رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك من يعبد الله على غير الطريقة التي جاء بها المرسلون وآخرهم سيد الخلق محمد، صلى الله عليه وسلم، يحسبونها طريقة صحيحة ترضي الله، وأن أعمالهم تلك مقبولة عنده سبحانه. ومن الناس من يشرك بالله ويظن أنه على شيء وهو لا شيء، وأمثال هؤلاء كثير إلى يوم الناس هذا، بل إلى ما شاء الله لهذه الحياة أن تدوم. يعتقدون صلاح أعمالهم، وهي عند الله غير ذلك، وهم في الآخرة من الأخسرين، وقد اختلف المفسرون حولهم. يقول الإمام الماوردي في قوله تعالى ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ) أن فيهم خمسة أقاويل: أحدها أنهم القسيسون والرهبان، قاله علي بن أبي طالب. الثاني أنهم الكتابيون اليهود والنصارى، قاله سعد بن أبي وقاص. أما الثالث فهم أهل حروراء من الخوارج، وهذا مروي عن علي رضي الله عنه. الرابع هم أهل الأهواء، والخامس من يصطنع المعروف ويمنّ عليه.. ويحتمل سادساً أنهم المنافقون بأعمالهم، المخالفون باعتقادهم، ويحتمل سابعاً أنهم طالبو الدنيا وتاركو الآخرة. يظن ويتوهم كل أولئك أنهم يحسنون صنعاً في الحياة الدنيا، وأن أعمالهم الطيبة لا شك عندهم أنها مقبولة عند الله، والله سبحانه عنى بقوله ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً ) كلّ عامل عملاً يحسبه فيه مصيبا، كما يقول الإمام الطبري، وأنه لله بفعله ذلك مطيع مُرض، وهو بفعله ذلك الله مسخط، وعن طريق أهل الإيمان به جائر، كالرهابنة والشمامسة وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالتهم، وهم مع ذلك من فعلهم واجتهادهم بالله، كفرة ومن أهل أيّ دين كانوا. من شروط قبول الأعمال، الإخلاص والصواب. أما الأول وهو الإخلاص، فيعني أن تقوم العمل لا تقوم به إلا لوجه الله وابتغاء مرضاته، لا لأحد سواه، ولا تبتغي مرضاة أحد غير رضا الله. بمعنى آخر، لا رياء أو تتحرى الحصول على إعجاب الآخرين وثناءاتهم. أن تقوم بعمل صالح وتخفيه عن الناس جميعاً، هو من الأعمال غير اليسيرة في حقيقة الأمر، والشيطان لا يسره قيام أحدنا بعمل صالح يخفيه عن الآخرين، باعتبار أن ذلك مسلك الصالحين أعداء الشيطان، الذي لا يمل ولا يكل من دفع أولئك الصالحين لإظهار أعمالهم الخفية الصالحة ولو بنسبة ضئيلة بادئ الأمر، كي يتسلل إلى نفوسهم بعد حين من الدهر طال أم قصر بعض الرياء، على اعتبار أن أي إنسان منا وبحكم فطرته البشرية، يحب المديح والشكر والإطراء، ويسعده إن قام بعمل صالح، أن يشيد به الناس ويشكرونه.. هكذا هي النفس البشرية، ومن هذه الثغرة الضعيفة بالنفس، يتسلل الشيطان إلى القلب ليدفع بصاحبه إلى تحويل عمله الصالح الخفي إلى ظاهر بيّن.. إذ مع الأيام والتكرار، سيستمر هذا الإنسان في أعماله الصالحة الظاهرة، وخاصة بعد أن يبدأ يتذوق حلاوة الثناء والإشادة من الآخرين، حتى تجده بعد حين من الدهر وقد وقع في فتنة العُجب واستحسان العمل، فتقل نسبة الإخلاص تدريجياً عنده ليتحول - أي العمل الصالح - إلى أشبه ما يكون بأي عمل إعلامي يتحرى صاحبه شوقاً لعبارات المديح والثناء، من بعد الظهور في الأضواء بالطبع، ومن بعد أن يكون الشيطان قد خلط عليه مفاهيم العمل الصالح وفوائد الإعلان عنها، إلى غير ذلك من مفاهيم. ضمن هذا السياق، نجد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يوصينا بقوله:» من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل «.. وأحسبُ أن العمل الصالح يستحق جداً أن نخفيه عن الناس مثلما نفعل مع العمل السيئ، كما قال الزبير بن العوام رضي الله عنه:» اجعلوا لكم خبيئة من العمل الصالح، كما أن لكم خبيئة من العمل السيئ «.. لكن هل يكفي هذا الإخلاص لقبول العمل ؟ بالطبع لا يكفي، لأن الركن الثاني لقبول العمل بعد الأول وهو الإخلاص كما أسلفنا، أن يكون العمل صحيحاً سليماً لا يخالف شرع الله. فما فائدة عمل خالص لله، والنيات طيبة بريئة، لكنه غير صحيح، أو مخالف لسنة الله ورسوله؟ من هنا تأتي أهمية دور العلم، وضرورة أن يتعلم الإنسان دينه قبل أن يقوم بالعبادات والشعائر، أو يقوم بالنوافل والسنن والأعمال الصالحة الأخرى، لكي يكون على بيّنة من أمره، فلا يميل إلى تأويل فاسد، أو فهم سيئ ربما يدفعه من حيث لا يدري، إلى زمرة الأخسرين أعمالا والعياذ بالله.. أسأل الله لي ولكم أن يجعلنا من عباده الصالحين المصلحين، الهادين المهديين، وأن يجعلنا من الراشدين.
180
| 15 يناير 2026
الركون في اللغة هو الميل أو السكون إلى الشيء بعد القبول والرضا به. لكن بعيداً عن اللغة، نجد أن القرآن ينهى عن فعل الركون إن كان مع الظلم وأهله، أو الكفر وأهله، لكن لا شيء أن تركن إلى جهة ما لا ظلم يصدر عنها أو أعمال كفر، بدليل نبي الله لوط عليه السلام حين شعر بضعفه في مواجهة مطالب الناس في قريته، وهو يحاول الدفاع عن ضيوفه، قال (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد) أي تمنى لو يجد من عنده القوة والبأس والسلطة ليركن إليه، ويستقوي به أمام من يستضعفونه، فرداً كان أم قبيلة أم ما شابه، وهذا يعني أن الركون إلى الحق وأهله، فعل محمود مطلوب، وعلى هذا يمكن قياس الأمور. عودة إلى موضوعنا مدار البحث وهو الركون إلى الظلم وأهله، نجد الآية صريحة في النهي عن ذلك. لا يجب بأي حال من الأحوال اللجوء إلى الظلم والظلمة، والباطل وأهله، بحجة الاستقواء على فعل خير، أو بحثاً عن حماية، أوغير ذلك من معان شبيهة قد تطرأ على البال في هذا السياق. الباطل بشكل عام قد يكون صاحب سطوة وبأس وقوة، وعنده من المغريات الكثير الكثير تجعل الآخر يتطلع إلى مسألة اللجوء إليه حال ضعفه، أو حالما يشعر بدنو مشكلات وأزمات بالطريق قادمة إليه، فتجده تبعاً لذلك يبحث في مسألة الركون والميل إليه، بعد أن يكون الباطل، أو الظالم قد استخدم وسائل ومؤثرات متنوعة يزين بها أعماله أمام الآخرين، وتجعل المفاهيم في الوقت نفسه تختلط عليهم، وبالتالي لا يجدون بأساً أو حرجاً من اللجوء والركون إليه بحجج وتبريرات هشة واهية. متى يحدث الركون؟ الركون إلى الظالمين والكافرين عادة لا يحدث إلا في حالات من الضعف والشعور باليأس والإحباط، أو بدافع من نية حسنة يأمل من ورائها صاحب تلكم النية أمراً محموداً، وأحياناً أخرى يقع الركون كنوع من سذاجة أو حماقة في التفكير. النوع الأول لا يحتاج لكثير شروحات، فاليائس المحبط، أو المهزوم داخلياً عادة يكون ضعيف إيمان ويقين بالله، فتجده لا يتردد من أجل تحقيق مراده وتطلعاته، إلى الركون إلى أي شيطان، وليس ظالماً وفاسداً فحسب. أما الذي تدفعه نياته الطيبة إلى اللجوء وملاطفة الظلمة والفاسدين، أو مداهنتهم ومجاملتهم رغبة في إصلاحهم التدريجي الذي ربما يأتي بخير كثير على الآخرين، فهذا رغم مقصده الطيب الحسن، إلا أن استراتيجيته خطرة غير مقبولة، وقد تؤدي إلى عواقب غير محمودة، أقلها احتمالية استشعار الظالم أنه صاحب الرأي الأوحد، الذي يتجمع تحت رايته الصالحون قبل الطالحين. أبرز نموذج للنوع الثاني هو نبينا الكريم، صلى الله عليه وسلم، وهو يتودد إلى عظماء ووجهاء قريش، رغبة في إسلامهم الذي به ستتعزز قوة الدعوة، او هكذا كانت نيته عليه الصلاة والسلام، حتى وإن كان توجهه الطيب ذاك على حساب التقليل من وقته صلى الله عليه وسلم نحو دعوة الضعفاء والمساكين وأشباههم. ولقد حاول المشركون استدراج النبي الكريم إليهم، وعرضوا عليه الكثير من المغـريات مقابل استجابتهم لدعوته الكريمة. منها كما جاء في تفسير تأويلات أهل السنة للإمام الماتريدي، أنهم أرادوا منه أن يجعل لهم مجلساً على حدة ليسلموا، فهمّ أن يفعل ذلك لحرصه على إسلامهم وإشفاقاً عليهم. فمثل هذا يجوز الفعل، إلا أن الرسل لا يجوز لهم أن يفعلوا شيئاً وإن صَغُر إلا بإذن الله. فماذا كان التوجيه الإلهي له؟ يذكر الله هاهنا نعمته على نبيه الكريم، أن حفظه من استدراج الكفار الظلمة له، وجنّبه مغرياتهم المتنوعة في قوله تعالى (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا). لقد كان النبي الكريم قاب قوسين أو أدنى ان يحقق للكفار مآربهم، رغبة في إسلامهم، لكن الله حفظه وثبّت قلبه، وكشف له سوء نياتهم، فما ركن إليهم أو مال نحوهم بعد ذلك قيد أنملة. ومن هنا يأتي حرص أصحاب الدعوات على حفظ وصون أنفسهم ومن معهم، من خطورة مغريات أهل الظلم والفساد ذات التأثير الفاعل القوي. الركون يعـني التنازل يقول صاحب الظلال: «المحاولات التي عصم الله منها رسوله، هي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائماً. محاولة إغرائهم لينحرفوا - ولو قليلاً - عن استقامة الدعوة وصلابتها، ويرضوا بالحلول الوسط التي يغزونهم بها في مقابل مغانم كثيرة. ومن حملة الدعوات من يفتن بهذا عن دعوته لأنه يرى الأمر هيناً، فأصحاب السلطان لا يطلبون إليه أن يترك دعوته كلية، إنما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق! وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة، فيتصور أن خير الدعوة في كسب أصحاب السلطان إليها ولو بالتنازل عن جانب منها! ولكن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق». ويضيف صاحب ظلال القرآن: «إن صاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسير، وفي إغفال طرف منها ولو ضئيل، لا يملك أن يقف عند ما سلم به أول مرة، لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء. وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات، فإذا سلموا في الجزء، فقدوا هيبتهم وحصانتهم، وعرف المتسلطون أن استمرار المساومة، وارتفاع السعـر ينتهيان إلى تسليم الصفقة كلها». خلاصة الحديث الظالم بأشكاله المتنوعة، فرداً كان، أم كياناً في أي صورة من الصور، هيئة أم مؤسسة أم منظمة أم اتفاقية أم دولة، ليس محبذاً أن تركن إليه وتميل نحوه، أو ترضى بعمله، وإن كانت نيتك صافية طيبة تأمل منه أمراً محموداً. وسبب ذلك أن مجرد البدء بالركون إليه والميل نحوه، تكون أنت قد بدأت في رحلة التنازلات. لماذا؟ لأنها رحلة لا تتوقف عادة كسهولة البدء بها، خاصة أن ما عند معسكر الظلم من مغريات، وما تميل إليه النفس البشرية من مباهج وزينة الحياة الدنيا، الكثير الكثير، ما يجعل الأمر صعباً وشاقاً. والوقاية خير من العلاج، ومن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعِـرْضِه. السلف الصالح كان أحدهم يتجنب مجرد التفكير في مثل هذه النوعية من الركون، أو الميل نحو هذا أو ذاك من أهل الباطل والظلم والكفر. سفيان الثوري رحمه الله، كان يقول: من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يُعصى الله. إنّه يحذر من مجرد الدعاء لظالم، فما بالك بالركون إليه والرضا بعمله؟ قيل بأن أحد الصالحين صلى خلف إمام قرأ (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) فغُشي عليه، فلما أفاق قيل له، فقال: «هذا فيمن ركن إلى من ظلم، فكيف بالظالم؟!». المسألة كانت واضحة عندهم لا غبار عليها البتة. فاللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم آمين.
411
| 08 يناير 2026
تكررت آيات شبيهة المعنى بالآية أعلاه التي اتخذناها عنواناً لحديث اليوم، وكل الآيات الشبيهة تستنكر التصاق الأبناء بإرث الآباء، وبالطبع ليس كل الإرث، وإنما ذاك المعاكس للحق. هذا إرث باطل يجب تصحيحه، وإلا فمحاربته أولى. هكذا كانت دعوات الأنبياء والمرسلين. يأتي النبي يدعو قومه إلى خير الدنيا والآخرة. يدعوهم إلى نبذ الشرك وعبادة غير الله، فيأتي القوم يتغنون بإرث أسلافهم وأجدادهم، وأنهم على دربهم سائرون. هكذا كان غالبية القدماء.. وهكذا كانت عقلياتهم التي لوثها الشيطان أيما لوثة. المسألة لم تكن كامنة في العقول والألباب فحسب، بل في أعماق القلوب التي في الصدور. عناد وتحجر وتصلب بلا حدود. إن أي عقل بشري سوي، حين يرى الحق والباطل واضحاً أمامه، فإن فطرته تدفعه تلقائياً نحو الحق، وتبعده عن الباطل، إلا إذا اختار هو بنفسه فعل المكابرة والمعاندة، فهكذا كان الأولون مع أنبيائهم. روي عن ابن عباس قال: «دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليهود إلى الإسلام، فقالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، أي ما وجدنا عليه آباءنا. فهم كانوا خيراً وأعلم منا، فأنزل الله تعالى (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ). وقيل: الآية نازلة في مشركي العرب وكفار قريش، الذين اقتفوا خطوات الشيطان، وقالوا على الله بدون علم ولا برهان، إذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله من قرآن، أعرضوا عن ذلك وقالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة الأصنام والخضوع للرؤساء، كما في التفسير الوسيط للطنطاوي. إذن هو تقليد أعمى مذموم. فليس كل تقليد محمود. إن التقليد في أمور العقيدة والتوحيد، دون علم ودراية كافية بما كان عليه من يتم تقليدهم، أمر مذموم يودي بصاحبه إلى التهلكة. ولهذا رد الله على من قال ونادى باتباع الآباء من منطلق التقليد الأعمى غير السوي، محاط بعناد وكبر وجهل (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ). كمثل الذي ينعـق التقليد الأعمى إذن كما أسلفنا، يؤدي بصاحبه إلى التهلكة إن كان تقليد الآباء والأجداد في أمور العقيدة، وكان أولئك الآباء والأجداد أساساً على ضلالة وكفر.. من هنا وصف الله تعالى هؤلاء المقلدين، الذين ساروا في درب تعطيل العقول، بأنهم مثل أغنام ينعق لها راعيها بالدعاء أن تأتي، أو بالنداء أن تذهب. أغنام لا تفقه شيئاً مما تسمع من الأصوات. إنّ مثلك يا محمد ومثل الكفار في وعظهم ودعائهم إلى الله عز وجل، كمثل الراعي الذي ينعق بالغنم - كما قال البغوي في تفسيره - وأن الكافر لا ينتفع بوعظك، إنما يسمع صوتك.. إنها صورة زرية - كما يقول صاحب ظلال القرآن - تليق بهذا «التقليد وهذا الجمود، صورة البهيمة السارحة التي لا تفقه ما يقال لها، بل إذا صاح بها راعيها سمعت مجرد صوت لا تفقه ماذا تعني، بل هم أضل من هذه البهيمة، فالبهيمة ترى وتسمع وتصيح، وهم صمٌ بكمٌ عُمي، ولو كانت لهم آذان وألسنة وعيون ما داموا لا ينتفعون بها ولا يهتدون، فكأنها لا تؤدي وظيفتها التي خُلقت لها، وكأنهم إذن لم تُوهب لهم آذان وألسنة وعيون». وهذه منتهى الزراية بمن يعطل تفكيره، ويغلق منافذ المعرفة والهداية، ويتلقى في أمر العقيدة والشريعة من غير الجهة التي ينبغي أن يتلقى منها أمر العقيدة والشريعة». ما فائدة الآذان التي لا تسمع الحق، وما فائدة العيون التي لا ترى البراهين الدالة عليه، وما فائدة الألسن التي لا تنطق به؟ وعذرهم في كل ذلك (بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا)! فليس غريباً إذن أن يشبههم الله بالأنعام، بل هم أضل.
