رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كانت عروبة مصر قبل ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 - والتي سنحتفل بذكراها الثالثة والستين يوم الخميس المقبل - واضحة المعالم، وهو ما تجلى في احتضانها الجامعة العربية في العام 1945 ثم استضافتها لأول قمة عربية في مدينة أنشاص في العام 1946 ومشاركتها في الدفاع عن فلسطين ضد الهجمة الصهيونية في 1948، مع مجموعة من الدول العربية الأخرى، وإن كانت للأسف، لم تحقق أهدافها بسبب أخطاء عدة، في مقدمتها عدم الاستعداد للدخول في الحرب، وتسليح الجيش المصري بأسلحة فاسدة وغير ذلك من أسباب لا مجال للخوض فيها.
غير أن هذا العروبة لم تكن محملة بالزخم الذي يجعلها عنوانا حقيقيا لانتماء القُطر المصري، أكثر من كونها إطارا يجمعه مع عدد من الأقطار الأخرى، فجاءت ثورة الثالث والعشرين من يوليو بقيادة مفجرها الزعيم الخالد جمال عبد الناصر لتعيد الاعتبار لعروبة مصر، وتعلي من قيمتها الإستراتيجية وترفع سقفها إلى حد بدت أنها أشبه بالسياق الأيديولوجي، الذي يرتكز على القومية العربية التي شهدت في ظل تبني الثورة لها، حالة غير مسبوقة من التوهج، سواء في الشكل أو في المحتوى، ليس في مصر فحسب، وإنما في المنطقة العربية.
وأخذت العروبة منحى متجذرا في التوجهات السياسية للدولة المصرية في زمن يوليو، لاسيَّما في فترة حكم عبد الناصر التي امتدت عمليا من 1954 إلى الثامن والعشرين من سبتمبر 1928 موعد رحيله المفاجئ عن دنيانا، ففضلا عن النصوص التي احتوى عليها الدستور المصري الذي انبثق في العام 1954 وأكد في نص صريح وواضح أن مصر جزء من الأمة العربية، وهو تعبير لم يكن مألوفا في أدبيات تلك الفترة، حدد كتاب فلسفة الثورة (والذي وضع أفكاره ومحدداته عبد الناصر نفسه وصاغه محمد حسنين هيكل، الكاتب الذي كان الأكثر قدرة عن التعبير عن توجهات وأشواق وطموحات الثورة وزعيمها) الدائرة العربية، ضمن أهم مجالات السياسة الخارجية لمصر، والتي على الرغم من أنها كانت المحدد الثاني بعد الدائرة الإفريقية، إلا أنها كانت الدائرة الأكثر حركية وديناميكية وتفاعلا واحتواء، لتوجهات عبد الناصر وارتبطت عمليا بمشروعه القومي في المنطقة، والذي غدا من أهم المشروعات الفكرية والسياسية، وله ظلاله وامتداداته الإقليمية التي تخطت الشرق الأوسط إلى القارة الإفريقية وآسيا وأمريكا اللاتينية.
ولم تقف عروبة مصر عند حد كونها محددا سياسيا وفكريا لحركة نظام ثورة يوليو فحسب، ولكنها تبلورت في خطوات وإجراءات عملية، بدأت مبكرا بعد رسوخ الثورة في المشهد الداخلي، شكلت القضية الفلسطينية رأس حربتها - إن جاز القول – وبالذات عقب اعتداء إسرائيلي سافر في العام 1954 على قطاع غزة، والذي كان ضمن الإدارة المصرية، عندئذ أدرك عبد الناصر أهمية التعاطي مع التهديد الذي تمثله دولة الكيان الصهيوني، سواء على مصر أو على المنطقة العربية، فسعى إلى إنجاز صفقة الأسلحة التشيكية التي كانت مدخلا لعلاقات قوية ووثيقة وراسخة مع الاتحاد السوفيتي، القوة الموازية لقوة الولايات المتحدة في ذلك الزمان ومن جراء ذلك تعرضت مصر لعدوان 1956، ثم لعدوان 1967، وانطلقت مصر في الدفاع عن أمنها الوطني الذي كانت تربطه على الدوام بالأمن القومي العربي، وهو ما تحقق في أعلى درجاته في حرب أكتوبر 1973 عبر الشراكة بين الجيشين المصري والسوري، والتى انضمت إليها جيوش عربية أخرى من دول عدة في مقدمتها الكويت والسودان والعراق والجزائر والمغرب، فضلا عن الأدوار المهمة التي لعبتها كل من السعودية والإمارات على صعيد توظيف سلاح النفط ، وكل ذلك حاصل المكون الأساسي الذي صاغته ثورة يوليو في المنطقة العربية منذ عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.
