رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
متوالية الدم باتت مستعصية على التوقف في وطننا العربي، رغم حضور روحانيات شهر رمضان الكريم والتي من المفترض أن تدفع الجميع إلى الشعور بالحياء من الخالق الأعظم، لتجنب سفك الدماء التي أمر- سبحانه وتعالى – ألا تسفك إلا في الحق ومجاهدة العدو الخارجي الذي يغتصب الأوطان وينتهك الحقوق، لكن ما بالنا نحن العرب تركنا عدونا سادرا في غيه، متجبرا علينا، مستمتعا باغتصابه لأراضينا وممارسته القهر ضد شعوبنا، وأخذنا نتقاتل فيما بيننا، ولا نغادر فرصة لقتل أو قطع رؤوس أشقائنا، ومحاولة فرض الهيمنة على أبناء الوطن الواحد أو السعي إلى تمزيق هذا الوطن على أسس عرقية أو طائفية أو مذهبية، من دفع الأمور إلى هذا النحو المريع؟ الذي ينطوي على مخاطر بالغة، ليس على الدولة الوطنية والتي يكاد بعضها أن يبلغ حد الدولة الفاشلة، أي غير القادرة على أداء مهامها ولعب الأدوار المطلوبة منها من فرط حالة السيولة التي أصابت تماسك نسيجها الوطني وإنما يمتد إلى مجمل ما بات يطلق عليه الأمن القومي العربي المهدد في صميم وجوده وزمنه الآتي، وأخشى ما أخشاه أنه في ظل استمرار متوالية الدم وما ينتج عنها من حالات احتقان وانقسام وتفكك نفسي، قبل أن يكون عضويا، أن يدخل إلى نفق مظلم لا يمكننا مغادرته إلا بمعجزة إلهية،
لقد تفجرت ثورات الربيع العربي وهي كانت من الضرورة بمكان منذ ما يزيد على أربع سنوات، وكان المأمول أن تدخل الأوطان التي اندلعت فيها زمنا جديدا عناوينه، بناء دولة جديدة على أسس الديمقراطية والمساواة والمواطنة والتعددية السياسية والعدالة والكرامة الإنسانية، بيد أنه سرعان ما أصاب العطب هذه الأهداف وتعطلت مسارات الثورات، ودخل أغلب دول الربيع نفق الدم المعتم والذي تجاوز ضحاياه مئات الألوف من القتلى والجرحى، والملايين من اللاجئين والنازحين ، وتصاعدت في الوقت ذاته مصادر التهديد الخارجي استغلالا لحالة السيولة السياسية والأمنية بل والاقتصادية، مما قاد بالضرورة إلى تفاقم الأوضاع نحو المزيد من السوء، فعوضا عن تحقيق تفاهمات وطنية يتطلب الأمر الاستعانة بأطراف إقليمية أو خارجية لحسم الكثير من الملابسات والإشكاليات القائمة، والتي من دونها يتعطل أي حل أو أي تفاهم تتوافق عليه القوى الوطنية.
ومع ذلك، فإنني لست ممن ينحون باللائمة على العامل الخارجي فقط، رغم أهميته في حسابات التعاطي السياسي مع الأزمات العربية الغارقة في الوقت الراهن في مستنقع متوالية الدم، فالأطراف الداخلية هي الأساس والتي تمارس معول الهدم نتيجة قناعات طائفية ومذهبية وعرقية أخذت تتلبسها بعد ثورات الربيع العربي وبعضها رأى في هذه الثورات مجالا حيويا للتنفيس عما ترى أنه قهر يمارس ضدها من الدولة المركزية أو ما تظنه هيمنة من طائفة أو فئة، فسارع بعضها إلى محاولة فرض نفسه كرقم في المعادلة الوطنية وذلك ليس عيبا في حد ذاته وإنما العيب يكمن في الاستقواء بالخارج وفتح طريق له للانخراط في معادلات الداخل، الأمر الذي يفضي إلى المزيد من سفك الدماء وأنموذج اليمن وسوريا والعراق واضح في هذا السياق بلا أي لبس أو غموض وتلك معضلة كبرى تتطلب يقظة ضمير وطني وإدراكا أن أي محاولة لاستعادة حقوق تاريخية أو طائفية أو مذهبية لن يكتب لها النجاح إلا عبر التوافق الوطني والحوار السياسي، فيما بين الفرقاء وليس عبر الاستعانة بعناصر خارجية هي لا تهمها مصلحة هذه الفئة أو تلك بقدر ما يحقق لها مصالحها في استعادة أو خلق نفوذ أو هيمنة إقليمية لها في الوطن العربي، وأسهم ذلك من دون شك في دفع أقطار عربية عدة إلى الدخول في حالة الحرب الأهلية، التي إن لم تنتبه أطرافها إلى الإسراع بوأد جذوتها ستقود الجميع إلى الهلاك، حيث لن يكون هناك وطن أو ثروات أو مقدرات أو حتى شعب للهيمنة عليه، بل رماد وبقايا حرائق ودخان، وعندئذ فليبتهج الجميع، لأن الأطراف الخارجية سيكون السبيل مفتوحا أمامها للسيطرة على هذا الوطن والشعب ومقدراته وثوراته.