198
| 25 ديسمبر 2025
اختتمت قبل أيام في الدوحة، النسخة التاسعة من جائزة الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الدولية للتميز في مكافحة الفساد، تأكيداً على مواصلة قطر نشر رسالتها في تعزيز ثقافة مقاومة منظومات الفساد المتنوعة، عبر تكريم النماذج الملهمة في هذا المجال من أفراد ومؤسسات حول العالم. الجائزة باختصار كما جاء في التعريف بها على موقع الديوان الأميري الرسمي، تعتبر «مساهمة من سمو الأمير حفظه الله في جهود مكافحة الفساد، الذي يُعتبر آفة اقتصادية واجتماعية وأخلاقية تعيق التنمية والتقدم والتطور، حيث تم رصد جائزة عالمية بالتعاون مع الأمم المتحدة تحمل اسم سموه، وتُمنح سنوياً للمتميزين في مجال مكافحة الفساد، سواء عن طريق التوعية والتثقيف والإرشاد، أو عبر نشر ثقافة النزاهة. وتهدف الجائزة إلى تشجيع الإبداع المقاوم للفساد، وتحفيز الطاقات الشابة لنبذه ومكافحته، بالإضافة إلى زيادة الوعي بأهمية دعم المبادرات الرامية للقضاء عليه». الفساد بشكل عام في أي زمان وأي مكان، ليس مجرد سلوكيات فردية، أو حالات معزولة، بل هو منظومة متكاملة ومعقدة في أحيان كثيرة، حيث تتشابك فيها المصالح وتترابط فيها الأدوات والآليات التي تعمل على حمايته واستمراره. ومن الطبيعي أن أي منظومة معقدة كمنظومات الفساد المتنوعة، أنها تستخدم طرقاً متعددة، وأساليب خفية من أجل ضمان بقائها وسلامة رموزها، أو الفاعلين فيها، بدءاً من استغلال النفوذ بطرق احتيالية ذكية، وانتهاءً بتبرير الانحراف عن القيم والمبادئ ! الفساد وقصة من التاريخ في التاريخ القديم الذي يقصه القرآن، اشتهرت قرية مَدْين بين الأمم الغابرة بفساد اقتصادي عميق حتى صار معروفاً مكشوفاً بين القرى في ذلكم الزمان، بالإضافة إلى ما كانت عليه القرية أساساً من فساد فكري وعقدي، وكان فسادها أساساً في ظهور شبكات ومنظومات أخرى فاسدة بعد ذلك، والتي لم تكن تدخر جهداً في كسب الأموال بكل الطرق المتاحة وغير المتاحة، وإن كانت جلّها غير متوافقة، لا مع شرع سماوي، ولا عُرف اجتماعي، ولا حتى قانون أو عرف تجاري. الإشكالية الكبيرة حينذاك أو في قرية مدين، أن الفساد كان قد تغلغل وتعمق في البلاد حتى صار منظومة متكاملة، لها وسائلها وأدواتها وآلياتها ورموزها، بل بنفوذها صارت تؤثر على توجهات وقرارات الحكومة حينها !! وقد بلغت المنظومة حداً لم يجرؤ أحد أن يقف في وجهها، أو التصادم معها، حتى جاء خطيب الأنبياء، شعيب عليه السلام ليقوم بالمهمة الصعبة، وقد كان ظهوره مفاجأة للمنظومة كلها. ووجه المفاجأة بدا في تلكم الجرأة التي كان عليها شعيب وبضع أشخاص على دينه وفكره، يكشفون أعمال وسوءات تلك المنظومة الأخطبوطية واسعة النفوذ والانتشار والتأثير والترهيب، والمتغلغلة في عروق المجتمع وشرايينه ! الفساد وهو ينتفض رغم علم منظومات الفساد بوجاهة شعيب، واحترامهم لعشيرته وإن لم تكن على دينه أيضاً، إلا أن ذلك لم يمنعهم من البدء في تهديد متدرج له ومن معه، وضرورة التوقف عن دعوته تلك، وألا يقف في وجههم، أو بعبارة أخرى، ليس من الحكمة أن يقف شعيب في وجه منظومة - الفساد - في البلاد، لأنها أقوى منه ومن عشيرته بكثير، أو هكذا تعتقد أي منظومة فاسدة في كل زمان ومكان. فلا هي تريد التوقف عن إفسادها في الأرض، ولا تريد في الوقت نفسه أحداً يتحدث عنها بسوء، أو يحاول مجرد إشغالها فضلاً عن التصدي لها وكشفها ! شعيب - عليه السلام - استغرب من انغماس كثيرين من مواطني القرية في هذا الفساد الاقتصادي الذي لم يكن له ما يبرره، فكان يقول لهم (إني أراكم بخير) ويقصد أن وضع القرية الاقتصادي مريح جداً، وقد فتح الله عليهم من بركاته ورزقه، فلماذا هذا الفساد، أو التطفيف والغش في تعاملاتهم وأكل أموال الناس بالباطل؟ ولماذا أصلاً تظهر منظومات فاسدة عندهم، رغم أن الأوضاع لا تستدعي اللجوء لأساليب وطرق الغش والاحتيال والنصب وبقية مصطلحات الفساد؟! هكذا كان لسان حال وواقع النبي شعيب وهو في مواجهاته المتنوعة معهم.. ولولا خشيتي - أو هكذا قال شعيب - أن يُنزّل الله عذابه عليكم، ويسلبكم ما أنتم عليه من الاستقرار وسعة الرزق وبحبوحة العيش، ما دعوتكم ونهيتكم عن هذا الذي أنتم عليه.. لكن هل لانت قلوبهم وخشعت؟ بالطبع لا، بل ازدادت المنظومة فساداً وقسوة وتأثيراً على البلاد كلها، حتى لم تبق حجة تمنع نزول العذاب، كما كانت سنن الله في القرى والأمم الغابرة، فكان يوم الظُّلة، حيث احتباس الهواء وارتفاع الحرارة، ثم غيمة عظيمة تأتي فيسرع إليها الفاسدون قبل غيرهم، فلعل ظلها يخفف عنهم بعض ما كانوا فيه وعليه من جفاف وسخونة الطقس، لتمطرهم ناراً أحرقتهم وأبادتهم جميعاً ( كأن لم يغْـنوا فيها ). من وسائل كشف الفساد نعود من التاريخ تارة أخرى إلى الواقع، حيث لا أنبياء ولا مرسلين لمواجهة شبكات ومنظومات الفساد، لنقول بأن من أبرز أدوات ووسائل كشف الفساد اليوم، والوصول إلى شبكاته المتعددة المعقدة، وأحد أهم الأسلحة في مواجهة تلك المنظومات ومكافحتها، هي ما نسميها بالصحافة الاستقصائية، التي يلعب العاملون فيها دوراً بارزاً مهماً مؤثراً، خاصة إن وجد أولئك العاملون تعاوناً بناء فاعلاً من كافة مؤسسات المجتمع. الصحافة الاستقصائية حين تجد مساحات كافية من حرية العمل، ودعماً من جهات متنفذة في أي مجتمع، يمكنها أن تلعب دورها الحقيقي المؤثر في كشف ما يُخفى عن الناس، وتسليط الضوء على شبكات المصالح، التي تحاول العبث بالمال العام وإفساد القيم، بفضل شجاعة وجسارة العاملين القائمين على تلك التحقيقات الجريئة، المبنية على أدلة وشواهد وإثباتات مادية، والتي تُسهم دون شك في تعزيز مسألة الشفافية، ومُساءلة المسؤولين، ما يجعل من هذا النوع من الإعلام ركيزة أساسية لحماية المجتمع من الفساد وشبكاته المتعددة. لكن الصحفيين الاستقصائيين، ولخطورة المهام التي يقومون بها، تراهم يواجهون دوماً مخاطر جسيمة على شكل تهديدات مباشرة لهم، أو أهليهم ومصالحهم الشخصية المتنوعة، ما يدعو إلى أهمية وضرورة توفير تشريعات وقوانين تحميهم من الملاحقة والتهديد، وتكفل لهم كذلك حق الوصول إلى المعلومات بكل أريحية، إلى جانب ضرورة دعمهم مؤسسياً ونقابياً وشعبياً، وتأمين بيئة عمل آمنة لهم تضمن استقلاليتهم، وتحصنهم ضد أي ضغوط سياسية أو اقتصادية، أو غيرها من ضغوط متنوعة، إضافة إلى أهمية حماية المبلغين عن الفساد والمفسدين. لكن الأهم من حماية الصحفيين الاستقصائيين، هو حماية المجتمعات نفسها التي يعيش فيها أولئك الصحفيون، من منظومات الفساد وشبكاتها، وقسوتها على من يتجرأ ويحاول كشفها. وحماية المجتمعات تبدأ منطقياً ببناء مؤسسات قوية تقوم أساساتها على مبادئ الشفافية والمساءلة وسيادة القانون. أي كلما كان النظام الرقابي فاعلاً مؤثراً، والإدارة العامة نزيهة أمينة، كلما تقلصت فرص الفساد في أن يتغلغل بين ثنايا المؤسسات المختلفة. إلى جانب ما سبق، تأتي التربية الدينية والأخلاقية، والتوعية المجتمعية المستمرة، لتلعب دوراً جوهرياً مهماً في تعزيز ثقافة النزاهة، ورفض ثقافة الواسطة والمحسوبية، والرشوة وما شابهها.. ثم مرة أخرى يبرز ها هنا دور الإعلام الحر، وضرورة تعاون المجتمع بمؤسساته المتنوعة معه، والعمل كشريكين في كشف الممارسات المشبوهة، ومحاسبة الفاسدين. ثم من بعد ذلك تطبيق العقوبات على شبكات الفساد المختلفة والعاملين فيها بكل حزم وعدالة في الوقت نفسه.. هذه بعض ركائز يمكن للمجتمعات أن تصون نفسها من الفساد، وتؤسس لبيئة متعاونة متماسكة خالية من الفساد والمفسدين، يسودها العدل والشفافية. خلاصة ما يمكن تسطيرها في ختام هذا الحديث، أنه رغم القدرة المؤقتة لأي منظومة فاسدة على التخفي والتغلغل في مؤسسات المجتمع، إلا أن سنن الحياة والكون وقوانينها الطبيعية العادلة، تقتضي أن ينكشف أمر تلك المنظومات الفاسدة نهاية المطاف، مهما طال الزمن، أو تراكمت وكثرت المحاولات لحمايتها، فالحقيقة لا بد أن تظهر، والفساد مصيره إلى زوال، عاجلاً أم آجلا. والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
234
| 18 ديسمبر 2025
