمهيدًا لتصفيته. وبالتالي فإن مهمة الإعلام المنتظرة في مكافحة الإرهاب وتداعياته تتطلب إمعان النظر في المستقبل وتنفيذ الإستراتيجيات العربية الإعلامية المتوفرة وفتح نوافذ التفكير لمواجهة آفة التكفير والنظر في محتوى المنتج الإعلامي الموجه للجمهور والتصدي لوسائل الإعلام التي تمارس أدوارًا تحريضية مدمرة.وإذا كان ثمة دعوة ملحة لتجديد الخطاب الديني. فإن الإعلام مناط به الدور الأهم في هذا السياق. لكنه للأسف لم ينطلق بعد نحو هذا الهدف بالقوة والنوعية المطلوبة. فالمساحات المخصصة لمعالجة هذا الجانب محدودة. وتكاد تنعدم في بعض الوسائط على نحو وفر بيئة مواتية لغياب الفكر الإسلامي الصحيح.. وأحيانا يشاهد أو يسمع أو يقرأ المرء المضامين الدينية في بعض هذه الوسائط. ما يوحي بأنها تتحدث عن منطقة أخرى عير منطقتنا العربية. وإن كانت ثمة محاولات تقوم بها بعض القنوات المتخصصة. والتي بدورها هي في حاجة إلى تنقية مضامينها بما يعمق قدرتها ومهاراتها وأدواتها. في تقديم الإسلام الوسطي المعتدل غير الموغل في الماضوية. والمرتبط بأحوال الناس وتحفيزهم على بناء قدراتهم الإنتاجية. وإقامة الحكم الرشيد وتكريس مقومات المواطنة بعيدا عن المنطق المذهبي أو الفئوي الضيق والذي يضر بالإسلام. وبمحدداته الحضارية التي لم يستغلها بعضنا على النحو الذي يجعل من الأمة رقما مهما في المعادلة العالمية. القائمة على القوة بمختلف مكوناتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والعلمية وغير ذلك.. والملاحظة الجديرة بالتوقف لديها في سياق الحديث عن إشكالية الإعلام العربي. تتمثل في أن الجانب الثقافي والفكري غائب. أو بالأحرى مغيب في عدد لا بأس به من وسائطنا الإعلامية العربية.. فهل ذلك مقصود أم هو تعبير عن توجه النخب السياسية، التي تخشى رفع منسوب ثقافة وفكر المواطن العربي؟ أيا كان الأمر. فإن البرامج ذات المضامين الثقافية الجادة والملتزمة ضئيلة للغاية لا تتسق مع الحاجة المتعاظمة لدى هذا المواطن لإشباع جوعه إلى مادة ثقافية وفكرية. تعمق شعوره بكينونته الإنسانية وبجوهره الروحي.. وهو ما يجعلني أطالب هذه الوسائط بعدم التخلي عن هذا المنحى المهم. خاصة أنه في فترة الستينيات كانت ثمة نهضة ثقافية وفكرية واسعة لعبت فيها وسائل إعلام هذا الزمان.. رغم محدوديتها- الدور الأهم والأمة لديها أشواق لاستعادة هذا الدور. لإعادة صياغة الوضعية الثقافية والفكرية في ظل المتغيرات المتسارعة. بما يليق بالمشروع الحضاري والنهضوي لها.
