رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

267

د. أحمد المحمدي

لا أبرح حتى أبلغ

29 يونيو 2026 , 10:21م

‏من أعظم أوهام النفس أنها تجعل طول الطريق دليلا على خطأ الطريق، وأن تحاكم الحق إلى الزمن؛ فهي تريد غاية بلا انتظار، وثمرة بلا موسم، ووصولا لا يدفع ثمنه الصبر. فإذا امتد الأمد، ظنت أن تأخر العطاء دليل على استحالته!! مع أن سنة الله جارية بأن أنفس المطالب لا يسبقها إلا أطول الصبر، وأن أثمن الثمار لا تنضج إلا على مهل.

‏ولهذا جاءت كلمة موسى عليه السلام في صورة عهد، لا في صورة أمنية:﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾.

‏إنه لم يحدد زمنا، لأن من عرف الغاية سقط من حسابه الزمن؛ فالوقت عند أصحاب الرسالات ليس قيدا، وإنما جزء من الثمن.

‏وقوله: لا أبرح أعمق من مجرد البقاء؛ فهو إعلان أن الحركة قد تتعب، ولكن الإرادة لا تنسحب، فالهزيمة الحقيقية لا تقع حين يعجز الجسد، وإنما حين يبرح القلب قبل أن يبلغ.

‏ثم قال: حتى أبلغ، ولم يقل: حتى أرى، أو حتى أجرب؛ لأن القرآن يربي الإنسان على اليقين بالوصول ما دام قائما بحق السير.

‏ثم جاءت الكلمة التي تنسف منطق العجلة كله: (أو أمضي حقبا) فالحقب هنا ليس زمنا، بل إعلان أن الحقيقة أغلى من العمر، وأن طالبها لا يفاوض عليها بطول الطريق.

‏ولهذا لم تكن أعمار الأنبياء زمنا انتظروه، بل ثمنا دفعوه!

‏نوح لم يكن ينتظر نهاية الدعوة، وإنما كان يعيشها.

‏ويوسف لم يكن يعد سنوات السجن، وإنما كان يبني نفسه فيها.

‏ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يصبر حتى يأتي النصر، بل كان الصبر نفسه جزءا من النصر.

‏ولهذا فإن كثيرا من الناس لا يحرمون الوصول لأن الأبواب أغلقت، بل لأنهم غادروا أبوابها قبل أن تؤذن لهم بالدخول.

‏إن الإيمان ليس أن تمشي حتى ترى النهاية، بل أن تمشي لأن النهاية حق، وإن حجبتها عنك المنعطفات.

‏ولهذا بقيت هذه الآية قانونا لكل صاحب رسالة:لا تجعل طول الطريق سببا لمغادرته، فإن أكثر الناس لم يفشلوا لأنهم لم يستطيعوا، وإنما لأنهم برحوا قبل أن يبلغوا.

مساحة إعلانية