أرادت زوجة العزيز أن تراود فتاها عن نفسه، وهو في كنف الله سبحانه ورعايته، يتم إعداده وتأهيله ليكون نبياً من أنبياء الله الكرام بعد حين من الدهر قصير. يأبى يوسف عليه السلام الخضوع لها ولغريزته ورفض. لكن الخبر بقدرة قادر انتشر في المدينة وصار حديث المجالس، لاسيما مجالس الطبقة المخملية من النساء، حتى ضاقت زليخة، زوجة العزيز مما يُقال عنها في تلك المجالس، فدعت مجموعة من تلك النسوة لوليمة أو حفل نسائي مغلق أو محدود على عدد معين قليل، وجاءت بأطعمة متنوعة، كان لابد من وجود سكاكين للتعامل معها. بعد أن اجتمعت أولئك النسوة الثرثارات، طلبت زوجة العزيز من يوسف - عليه السلام - الخروج عليهن في المجلس لتقديم واجب الضيافة، وهن منهمكات في تقطيع بعض الأطعمة أمامهن. وما إن دخل عليهن، انقطعن فجأة عن واقعهن، كما لو أن كل واحدة أخذت حقنة مخدر شبيهة بتلك التي يتلقاها المريض في غرفة العمليات الجراحية. تعطلت الأحاسيس والمشاعر عندهن للحظات، لكنها كانت كافية لتجرح كل واحدة منهن يدها بسكين، فتعود بعدها النسوة إلى عالم الواقع سريعاً، بعد أن انتهى المشهد بخروج يوسف من المجلس، وهو ربما لا يدري سر الصمت الذي خيم على المجلس، وذهول النسوة إلى درجة الانفصال عن الواقع للحظات، وحدوث مشهد تقطيع الأيدي وإحداث جروح بها، لكن في الوقت نفسه، تحقق لزليخة ما كانت ترمي إليه، وبقية التفاصيل المعروفة التي يمكن الرجوع إليها لمن أحب الاستزادة في القصة في التفاسير المتنوعة، إذ ليس المجال هاهنا لسرد القصة، بقدر رغبتنا الدخول عبر هذا المشهد الى عالم الألم وكيفية السيطرة عليه.. في عالم الطب، يتم السيطرة على الألم المادي في الجسم بأدوات تخدير محكمة الكمية، كتلك المستخدمة في العمليات الجراحية، أو لتخفيف أنواع أخرى من الآلام كالصداع النصفي مثلاً، أو غيره من آلام معروفة.. أما الآلام النفسية، فالمسكنات والمهدئات غالباً لا تكون كيماويات بقدر ما هي إيمانيات، إذ تعتمد على يقين وايمان الشخص نفسه بدينه وعقيدته، بغض النظر ها هنا عن الدين أو المعتقد، وليس هذا حديثنا أيضاً، وإنما استطراد مفيد يناسب جو الحديث عن الآلام. إن أردنا فهم ما حدث بشكل علمي مبسط في مجلس زليخة، مع النسوة اللائي قطّعن وجرحن أيديهن، فيمكن القول ابتداء بأن الحدث استثنائي نادر جعل النسوة لا يشعرن بألم القطع أو الجرح بالسكين، رغم عدم استخدام أي دواء أو مخدر، وهذا الأمر يمكن أن يُفسَّر علمياً من زوايا عصبية، هرمونية، أو نفسية. منها اضطراب وراثي نادر يولد فيه الإنسان وهو غير قادر على الشعور بالألم مطلقاً، وهذا خطر جداً على الإنسان، لأنه قد يعرض نفسه لإصابات بليغة دون أن يشعر. وهذا احتمال مستبعد في حال النسوة. الاحتمال الآخر كما يقول المشتغلون بعلم الأعصاب، أن انفصال الإنسان عن واقعه للحظات قصيرة، قد تتسبب حالات الصدمة العاطفية أو النفسية الشديدة في حدوث ذلكم الانفصال اللحظي القصير. والسبب أن في حالات الصدمة الشديدة، يقوم الجسم بإفراز كميات كبيرة من «الإندورفين» وهي مادة كيميائية طبيعية تُنتجها الغدة النخامية وتعمل كمسكّن للألم، وتأثيره مشابه لمخدر المورفين. كما يقوم الجسم أثناء الصدمات العاطفية والنفسية الشديدة بإفراز هرمون آخر هو « الأدرينالين « الذي يزيد من شدة انتباه المرء وتركيزه نحو حدث واحد دون غيره في لحظات قصيرة مؤقتة. وهذه المواد ترتبط بمستقبلات الألم في الدماغ والنخاع الشوكي. أي أن ما يحدث أثناء الصدمة، أنه يتم تعطيل مؤقت، أو تجاهل لعملية نقل إشارات الألم من العضو المصاب إلى مراكز الآلام بالجسم، رغم وصولها فعلياً من الأعصاب ! إن عدنا لمشهد النسوة تارة أخرى بشكل عميق، وأراد أحدكم أن يسأل ويقول بشكل دقيق: ما الذي جرى في أدمغة النسوة لحظة خروج يوسف عليهن؟ ما جرى هو حدوث نشاط هائل ومفاجئ للدماغ العاطفي، الذي يتعامل مع المشاعر القوية مثل الخوف، أو الدهشة، أو الرغبة. حيث يرسل إشارات تحفّز الجسم عبر المواد الكيمياية التي ذكرناه آنفاً، وهما «الإندورفين والأدرينالين» من أجل أن يتحول الانتباه كلياً نحو المثير العاطفي، ويخفف الإحساس بالألم. ذلك أن الدماغ يعطي الأولوية في تلكم اللحظات للتعامل مع الحدث العاطفي، أو المشهد المثير الذي نتحدث عنه، بدل الألم اللحظي. عندما جرحت النسوة أيديهن، انتقلت الإشارات العصبية للألم من الجلد إلى الدماغ، لكن الدماغ في تلكم اللحظة كان مشغولاً جداً بمشهد مثير، لا يمكن أن يصرف انتباهه إلى أي حدث آخر بالجسم ! لكن بعد لحظات، أو حين زال المثير بخروج يوسف - عليه السلام - من المجلس، هدأت أجسام النسوة وعاد التركيز إليها، وبدأ الدماغ من فوره في استقبال إشارات الألم، ولكن في وقت متأخر عن المعتاد، وهو ما يفسر فجائية الإحساس بألم القطع أو الجرح لدى النسوة، حيث شعرت كل واحدة منهن بحرقة الجرح وكأنه حدث للتو !! بعبارة أخرى مختصرة، دماغ كل امرأة في تلكم اللحظات فضّل أن يرى، لا أن يشعـر ! والحديث عن عالم الألم متنوع ومتشعب، قد نجد في قادم الأيام فرصة لسبر أغوار هذا العالم بإذن الله.. فاللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما.
435
| 04 ديسمبر 2025
مرة أخرى يتبين للعالم مدى سيطرة اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة على مفاصل السياسة الخارجية الأمريكية، وأهم تلك المفاصل هي الرئاسة التي يشغلها حالياً ترامب، رغم محاولته أن يظهر للعالم أنه شديد البأس قوي، لا يقوده أحد !! لكن حماسته مؤخراً وإصدار قرارات رئاسية دون الحاجة للكونغرس، تفيد أنه رئيس يتخذ قرارات صارت تُدهش الرأي العام الأمريكي والعالمي على حد سواء.. حتى لا نطيل الحديث، فإن آخر قراراته اعتبار جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، والتي من المؤكد أنه جاء بناء على معطيات أو سرديات «إسرائيلية» دون أدنى ريب، بالإضافة إلى تحركات عدد من النواب بالكونغرس مدعومين من الأيباك، وقد تم فضحهم مؤخراً ورضوخهم لهذا اللوبي. لا شك عندي أن هذا القرار يُراد منه تحقيق أي نجاح للكيان الصهيوني المحتل ضد المقاومة الفلسطينية. هذه الحركة التي اجتمع العالم كله، بما في ذلك بعض العالم العربي، على سحقها ووأدها بكل الطرق والوسائل، باعتبار أن بقاءها هو ترسيخ وتعزيز فكرة المقاومة ونشرها في هذا العالم، الذي سعى فيه النظام الدولي منذ أن ظهر بعد الحرب العالمية الثانية، وما زال يسعى، للسيطرة على العالم، يوجه الأمور فيه كيفما شاء، لا كما يشاء الغير ! يعتقد متخذ القرار الأمريكي ضد جماعة الإخوان المسلمين، أن هذا التصنيف سيصيب المقاومة الفلسطينية ويؤثر عليها، باعتبارها أحد أجنحة الجماعة، التي لو تأثرت، فإن أجنحتها ستتأثر بالضرورة. لكن الخافي عن متخذ هذا القرار، سواء الأمريكي أو حتى العربي، أن جماعة الإخوان المسلمين فكرة وروح، وليست كيانات إن تلاشت، تلاشت معها الفكرة والروح. وسواء تم اتهام الجماعة بأنها إرهابية أو غير ذلك من أوصاف، فإن المقاومة الفلسطينية ماضية في طريقها المرسوم، وهي أنها حركة مقاومة ضد احتلال، لا إرهابية كما تزعم بعض أنظمة حكم غربية وعربية. وستكون كذلك طالما بقي المحتل في غزة، سواء الصهيوني أو من تراوده أحلامه القيام بإدارتها، واحتلالها بدلاً من العدو المحتل. قرار ترامب باعتبار الإخوان المسلمين جماعة « إرهابية « وإن بدا ظاهرياً أنه مزعج ومؤلم للجماعة، هو في باطنه نصر لها وستظهر آثاره بعد حين لا يطول. إنه يشبه تماماً حملات التشويه التي طالت الإسلام والمسلمين بعد عمليات الحادي عشر من سبتمبر، حين بدأ الشعب الأمريكي وغيره في العالم يتساءل عن هذا الإسلام، الذي يتهمه الجميع بأنه يقتل ويفجر ويخطف وغيرها من أعمال شنيعة، وإذا بعدد المسلمين في الولايات المتحدة والعالم يزيد ! الآن يرتكب الأمريكان الخطأ نفسه، حيث سيبدأ الرأي العام الأمريكي المنتفض حالياً على كل الدعايات التي جعلته في سبات عميق سنوات طويلة، وخاصة الشباب، بالبحث عن هذه الجماعة، كما يبحث عن المقاومة والقضية الفلسطينية، ويبحث لماذا يتردد اسم الجماعة بكثافة مريبة في أغلب العالم الإسلامي والغربي؟ سيبحث الشعب الأمريكي المتحفز بعد طوفان الأقصى، للبحث عن حقيقة هذه الجماعة تماماً كما يبحث الآن عن خطورة اللوبي الصهيوني ودوافع الرضوخ التام لحكومتهم أمام دولة أجنبية هي «إسرائيل» ! قرار ترامب هذا لا شك أنه ترضية لرغبات بعض العرب بالإضافة للكيان الصهيوني، وقد جاء بعد اكتشاف التأثير الإيجابي لهذه الجماعة، وقدرتها على تغيير الوعي العام في كثير من أقطار العالم، وخطورة تنامي هذا الوعي على المصالح الأمريكية والغربية بشكل عام، ومن ضمنها مصالح العدو الصهيوني ومن يسير في فلكه. عودٌ على بدء، نقول: إنّ بقاء فكرة المقاومة التي أحياها الشيخ حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، أكبر الحركات الإسلامية التي ظهرت في القرن العشرين، إنما هو اقتداء بأسلافنا من القادة والزعماء، وقبلهم الأنبياء، وبالتالي هي فكرة ترعب خصوم وأعداء الأمة، ومن ضمنهم منافقيها وهم على شكل نخب فكرية ومثقفة وعلماء سلاطين باعوا دينهم بدنيا غيرهم. لقد رأى الجميع منذ قديم الزمن ما يفعل الإيمان في المعارك والمواجهات الحاسمة، والتاريخ سجّل ما حصل في الخندق والقادسية وملاذكرد وعين جالوت.. إنها المقاومة التي يصنعها الإيمان واليقين بنصر الله، من بعد اتخاذ كافة الأسباب والوسائل، وهو الفهم الذي عليه الإخوان المسلمون ومنها حماس. إنه الفهم الذي لا يُراد له أن ينتشر بين جموع الأمة، بل ويتم محاربته بكل الصور والأشكال، ومنها هذه القرارات الجوفاء هنا وهناك ( ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ).