1627
| 25 مايو 2015
"مادامت فلسطين تحت الاحتلال الصهيوني. فإن النكبة ما زالت مستمرة بل متوغلة في جذورنا. تصاحبنا في ليلنا ونهارنا. تسكن قلوبنا وعقولنا وأجسادنا وإرادتنا المكبلة بقيود عديدة. أغلبها نحن الذين صنعناه".أقول هذا الكلام. بمناسبة الذكرى السابعة والستين لنكبة فلسطين والتي مرت على الأمة. يوم الجمعة الفائت – الخامس عشر من مايو- وهو اليوم الذي اكتمل فيه الاحتلال الصهيوني لأراضي فلسطين. وإعلان ما يسمى بدولة إسرائيل العنصرية الاستعمارية الاستيطانية. على أرض شعب عربي اقتلع من جذوره ومدنه وقراه وبياراته. وحقوله وزيتونه وسهوله اليانعة الخضرة. بعد حرب طاحنة استخدمت فيها العناصر الإرهابية الصهيونية كل صنوف الأسلحة. مدعومة من الغرب وبالذات بريطانيا العظمى. السبب الرئيسي لما جرى منذ أن منح وزير خارجيتها بلفور. وعده المشؤوم لليهود في 1917 بإقامة وطن قومي لهم في أرض فلسطين. ثم توفير كل سبل الدعم والإسناد لعصابات بني صهيوني للاستعداد لإعلان كيانهم. ثم التخلي فجأة عن الانتداب وترك حالة من الفراغ استغلتها هذه العصابات لفرض مشروعها الاستيطاني الاستعماري العنصري. واستخدام منهجية المذابح لترويع الآمنين وإجبار المواطنين على مغادرة الوطن وهو ما تسبب في خلق حالة اللاجئين حتى اليوم.بالطبع لم يتوقف الأمر على الدعم البريطاني فحسب للعصابات الصهيونية في هذه المرحلة. وإن كان هو الأكثر حيوية. فقد كان ثمة دعم واضح. بالذات على الصعيد السياسي من قبل الولايات المتحدة. وحتى الاتحاد السوفيتي. وهما أول من اعترف بدولة الكيان المزعوم في الخامس العشر من مايو 1948.وإذا توقفنا عند الدور العربي في تعميق النكبة. فإن الأمر ينطوي على مرارة بالغة. وقد تابعت بعض الدراسات والمذكرات في الآونة الأخيرة في هذا الشأن. وما لفت انتباهي أن توجه بعض الدول العربية للمشاركة في العمليات العسكرية لمواجهة عصابات قطعان بني صهيون في فلسطين. لم يتأسس على أي إستراتيجية عسكرية مركزية ومخططات مشتركة. كان أشبه بالقرار الانفعالي غير المدروس. وغير الملم بأي معطيات على الأرض فضلا عن هشاشة المهارات القتالية للجيوش العربية. والتي كانت تخضع في أغلبها لهيمنة الدول الاستعمارية. التي تسببت أساسا في زرع الكيان الصهيوني.. فعلى سبيل المثال. فإن قائد الجيش العربي الأردني كان جنرالا إنجليزيا- جلوب باشا- ومن ثم فإن الأداء القتالي لهذه الجيوش. لم يثمر عن تحقيق انتصارات حقيقية وحاسمة. وإن كانت هناك بطولات فردية لبعض الوحدات أو الكتائب العسكرية. مثلما صنعته الوحدة المصرية التي كان جمال عبد الناصر رئيس أركانها في منطقة الفالوجة. والتي صمدت أمام العصابات الصهيونية لفترة طويلة ولم تستسلم لها. والمؤكد أن أوضاع الجيش المصري في هذه الحرب بالذات. وغيرها من الجيوش العربية. هي التي صاغت بدايات تفكير عبد الناصر في ضرورة تغيير وضعية مصر الداخلية. وإعادة بنائها سياسيا وعسكريا واقتصاديا. لتكون قوة قادرة على مواجهة العدوان والكيان المزروع في المنطقة. وكانت تلك الشرارة الأولى باتجاه صياغة مشروع ثورة الثالث والعشرين من يوليو في العام 1952. والتي جعلت القضية الفلسطينية وتحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني على رأس جدول أعمالها القومي والإقليمي.