رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

384

د. جاسم الجزاع

هل الزبون دائماً على حق ؟

08 أبريل 2026 , 05:44ص

تُعد هذه المقولة في عالم التسويق التجاري استراتيجية ذكية وعميقة في جوهرها، وترسم مساراً عملياً لتحقيق النجاح بأقل التكاليف النفسية والمادية، فالتاجر الفطن يدرك تمام الإدراك أن التعب في محاولة «إعادة صياغة» أذواق الناس أو تغيير قناعاتهم الراسخة تجاه السلع والخدمات هي معركة مرهقة، وغالباً ما تكون نتائجها ضعيفة ولا تخدم نمو الأرباح لديه، فالبديل الناجح والمسار الأكثر ذكاءً هو الانحناء أمام رغبات الجمهور وتكييف ما نقدمه من منتجات لتكون هي المرآة التي تعكس رغباته التي يرى فيها تلبية لاحتياجاته وتجسيداً لطموحاته، ما دام هذا الأمر يدور في فلك المباح شرعاً وقانوناً، وينسحب هذا الأمر ببراعة فائقة على العمل السياسي أيضاً، حيث يبرز السياسي «المحترف» كصانع استقرار وتاجر رخاء، فلا يتعامل مع المواطن بعقلية الوصاية الفوقية أو دور المربي الذي يسعى لتغيير المعتقدات الدينية أو الانتماءات الثقافية المتجذرة، بقدر ما يركز في مهمته وكونه الميسّر والضامن لحقوق المواطنين، والمتفهم لخصوصيات المجتمع، وموفراً البيئة التي تجعل حياة الناس أكثر رخاءً واستقراراً من خلال تلبية الاحتياجات التي يريدها المواطن. 

وأيضاً فإننا نجد أن تعميم هذه المقولة يتجاوز حدود الاقتصاد والسياسة ليمس جوهر العلاقات الإنسانية والاجتماعية في أدق تفاصيلها، فالاستقرار الاجتماعي في هذا السياق يقوم على مبدأ أصيل هو «قبول الآخر كما هو» بدلاً من إهدار العمر في محاولات بائسة لتغيير طباع المحيطين لتطابق مقاييسنا الخاصة، فتصبح مهارتنا الحقيقية في تكييف أساليب تواصلنا وتحقيق التناغم الاجتماعي بدلاً من الغرق في الصراعات مع الآخرين، ويمتد هذا الأثر لتلك المقولة ليشمل مجالات التربية والتعليم التي بدأت تدرك أن الطالب هو «الزبون» الذي لا يمكن صب عقله في قالب واحد، بل يجب تكييف الوسائل التعليمية لتمس شغفه وتناسب ذكاءه المتفرد، وصولاً إلى بيئة العمل والقيادة الإدارية، حيث ينظر القائد الملهم لموظفيه كـ «زبائن داخليين»، فلا يسعى لتغيير معادنهم الشخصية أو كسر إرادتهم، بل يهيئ لهم المناخ الإبداعي الذي يستخرج مكنونات قوتهم ويحول تباين شخصياتهم إلى مزيج جميل من الإنتاجية، مؤمناً بأن احترام تفرّد الفرد هو المحرك الأساسي لأي تطور مؤسسي مستدام.

لذلك فإن تبني هذا المقولة «الزبون على حق» لا يعني بأي حال من الأحوال التسليم المطلق بصحة قرارات الآخرين من منظور علمي أو أخلاقي مجرد، بل هو اعتراف بذكاء التكيف مع متطلباتهم وتغليب مفهوم «الخدمة والتمكين» على مفهوم «السيطرة والإملاء»، فالعظمة الإنسانية والنجاحات الكبرى لم تتحقق يوماً عبر فرض الأفكار قسراً أو محاولة إعادة هندسة البشر وفق رؤية فريدة أحادية، بل تحققت عبر توسيع مساحات المصالح المشتركة وتدوير الزوايا لكي يشعر كل فرد بأنه «مُقدّر» ومحترم في كيانه الخاص.

مساحة إعلانية