381
| 27 نوفمبر 2025
واحدة من صفات عباد الرحمن، هي الحلم والإحسان وعدم مقابلة السيئ بمثله. لماذا ؟ لأنهم في طاعة الله جُل وقتهم، لا ينشغلون بتوافه وسفاسف الأمور حولهم، وما أكثرها.. إنهم في جدهم ووقارهم وقصدهم إلى ما يشغل نفوسهم من اهتمامات كبيرة، تجدهم لا يتلفتون إلى حماقة حمقى وسفاهة سفهاء، كما يقول صاحب الظلال في تفسيره، ولا يشغلون بالهم ووقتهم وجهدهم بالاشتباك مع السفهاء والحمقى في جدل أو عراك، ويترفعون عن المهاترة مع المهاترين الطائشين.. (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما). لا يقولون ذلك عن ضعف، ولكن عن ترفّع؛ ولا عن عجز، إنما عن استعلاء، وعن صيانة للوقت والجهد أن ينفقا فيما لا يليق بالرجل الكريم المشغول عن المهاترة، بما هو أهم وأكرم وأرفع. كثيرون منا في زحمة هذه الحياة، وخاصة بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تراهم يتأثرون لكلام هذا وذاك من الناس، فينشغل أحدهم بها أيما انشغال، ويتألم منها كثيراً وطويلاً، وتراه مشغول البال في كيفية رد الصاع صاعين ! لكن من وفقه الله لأن يكون من عباد الرحمن، أو قريباً منهم، تجده وقد اعتبر حياته أغلى وأرقى من أن تنزل إلى تلكم المستويات الدنيا من التفاعل مع الآخرين، لأنه اختار منهج التغافل أو التجاهل في حال الإساءة إليه بقول أو فعل، ليقينه التام أن التغافل فعلٌ إرادي ناتج عن إحاطة وإلمام وإدراك بما يدور في البيئة المحيطة. وهذا يعني أن التغافل أقرب إلى أن يكون حكمة من الإنسان حين يختاره وسيلة للتعامل مع المسيئين في موقف ما، كقوله تعالى في آية أخرى ( وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ). الفرق بين العبيد والعباد إذن عباد الرحمن كما جاء وصفهم في سورة الفرقان، ولأنهم عرفوا الله حق معرفته، فعبدوه حق عبادته، كانت نتيجة تلك المعرفة وذلكم العمل، استحقاقهم درجة الانتساب إلى الله عز وجل، فهم عباد له وليسوا عبيدا، والفرق بين الكلمتين كبير. إنّ كلمة عباد تُضاف إلى لفظ الجلالة، كما يقول الشيخ الشعراوي رحمه الله، فالذين يعبدون الله يُضافون للفظ الجلالة، فيزدادون تشريفاً، فيُقال: عباد الله أو عباد الرحمن. أما كلمة عبيد فهي تُطلق على عبيد الناس وعبيد الله معاً، وعادة تُضاف إلى الناس. والعبيد تشمل الكل، محسنهم ومسيئهم، كما ورد في سورة ق (ما يُبدلُ القَولُ لدي وما أَنا بظلَّام للعـبيد). إنّ كل بني البشر عبيدٌ لله في هذه الأرض. المسلم والنصراني واليهودي والمجوسي وكذلك الملحد الذي لا يؤمن أساساً بوجود الخالق ! العبيد يعاملهم الله في أمور أساسية حيوية وبشكل متساو لا يُظلم في كونه وملكه أحد، وتعالى الله وتنزه عن الظلم.. تجده سبحانه يرزق البر والفاجر، والمؤمن والملحد. لا يقطع ماء ولا هواء عن الذين يجحدونه ويكفرونه ويشركون به، ولا غير ذلك من نعمه التي لا تُحصى. الكل سواء هاهنا، لكن في الحياة الأخرى القادمة ولو بعد حين، الأمور لن تكون كذلك، وبالطبع ستتغير.. لكن ليس الكل يرضى أن يكون في درجة العبيد، بل تجد آخرين يبذلون الجهد للخروج من نطاق العبيد، والدخول إلى نطاق أو منزلة العباد، وليس أي عباد، بل عباد للرحمن. وحين يسمي الله تعالى الذين يتقربون إليه ويعبدونه حق عبادته بأنهم عباد للرحمن، فإنّ هذه التسمية أو هذا الوصف يمكن اعتباره جائزة دنيوية قبل تلكم الأخروية المنتظرة بإذنه تعالى، بل ربما هذه التسمية بشرى لعاقبة طيبة وجزاء عظيم في الآخرة. الأمن والاستقرار الداخلي ما يهمنا هاهنا هو كيف وصل عباد الرحمن الى ما هم عليه، كي يمدحهم ويذكرهم الخالق في قرآن يُتلى الى يوم الدين؟ لاشك أن السر يكمن في ذلكم الأمن أو الاستقرار الداخلي، الذي يأتي كنتاج طبيعي ليقين وإيمان بالله عميق، والذي به يغنى المرء، وبه تعتدل صحته، وبه أيضاً يحقق نجاحات مستمرة على شكل ترقيات ودرجات ومكافآت، وغيرها من صور النجاحات المادية والمعنوية في الدنيا قبل الآخرة.. الأمن الداخلي الناتج عن عميق الصلة والإيمان بالله، بسببه نعيش في سلام، وإن كان ما حولنا في قلق وفوضى أو رعب وبلوى، وبالتالي نبدع وننتج بشكل ايجابي. إنّ الذي نسميه بالسلام أو الأمن الداخلي، هو الذي يدعـو عباد الرحمن الى عدم الخوض في جدال عقيم ومراء لا يفيد.. فقد أدرك هؤلاء أن هذه الحياة ليست حالة ثابتة تجعلهم مستنفرين طوال حياتهم لأي أمر، أو يتقاتلون ويتنافسون على مباهجها وجميل ما فيها، أو يتعاركون بسبب تفاهات وهوامش تسنزف طاقاتهم في الأقل أهمية عن المهم، أو المهم عن الأكثر أهمية. عباد الرحمن تراهم مدركين أن كل ما في هذه الحياة العاجلة من أحداث ووقائع لن تستمر، بل زائلة دون أدنى ريب، وبالتالي أي قلق أو توترات بشأنها ستزول أيضاً. ومن هذا الفهم العميق للحياة ومفرداتها وأدبياتها، يعيش عباد الرحمن في سلام عميق، منتظرين السلام الدائم من السلام سبحانه، وقد ظفروا بجائزتهم المنتظرة، جنة عرضها السموات والأرض، وما أغلاها من جائزة (يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار). فاللهم اجعلنا وإياكم منهم.