بالطبع أسباب النكبة متعددة ومتنوعة. وتحتاج إلى إعادة قراءة للتعلم منها وتجاوزها. وللأسف ما حدث على مدى ما يقترب من السبعة عقود ينبئ بأن ليس ثمة ما تعلمه العرب والفلسطينيون. فغياب الإستراتيجية الموحدة للتعامل مع إشكالية الاحتلال والتي تجاوزت نتائج نكبة الــ 1948. إلى نتائج نكسة الــ1967 حيث تمددت الأراضي. التي احتلها قطعان بني صهيون وعصاباتهم ما زال قائما للأسف... الأمر الذي ما فتئ يدفع قادة هذه العصابات إلى الاستمرار.. في غيها ومخططاتها التوسعية ولامبالاتها بالرقم الفلسطيني.. أولا ثم بالرقم العربي في معادلة الصراع. بل أكاد أقول: إن هذين الرقمين غائبان تماما. عن تفكير النخبة الصهيونية سواء على المستوى السياسي أو المستوى العسكري.. وهو ما يجعلها. خاصة بنيامين نتنياهو والذي شكل رابع حكومة له شديدة التطرف قبل أيام وصفت بأنها حكومة حرب وليست حكومة سلام. بالإعلان عن المزيد من بناء الوحدات الاستيطانية في القدس والضفة الغربية رغم الرفض الدولي والإقليمي لذلك بما في ذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي. والإبقاء على سياسة القبضة الحديدية والقمعية في المناطق الخاضعة للاحتلال. مما جعل واحدا من عتاة الداعمين للكيان. وهو الرئيس باراك أوباما في حديثه لصحيفة الشرق الأوسط اللندنية قبل أيام. لأن يصف هذا الاحتلال بالإذلال الممارس ضد الفلسطينيين والذي يستوجب إنهاؤه. وإن كنت أدرك أنه يقول هذا الكلام لصحيفة تخاطب الرأي العام العربي. بينما لن يتجاوز الأمر التصريح إلى الفعل. بمعنى أن يمارس الضغوط على حكومة نتنياهو لتكف عن الاحتلال وتقبل بالانسحاب من الأراضي المحتلة لتتم ترجمة الطروحات الأمريكية الخاصة بإقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة إلى جانب دولة الكيان. وفق ما يطلق عليه حل الدولتين. والتي قبلها الفلسطينيون والعرب. لأنه ليس ثمة خيارات بديلة أمامهم في ظل انكفائهم عن القضية الفلسطينية فضلا عن بزوغ أزمات وملفات ساخنة في المنطقة العربية. دفعت هذه القضية إلى التراجع عن دائرة الصدارة إلى ذيل جدول أعمال الاهتمامات العربية. رغم الإعلان المستمر بأنها القضية المركزية والأولى للعرب.وثمة مفارقة كثيرا ما تخطر على بالي وأنا أتابع الشأن العربي سواء على الصعيد المهني أو كمواطن. وأتساءل: ألا يمكن أن تحدث مقاربة عربية جماعية تتسم بالحزم والجرأة.. مثلما جرى مع تشكيل التحالف العربي لاستعادة الشرعية في اليمن.. وأقول: هل يأتي يوم يشكل فيه العرب تحالفا واسعا. يضم الدول الإسلامية المؤثرة والتي تمتلك كل أشكال القوة الحديثة لاستعادة الأراضي الفلسطينية المحتلة. ولا أحلم في هذه المرحلة بكل فلسطين من البحر إلى النهر. فذلك أمر متروك للأجيال القادمة. قد يكون قدرا من الرومانسية يتملكني. ولكنه حلم هو بالتأكيد ليس قابلا للتطبيق. فقد تحقق مثله في زمن صلاح الدين الأيوبي. والذي استعاد القدس وفلسطين بعد احتلال صليبي استمر زهاء 150 عاما. بعد أن توحدت إمكانات مصر والشام. وقبل ذلك في زمن حاكم مصر قطز عندما أوقف التمدد المغولي في المنطقة بنفس منهجية توحيد قدرات كل من القوتين.
