رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هل خدعتنا كتب التنمية البشرية؟

اجتاحت المكتبات العربية في بداية الألفية الجديدة موجة عارمة وغير مسبوقة من كتب التنمية البشرية وتطوير الذات، حيث تحولت من مجرد إصدارات عابرة إلى ثقافة عامة موجهة تهيمن على أرفف المكتبات الخليجية والعربية، ولقد كنتُ –كغيري من أبناء هذا الجيل– شاهداً حقيقياً على ذلك التدفق المعنوي المستمر، حيث تفتّح أعيننا على عناوين براقة تَعِدُ بالنجاح المطلق، والثراء السريع، والصلابة النفسية التي لا تقهر أمام معضلات الزمن، فكنا نلتهم تلك الصفحات بشغفٍ ونتطلع باحثين عن البوصلة السحرية التي تدير تفاصيل حياتنا وتطور ذواتنا وتخطط مساراتنا و تحقق أهدافنا، وكنا مدفوعين بتلك الكلمات التي تعني بالتغيير وتفجير الطاقات المكنونة وإخراج المارد من قمقمه رغبة منا في اعتلاء مناصب ومكاسب اجتماعية ووظيفية، ومؤمنين بيقين تام بأن بين دفتي كل كتاب من تلك الكتب تكمن الشفرة السحرية الخفية التي ستعيد صياغة واقعنا بالكامل وتمنحنا تفوقاً استثنائياً مستداماً في حياتنا وبيئات العمل والمجتمع المحيط بنا. إلا أن الحقيقة تتمثل في أن هذه الكتب سرعان ما اصطدمت بأرضية الواقع المأزوم، لتتكشف لنا مبالغات غير معقولة وسلوكيات مغلوطة خطيرة صنعتها هذه الكتب في عقول العوام من القراء الباحثين عن طوق النجاة في حياتهم، فبدلاً من أن تكون هذه الإصدارات شعلة من نور تفتح للناس الأبواب المغلقة بالبصيرة وتضيء لهم الفكر القويم، أغرقت هذا الجيل في وهم "المثالية الصارمة" وصنعت ما يمكن تسميته بـ "النفاق النفسي المعاصر" والعيش في " النجاح الوهمي والخيالي"، حيث يطير الفرد فوق أجنحة شعارات رنانة تدعي القدرة اللامحدودة على تجاوز كل الآلام، بينما يعيش بحقيقته في واقع مرير وحالة من الانهيار الصامت والعجز التام أمام أول عائق يواجهه في حياته، وإن هذه المبالغات التجارية الفجة غير المسؤولة فرضت واقعاً مأساوياً من الإحباط والرغبة في الإنزواء لوجود حدث أنتج فشلاً ذريعاً. وأمام هذه المعطيات، ألا يستحق الأمر منا وقفة مراجعة حاسمة لحماية عقولنا من هذا الخرف الثقافي ؟ فالحل الحقيقي والوقائي يبدأ بألا نثق كثيراً وبشكل مطلق في كل ما يُسطّر داخل كتب التنمية البشرية، فنحن أمام سوق فكرية شاسعة، منها ما هو مفيد يلامس الوجدان، ومنها ما هو زائف وغير واقعي بالمرة، والحقيقة المرة التي يجب مجابهتها هي أن بعض هؤلاء الكتاب يقتات بانتهازية على آلام الشعوب وحاجتهم للخلاص من مشاكلهم، وبعضهم الآخر جاهل يفتقد لأدنى شهادات المعرفة أو التخصص العلمي، متخذاً من الوسامة والخطابة قناعاً لتسويق النجاح الوهمي، لذلك، يا أصدقائي، لا تسلموا عقولكم لكل قائل، وحركوا عقولكم بالوقوف على الحقائق بدلاً من الاستسلام الأعمى، وثقوا بقدراتكم الكامنة واسعوا في مناحي الحياة سعياً استرشادياً ذكياً يجمع بين التدبر والعمل، ومتجاوزين ثقافة الشعارات المعلبة، وإذا التبست عليكم الطرق، فاستشيروا المتخصصين والخبراء الحقيقيين في كل مجال بحد ذاته، فهم الأقدر على تشخيص الواقع وتقديم مسارات رصينة وعملية بعيداً عن التنظير الجاف ومبالغات تلك الكتب، ولا تنسوا في نهاية المطاف، أن تجعلوا أمام أعينكم اللجوء إلى القوة السماوية وأعني أن تتوكلوا على الله وحده، فهو الخالق الذي يعلم قصورنا ونقصنا البشري.