وثمة عامل فرض نفسه على متوالية الدم في الوطن العربي، يتمثل في الظهور القوى للتنظيمات الإرهابية، والتي اتسع نطاق وجودها وتأثيرها لتتجاوز حدود الدولة الواحدة ولتمتد إلى بقية الإقليم العربي وتصل أعدادها حسب تقديرات الخبراء إلى عشرة ولكن تنظيم داعش يتصدرها حضورا طاغيا وقدرة على التمدد وتوجيه ضربات موجعة مما دفعه في غضون عام واحد منذ يونيو 2014 إلى السيطرة على أكثر من نصف مساحة سوريا وثلث مساحة العراق وأخذ يظهر عينه الحمراء في كل من ليبيا ومصر ولبنان بدرجة من الحدة، وإن كانت محاولاته لتحقيق اختراق جوهري في دولة مثل مصر تبوء بالفشل، ومع ذلك لا يمكن التقليل من مخاطره، وهو ما تجلى في محاولته قبل أيام استعراض قوته في شمال سيناء من خلال العملية الهجومية على مدينة الشيخ زويد، والتي كان يستهدف من ورائها رفع علم داعش عليها وتحريرها تمهيدا لإعلان حقيقي لما يطلق عليه ولاية سيناء، ولكن جسارة الجيش المصري تمكنت بعد ساعات قلائل يوم الأربعاء الفائت، من إجهاض المحاولة رغم قسوة المواجهات التي خاضها جنودها وضباطه.
والسؤال الملح هل بالإمكان وقف متوالية سفك الدم؟ بصراحة الأمر يبدو من الصعوبة بمكان، فالملاحظ أن هناك حالة من التراخي الرسمي العربي في التعاطي مع هذه المتوالية، والأمور تمضي والدماء تراق كل يوم، بل كل ساعة ودقيقة، والحركة العربية مصابة بقدر من الفتور إلا من غليان البيانات المستنكرة والمنددة، مثلما حدث مؤخرا مع الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها كل من الكويت وتونس ومصر وهو أمر يبعث على القلق ويستوجب استعادة للفعل القومي القادر على بلورة تصور ما لوقف هذه المتوالية، ليس عبر صيغة تشكيل قوة عربية مشتركة، والتي ما زالت مطروحة للنقاش في أروقة النخب السياسية والعسكرية العربية فحسب، وإنما عبر خطوات عديدة تضمنتها العديد من الوثائق والدراسات التي قدمتها المراكز البحثية العربية، وفي مقدمتها بناء نسق إستراتيجي شامل للمواجهة لا ينهض على الأساليب العسكرية والأمنية فقط، وإنما يمتد إلى مجالات شتى تحتاج إلى تغيير في البني الفكرية والأطر التنفيذية وفي أدوات التنمية المعمول بها في أغلب دولنا العربية، وتقوم على احتكار فئة لمعادلة السلطة والثروة وقمع الاستبداد، الذي أخذ أشكالا مختلفة بعد ثورات الربيع العربي.
إن مقومات محاربة متوالية سفك الدم قوية لكنها في حاجة إلى من يستنهضها ويقيلها من عثرتها ويدفعها
لمغادرة كبوتها، لأن ما يحدث في المرحلة الراهنة ملهاة كبيرة ندفع كلفتها من وجود الأمة كلها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4605
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3297
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1266
| 28 سبتمبر 2026