رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"مادامت فلسطين تحت الاحتلال الصهيوني. فإن النكبة ما زالت مستمرة بل متوغلة في جذورنا. تصاحبنا في ليلنا ونهارنا. تسكن قلوبنا وعقولنا وأجسادنا وإرادتنا المكبلة بقيود عديدة. أغلبها نحن الذين صنعناه".
أقول هذا الكلام. بمناسبة الذكرى السابعة والستين لنكبة فلسطين والتي مرت على الأمة. يوم الجمعة الفائت – الخامس عشر من مايو- وهو اليوم الذي اكتمل فيه الاحتلال الصهيوني لأراضي فلسطين. وإعلان ما يسمى بدولة إسرائيل العنصرية الاستعمارية الاستيطانية. على أرض شعب عربي اقتلع من جذوره ومدنه وقراه وبياراته. وحقوله وزيتونه وسهوله اليانعة الخضرة. بعد حرب طاحنة استخدمت فيها العناصر الإرهابية الصهيونية كل صنوف الأسلحة. مدعومة من الغرب وبالذات بريطانيا العظمى. السبب الرئيسي لما جرى منذ أن منح وزير خارجيتها بلفور. وعده المشؤوم لليهود في 1917 بإقامة وطن قومي لهم في أرض فلسطين. ثم توفير كل سبل الدعم والإسناد لعصابات بني صهيوني للاستعداد لإعلان كيانهم. ثم التخلي فجأة عن الانتداب وترك حالة من الفراغ استغلتها هذه العصابات لفرض مشروعها الاستيطاني الاستعماري العنصري. واستخدام منهجية المذابح لترويع الآمنين وإجبار المواطنين على مغادرة الوطن وهو ما تسبب في خلق حالة اللاجئين حتى اليوم.
بالطبع لم يتوقف الأمر على الدعم البريطاني فحسب للعصابات الصهيونية في هذه المرحلة. وإن كان هو الأكثر حيوية. فقد كان ثمة دعم واضح. بالذات على الصعيد السياسي من قبل الولايات المتحدة. وحتى الاتحاد السوفيتي. وهما أول من اعترف بدولة الكيان المزعوم في الخامس العشر من مايو 1948.
وإذا توقفنا عند الدور العربي في تعميق النكبة. فإن الأمر ينطوي على مرارة بالغة. وقد تابعت بعض الدراسات والمذكرات في الآونة الأخيرة في هذا الشأن. وما لفت انتباهي أن توجه بعض الدول العربية للمشاركة في العمليات العسكرية لمواجهة عصابات قطعان بني صهيون في فلسطين. لم يتأسس على أي إستراتيجية عسكرية مركزية ومخططات مشتركة. كان أشبه بالقرار الانفعالي غير المدروس. وغير الملم بأي معطيات على الأرض فضلا عن هشاشة المهارات القتالية للجيوش العربية. والتي كانت تخضع في أغلبها لهيمنة الدول الاستعمارية. التي تسببت أساسا في زرع الكيان الصهيوني.. فعلى سبيل المثال. فإن قائد الجيش العربي الأردني كان جنرالا إنجليزيا- جلوب باشا- ومن ثم فإن الأداء القتالي لهذه الجيوش. لم يثمر عن تحقيق انتصارات حقيقية وحاسمة. وإن كانت هناك بطولات فردية لبعض الوحدات أو الكتائب العسكرية. مثلما صنعته الوحدة المصرية التي كان جمال عبد الناصر رئيس أركانها في منطقة الفالوجة. والتي صمدت أمام العصابات الصهيونية لفترة طويلة ولم تستسلم لها. والمؤكد أن أوضاع الجيش المصري في هذه الحرب بالذات. وغيرها من الجيوش العربية. هي التي صاغت بدايات تفكير عبد الناصر في ضرورة تغيير وضعية مصر الداخلية. وإعادة بنائها سياسيا وعسكريا واقتصاديا. لتكون قوة قادرة على مواجهة العدوان والكيان المزروع في المنطقة. وكانت تلك الشرارة الأولى باتجاه صياغة مشروع ثورة الثالث والعشرين من يوليو في العام 1952. والتي جعلت القضية الفلسطينية وتحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني على رأس جدول أعمالها القومي والإقليمي.