171

| 02 يونيو 2026

أين يختبئ المثقف المتواضع؟

لماذا يقبل الناس على مثقف أدنى من مثقف آخر ويأخذون برأيه؟ وهم يعلمون أن المثقف الذي انزووا عنه أكثر علما من المثقف الأول؟ فعندما نتأمل في تاريخ الأفكار وتطورها وتغيرها، نكتشف أن الأزمات الكبيرة التي نعانيها لا تأتي مباغتة بقدر ما تكون نتيجة أخطاء تراكمت وتُرِكت لسنوات دون علاج. ومن أكبر هذه الأخطاء هي فكرة "وصاية المثقف" على المجتمع، فبدلاً من أن يكون المثقف شعلة نور تفتح الأبواب المغلقة فكرياً وتكشف الحقائق للناس وتريهم النور في حياتهم، تحول مع الوقت إلى "وصي" على عقول الناس البسطاء ويحاول فرض رأيه بالقوة على المجتمع دون دلائل واضحة ودون أخلاقيات سمحة، فالناس قد تتقبل منك لأن طريقة عرضك للفكرة كانت مغلفة بالود والاحترام، وهذا الأسلوب الاستعلائي الكبريائي جعل بعض المثقفين يرى نفسه كأنه "المرشد" أو المنقذ الوحيد الذي يملك الحقيقة المطلقة، بينما ينظر إلى عامة الناس وكأنهم "قطيع" جاهل، فلا يعرفون مصلحتهم ولا يفهمون شيئاً في الحياة من دونه، وهذا التعالي والكبر الثقافي لم يظل مجرد كلام في الكتب، بل تحول إلى جدار عازل فصل المثقف تماماً عن نبض الشارع الذي يعيش في مجرياته، فصار يعيش في برج عاجي معزول، يطلق شعارات رنانة بعيدة كل البعد عن هموم الناس ومشكلاتهم الحقيقية في الواقع. وفعلا إذا تأملنا في دقائق هذه المسألة سنجد أن هذه النخبة الفكرية التي تعامل الناس بهذه الأفعال الاستعلائية سرعان ما تنكشف جهالتها عند أول صدمة، فالمثقف الاستعلائي الذي قضى سنوات طوالاً يدعي أنه يملك مفاتيح الحلول ويرسم المستقبل، وجد نفسه فجأة واقفاً في مكانه مذهولاً وعاجزاً أمام الأحداث والتحولات الكبيرة التي هزت بيئته من حوله، ولقد أثبتت لنا الوقائع أن الحياة تتحرك بسرعة مدهشة ولها قوانينها الخاصة، وهي لا تنتظر إذن المثقفين ولا تطلب بركة المفكرين لكي تتغير من مسار الى مسار ومن نتيجة الى نتيجة، ولهذا السبب، سقطت العديد من الأفكار والشعارات والادعاءات الكبرى التي ادعاها بعضهم أمام انتفاضات الناس العفوية تجاه المسلمات بزعمه، وهذا العجز الواضح كشف لنا أن هذا التعالي لم ينتج وعياً، بل أصاب أصحابه بـ"عمى وغرور فكري"، وبدلاً من أن يستشرف المثقف المستقبل ويمهد الطريق للمجتمع، أصبح هو أول من يتفاجأ بالتحولات والخطوات التي يتخذها الناس، مما أفقده هيبته وثقة الشارع به. وأمام هذه الحقائق، أصبح من الواجب اليوم أن نرفض هذا النمط من المثقفين ونبحث عن نموذج "المثقف المتواضع"، لكي نكسر هذا الوهم، ويجب على المثقفين النزول فوراً من منصات الأستاذية والتوقف عن توزيع صكوك الغفران والمحاكمات الفكرية، وأن يدخلوا مع الناس في حوار حقيقي كشركاء لهم في حياتهم، ولا يكونوا أوصياء على عقولهم، فالحل ليس في إلغاء دور المثقف والثقافة، بل في جعل المثقف باحثاً مستمراً عن الحقيقة يداً بيد مع مجتمعه، ولا يظن نفسه حارساً لنسخة واحدة منفردة من المعرفة ويظن أنه الوحيد الذي يملكها. فيا أصدقائي إن الاعتراف بأن المعرفة واسعة، وأن الناس العاديين قادرون على فهم واقعهم وإدارة حياتهم، هو الخطوة الأولى لإنهاء الفجوة الكبيرة بين بعض المثقفين والناس، وعندها فقط، ستتحول الثقافة من أداة للتعالي على الناس إلى مساحة حرة تخدم الجميع، فالأفكار لم تُنتج ليتعالى بعضنا بها على بعضنا، بل وُجدت لتصحح نفسها أولاً، وتضمن ألا نقع في فخ الوصاية على عقول الآخرين مجدداً.

657

| 26 مايو 2026

"الأمراض الإدارية" والانهيار الصامت

في قلب الدوحة الآن، حيث يبرز معرض الدوحة الدولي للكتاب في نسخته الحالية كمنارة فكرية تجمع صناع المعرفة والمبدعين من شتى أنحاء العالم العربي، وفي هذا المحفل الثقافي الرفيع، يشارك كتابي "الأمراض الإدارية" الصادر عن مركز طروس للنشر والدراسات، ليقدم رؤية تحليلية عملية في الفكر الإداري، حيث تتمحور فكرة الكتاب حول تشخيص وتشريح المشكلات والأزمات الهيكلية والسلوكية التي تصيب بيئات العمل داخل المؤسسات والمنظمات الحكومية والخاصة، مشبهًا هذه الاختلالات والمشكلات بالأمراض العضوية الحيوية التي إذا تُركت دون علاج أدت إلى تراجع الإنتاجية وفشل المنظومة بالكامل، وقديماً ذكر ابن خلدون أن الدول وهي تندرج تحت مفهوم المنظمات أنها كالإنسان تمرض وتموت، لذلك ينطلق الكتاب من رؤية تحليلية تعتبر الإدارة كائنًا حيًا كالإنسان يعتريها ما يعتريه، ويمر بحالات من الصحة والمرض ويتذبذب بينهما، حيث يسلط الضوء فيها على الممارسات الخاطئة، وغياب التخطيط السليم، وتفشي البيروقراطية المقيتة التي تعيق التطور الإداري، متجاوزاً رصد الظواهر السلبية فقط ويغوص في جذورها العميقة، حيث يقدم الكتاب مساراً علميًا يجمع بين التنظير الأكاديمي والخبرة العملية في برامجي الإدارية التدريبية، ليكون مرجعًا لكل قيادي وإداري يسعى لفهم خبايا الفساد التنظيمي وكيفية الوقاية منه قبل استفحاله. وتتجلى القيمة التشخيصية لمفهوم "الأمراض الإدارية" في رصد وتحليل طيف واسع من هذه الاعتلالات الشائعة، وتصنيفها بدقة وفقًا لطبيعتها وتأثيرها المباشر على بيئة العمل والمناخ الوظيفي، ومن أبرز هذه الآفات والأمراض "مرض البيروقراطية والروتين القاتل" الذي يجمد المبادرات الفردية ويخنق طاقات الإبداع والابتكار تحت وطأة الإجراءات المعقدة والدورات المستندية الطويلة، ويضاف إلى ذلك "مرض المركزية المطلقة" واحتكار سلطة القرار في هرم القيادة، وهو ما يؤدي حتمًا إلى شلل الصفوف الإدارية الوسطى والدنيا، وتجريد القيادات الصفية من فعاليتها نتيجة غياب مبدأ تفويض السلطات والصلاحيات، ويتسع النطاق التشخيصي لمفهوم "الأمراض الإدارية" ليشمل أوبئة تنظيمية وسلوكية أخرى لا تقل خطورة، مثل "مرض الشللية والواسطة والمحسوبية" الذي يضرب مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص في مقتل ويحبط الكفاءات الحقيقية، مرورًا بـ "مرض مقاومة التغيير" والتوجس من التطوير التنظيمي والتحول الرقمي والحديث، وصولًا إلى "مرض النفاق الإداري" وغياب الشفافية، حيث يغيب النقد البناء والمكاشفة، بينما تطفو الإنجازات والتقارير الوهمية على السطح لتواري الإخفاقات الحقيقية، وهي كلها أمراض تُحلل علميًا باعتبارها أعراضًا واضحة لخلل أعمق وأخطر يضرب قيم الثقافة التنظيمية داخل المؤسسات. وأمام هذا الواقع المأزوم، تبرز الضرورة القصوى لتبني سبل العلاج والوقاية بشكل حاسم وفوري، إذ إن استمرار تفشي هذه الأمراض دون تدخل منهجي وقائي وعلاجي يعني حتمًا انهيار المنظومة المؤسسية وتآكل قدرتها التنافسية وهدر مواردها البشرية والمالية، ويأتي الاعتراف بوجود المرض الإداري كأولى خطوات الشفاء، والتميز الحقيقي هنا يكمن في تجاوز حدود التشخيص المحبط أو الاكتفاء بوصف المشكلات، والانتقال الفعلي نحو تبني طرق علاج علمية ورصينة وقابلة للتطبيق الواقعي.