324
| 20 نوفمبر 2025
القيود في حياتنا كثيرة. منها مادية وأخرى معنوية نفسية، والأخيرة هي الأشد من بين كل القيود، والأكثر تأثيراً على المرء منا في كثير من مناحي الحياة. فالقيود النفسية، أو إن صح التعبير الذهنية، هي خليط من معتقدات أو أنماط تفكير يكون الإنسان قد نشأ عليها في بيئات معينة وفي أزمنة مختلفة، بعضها تكون غاية في السلبية، تحد من إمكانياته وتؤثر على سلوكياته وقراراته. ربما تلك القيود تكون نتاج تجارب حياتية سابقة، كالفشل في دراسة، عمل، زواج، تجارة، أو غيرها من مجالات الحياة المتنوعة، أو ربما عن تأثيرات خارجية مبرمجة، تهدف إلى وضع الإنسان في بيئة افتراضية مغلقة، بحيث يشعر أنه مقيد لا يستطيع حراكاً !! تلكم السلبية أو عدم القدرة على التحرك الإيجابي أو التخلص من تلكم القيود الذهنية الافتراضية، يسمى عند المشتغلين على سلوكيات الإنسان بالتردد، الذي يعني بكل وضوح، أن همساً أو صوتاً خافتاً يأتي من أعماق المرء يدعوه إلى عدم خوض ما هو بصدد الخوض فيه، أو ما يمكن تسميته بالرغبة في التغيير، بل يدعوه ذاك الصوت الهامس الخافت إلى التوقف والتفكر مرات ومرات، ويدخل عالم الوسواس القهري، حيث يبدأ الصوت الخافت ذاك، يقرأ عليه أوهاماً ويضع له افتراضات متنوعة لا أساس لها من الواقع الحقيقي، ثم يدعوه إلى تخيل صور سلبية بائسة فقيرة، إن هو خالف تلك الافتراضات أو الأوهام إن صح التعبير ! عند هذا النوع من البشر، تجد المستحيل عنده هو المحور الأساس في حياته، والذي تدور حوله غالبية المهام المطلوبة منه، أو التي له رغبة في القيام بها، حيث يعتبر بعضها أو جلها ضمن نطاق المستحيل، وذلك نتيجة القيود الذهنية الراسخة في أعماقه. وما من شك في أن تلك القيود تؤثر على انتاجياته، بل سائر شؤون حياته، فلا تجده تبعاً لذلك يخطو خطوة واحدة إلى الأمام يوماً، إلا وقد تراجع خطوتين أو أكثر، وهكذا تكون حياته. القيود الذهنية هي التي جعلت المسلمين في حواضر إسلامية عظيمة مثل خوارزم وبخارى وبغداد على سبيل المثال لا الحصر، غاية في السلبية أمام جحافل المغول. فقد كان المقاتل المغولي الواحد يوقف عشرات من رجال ونساء المسلمين في مكان ما، ويطلب منهم السكون وعدم الفرار ريثما يأتي بسيف يقتلهم به !! وكان هذا الذي يحدث، كما تصف كتب التاريخ تلك الفترة المأساوية من تاريخ المسلمين ! السلبية نفسها جعلت بني إسرائيل تعيش حياة المذلة عند الفراعنة عقوداً طويلة. والسلبية أو القيود الذهنية هي التي أوصلت العالم العربي إلى حالة من الهوان اليوم أمام الكيان الصهيوني، والأمثلة كثيرة، لا تتسع المساحة لذكرها.. لكن حينما جاء الملك سيف الدين قطز مع الشيخ العز بن عبدالسلام وساهما في كسر القيود الذهنية التي صنعها المسلمون لأنفسهم في تلكم الفترة الحالكة، تم دحر الخطر المغولي، وكانت معركة عين جالوت بداية اندثار أولئك الهمج وخروجهم من التاريخ. وعلى الشاكلة ذاتها، سار المجاهدون الأفغان أمام السوفييت ومن قبلهم الانجليز ومن بعدهم الأمريكان أيضاً.. وعلى الدرب ذاته يسير مجاهدو غزة الكرام اليوم. الإيمان بالله حين يضعف في القلب، لاشك أنه مسبب رئيسي لنشوء روح سلبية بالنفس، تعيق عن العمل والتقدم إلى الأمام. الإيمان وحده هو الذي يجعلك تؤمن بأقدار الله وقضائه، فيطمئن قلبك أولاً وبالتالي يدفعك إلى أن تتخذ كل أسباب التغيير وتحقيق النجاح، فتتوكل على الله في مسيرة التنفيذ، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: «اعقلها وتوكل». أي خذ بكل الأسباب الميسرة والمشروعة، ثم توكل على الله واتخذ قرارك ونفذ الأمر، وستجد التوفيق والنجاح أمامك وحليفك بإذن الله. روى الإمام أحمد عن ابن الديلمي قال: أتيتُ أُبيّ بن كعب فقلت له: وقع في نفسي شيء من القدر فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي؟ فقال: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم. ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم. ولو أنفقت مثل أحد ذهباً في سبيل الله، ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار. قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك. ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك. ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك». إن عمليات التغيير كخلاصة لهذا الحديث، تحتاج إلى تلكم النوعية الصافية من الإيمان بالقضاء والقدر، لأنها عمليات لا تتحمل التردد والبطء، أو الركون إلى الأوهام والافتراضات، أو ما اتفقنا على تسميتها بالقيود الذهنية. ولو كان كل البارزين على مدار التاريخ من القادة والحكام وعظام الرجال من المترددين، أو مثقلين بقيود ذهنية لا أساس لها من الواقع، لما برز أحد في هذا التاريخ ولما حدثت تغييرات دراماتيكية حاسمة تغير معها التاريخ.
399
| 13 نوفمبر 2025
ليس مطلوباً منا نحن المسلمين المبالغة في مسألة فوز زهران ممداني، المواطن الأمريكي الذي يجري في عروقه دم آسيوي وإفريقي، بل المطلوب تأمل الحدث من المنظور الذي يهمنا نحن العرب المسلمين. ذلك أن الحدث بادئ ذي بدء، أمريكي داخلي لكن ذو أبعاد دولية تسبب الصهاينة في ذلك. لكن لماذا فرح كثير من المسلمين، عربهم وعجمهم بفوز هذا المهاجر بعمادة مدينة نيويورك وكأنما فاز بمنصب رئاسة الولايات المتحدة؟ الأمر سهل يسير لا يحتاج لكثير تفسيرات وتفصيلات. لكن قبل ذلك، لا شيء في أن يفرح أحد في هذا العالم بفوز شخص مهاجر مكافح عصامي مثل ممداني، سواء الذي يفرح بالفوز كان مسلماً أم غير مسلم. ذلك أن الفطرة السليمة تقتضي من المرء أن يفرح لكل حق وعدل، في كل مكان وكل زمان. وما جرى في نيويورك نعتقد أنه نوع من العدل والحق الذي يفرح لهما كل صاحب فطرة سليمة. لن أكون مبالغاً إن قلت بأن ما جرى في الولايات المتحدة هو إحدى نتاجات طوفان الأقصى المبارك دون أدنى شك. هذا الطوفان الذي حرَّك العالم بأسره، وأيقظه من سباته العميق. طوفان لا أشك لحظة أنه أيقظ الوعي أو المزاج العام الأمريكي حتى أدرك بعد سنوات طويلة من غيبوبة قسرية لعبت الصهيونية دوراً فيها، أن الوقوف بلا وعي خلف كل ظلم وظالم، تحت تأثير الدعايات الصهيونية، ما هو إلا سقوط أخلاقي، وعواقبه كارثية ولو بعد حين من الدهر، طال أم قصر. وبالمثل أدرك هذا الوعي أو الضمير الجمعي الأمريكي الشاب، أن نبذ الظلم والوقوف مع المظلومين، هو عدالة وشهامة، وعواقبه مبشرة سارة، ولو بعد حين من الدهر، طال أم قصر.. إذن هذا الوعي والإدراك، بالإضافة إلى قضايا أخرى داخلية خاصة بسكان مدينة نيويورك، تسببت كلها في فوز مرشح مسلم شاب متحمس للتغيير، بعمادة المدينة. هذا الشاب الذي لم يتردد أيضاً في الوقوف ضد العدوان والظلم الصهيوني على غزة وأهلها وبقية أهالي فلسطين منذ عقود سبعة ماضية. وهذا الوعي هو الذي أدى بشكل مؤثر إلى خسارة مرشح الصهاينة المدعوم من الرئيس الأمريكي نفسه، أو الأوليغارشية بشكل عام، على رغم أن نيويورك تعتبر ثاني أكبر تجمع لليهود في العالم !! المزاج الأمريكي وهو يتغير من يتابع النفسية الأمريكية أو المزاج الأمريكي بشكل عام، لاسيما الشاب منه، يدرك يقيناً بأن فوز ممداني بعمادة مدينة نيويورك هو حدث غير عادي، ليس بالولايات المتحدة فحسب، بل العالم كله، ليس لأنه مسلم أو ملون كما يصف الأمريكيون غيرهم من المهاجرين، بل لأنه عزَّزَ خسائر الصهيونية المتغلغلة في شرايين وأوردة هذه المدينة العريقة، مدينة الصهاينة إن صح التعبير، حيث المال والتجارة والسياسة كذلك. ذلك أن مدينة نيويورك هي أكبر مدينة في الولايات المتحدة، أو يمكن اعتبارها «إسرائيل» ثانية في الولايات المتحدة، على اعتبار نسبة الصهاينة القاطنين في هذه المدينة والتي تقدر بأكثر من مليوني يهودي. فوز ممداني أفرح المسلمين وغيرهم ممن يعتبرون الصهيونية بلاءً على البشرية، حيث كانت له مواقف مشهودة ضمن سياق الوعي الشعبي المتصاعد بخطر الصهاينة في الولايات المتحدة، فوقف ضد العدوان الصهيوني على غزة، واعتبره إبادة جماعية، وبالتالي لابد من إعادة النظر في علاقات الولايات المتحدة بهذا الكيان، ما يُعد هذا في العقلية الأمريكية السياسية المسيطر