291
| 18 مايو 2015
يحتضن منتجع كامب ديفيد الشهير في الولايات المتحدة بعد غد – الأربعاء- ولمدة يومين. القمة التي تجمع قادة دول منظومة مجلس التعاون الخليجي الست بالرئيس الأمريكي – باراك أوباما. والتي تنطوي بكل المقاييس على أهمية استثنائية في مسار العلاقات بين الطرفين الأمريكي والخليجي والتي تتسم بأبعاد إستراتيجية لاعتبارات جيوسياسية. وأخرى تتعلق بكون منطقة الخليج واحدة من أهم مناطق العالم إنتاجا للطاقة. من خلال احتوائها على احتياطيات هائلة سواء من النفط أو الغاز. فضلا عما باتت تتميز به من قسمات حضارية متطورة. بفعل مشروعات النهوض التي تطبقها دولها الست. وإن تراوحت معدلاتها ومستوياتها. على نحو جعلها في صدارة المشهد التنموي العالمي. إلى جانب تصاعد حركة الأحداث في النظام الإقليمي العربي والذي أضحت دول المنظومة فاعلا رئيسيا فيها سواء التوجيه أو تقديم الإسناد لأطراف فيها أو الانخراط المباشر فيها مثلما حدث مؤخرا على صعيد تشكيل التحالف العربي لاستعادة الشرعية في اليمن بمشاركة خمس من دول مجلس التعاون –سلطنة عمان انتهجت سياسة النأي بالنفس ربما انتظارا لدور تلعبه في مرحلة التفاوض لترتيب الحل السياسي والتي توشك أن تبدأ. ويأتي انعقاد قمة كامب ديفيد بين قادة مجلس التعاون والرئيس الأمريكي بناء على دعوة من الأخير. في أعقاب التوصل إلى الاتفاق الإطاري بين إيران من ناحية ومجموعة 5+1 في مطلع شهر أبريل المنصرم بمدينة لوزان السويسرية. وخلال سلسلة من الاتصالات الهاتفية التي أجراها أوباما مع هؤلاء القادة في مساء اليوم نفسه الذي تم التوصل فيه إلى هذا الاتفاق.. وذلك بعد أن لمس لدى أغلبيتهم قدرا من الهواجس من إمكانية أن يحمل هذا الاتفاق. والأهم الاتفاق النهائي الذي من المتوقع أن يتم التوصل إليه نهاية يونيو المقبل. تأثيرات سلبية على دول المنطقة والتي – رغم إعلانها في بيانات رسمية عقب ذلك بأيام. ترحيبها بالإطاري بحسبانه خطوة مهمة نحو استقرار المنطقة – باتت تشعر - من خلال بعض وسائل إعلامها – عدم ارتياحها للتقارب الإيراني الغربي - تحديدا الأمريكي- خشية أن يخصم من رصيد التحالف الإستراتيجي الطويل الأمد بين واشنطن ودول منظومة مجلس التعاون. لصالح طموحات طهران الإقليمية والتي تمددت في الأعوام الأخيرة. في المنطقة العربية وبالذات في مناطق تتماس مباشرة مع دول المنطقة (العراق – سوريا -اليمن). فضلا عن مشكلاتها المباشرة مع دولتين خليجيتين هما الإمارات والبحرين والاتهامات التي تفاقمت مؤخرا بتدخل إيران في الشئون الداخلية للنظام الإقليمي العربي الأمر الذي جعل مصر تعلن رسميا - وعلى لسان رئيسها وفي رسالة مبطنة لإيران وغيرها من القوى الإقليمية المحيطة بالمنطقة -رفضها وتصديها لأي مصادر تهديد أيا كانت لأمنها.