579

| 19 مايو 2026

كيف أعادت "القطرية للإعلام" تموضعها الإستراتيجي ؟

الجميع يتفق أنه لا يتوقف دور الإعلام الحديث في عصرنا الحالي عند حدود "نقل الخبر" فقط، بل يتجاوزه ليصبح جسراً حضارياً ملموساً واقعياً يعبر بالدول والأمم نحو صناعة الوعي المجتمعي وتشكيل الوجدان الجمعي لشعوبها، فإن الإعلام في جوهره هو "رسالة وجودية بصرية وسمعية" تحمل قيم الدولة والأمة بشكل عام وتطلعاتها الكبرى إلى آفاق العالم وتنشرها، وفي ظل هذا التسارع والإيقاع المعرفي والتقني، يبرز الإعلام بكل وسائله كضرورة حتمية لتعزيز المكانة الوطنية وبناء حضور ميداني يتجاوز التقليد والجمود نحو الابتكار والإبداع المعرفي، وهو ما تجسده حالياً المؤسسة القطرية للإعلام في سعيها لإرساء قواعد إعلامية رصينة تواكب استحقاقات المرحلة وتستشرف آفاق المستقبل بوعي ونضج. فالحراك التطويري الشامل الذي تشهده المؤسسة القطرية للإعلام لم يكن صدفة، بل هو ثمرة تفاعل دقيق ومميز بين الحضور الذهني للقيادة التي ترأسها وبين متطلبات التحديث الإداري المنصوص في أدبيات علم الإدارة و التطوير المؤسسي، فمع تسلم الشيخ خالد بن عبدالعزيز آل ثاني لإدارة المؤسسة كرئيس تنفيذي لها، يجد المراقبون والمهتمون أن المؤسسة شهدت إعادة لما يسمى في علوم الإدارة بـ "الهندسة الإدارية" التي استبدلت القوالب التقليدية بقوالب جديدة تتسم بالفكر المرن الذي يرتكز على الرشاقة الإدارية الاحترافية وجلب الكفاءات النوعية الإعلامية وتنويع الأنشطة الإعلامية وتحديد الفئات المستهدفة ومعرفة الظروف المحيطة، فقد نجحت القيادة في المؤسسة في تقديم نموذج إداري يحقق توازناً متميزاً بين "الروح الأصيلة" للتقاليد الخليجية والعربية بشكل عام وبين "الحداثة العصرية" في أدوات العمل الإعلامي، مما حول المؤسسة القطرية للإعلام إلى مختبر للابتكار والإبداع الإداري. وخير شاهد لذلك ما حصل مؤخراً من إطلاق قناة قطر الاقتصادية (QBC)، كترجمة حقيقية لهذا الانتقال من نموذج "الحشو التقليدي الإعلامي" إلى نموذج "الوعي التجديدي التخصصي" المدرك للظروف المحيطة، فهي ليست مجرد قناة تبث بتقنية عالية وتنقل الخبر الاقتصادي، بل هي "هوية اقتصادية" عربية وخليجية النشأة، عالمية الطموح، تسعى لتفكيك تعقيدات المشهد المالي وتقديمها برؤية عميقة خصوصاً للمرحلة الحالية والحرب الإيرانية الامريكية الدائرة الآن وأثرها على حياة الشعوب الخليجية اقتصادياً. فيأتي بزوغها كقناة اقتصادية استجابة حتمية لفك شفرات المشهد المالي المعقد الحاصل الآن في الخليج، إذ يتجاوز دورها نقل المؤشرات الجافة إلى حماية الوعي المجتمعي الخليجي والعربي من تداعيات الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة، لاسيما في ظل اضطرابات التوتر الحاد بين ايران وامريكا والتي تهدد أمن سلاسل الإمداد في مضيق هرمز، وتُعطل شريان حركة التجارة الدولية والملاحة الجوية، وتلقي بظلالها القاتمة على استدامة قطاعات السياحة وفرص التوظيف ومعدلات البطالة الهيكلية في الخليج، لذلك يجدها المراقبون منصة لصناعة "الأمن المعرفي الاقتصادي" الذي يُمكن الشعوب الخليجية والعربية من استيعاب تقلبات السوق العالمي بوعيٍ تخصصي رصين، محولةً الإعلام من مجرد راصدٍ سلبي للأزمات إلى درع تحليلي للحدث ومختبر يستشرف ويقرأ آفاق الاستقرار الاقتصادي والنمو وسط أمواج الصراعات العاتية نجانا الله منها قريباً.