عليها من قبل الصهاينة، أو اللوبي الصهيوني، تجاوزا واضحا لكل الخطوط الحمر، التي وضعها الصهاينة منذ عقود في هذا البلد، والذي يعتبره الصهاينة شريان حياة كيانهم الاحتلالي في فلسطين. لم يتردد ممداني في جعل الوقوف في وجه العدوان الصهيوني على غزة، جزءاً من برنامج حملته الانتخابية في عـقر دار الصهاينة بالولايات المتحدة، حتى توقع كثيرون سقوطه بكل سهولة أمام مرشح صاحب خبرة مدعوم من الأيباك والأوليغارشية، أو أصحاب المال المتنفذين في عالم السياسة. اللوبي الصهيوني أو الأيباك أنفق مئات الملايين من الدولارات على حملات تشويه وتشهير ضد ممداني، وتخويف الأمريكيين منه عبر استحضار مشاهد قديمة ضمن حملات الإسلاموفوبيا، واستثارة عواطف الناس ضد كل ما هو مُنتمٍ للإسلام أو المهاجرين، حتى دخل المسؤولون في حملات التشويه تلك، بل أيضاً في حملات تخويف الصهاينة من التصويت لهذا المسلم !! كل ذلك ساعد في لفت أنظار العالم إلى ممداني، بل وكنوع من تجسيد كراهية نسبة كبيرة من الأمريكيين البيض في نيويورك، وغيرهم من المهاجرين لبرامج الحكومة، واستشعارهم خطر الصهيونية، بدأ الناس بالالتفات إلى هذا المرشح المسلم، الذي يعدهم بكل أمانة وصدق بمدينة أكثر نظافة، وأكثر تنمية، وأكثر أمناً، وأكثر قدرة على إدارة نفسها وتقديم خدماتها، وتوفير حياة ومستقبل أفضل، مقابل مرشح جمهوري عجوز وضع «إسرائيل» على رأس قائمة أولوياته قبل أمريكا، ما جعل الناس تتيقن أن لا خلاص لهم من هيمنة الصهاينة إلا عبر تغيير فاعل، وليكن ابتداء بمنصب عمدة المدينة، ثم لاحقاً بقية المدن بولاية نيويورك، وصولاً إلى منصب الحاكم، وربما رئاسة الدولة في المستقبل القريب.. جدار الخوف وهو يتحطم هكذا إذن تسير الأمور في الولايات المتحدة من بعد أحداث السابع من أكتوبر، والذي أدى إلى تفاعل قطاع عريض من الشعب الأمريكي مع ما يحدث في غزة من إبادة وإجرام وعدوان لا مثيل له. وأدى بالكثيرين، لاسيما الشباب من الجنسين، إلى التحدث بصوت مسموع ضد القمع الصهيوني المسيطر على المال والسياسة والإعلام والفكر والثقافة، بل كل مناحي الحياة الأمريكية، إلى درجة القول بأن الوعي الشعبي المتصاعد، حَطَّم جدار الخوف من التعبير ضد الصهيونية ومن يقف وراءها أو يستفيد منها. لا يهمنا كثيراً كشعوب مسلمة، ما سيقدمه زهران ممداني للنيويوركيين من خدمات وعدهم بها، بقدر ما يهمنا أنه أحدث شرخاً في جدار الصهيونية بالولايات المتحدة، والذي نأمل أن يتكرر في مدن ومواقع أخرى. ذلك أن هذا الفكر أثَّر وما زال يؤثر علينا نحن المسلمين ربما أكثر من غيرنا، حتى أمسينا نسعى إلى كل وسيلة ممكنة للتخلص منه، بل ونفرح لأي هزيمة أو انتكاسة له في أي مكان وأي زمان. هذا الشرخ الذي أصاب جدار الصهاينة في نيويورك، أشبه بتلك التي تحدث للسدود الكبيرة القديمة، التي تتأثر تحت ضغط المياه خلفها، فتتوسع الشروخ تدريجياً لتؤدي إلى ثغرات هنا وهناك تتسع مع الزمن حتى ينفجر ويتحطم السد كله.. هذا الذي سيعمل اللوبي على تفاديه وإصلاحه بالسرعة الممكنة بعد هزيمة انتخابات نيويورك.. لكن أحسبُ أن الوعي الشعبي الشاب المتصاعد يتحرك بسرعة تزيد ولا تنقص، ما يجعل من مهمة اللوبي الصهيوني أكثر صعوبة ومشقة، وهو ما ينذر بكارثة حقيقية بإذن الله على هذا الفكر المتطرف، الذي صار يتلقى الضربة تلو الأخرى منذ بدء طوفان الأقصى، والذي بات يستشرف كثيرون مستقبله وأنه إلى التقهقر أقرب، بل ربما الفناء والزوال، كغيره من الأفكار والمذاهب البالية الفاسدة. والله يمهل الظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ).
1125
| 06 نوفمبر 2025
كثيرة هي العلوم غير النافعة التي يجهد البعض في دراستها أو البحث فيها والتعمق في تفاصيلها، وهي بلا نفع لا على الدارس والباحث ولا على غيره. وحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو يستعيذ من أربعة أشياء، أشار إلى أحدهم بقوله (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع)، بالإضافة إلى الثلاثة الأخرى (ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يُستجاب لها). معنى هذا أن العلم الذي لا ينفع، هو كل ما لا يؤثر في زيادة إيمانك ورصيدك الأخروي، وإنما يقوم على النقيض ويتسبب لك في إضاعة الجهد والوقت وربما أحياناً المال أيضاً. من بعد هذه المقدمة المقتضبة، سأورد لك مثالاً من العلم غير النافع الذي صار يستهلك أوقات وجهود كثيرين، حتى تحول ذلك العلم غير النافع إلى مادة للجدال لا يُعرف لها نهاية، ويقاتل المرء بها آخرين، فتراه يدخل ساعات طوالا في نقاشات وجدالات عقيمة على مختلف المنصات الإعلامية، لا لشيء سوى إثبات صوابية ما يرى ويعتقد. ولك أن تتابع أي منصة من منصات التواصل الاجتماعي لتدرك هذا المشهد عن قرب!. أبرز الأمثلة التي ما زالت النقاشات مثارة حولها إلى يوم الناس هذا، هو شكل الأرض. أهي كروية بيضاوية أم مسطحة ؟! وعلى رغم أن العلم الحديث تطور ومعه تقنياته وأدواته ومنها الأقمار الصناعية، التي أثبتت بيضاوية الأرض كما تحدث القرآن عن ذلك، إلا أن المجادلين والمقتنعين بأن الأرض مسطحة، يرفضون كل علم يخالف قناعاتهم تلك. إنّ رفضهم للأدلة الفيزيائية الفلكية بحجج مختلفة، قد نعذرهم بعض الشيء في ذلك المنحى، باعتبار النظريات العلمية هي جهود معرّضة للصواب والخطأ أيضاً. لكن ذلك الرفض أدخلهم في متاهات أخرى لتجد أحدهم على رغم أنه مسلم موحّد، لا يقتنع أو يتقبل تأويلات المفسرين للآية الكريمة (والأرض بعد ذلك دحاها)، والدحية في اللغة هي البيضة، وكلمة دحا تعني البسط مع الاتساع والارتخاء نحو الأسفل، كما نقول دحا البطن إذا استرخى وتدلى إلى الأسفل. إن وافقنا أصحاب نظرية الأرض المسطحة، وعدم قبولهم لتفسير معنى كلمة دحاها، فكيف بهم مع آية التكوير، التي جاءت لتوضح شكل الأرض بصورة أدق، كما رصدتها الأقمار الصناعية الحديثة (يكوّر الليل على النهار ويكور النهار على الليل) أي أن الأرض لو لم تكن كروية، لكان الوضع إما ليلا دامسا دائما، أو نهارا سرمديا. لكن رحمة الله أن جعل الأرض تدور حول نفسها أمام الشمس، فيكون ليلا في نصفها، ونهارا في نصفها الآخر. ثم تأتي آية أخرى تدعم كروية الأرض (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازيّنت وظن أهلها أنهم قادرون عليها، أتاها أمرنا ليلاً أو نهارا) أي أن القيامة إذا حان وقتها، ونفخ إسرافيل في الصور، فلابد أن يكون نصف الكرة الأرضية في نهار، والنصف الآخر في الليل (أتاها أمرنا ليلاً أو نهارا)، هكذا تأويل الآية الكريمة كما في كتب التفسير. للسلف الصالح أقوال عديدة تؤيد كروية الأرض، منها قول ابن تيمية رحمه الله: «وقد ثبت بالكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة أن الأفلاك مستديرة، وهكذا هو في لسان العرب، الفَلَك الشيء المستدير.. قال تعالى (يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ) والتكوير هو التدوير.. ومنه قيل للكرة: كرة، وهي الجسم المستدير، ولهذا يقال للأفلاك: كروية الشكل.. قال تعالى (الشمس والقمر بحسبان) أي مثل حسبان الرحى، وهذا إنما يكون فيما يستدير من أشكال الأجسام دون المضلعات من المثلث أو المربع أو غيرهما فإنه يتفاوت، لأن زواياه مخالفة لقوائمه، والجسم المستدير متشابه الجوانب والنواحي ليس بعضه مخالفاً لبعض». نختم حديثنا هذا وحتى لا يطول، بقول للإمام ابن حزم، حيث يقول: «إنّ أحداً من أئمة المسلمين المستحقين لاسم الإمامة بالعلم، رضي الله عنهم، لم ينكروا تكوير الأرض، ولا يُحفظ لأحد منهم في دفعه كلمة، بل البراهين من القرآن والسنّة، قد جاءت بتكويرها». الأقوال في هذا الموضوع أكثر مما يمكن حصرها فضلاً عن ذكرها في هذه المساحة.. فمن شاء أن يقتنع بكروية الأرض كان بها، ومن لم يشأ فلا يهم، بل لن يغير ذلك من واقع الحياة الدنيا شيئا. لكن الأهم من كل هذا الحديث، ما أنت وأنا وغيرنا فاعلون على هذه الأرض، سواء أكانت كروية أم مسطحة؟ الاشتغال بالإجابة على هذا السؤال أولى وأجدر من الاشتغال بشكل هذا الكوكب، الذي إن أشرقت الشمس عليه من غربه، انتهى أمر الدنيا، وأمر كل شيء حي. فهل من مدّكر؟.