هذا هو الملمح الأول، أما الملمح الثاني، فيتمثل في عملية الإسناد واسعة النطاق، سياسيا وعسكريا ولوجستيا، التي قدمتها ثورة يوليو لحركات التحرر العربي وعلى رأسها ثورة الجزائر في خمسينيات القرن الفائت، والتي نتجت عنها هزيمة واحدة من أهم القوى الاستعمارية في ذلك الوقت وهي فرنسا، مما شكل ذريعة لدى النخبة الحاكمة في باريس للمشاركة بغباء في العدوان الثلاثي على مصر في 1956 والذي دفعت، مع المملكة المتحدة، ثمنه انتقاصا من نفوذهما في الإقليم ودورهما كإمبراطوريتين استعماريتين، فضلا عن الوقوف إلى جانب الثورة اليمنية التي اندلعت في سبتمبر 1962 والتي انتهت بالانتصار على القوى المناوئة لها، ورغم الكلفة الباهظة لذلك، إلى جانب انتقادات حادة من قبل دوائر عدة، فإن هذا الوقوف هو الذي أتاح للقوات المصرية أن تفرض الحصار على باب المندب في حرب أكتوبر 1973، الذي منع التحرك البحري لإسرائيل عبر البحر الأحمر وهو ما كان له تأثيره الإستراتيجي في تحقيق الانتصار، بالإضافة إلى كونه أسهم في تحرير شعب عربي من حكم الإمامة الذي كان مضفرا بسمات التخلف، بكل معاييره سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، فضلا عن كونه حضاريا.
ولا يمكن في هذه العجالة، تجنب الإشارة إلى الدور الذي لعبته ثورة يوليو في تفجير الطاقات الاستقلالية لدى منطقة الخليج، والتي كانت محتلة من قبل بريطانيا العظمى، بل إن هزيمتها -على الأقل سياسيا - في العدوان الثلاثي، وإجبار قواتها إلى جانب قوات فرنسا وإسرائيل على الانسحاب، سواء بفعل الإنذار السوفيتي الذي اتسم بالجدية، أو عبر ضغوط الولايات المتحدة التي كانت تستعد لوراثة الدور الإمبريالي لكل من لندن وباريس في المنطقة، شكل واحدا من أهم أسباب اضطرار القوات البريطانية إلى مغادرة منطقة الخليج واستقلال أغلب دولها في مطلع ستينيات، ثم سبعينيات القرن الفائت، واستتبع ذلك حركة مصرية نشطة وقوية ومتحمسة للمساهمة في بناء قدرات دول الخليج الناشئة، عبر الدفع بأعداد هائلة من المعلمين والأطباء والخبراء والإعلاميين، بالإضافة إلى عناصر القوة الناعمة من مواد ثقافية ومنتجات فنية وإعلامية، مما أتاح لها رفد بنيتها التحتية بمقومات قوة أسهمت في انطلاقتها تاليا، بعد توظيفها لوفورات الثروة النفطية التي شهدت تفعيلا لتأثيراتها ونموها عقب حرب أكتوبر 1973.
الملمح الثالث يتجلى في بلوغ المشروع القومي لثورة يوليو ذروته، من خلال السعي إلى بناء أول نسق وحدوي في التاريخ المعاصر، فقد تعرضت المنطقة العربية إلى مؤامرة التقسيم الناجمة عن تفاهم القوتين الإمبرياليتين بريطانيا وفرنسا، فيما سمى باتفاقية سايكس بيكو في العام 1916 مدعومتين من الإمبراطورية الروسية ، والتي أسفرت عن الحدود الراهنة في المنطقة العربية، وظل حلم الوحدة العربية منزويا في خانة الأشواق الكبرى، وحتى عندما كان يتوهج لفترة مثلما حدث في الثورة العربية الكبرى، فإنه سرعان ما كان يجهض، ولكن عبد الناصر أيقظ الحلم وفتح الطريق للأشواق لتحقق في أرض الواقع، متجليا في الوحدة المصرية السورية التي استمرت زهاء ثلاث سنوات من 1958 وحتى 1961، ولأنها كانت تناهض التوجهات الإمبريالية بما في ذلك الولايات المتحدة القوة الصاعدة، فضلا عن تعارضها مع مصالح أطراف إقليمية رأت فيها خطرا على وجودها، فقد تعرضت للإجهاض المبكر والحرب العلنية، ومع ذلك ظل هذا الحلم واحدا من أهم الأحلام القومية لعبد الناصر، ليس سعيا لبناء إمبراطورية تعلي من نفوذه في المنطقة العربية وفق ما حاولت دوائر – وما زالت - أن تردده، وإنما لبناء قوة عربية قادرة على الوقوف في وجه المخاطر المحدقة بالأمة، وفي مقدمتها تمدد الكيان الصهيوني والذي كان، ومازال بالطبع، المهدد الرئيسي للأمن القومي العربي، حتى رغم بروز مخاطر أخرى يجسدها نشوء وتصاعد التنظيمات الإرهابية والمتطرفة وبروز أطراف إقليمية تسعى إلى فرض مشاريعها على المنطقة، إلى جانب ما نراه واضحا من مخاطر راهنة في مقدمتها الحروب الأهلية والصراعات الطائفية والمذهبية التي باتت عنوانا للمرحلة.
إن المطلوب بعد كل هذه الأعوام من المشروع القومي العربي الحضاري لثورة يوليو، إعادة قراءته مجددا من قبل النخب الفكرية والسياسية المخلصة له لتصويب مساراته من أخطاء وقع فيها بالضرورة، ووضع محددات جديدة تحكم حركته باتجاه يدفع بها إلى صدارة المشهد العربي، حتى يمكن التعامل بفعالية مع المهددات المحيطة بالعروبة ذاتها، والتي توشك أن تقذف بها إلى دائرة الذبول لمصلحة مشروعات أخرى، تقوم على التطرف والإقصاء والتهميش وفتح أبواب المنطقة أمام التدخل الخارجي الذي حاربته ثورة يوليو بكل قوة وكفاءة.
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
395
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
449
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
325
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8769
| 27 أكتوبر 2026
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
4836
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3822
| 30 أكتوبر 2026