324

| 12 مايو 2026

الجغرافيا المتمردة

لطالما يستيقظ الفرد منا اليوم على إيقاع يومي متسارع وصاخب، فنحن نعيش في زمن تداخلت فيه تحديات جغرافيتنا المحيطة مع عواصف المصالح الدولية، مما جعلنا في سباق محموم لا يترك لنا مساحة كافية لاستيعاب حجم التحديات من حولنا، وهذا الواقع يفرض علينا حضوراً ذهنياً وقدرة عالية على فهم الحدث، لندرك كيف تعيد التجاذبات السياسية والجغرافية رسم حدود حياتنا ومستقبلنا، وهو ما يمكن أن نطلق عليه "الجغرافيا المتمردة" التي بدأت تتجاوز الحدود المرسومة على الورق، فبين مطرقة الجغرافية المحيطة وسندان الحروب والتوترات، يبرز "التمرد الجغرافي" كواقع جديد نرى فيه الأرض والممرات تتبدل من تحت أقدامنا، فارتفاع منسوب البحار وتهديد الملاحة في المضايق الحيوية ليست مجرد أخبار عابرة، بل هي قوى تعيد ترتيب سيادة الدول ومستقبلها، مما يولد شعوراً بالاغتراب المكاني والضيق النفسي لدى قيادات المنطقة وشعوبها الذين يرون الواقع يتبدل بسرعة دون وعي حقيقي بمآلاته، فتغرق المجتمعات في معالجة أزمات لحظية ومطالب يومية مرهقة تفصلها عن استقرارها المنشود. وفي عالمنا العربي ومنطقة الخليج خاصة، تظهر ملامح هذه "الجغرافيا المتمردة" في قلب التحديات القائمة الآن حيث تتقاطع الجغرافيا مع نيران الصراعات الإقليمية، لا سيما التوترات الإيرانية الأمريكية التي تضع "مضيق هرمز" في عين العاصفة، وإن أي تهديد لسلامة نقل النفط والغاز عبر هذا الشريان الحيوي يمثل زلزالاً اقتصادياً ونفسياً يهدد جودة الحياة والاستقرار الذي بنيناه كخليجيين بجهد، وهنا تبرز الحاجة إلى "الحكمة" كبوصلة توجه سلوكنا، فلا نكتفي بمراقبة الأحداث، بل نسعى لفهمها بعمق وتأمل مواقفنا بصدق، وإن الوصول إلى بر الأمان وسط هذه الأمواج المتلاطمة سواء كانت مناخية أو سياسية تهدد موانئنا لن يكون بالصدفة، بل بممارسات سياسية ذكية تضمن تقليل الإخفاقات وحماية ثرواتنا من الضياع في ظل صراعات لا تنتهي. لذلك فإن مواجهة هذا "التمرد الجغرافي" في موازين القوى تتطلب منا فكراً إدارياً يتجاوز نمط "الإدارة بالأزمات" إلى رحاب "التدخل الاستراتيجي الواعي"، فالتحدي اليوم ليس مجرد صراع مؤقت، بل هو اختبار لمدى قدرتنا على إعادة هندسة علاقتنا بالمجال الحيوي والممرات المائية التي لطالما كانت عبر التاريخ هي المبتدأ والخبر في بقاء الدول وسقوطها. وتبدأ هذه العملية بتطبيق سياسة "التوقف والتأمل"، وهي تلك الفجوة الزمنية التي تمنح القائد الإداري فرصة لمراجعة الخطط وتأمين سلامة الطرق والإمداد، وابتكار بدائل استراتيجية لنقل الطاقة والإمدادات قبل أن تسبقنا ردود الأفعال الانفعالية تجاه أي تصعيد عسكري بين القوى الكبرى، فنقع في فخ "النقص المؤسسي" والاضطراب المؤسسي، فالمطلوب اليوم هو غرس "الحكمة" في وعينا ووعي الأجيال، وبناء عقولهم ليكونوا أداة إدارية لإدارة الأزمات المعقدة، وبناء دول مرنة تدرك أن أمن الخليج هو في الحقيقة "ارتباط عميق بمعنى الوجود الجغرافي" والقدرة على التعامل مع التهديدات بنضج وهدوء يحفظ جودة الحياة والاستقرار النفسي للمجتمعات.

204

| 05 مايو 2026

لماذا نمنح الغرباء مفاتيح بيوتنا؟

تعد ظاهرة "الاستعراض" على منصات التواصل الاجتماعي اليوم علامة واضحة للصراع المحتدم بين الموروث القيمي للمجتمع والتحولات التكنولوجية المتسارعة التي أعادت صياغة مفهوم "الخصوصية"، إذ لم تعد هذه المنصات مجرد قنوات لتبادل المعلومات، بل استمالت الجموع البشرية لتحولها إلى "مسارح مكشوفة رقمية" تضج باستعراض للممتلكات الخاصة والنجاحات اللحظية المؤقتة، وإن هذا السلوك ليس مجرد ترف في الطباع، بل هو نتاج رغبة فطرية جامحة في تأسيس "المقارنة الاجتماعية" والتي تهدف إلى تأكيد الذات وبناء الهوية الافتراضية عبر أعين الآخرين، ومع هيمنة المنصات، أصبح "الاستعراض" هو المحرك الأول لمشاعر الحسد والحقد المجتمعي والضيق النفسي، مما أوجد حالة من الصدام بين شهوة الظهور، وبين الموروث الثقافي المتمثل في "الخوف من الحقد والحسد"، وهذا التناقض خلق فجوة عميقة في وضع "الأمن النفسي" للمستخدم لهذه المنصات الذي بات يعيش في حلقة مفرغة من المراقبة والمقارنة، حيث تُقاس جودة الحياة بعدد الإعجابات، وتُبنى السعادة على أنقاض شعور الآخرين بالنقص. وقد أولت كثير من الدراسات الأكاديمية اهتماماً رصيناً بتشريح وتفسير هذه الظاهرة، فأشارت بعضها إلى أن بيئة التواصل الاجتماعي باتت الحاضنة الكبرى لنمو مشاعر الحسد والحقد المجتمعي، لا سيما في المنصات التي تعتمد على "التدفق البصري المكثف" كالستوري والريلز في "سناب شات" و"إنستغرام" و"تكتوك"، وتؤكد بعض نتائجها أن هذه المشاعر هي نتيجة مباشرة للمقارنة الاجتماعية التي يمارسها الفرد، والمفارقة العجيبة التي كشفتها بعض النتائج تكمن في وجود "سلوك دفاعي" قلق لدى شريحة واسعة من المستخدمين للمنصات، حيث يلجأ الكثيرون منهم إلى إخفاء إنجازاتهم الحقيقية أو حجب لحظاتهم السعيدة، ليس من باب التواضع أو الزهد في الشهرة، بل كآلية وقائية وتجنبية من التبعات النفسية والاجتماعية للحسد والحقد الرقمي، وهذا المشهد يجسد حالة من "الاغتراب الرقمي" حيث يُحرم الفرد من التمتع بنجاحه العلني خوفاً من "رادار" الحسد المتربص بكل جديد. لذلك نجد أن حل هذه المعضلة الاجتماعية المعقدة يتطلب رؤية عامة تتجاوز الدعوة السطحية لاعتزال تلك المنصات، لتصل إلى إعادة هندسة "المعيار القيمي" للفرد، ويبدأ العلاج من تعزيز "الذكاء العاطفي الرقمي"، وهو الوعي الكافي للتمييز بين الواقع الإنساني الحقيقي وبين الوهم المجمل التي يظهر على الشاشات، فإدراك أن ما يُنشر هو مجرد "لقطة سينمائية" وليس الحقيقة الكاملة يقلل من وطأة ألم المقارنات الهدامة، ولا ننسى دور المسؤولية الأخلاقية لـ "قادة الرأي" والمؤثرين في ضرورة كسر "الوهم" وتبني خطاب استعراضي أكثر إنسانية وواقعية، مما يساهم في ردم الفوارق النفسية المحفزة للحقد الاجتماعي، ومع كل ما سبق يظل "الوازع القيمي" ومعرفة كبح جماح الذات هو الحصن الأخير، فإدراك أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُستمد من منصات الاستعراض وأن الرضا الداخلي هو الترياق الوحيد لسموم الحسد والحقد المجتمعي، وهو السبيل الوحيد لتحويل هذه المنصات من ساحات افتراضية للاستنزاف النفسي والروحي إلى أدوات بناء حضاري وثقافي يعزز التواصل الإنساني.