بالطبع أسباب النكبة متعددة ومتنوعة. وتحتاج إلى إعادة قراءة للتعلم منها وتجاوزها. وللأسف ما حدث على مدى ما يقترب من السبعة عقود ينبئ بأن ليس ثمة ما تعلمه العرب والفلسطينيون. فغياب الإستراتيجية الموحدة للتعامل مع إشكالية الاحتلال والتي تجاوزت نتائج نكبة الــ 1948. إلى نتائج نكسة الــ1967 حيث تمددت الأراضي. التي احتلها قطعان بني صهيون وعصاباتهم ما زال قائما للأسف... الأمر الذي ما فتئ يدفع قادة هذه العصابات إلى الاستمرار.. في غيها ومخططاتها التوسعية ولامبالاتها بالرقم الفلسطيني.. أولا ثم بالرقم العربي في معادلة الصراع. بل أكاد أقول: إن هذين الرقمين غائبان تماما. عن تفكير النخبة الصهيونية سواء على المستوى السياسي أو المستوى العسكري.. وهو ما يجعلها. خاصة بنيامين نتنياهو والذي شكل رابع حكومة له شديدة التطرف قبل أيام وصفت بأنها حكومة حرب وليست حكومة سلام. بالإعلان عن المزيد من بناء الوحدات الاستيطانية في القدس والضفة الغربية رغم الرفض الدولي والإقليمي لذلك بما في ذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي. والإبقاء على سياسة القبضة الحديدية والقمعية في المناطق الخاضعة للاحتلال. مما جعل واحدا من عتاة الداعمين للكيان. وهو الرئيس باراك أوباما في حديثه لصحيفة الشرق الأوسط اللندنية قبل أيام. لأن يصف هذا الاحتلال بالإذلال الممارس ضد الفلسطينيين والذي يستوجب إنهاؤه. وإن كنت أدرك أنه يقول هذا الكلام لصحيفة تخاطب الرأي العام العربي. بينما لن يتجاوز الأمر التصريح إلى الفعل. بمعنى أن يمارس الضغوط على حكومة نتنياهو لتكف عن الاحتلال وتقبل بالانسحاب من الأراضي المحتلة لتتم ترجمة الطروحات الأمريكية الخاصة بإقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة إلى جانب دولة الكيان. وفق ما يطلق عليه حل الدولتين. والتي قبلها الفلسطينيون والعرب. لأنه ليس ثمة خيارات بديلة أمامهم في ظل انكفائهم عن القضية الفلسطينية فضلا عن بزوغ أزمات وملفات ساخنة في المنطقة العربية. دفعت هذه القضية إلى التراجع عن دائرة الصدارة إلى ذيل جدول أعمال الاهتمامات العربية. رغم الإعلان المستمر بأنها القضية المركزية والأولى للعرب.
وثمة مفارقة كثيرا ما تخطر على بالي وأنا أتابع الشأن العربي سواء على الصعيد المهني أو كمواطن. وأتساءل: ألا يمكن أن تحدث مقاربة عربية جماعية تتسم بالحزم والجرأة.. مثلما جرى مع تشكيل التحالف العربي لاستعادة الشرعية في اليمن.. وأقول: هل يأتي يوم يشكل فيه العرب تحالفا واسعا. يضم الدول الإسلامية المؤثرة والتي تمتلك كل أشكال القوة الحديثة لاستعادة الأراضي الفلسطينية المحتلة. ولا أحلم في هذه المرحلة بكل فلسطين من البحر إلى النهر. فذلك أمر متروك للأجيال القادمة. قد يكون قدرا من الرومانسية يتملكني. ولكنه حلم هو بالتأكيد ليس قابلا للتطبيق. فقد تحقق مثله في زمن صلاح الدين الأيوبي. والذي استعاد القدس وفلسطين بعد احتلال صليبي استمر زهاء 150 عاما. بعد أن توحدت إمكانات مصر والشام. وقبل ذلك في زمن حاكم مصر قطز عندما أوقف التمدد المغولي في المنطقة بنفس منهجية توحيد قدرات كل من