رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

36

د. جاسم الجزاع

لماذا نمنح الغرباء مفاتيح بيوتنا؟

30 أبريل 2026 , 11:12م

تعد ظاهرة "الاستعراض" على منصات التواصل الاجتماعي اليوم علامة واضحة للصراع المحتدم بين الموروث القيمي للمجتمع والتحولات التكنولوجية المتسارعة التي أعادت صياغة مفهوم "الخصوصية"، إذ لم تعد هذه المنصات مجرد قنوات لتبادل المعلومات، بل استمالت الجموع البشرية لتحولها إلى "مسارح مكشوفة رقمية" تضج باستعراض للممتلكات الخاصة والنجاحات اللحظية المؤقتة، وإن هذا السلوك ليس مجرد ترف في الطباع، بل هو نتاج رغبة فطرية جامحة في تأسيس "المقارنة الاجتماعية" والتي تهدف إلى تأكيد الذات وبناء الهوية الافتراضية عبر أعين الآخرين، ومع هيمنة المنصات، أصبح "الاستعراض" هو المحرك الأول لمشاعر الحسد والحقد المجتمعي والضيق النفسي، مما أوجد حالة من الصدام بين شهوة الظهور، وبين الموروث الثقافي المتمثل في "الخوف من الحقد والحسد"، وهذا التناقض خلق فجوة عميقة في وضع "الأمن النفسي" للمستخدم لهذه المنصات الذي بات يعيش في حلقة مفرغة من المراقبة والمقارنة، حيث تُقاس جودة الحياة بعدد الإعجابات، وتُبنى السعادة على أنقاض شعور الآخرين بالنقص.

وقد أولت كثير من الدراسات الأكاديمية اهتماماً رصيناً بتشريح وتفسير هذه الظاهرة، فأشارت بعضها إلى أن بيئة التواصل الاجتماعي باتت الحاضنة الكبرى لنمو مشاعر الحسد والحقد المجتمعي، لا سيما في المنصات التي تعتمد على "التدفق البصري المكثف" كالستوري والريلز في "سناب شات" و"إنستغرام" و"تكتوك"، وتؤكد بعض نتائجها أن هذه المشاعر هي نتيجة مباشرة للمقارنة الاجتماعية التي يمارسها الفرد، والمفارقة العجيبة التي كشفتها بعض النتائج تكمن في وجود "سلوك دفاعي" قلق لدى شريحة واسعة من المستخدمين للمنصات، حيث يلجأ الكثيرون منهم إلى إخفاء إنجازاتهم الحقيقية أو حجب لحظاتهم السعيدة، ليس من باب التواضع أو الزهد في الشهرة، بل كآلية وقائية وتجنبية من التبعات النفسية والاجتماعية للحسد والحقد الرقمي، وهذا المشهد يجسد حالة من "الاغتراب الرقمي" حيث يُحرم الفرد من التمتع بنجاحه العلني خوفاً من "رادار" الحسد المتربص بكل جديد.

لذلك نجد أن حل هذه المعضلة الاجتماعية المعقدة يتطلب رؤية عامة تتجاوز الدعوة السطحية لاعتزال تلك المنصات، لتصل إلى إعادة هندسة "المعيار القيمي" للفرد، ويبدأ العلاج من تعزيز "الذكاء العاطفي الرقمي"، وهو الوعي الكافي للتمييز بين الواقع الإنساني الحقيقي وبين الوهم المجمل التي يظهر على الشاشات، فإدراك أن ما يُنشر هو مجرد "لقطة سينمائية" وليس الحقيقة الكاملة يقلل من وطأة ألم المقارنات الهدامة، ولا ننسى دور المسؤولية الأخلاقية لـ "قادة الرأي" والمؤثرين في ضرورة كسر "الوهم" وتبني خطاب استعراضي أكثر إنسانية وواقعية، مما يساهم في ردم الفوارق النفسية المحفزة للحقد الاجتماعي، ومع كل ما سبق يظل "الوازع القيمي" ومعرفة كبح جماح الذات هو الحصن الأخير، فإدراك أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُستمد من منصات الاستعراض وأن الرضا الداخلي هو الترياق الوحيد لسموم الحسد والحقد المجتمعي، وهو السبيل الوحيد لتحويل هذه المنصات من ساحات افتراضية للاستنزاف النفسي والروحي إلى أدوات بناء حضاري وثقافي يعزز التواصل الإنساني.

مساحة إعلانية