483

| 30 أبريل 2026

هل وجود الأعداء نعمة ؟

يعتقد الكثيرون منا أن وجود عدو في حياتنا هو مجرد بلاء أو حظ سيئ يجب الخلاص منه فوراً، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير، فوُجود الأعداء في حياة الإنسان هو جزء من طبيعة الدنيا وتدافعها، وللفلسفة وجهة نظر قد تبدو غريبة، فهي ترى أن الأعداء "مفيدون" في كثير من الأحيان، لأن العدو هو أكثر شخص ينبهك إلى عيوبك ونقاط ضعفك التي قد يتغاضى عنها أصدقاؤك مجاملةً لك، وهو الشخص الذي يراقبك بدقة، وبدلاً من أن يكون عائقاً، يمكن أن يتحول إلى "وقود" يحفزك لتطوير ذاتك وتحسين مهاراتك لتثبت لنفسك وللعالم أنك الأفضل، فالعدو يجعلك دائماً في حالة يقظة وانضباط، ويمنعك من الركون إلى الكسل، وبهذا المعنى، يصبح الخصم أو العدو شريكاً غير مباشر في نجاحك وبناء قوتك. ومع مرور الزمن وتطور الحياة، تغير شكل "العدو" تماماً، ففي العصور القديمة كان العدو واضحاً، وهو الشخص الذي يحمل سلاحاً ليهجم على أرضك أو قبيلتك، وكانت المعارك تنتهي بانتصار أحد الطرفين جسدياً، أما اليوم، فقد أصبح للأعداء أشكال خفية، ناعمة، وأكثر تعقيداً، فقد يكون عدوك زميلاً يحاربك بـ "الكلمات" أو الدسائس في أروقة العمل، أو منافساً يحاول تشويه سمعتك عبر منصات التواصل الاجتماعي، أو حتى تياراً فكرياً يحاول زعزعة مبادئك وقيمك، وهذا التغير جعل العداوات أقل عنفاً في المظهر، لكنها أكثر استنزافاً للأعصاب والروح، مما يتطلب منا وعياً أكبر لمعرفة من هو الخصم الحقيقي، وكيف نتعامل مع أنماط العداوة الجديدة التي لا تستهدف الأجساد بقدر ما تستهدف عقولنا واستقرارنا النفسي. فلذلك فإن واجبنا الحقيقي تجاه هؤلاء الخصوم، هو التفكير في "الاحتواء" قبل الصدام المباشر، فالحكمة لا تكمن في كثرة المعارك وكسبها، بل في القدرة على إبطال مفعول العداوة بذكاء وهدوء، والصدام المباشر يستنزف طاقتك ووقتك وصحتك، بينما الاحتواء يعني فهم دوافع الشخص الآخر ومحاولة استيعابه أو تحييده وتجنب شره دون الدخول في صراع يستهلكك، فيجب أن يظل الصدام هو الخيار الأخير والاضطراري فقط، حين يكون هناك تهديد حقيقي لا يمكن دفعه إلا بالمواجهة، وتذكر دائماً أن أرقى أنواع الانتصار هو أن تنجح وتتجاوز خصومك بوعيك وأخلاقك، فليس من العقل أن تضيع عمرك في ملاحقة كل حجر رُمي عليك، بل الحكمة في أن تواصل طريقك تاركاً ضجيج الأعداء خلف ظهرك، فالحياة أقصر من أن نقضيها في حلبات المصارعة، ولطالما آمن العرب قديماً أن الأعداء هم "مِحكُّ الرجال"، فبهم يظهر الصبر ويُصقل المجد، كما قال الشاعر: "جَزى اللهُ الشَدائِدَ كُلَّ خَيرٍ.. عَرَفتُ بِها عَدُوّي مِن صَديقي"، لذلك كانوا يرون في الخصومة فرصةً لكشف العيوب التي يسترها المقربون مجاملةً، مؤكدين بلسان حالهم أن "عدوٌ عاقل خيرٌ من صديق جاهل".

615

| 21 أبريل 2026

هل وعينا كخليجيين مُحصّن؟

ونعني بالوعي هنا ببساطة حالة من "الإدراك" النشط للذات نفسها وللمحيط الذي حولها، فالوعي هو الروح الجامعة والذاكرة التاريخية لشعب من الشعوب والتي تتشكل عبر التراكم الثقافي والقيمي، وهذا الوعي لا يكون مجرد سيل من المعلومات العابرة التي يستهلكها الفرد يومياً، بل هو منظومة متكاملة من المفاهيم والمبادئ التي تتكون داخل محاضن التربية، والتعليم، والمؤسسات الدينية والاجتماعية الرصينة، وهذا الوعي يتشكل من خلال التفاعل الحي والمستمر بين الموروث الأصيل لشعب ما والمعارف الحديثة المتدفقة، ليصبح في نهاية المطاف "البوصلة التوعوية" التي توجه سلوك الأفراد والمجموعات تجاه القضايا الوطنية والمصيرية الكبرى، فلهذا فإن الوعي هو الحصن المنيع الذي يمنح المجتمع القدرة الفائقة على التمييز بين المصالح العليا للشعب وللدولة وبين الأجندات السياسية العابرة والمضللة، وهو الضمانة الوحيدة والأساسية لتماسك النسيج الاجتماعي وتلاحمه أمام الأزمات والحروب وتيارات التغريب الممنهج أو محاولات التفتيت الفكري. ومع ما سبق، يظل الوعي المجتمعي الخليجي في وقتنا الراهن في دول الخليج العربي عرضة للاختراق الممنهج والذكي، خاصة في ظل الحرب الأمريكية الإيرانية - بالرغم من الهدنة المؤقتة بينهما ولا نعلم مآلاتها - حيث تصبح عقول الناس في الخليج هي الميدان الحقيقي للصراع المباشر قبل الأرض والحدود، وهذا الاختراق يهددنا عبر أدوات متطورة في منصات التواصل الاجتماعي العابرة للحدود والأماكن، والتي تُغرق الأجواء العامة بالشائعات المدروسة، والهاشتاقات الموجهة، والمعلومات المضللة التي تهدف بالدرجة الأولى إلى زعزعة الثقة المتجذرة بين الشعوب الخليجية وقياداتها، أو إثارة النعرات المجتمعية والقطبية الضيقة لضرب الوحدة التلاحمية من الداخل. ولمواجهة هذه التحديات، تبرز هنا ضرورة تبني استراتيجية توعوية ووطنية شاملة لحماية وتحصين الوعي المجتمعي الخليجي، وتبدأ من تعزيز مفهوم "التربية الرقمية " أو " المواطنة الرقمية " كمنهج حياة، فيُعلم الأفراد مهارات التفكير النقدي للمحتوى الرقمي وكيفية التحقق من المصادر الموثوقة قبل التفاعل مع أي معلومة من هنا وهناك، فإن المسؤولية الكبرى تقع اليوم على عاتق النخب الفكرية والأكاديمية، التي يجب أن تمارس دورها الريادي في تبسيط الحقائق المعقدة وقيادة الرأي العام بوعي وحكمة ومسؤولية أخلاقية، بعيداً عن الانفعالات اللحظية والغضب السطحي الطفولي أو السقوط في فخ المزايدات السياسية، وكما يتطلب الأمر تفعيل دور المؤسسات التعليمية في غرس قيم "المواطنة الرقمية" التي توازن بين الحقوق والواجبات، وبناء "قوة ردع فكرية" تجعل من كل مواطن خفيراً واعياً على أمن مجتمعه، فإن حماية الوعي في دولنا الخليجية تتطلب إدراكاً بأن إدارة الكلمة الحكيمة والرزينة في أوقات الفتن هو أقوى وأكثر نفعاً من ضجيج الشائعات، وأن الالتفاف الصلب حول المشتركات الوطنية والتمسك بالهوية العربية والإسلامية هو السبيل الوحيد لإجهاض كافة محاولات الاختراق، لتظل مجتمعاتنا عصية على التشويه، ومحصنة بوعي ناضج يجمع ببراعة بين أدوات الرقمنة الحديثة وقيم الأصالة الخليجية العربية العريقة.