القوتين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كانت الحروب تُدار بالمدافع، والآن أصبحت تُدار بإبهامٍ يُمرِّر الشاشة إلى الأسفل. وكان الأفيون قديماً يُنهك جسد الأمم واليوم صار “أفيون الانتباه” يُنهك عقل الجيل وروحه. بريطانيا أغرقت الصين بالأفيون في القرن التاسع عشر ولم تكن المسألة تجارة بل كانت سوقاً تُدار لتدمير مجتمع كامل وانتهت بحربي الأفيون بين بريطانيا والصين، ثم بريطانيا وفرنسا لاحقاً بعدما قاومت الصين ذلك التخريب المدمِّر. والفكرة تُعاد بثوبٍ مختلف: (اجعل الإنسان مستهلكاً دائماً، ومشغولاً دائماً، وغاضباً دائماً، وضاحكاً على التفاهة دائماً، ثم اسأله: لماذا لا تقرأ؟ لماذا لا تفكر؟ لماذا لا تنتج؟). وسائل التواصل ليست شراً مطلقاً فيها علم، وصوت للمظلوم، وفرص للعمل والتعلُّم. لكن المشكلة حين تتحول المنصة من أداة في يد الإنسان إلى يدٍ خفية تمسك بعقله. اليوم يوجد نحو 5.79 مليار هوية مستخدم لوسائل التواصل حول العالم في أبريل 2026 أي إن المعركة لم تعد على أرض محدودة بل داخل جيوب البشر. وتشير بيانات عالمية إلى أن البالغين يقضون أكثر من ساعتين ونصف يومياً عند جمع الشبكات الاجتماعية مع منصات الفيديو مثل يوتيوب وتيك توك، أي نحو 18 ساعة و36 دقيقة أسبوعياً على أقل تقدير. هذا ليس وقتاً ضائعاً فقط، بل هذا جزء من العمر يُعاد توظيفه ضدهم ولخدمتهم وأجندتهم. الأخطر أن الجيل الصغير يدخل هذا النفق قبل أن تكتمل أدواته في التمييز. وفق مراكز بحثية قرابة خُمس المراهقين الأمريكيين يقولون إنهم على تيك توك ويوتيوب “بشكل شبه مستمر” وثلث المراهقين تقريباً يستخدمون منصة واحدة على الأقل بهذه الكثافة. أما منظمة الصحة العالمية في أوروبا فأشارت إلى ارتفاع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل بين المراهقين من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022، مع خطر إضافي متعلق بالألعاب الإلكترونية. وهنا يظهر “وحل التفاهات” مقطع بلا معنى، وتحدٍّ سخيف، وفضيحة عابرة، وضحك رخيص، وشهرة بلا قيمة، ومحتوى يُعلِّم الطفل أن الحياة سباق على الظهور لا على الإنجاز. الخوارزمية لا تسأل هل هذا ينفعه؟ بل تسأل هل سيبقى أطول؟ فإذا كان الغضب يُبقيه مثلاً زادته غضباً. وإذا كانت التفاهة تُبقيه أكثر سكبتها عليه أكثر كالمطر. والتربية هنا ليست أن نكسر الهاتف، بل أن نكسر السحر ونلعن الساحر. أن نعلِّم أبناءنا أن المجانية كذبة ناعمة فإذا لم تدفع مالاً، فإنك تدفع انتباهك، ووقتك، وسلامك الداخلي، وقيمك، ومبادئك. نحتاج في البيت إلى “نظام غذائي رقمي”: ساعات محددة، ومحتوى مختار، وقدوة من الوالدين، ومجالس بلا هواتف وهذه نقطة مهمة جداً. فنحن نحتاج إلى بدائل حقيقية رياضة، وقراءة، وصحبة صالحة، ومهارات تُطوَّر، وحوار يُنشأ داخل البيت الذي أصبح كأنه مقبرة، فالكل منكفئ على شاشة جاهزة يضاحكها بلا صوت ويلاعبها كأنه ملبوس. لقد كان الأفيون يُدخل الأمم في ظلمات ثلاث، أما أفيون الشاشات فيجعلها مستيقظة طوال الليل … نائمة طوال النهار. ومن أراد أن يحمي جيلاً فلا يكفي أن يمنعه من السقوط في الوحل بل عليه أن يزرع في داخله أرضاً صلبة يمشي عليها وينطلق منها.