وفي ضوء هذه المعطيات وغيرها. يمكن الوقوف عند أهم المطالب التي ستشكل محاور رئيسية لقادة دول منظومة مجلس التعاون في مناقشاتهم ومداخلاتهم خلال قمتهم مع الرئيس باراك أوباما. والتي نتمنى أن يكون قد تم الإعداد لملفاتها من قبل مجموعة الخبراء والمستشارين. من كافة القطاعات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية. بعمق وشمول ووفق منهجية علمية تقوم على المعلومات الصحيحة. وتقديرات المواقف السليمة وعلى نحو – وهو الأمر المؤكد – يصب في منحى يتلاءم مع المصالح العليا لدول وشعوب المنطقة. وللاستقرار الإقليمي وللنظام العربي ككل والتي تشكل منظومة مجلس التعاون رأس حربته في المرحلة الراهنة. وذلك على النحو التالي: أولا: إن استقرار منطقة الخليج بدولها وشعوبها ومشروعات النهوض فيها. غير قابل للمساومة في الاتفاق النووي النهائي المرتقب في نهاية يونيو المقبل. أو القبول بمنطق الصفقات التي يمكن أن تكون تحت الطاولة بين طهران وواشنطن. في ظل تقارير تتحدث عن إمكانية مبادلة إنهاء الطموح النووي العسكري لإيران مقابل إطلاق المجال لنفوذها وتمددها الإقليمي سواء في منطقة الخليج . أو على مستوى النظام العربي ككل. ثانيا: مطالبة الولايات المتحدة بتغيير إستراتيجية التعامل مع إشكالية التنظيمات الإرهابية في المنطقة العربية. والتي تهدد بشكل مباشر دول منظومة مجلس التعاون الخليجي خاصة بعد التمدد الواضح لتنظيم داعش في مساحات شاسعة في كل من سوريا والعراق. ثالثا: حث الإدارة الأمريكية على ممارسة سياسة وتحرك أكثر دينامية باتجاه الأزمة السورية. مع العمل على توظيف التحولات النوعية التي حققتها أطراف المعارضة.رابعا: حث واشنطن على الإلقاء بثقلها وراء الجهود الإقليمية والدولية لوضع الأزمة الليبية على سكة الحل السياسي. من خلال عدم توجيه رسائل قد تفهم منها بعض الأطراف أنها مدعومة أمريكيا وربما غربيا فيدفعها إلى المزيد من التشدد .خامسا: إن القضية الفلسطينية بتعقيداتها المتعددة والمتنوعة لن تغيب عن أجندة قادة دول منظومة التعاون الخليجي في لقائهم مع رئيس أكبر دولة داعمة لدولة الاحتلال بل وتتحالف معها إستراتيجيا وتعلن التزامها بأمنها ووجودها ومن ثم سيكون المطلب يسيرا من باراك أوباما وهو البدء في تنفيذ ما طرحه غيره مرة من حل الدولتين الذي يتضمن إقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967 قابلة للحياة إلى جانب دولة إسرائيل وعدم الارتهان لضغوط اللوبي الصهيوني وابتزازات حكام الدولة العبرية وذلك حتى إغلاق أهم نافورة تقذف بالبيئات الحاضنة للتطرف والإرهاب الذي تعاني الولايات المتحدة فضلا عن المنطقة العربية.
586
| 11 مايو 2015
مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف...
3123
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير...
2589
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر...
2193
| 02 يونيو 2026
دخلنا عصراً جديداً توجهنا معه وخاصة مع جائحة...
1530
| 01 يونيو 2026
في ديسمبر 2025، أصدرت إدارة ترامب وثيقة الأمن...
1515
| 04 يونيو 2026
• انقضى موسم الحج لهذا العام، ونجحت المملكة...
1278
| 03 يونيو 2026
.اسمه ارتبط بالتحول التاريخي الإيجابي القطري في مجال...
1173
| 04 يونيو 2026
اجتاحت المكتبات العربية في بداية الألفية الجديدة موجة...
1095
| 02 يونيو 2026
ما أهلك فرعون سوى عقله المتحجر المتصلب، وبالمثل...
852
| 04 يونيو 2026
أنواع النخب الاجتماعية عديدةٌ، وذلك بحسب المجال الذي...
717
| 01 يونيو 2026
﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ﴾، كلما مررت...
669
| 02 يونيو 2026
ليست كل النهايات موتا، بعض النهايات بداية لحياة...
612
| 02 يونيو 2026
مساحة إعلانية