375

| 15 أبريل 2026

هل الزبون دائماً على حق ؟

تُعد هذه المقولة في عالم التسويق التجاري استراتيجية ذكية وعميقة في جوهرها، وترسم مساراً عملياً لتحقيق النجاح بأقل التكاليف النفسية والمادية، فالتاجر الفطن يدرك تمام الإدراك أن التعب في محاولة «إعادة صياغة» أذواق الناس أو تغيير قناعاتهم الراسخة تجاه السلع والخدمات هي معركة مرهقة، وغالباً ما تكون نتائجها ضعيفة ولا تخدم نمو الأرباح لديه، فالبديل الناجح والمسار الأكثر ذكاءً هو الانحناء أمام رغبات الجمهور وتكييف ما نقدمه من منتجات لتكون هي المرآة التي تعكس رغباته التي يرى فيها تلبية لاحتياجاته وتجسيداً لطموحاته، ما دام هذا الأمر يدور في فلك المباح شرعاً وقانوناً، وينسحب هذا الأمر ببراعة فائقة على العمل السياسي أيضاً، حيث يبرز السياسي «المحترف» كصانع استقرار وتاجر رخاء، فلا يتعامل مع المواطن بعقلية الوصاية الفوقية أو دور المربي الذي يسعى لتغيير المعتقدات الدينية أو الانتماءات الثقافية المتجذرة، بقدر ما يركز في مهمته وكونه الميسّر والضامن لحقوق المواطنين، والمتفهم لخصوصيات المجتمع، وموفراً البيئة التي تجعل حياة الناس أكثر رخاءً واستقراراً من خلال تلبية الاحتياجات التي يريدها المواطن. وأيضاً فإننا نجد أن تعميم هذه المقولة يتجاوز حدود الاقتصاد والسياسة ليمس جوهر العلاقات الإنسانية والاجتماعية في أدق تفاصيلها، فالاستقرار الاجتماعي في هذا السياق يقوم على مبدأ أصيل هو «قبول الآخر كما هو» بدلاً من إهدار العمر في محاولات بائسة لتغيير طباع المحيطين لتطابق مقاييسنا الخاصة، فتصبح مهارتنا الحقيقية في تكييف أساليب تواصلنا وتحقيق التناغم الاجتماعي بدلاً من الغرق في الصراعات مع الآخرين، ويمتد هذا الأثر لتلك المقولة ليشمل مجالات التربية والتعليم التي بدأت تدرك أن الطالب هو «الزبون» الذي لا يمكن صب عقله في قالب واحد، بل يجب تكييف الوسائل التعليمية لتمس شغفه وتناسب ذكاءه المتفرد، وصولاً إلى بيئة العمل والقيادة الإدارية، حيث ينظر القائد الملهم لموظفيه كـ «زبائن داخليين»، فلا يسعى لتغيير معادنهم الشخصية أو كسر إرادتهم، بل يهيئ لهم المناخ الإبداعي الذي يستخرج مكنونات قوتهم ويحول تباين شخصياتهم إلى مزيج جميل من الإنتاجية، مؤمناً بأن احترام تفرّد الفرد هو المحرك الأساسي لأي تطور مؤسسي مستدام. لذلك فإن تبني هذا المقولة «الزبون على حق» لا يعني بأي حال من الأحوال التسليم المطلق بصحة قرارات الآخرين من منظور علمي أو أخلاقي مجرد، بل هو اعتراف بذكاء التكيف مع متطلباتهم وتغليب مفهوم «الخدمة والتمكين» على مفهوم «السيطرة والإملاء»، فالعظمة الإنسانية والنجاحات الكبرى لم تتحقق يوماً عبر فرض الأفكار قسراً أو محاولة إعادة هندسة البشر وفق رؤية فريدة أحادية، بل تحققت عبر توسيع مساحات المصالح المشتركة وتدوير الزوايا لكي يشعر كل فرد بأنه «مُقدّر» ومحترم في كيانه الخاص.