4749
| 23 يونيو 2026
عندما يتعرض أي منتخب لخسارة قاسية، يكون من السهل توجيه أصابع الاتهام إلى اللاعبين وتحميلهم كامل المسؤولية، لكن ما حدث للعنابي أمام كندا يستوجب قراءة أكثر إنصافاً وواقعية. فاللاعبون أنفسهم الذين خرجوا بنتيجة إيجابية أمام سويسرا في الجولة الأولى لا يمكن أن يفقدوا قدراتهم بين ليلة وضحاها. ما تغير لم يكن مستوى اللاعبين بقدر ما كان غياب الرؤية الفنية الواضحة وسوء إدارة المباراة، وهي أمور يتحمل مسؤوليتها المدرب قبل أي طرف آخر. المشكلة الحقيقية لم تكن في الأسماء الموجودة داخل المستطيل الأخضر، بل في الطريقة التي أُديرت بها المباراة منذ بدايتها وحتى صافرة النهاية. وهنا تبرز مسؤولية المدرب الذي يتحمل النصيب الأكبر من هذه الخسارة الثقيلة، فالفريق ظهر من دون شخصية واضحة، ومن دون جاهزية ذهنية تسمح له بمواجهة الضغط أو العودة إلى أجواء اللقاء بعد استقبال الأهداف. كما بدا واضحاً أن العنابي لم يدخل المباراة بالحالة البدنية التي تمكنه من مجاراة نسق المنافس أو الحد من تفوقه. ولم تتوقف الأخطاء عند حدود الإعداد الذهني والبدني، بل امتدت إلى الجانب الفني. فالمدرب لم ينجح في استثمار قدرات لاعبيه بالشكل الصحيح، الأمر الذي أفقد الفريق الكثير من فاعليته، فظهر بعض اللاعبين بعيدين عن مستواهم المعتاد لأنهم لم يوظفوا فنياً في الأدوار التي تناسب إمكاناتهم. وكما نعلم فإن مباراة بهذا الحجم يصبح استغلال لاعب بحجم عفيف ضرورة وليس خياراً، وعندما يعجز المدرب عن توظيف أهم الأوراق الهجومية للفريق بالشكل الأمثل، فإن ذلك يعكس خللاً مباشراً في الرؤية الفنية قبل أي شيء آخر. الأكثر إحباطاً كان الإصرار على نهج دفاعي عقيم منح المنتخب الكندي أفضلية كاملة في الاستحواذ والسيطرة على مجريات اللعب، وبينما كان المنافس يهاجم بأريحية ويصنع الفرص تباعاً، اكتفى العنابي بالتراجع وانتظار ما سيحدث، وعندما بدأت النتيجة تتجه نحو سيناريو كارثي، لم نشاهد أي تدخل فني حقيقي يغير شكل المباراة أو يعيد التوازن إلى الفريق. صحيح أن طرد همام الأمين وعاصم مادبو شكّل ضربة مؤثرة وأربك حسابات الفريق، إلا أن اختزال النتيجة الكارثية للمباراة في حالتي طرد فقط لا يعكس الصورة الكاملة لما حدث، فالمنتخبات التي تمتلك هوية واضحة وشخصية قوية تستطيع التكيف مع النقص العددي وتقليل الأضرار، لكن العنابي بدا فاقداً للسيطرة والتنظيم حتى قبل حالات الطرد، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول الجاهزية الفنية والتكتيكية. المدرب لم يقرأ المباراة بالشكل المطلوب، ولم ينجح في إيجاد حلول أو إجراء تعديلات مؤثرة تحد من تفوق المنافس. التبديلات جاءت متأخرة ومن دون أثر واضح، والخطة بقيت كما هي رغم أن المباراة كانت تسير في اتجاه واحد. والأسوأ من ذلك أن المدرب لم يحرر اللاعبين القادرين على صناعة الفارق، بل وضعهم داخل أدوار حدّت من خطورتهم وأفقدت الفريق أحد أهم أسلحته الهجومية. كلمة أخيرة: تحيةٌ وتقديرٌ واحترامٌ لجماهير منتخبنا التي بقيت في المدرجات بروحٍ وطنيةٍ عاليةٍ رغم الخسارة الثقيلة.
4578
| 21 يونيو 2026
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
2103
| 28 يونيو 2026