537

| 08 أبريل 2026

ترامب وفن الغموض

من يتأمل في عالم السياسة، يجد أحياناً أن الغموض والسكوت أشد وطئا من الكلام أو الهجوم المباشر، تماماً كالصياد الذي ينتظر اللحظة التي تغفل فيها الفريسة ليحكم قبضته، وهذا بالضبط ما نعيشه اليوم مع قرارات دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي الذي يتقن فن «الغموض السياسي»، ونجده متأرجحاً ما بين الكر والفر في القرارات، كما فعل أخيراً ونراه يمدد المهلة الممنوحة لإيران حتى السادس من أبريل، وهي خطوة قد يقرأها البعض على أنها «تردد شديد» أو تراجع عن التصعيد، لكن القراءة العميقة تقول إن ترامب يقوم بلعبة أعصاب مدروسة تهدف للوصول بالخصم وحلفائه إلى «نقطة الصفر». ففي هذا المشهد، لا يمثل الوقت إلا مجرد سلاح يشهره الرئيس الأمريكي ليعيد ترتيب الأوراق على طاولته وبالشروط التي يراها هو، واضعاً الجميع في الجزيرة العربية المشتعلة وحول العالم في حالة من الحيرة والارتباك والتوتر، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة، لذلك نجد أنها عملية «تحطيم سياسي» للخصوم، حيث يصبح الخصم مستنزفاً ذهنياً ومادياً قبل أن تبدأ المعركة الفعلية. وهذا المسار في السلوك يكشف لنا بوضوح ما قام بتسميته بعض الباحثين بـ «الانفصام المساري»، وهو واحد من أخطر التذبذبات الفكرية التي قد تهوي بالسياسي في فخ تشتت وضياع البوصلة. فعندما تشتد الأزمات وتدق طبول الحرب، نجد أن ترامب بمهلته الجديدة يفتح «نافذة دبلوماسية» محسوبة، وهي في الحقيقة نوع من السير على حافة الخطر. الغرض منها ليس فقط تجنب الصدام العسكري المباشر، بقدر ما هو إعطاء العالم والأسواق العالمية فرصة لامتصاص الصدمة الاقتصادية المحتملة قبل وقوع أي عاصفة قد تحرق الأخضر واليابس. والمعروف لكل العالم أن ترامب لا يفكر بعقلية الجنرال الكلاسيكي الذي يبحث عن النصر في الميدان فحسب، بقدر ما يفكر بعقلية «رجل الصفقات» المالية المربحة الذي يعلم أن الانهيار النفسي للخصم يوفر كلفة السلاح المستخدم في هذه الحرب الدائرة بين إيران وأمريكا والتي تكتوي بنيرانهم دول الخليج، وهو يدرك أن الضغط المستمر مع ترك ثقب إبرة للأمل يجعل الخصم يتخبط بين خيارات أحلاها مر. فهذه السياسة حقاً، وإن بدت مشتتة للخصم، إلا أنها تخدم هدفاً مركزياً واحداً وهو تحطيم إرادة المقاومة لدى الخصم عبر «الغموض السياسي»، فبينما يترقب العالم «ساعة الصفر» لإنهاء الحرب المشتعلة في الخليج، يظل ترامب هو الوحيد الذي يملك مفتاح ضبط الوقت وإنهاء الملحمة، وهو يحول الأزمات الدولية إلى جولات تفاوضية تحت النار، حيث لا صوت يعلو فوق صوت المصالح والنتائج الملموسة، بعيداً عن الشعارات الأيديولوجية أو الالتزامات الأخلاقية التقليدية. وفي ظل هذا المشهد الغامض، تسعى دول الخليج جاهدةً لتوظيف ثقلها الدبلوماسي والاقتصادي لفرض تهدئة تمنع تداعيات الانفجار الكبير وآثاره، مدفوعةً برغبة حثيثة في النأي بساحاتها الخليجية وشعوبها عن أن تكون وقوداً لصراع «تكسير العظام» بين واشنطن وطهران.

462

| 01 أبريل 2026

خالد بن الوليد والناتو الخليجي

حين استشعر الصحابي خالد بن الوليد في «معركة اليرموك» حجم التهديد الوجودي الذي يواجه الجيش الإسلامي أمام زحف الروم وجحافلهم في بلاد الشام، لم يركن إلى الشجاعة الفردية لشخصه الكريم أو يخضع للتفوق العددي لخصومه، بل عمد إلى توحيد «كراديس» وكتائب الجيش العربي من التشتت تحت راية قيادية واحدة، فبعد استلامه زمام الأمر بعد استشهاد القادة الثلاثة قبله رضوان الله عليهم، قام بالتأكيد على أن تشتت قوى الجيش العربي سببه هو الثغرة القاتلة التي استغلها الجيش الروماني، وتلك اللحظة التاريخية لم تكن مجرد تكتيك عسكري عابر من سيدنا أبي سليمان فحسب، بقدر ما كانت تأسيساً مبكراً لمبدأ «الدفاع الجماعي» وتلاقي الجهود، فالدول يستحيل بقاؤها بالتشتت أو الأمنيات الوردية، إنما بقدرتها على صهر إمكانياتها المشتتة في بوتقة صلبة تجعل من الاعتداء على أطراف الجسد اعتداءً على القلب. واليوم، حين يتأمل المراقب للمشهد السياسي في الدوحة والكويت وبقية دول الخليج، يدرك أن مفهوم «توحيد الأمن القومي» في دول الخليج يمر بلحظة مشابهة لتلك اللحظة الكاشفة في غزوة اليرموك المجيدة، حيث لم يعد الرهان على «الجهود المشتتة « أو الممارسات الدبلوماسية الناعمة كافياً في ظل إقليم يعج بالصراعات المباشرة وحروب الوكالات، لذلك نجد أن الدعوات التي برزت مؤخراً من العديد من النخب السياسية في قطر وخارجها لإنشاء حلف عسكري خليجي على طراز حلف شمال الأطلسي «الناتو» بقيادة موحدة، تطرح سؤالاً وجودياً يهم كل الشعوب الخليجية: هل يمكن لقطر ودول الخليج الانتقال من «مظلة الحماية الخارجية» التقليدية إلى «منظومة الردع الذاتي الجماعي»؟ إن الحقيقة التي أصبحت تتكشف خلف غموض الصراعات الحالية هي أن هذا التحول ممكن وليس مستحيلا، بل صار ضرورة حتمية تفرضها الجغرافيا الخليجية المشتتة والمضطربة. ولا ننسى أنه من المنطقي والواقعي أن نعترف بأن «الحليف الأمريكي» يمثل اليوم الركيزة الأساسية في منظومة الحماية في منطقة الخليج العربي وتبني معادلات الردع، وهذا الدور لا يمكن الاستغناء عنه في الوقت الحالي لما يوفره من استقرار وتوازن أمني ضروري جداً، لكن الرؤية الاستراتيجية الحكيمة تقتضي أيضاً ألا نضع كل «البيض في سلة واحدة»، بل يجب أن ندمج هذا الاعتماد على الحليف الأمريكي مع تفعيل حقيقي وشامل لجميع اتفاقيات الدفاع المشترك التي تربطنا بقوى دولية كبرى لها ثقلها العسكري وتاريخها الطويل في المنطقة.وأنا أتحدث هنا عن استثمار علاقاتنا المتينة مع دول مثل بريطانيا وفرنسا، بما يمتلكون من خبرات عسكرية ومنظومات تكنولوجية متطورة، بالإضافة إلى تركيا وباكستان والدول التي أثبتت جدارتها كقوة إقليمية فاعلة ومؤثرة، فإن الهدف من هذا الدمج هو خلق «شبكة أمان» متعددة الأطراف الدولية تضمن لنا المرونة في مواجهة أي متغيرات سياسية دولية مفاجئة مثل الحرب القائمة بين إيران وآمريكا وآثارها من عدوان إيراني على أمن الخليج، وبعده يأتي دمج فكرة «الناتو الخليجي» ككيان دفاعي موحد ولن يكون مجرد حبر على ورق، بل منظومة صلبة تجمع بين قوة التحالفات الدولية وعلى رأسها أمريكا مع القرار السيادي الموحد لكل دول الخليج، وبذلك ننتقل من مرحلة «تلقي الحماية» إلى مرحلة «الشراكة في صناعة الأمن الخليجي»، لنحمي مكتسباتنا الوطنية ومكتسبات شعوبنا الخليجية ونكون طرفاً مؤثراً في استقرار العالم.

774

| 25 مارس 2026

هل غيرت الحرب وعي الشعوب الخليجية؟

وصل شهر رمضان لهذا العام الى نهايته والخليج يقف على تخوم لحظة سياسية حازمة، حيث تقاطعت روحانية الشهر الكريم مع شدة التوتر في الإقليم نتيجة الصراع المستمر بين الولايات المتحدة وإيران، حيث اعتادت المجتمعات الخليجية أن تستقبل رمضان بأجواء السكينة والطمأنينة، غير أن هذا العام جاء ليحمل معه ظلال معادلات عسكرية وسياسية تتردد أصداؤها في الإعلام والمجالس ووسائل التواصل، فالحروب حين تقترب من حياة أي مجتمع لا تبقى مجرد تحليلات في مراكز الدراسات أو بيانات في نشرات الأخبار، بل تتحول إلى حالة شعورية عامة تعيد تشكيل وعي الناس وتدفعهم إلى إعادة التفكير في معنى الاستقرار الذي يعيشونه وكذلك الأمن، ولهذا فإن رمضان هذا العام لم يكن موسماً للعبادة والتواصل الاجتماعي فحسب، بل بدا في جانب منه اختباراً نفسياً وسياسياً للمجتمع الخليجي وهو يراقب التوترات الكبرى تتصاعد حوله في منطقة لطالما كانت مركزاً لصراعات القوى الدولية والإقليمية. فالحقيقة أنه عندما تشتد الأزمات الإقليمية فإن أول من يتأثر بها ليس الجيوش ولا الحكومات بقدر ما تتأثر الأسر والشعوب التي تعيش داخل المجتمع، فإن الحروب الكبرى تعيد ترتيب أولويات الناس، وتجعل مفاهيم الأمن والاستقرار تحتل موقعاً مركزياً في التفكير اليومي للأفراد، وفي الخليج تحديداً، حيث لا تزال الذاكرة الجمعية تحتفظ بتجربة الغزو العراقي للكويت وغزو العراق لاحقاً وقبلها الحرب الإيرانية العراقية وما تبعها من تحولات عميقة في الوعي السياسي والاجتماعي وعلاقة الخليج بالامريكان والعراق وايران، فإن أي تصعيد جديد في المنطقة يعيد تذكير المجتمع بأن الاستقرار الذي ينعم به ليس أمراً بديهياً أو دائماً، ولهذا يمكن ملاحظة أن كثيراً من الأسر الخليجية بدأت تنظر إلى ما يحدث حولها بقدر أكبر من الجدية، فنرى ارتفاع قيمة التلاحم الوطني، وتعزز الشعور بأهمية وحدة الصف، وتنامت ثقافة الأمن المجتمعي بوصفها ضرورة لا ترفاً فكرياً، فقد أعادت التوترات الأخيرة تذكير الناس بأن الأمن ليس شعاراً سياسياً، بل هو شرط أساسي لاستمرار الحياة الطبيعية والازدهار الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي. ومن هنا فإن المرحلة القادمة تتطلب من دول الخليج قيادات وشعوبا قراءة أكثر عمقاً لطبيعة التحولات التي يشهدها الإقليم المضطرب، فالعالم يتغير بسرعة، والصراعات الكبرى لم تعد بعيدة عن حدود المنطقة كما كانت في عقود سابقة، ولهذا يصبح من الضروري تعزيز التكامل الخليجي في مجالات الأمن والدفاع والاقتصاد، لأن قوة الخليج الحقيقية لا تكمن في قدرات كل دولة على حدة، بل في قدرتها على بناء منظومة إقليمية متماسكة قادرة على حماية استقرارها في بيئة دولية مضطربة.

738

| 18 مارس 2026

alsharq
العطية.. رجل الدولة الذي قاد عصر الطاقة القطري

في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها...

5004

| 30 مايو 2026

alsharq
مواد البناء في قطر.. دروس من أزمة المضيق

أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية...

2712

| 31 مايو 2026

alsharq
لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟

قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير...

2241

| 02 يونيو 2026

alsharq
لكل نهضةٍ رجالها

لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة...

1653

| 29 مايو 2026

alsharq
نظرة سوداوية أو مستقبلية؟

دخلنا عصراً جديداً توجهنا معه وخاصة مع جائحة...

1479

| 01 يونيو 2026

alsharq
يؤلمهم العيد

في كل عيد تبدو الحياة وكأنها تتفق فجأة...

1452

| 27 مايو 2026

alsharq
الكورة في ملعبك

لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر...

1083

| 02 يونيو 2026

alsharq
قلوب لا تصلح إلّا للحبّ!

في كل دعوة أو مناسبة يحضر فيها زملاؤك...

861

| 29 مايو 2026

alsharq
كيف نتعامل مع حوادث الانتحار

مع ولادة الفضاء الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت...

861

| 31 مايو 2026

alsharq
الموظف "العومة"

الموظف الحكومي من أكثر الأشخاص الذي مهما فعل...

798

| 31 مايو 2026

alsharq
أبشر يا أبا أحمد بالفوز

ودعت قطر أمس ببالغ الحزن والأسى والرضا بقضاء...

738

| 30 مايو 2026

alsharq
دلالات وكلفة سيطرة الرئيس ترامب على حزبه الجمهوري..!!

السؤال المهم في الدوائر السياسية الأمريكية منذ نجاح...

738

| 31 مايو 2026

أخبار محلية