435
| 30 أكتوبر 2025
إدراك وفهم عميقان لمعنى وحقيقة يوم القيامة، اليوم الذي تنقطع فيه كل الصلات والوشائج والعلاقات التي كانت بين البشر في الحياة الدنيا. فلا علاقات رحم، ولا قربى، ولا مصالح ولا غيرها. إن مثل هذا الإدراك، أو الفهم العميق لحقيقة القيامة، هو الذي دفع بخليل الرحمن عليه السلام، أن يسأل الله من ضمن ما سأله (ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم). لن ينفع المرء يوم القيامة ماله ولا نسبه ولا أصله ولا جاهه ولا أحد من أبنائه وأزواجه وأرحامه. لن ينفع المرء منا ذلك اليوم إلا قلبه، بشرط أن يأتي الله بقلب سليم موحد خالص من الشرك. لكن مع ذلك، يمكن أن ينتفع الناس بأموالهم وأولادهم، كما يقول الإمام أبو منصور الماتريدي في تفسيره (تأويلات أهل السنة): «إذا أتوا ربهم بقلوب سليمة لما استعملوا أموالهم في الطاعات وأنواع القُرَب، وعلّموا الأولاد الآداب الصالحة والأخلاق الحسنة، فينفعهم ذلك يومئذ، كقوله (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحاً فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا) أخبر أنهم إذا آمنوا، وتابوا، تقربهم أموالهم وأولادهم عنده». ويضيف الماتريدي بأنه جائز أن يكون على غير ذلك، أي لا ينفع مال ولا بنون، وإنما ينفع من أتى الله بقلب سليم. والقلب السليم هو السالم من الشرك، أو السليم من الآفات والذنوب، والخالص لربه، لا يجعل لغيره فيه حقاً ولا نصيبا. وشَرَطَ فيه إتيانه ربه ما ذكر، ليعلم أنه ما لم يُقبض على السلامة والتوحيد، لا ينفعه ما كان منه من قبلُ من الطاعات، إذا لم يُقبض على التوحيد. هذا يدعو المرء منا إلى الاهتمام بالنفس في هذه الحياة الدنيا، وهذا أمر ليس فيه ما يعيب، بل واجب المحافظة على هذه النفس في هذه العاجلة، من الأمراض ومن شر كل ما يمكن أن يعيبها ويعطلها عن هدفها الوحيد، أو الغرض الأساسي من وجوده في هذه الحياة، وهو إعداد نفسه وإنقاذها من مشاهد الآخرة المتنوعة غير المألوفة. لا أحد يومئذ معي ومعك، أو ينفعني وينفعك، أو يشفع لي ويشفع لك كما الحال في الدنيا. فإننا ذلك اليوم، لن ينفعنا مال ولا بنون إلا إنْ أتينا الله بقلوب سليمة. ومن هنا يأتي مفهوم الاهتمام بالنفس أولاً وقبل الغير في حياتنا الدنيا، لأننا محاسبون على ما نقوم به. إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. في الدنيا قد تقصر وتهمل في واجباتك الأسرية أو الوظيفية أو غيرها من مهام حياتية متنوعة، لكن غالباً ستجد من يشفع لك في نهاية المطاف، ويخرجك من ورطة أو مشكلة قد تقع فيها بسبب ذلكم التقصير والإهمال، أو على أقل تقدير، قد تجد من يخفف عنك بعض ما أنت عليه من هموم ومشكلات ومنغصات دنيوية لا تنتهي ولا تتوقف. لكن يوم التغابن، أو يوم المحاسبة، فقد تتوسل إلى ولدك أو زوجك أو أمك وأبيك أن يمنحوك بعض ما لديهم من حسنات، أو تطلب منهم أن ينصتوا إليك لحظات تشرح لهم وضعك البائس، وكلك أمل ورجاء أن ترق قلوبهم لك بعض الشيء لتخفيف بعض ما يمكن أن تواجهه، فلا تجد منهم آذاناً صاغية، أو قلوباً واعية، ليس لأنك لا تعني لهم شيئاً، بل لأنهم هم أنفسهم في حاجة إلى من يتكرم، أو يعطف عليهم ويأخذ بأيديهم مما هم فيه أيضاً. وربما تراهم يهربون منك يمنة ويسرة، لا يلتفتون خلفهم، وهم الذين ربما كنت تبذل الغالي والنفيس من أجلهم في الحياة الدنيا! لكن هذا الأمر يفيدك ويفيدني ويفيد كل قارئ أن الدنيا شيء، والآخرة شيء آخر لا يمكن أن يستوعبه أو يتخيله عقل. الأمر هنالك سيختلف تماماً تماماً، ولا أظن أحداً في حياتنا الدنيا عنده تلك المقدرة على وصف ما سيكون حال الناس حينها. إنه يوم ليس كأي يوم. ثقيل على الكافرين غير يسير، تبلغ الأمور فيه من الشدة، كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا تزال الخصومة بين الناس يوم القيامة، حتى تُخاصم الروح الجسد. هكذا تبلغ الأمور يومئذ.. نسأل الله لنا ولكم العافية وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة.
399
| 16 أكتوبر 2025
إن تأملت حوادث التاريخ، ستجدها تتكرر بنفس السيناريوهات تقريباً، أو أحياناً بشكل تكاد تكون طبق الأصل من بعضها البعض، على رغم اختلاف الزمان والمكان والأشخاص، حتى انتشرت مقولة التاريخ يعيد نفسه. ولأن هذا التاريخ يعيد نفسه، أو أن أحداثه تتكرر بين حين وآخر، فمن المنطقي ألا تكون قراءة التاريخ ترفاً فكرياً، بل علماً يقدم الدرس تلو الآخر، والعظة بعد الأخرى. فما فائدة استحضار دروس التاريخ دون الاستفادة من سلبياتها، فنعمل على تجنبها، أو إيجابياتها فنعمل على الاستفادة منها، أو على أقل تقدير، تقليدها؟ مناسبة المقدمة الموجزة هذه، هي الأحداث الجارية على ساحة غزة العزة، التي ربما دفعت بكثيرين لمراجعة التاريخ ومن قبل ذلك آيات القرآن الكريم الكثيرة، ومحاولة فهم تفسيرات تلك الآيات، واستخلاص الدروس من حوادث التاريخ، ومحاولة إسقاطها على ما يحدث في غزة، وكيف يمكن الاستفادة من توجيهات القرآن في المحنة والأزمة الواقعة حالياً في غزة، وكذلك استثمار دروس التاريخ، لا سيما تاريخنا الممتد، وصراعاتنا مع الأعداء التقليديين من يهود ونصارى ومن على شاكلتهم. ما إن نتأمل حصار غزة الظالم والممتد لسنوات عديدة، حتى نتذكر حصار غرناطة في 1492 للميلاد، آخر قلاع الإسلام والمسلمين في بلاد الأندلس. تلكم الدولة العريقة الراقية التي عاشت ثمانية قرون، حتى أصابها ما أصابها بفعل آفة الفرقة والخلاف، أن تفككت إلى أكثر من عشرين دولة، كل دولة بما لديهم فرحون، بينما كان العدو المتربص في الجانب الآخر، يزداد قوة وبأساً، وتتجمع قواه من كل حدب وصوب، حتى تمت السيطرة على كل تلكم الدويلات بصورة وأخرى، وبقيت غرناطة كآخر معقل سني يحارب العدو، فيكون المصير هو الحصار لأشهر عديدة، حتى تأزمت الأمور بالداخل، واشتد الجوع والفقر وفقدان الأمن بين الناس. غرناطة تستغيث ولا مجيب لم تسقط غرناطة كأخواتها العشرين دولة من دويلات الأندلس بسهولة، بل قاومت وقاتلت وقدمت العديد من الشهداء، وصمدت في وجه غالب الأزمات الداخلية، حتى خارت القوى والعزائم بسبب وجود فئات مخذلة مرجفة ومنافقة، كانت تستغل الأزمات الداخلية لمصالحها الخاصة، وبدعم من العدو الذي يحاصر المدينة. حيث لم تكن تلكم الفئات الخائنة تتردد في تقديم كل يد العون للعدو، مقابل حظوة أو مكرمة مستقبلية! أنهك الحصار غرناطة التي استغاثت بالجوار الإسلامي، لكن لا مغيث ولا معين. كلٌ انشغل بنفسه وخاف على مصالحه، وآثر عدم التدخل بين غرناطة والعدو الصليبي، لتواجه غرناطة قدرها بنفسها، وهذا ما حدث فعلاً، حيث استسلمت غرناطة وتم التوقيع على اتفاقيات ومواثيق يتم بموجبها تسليم المدينة للملك القشتالي، الذي كان يحلم هو وزوجته بالاحتفال بزواجهما في قصر الحمراء وهو ما كان فعلاً. وخرج من خرج من المسلمين، فيما بقى آخرون لكن في حياة ذليلة مهانة، وسقطت المدينة سريعاً، آخر حصون الإسلام والمسلمين. غرناطة القرن الحالي هي غزة المحاصرة. حيث أزمات الجوع والمرض وفقدان الأمن، وتخاذل العرب والمسلمين عن النصرة، مرددين العبارة القديمة ذاتها: نفسي نفسي، في ظل تواطؤ دولي، يقوده الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة، المندفعة بفكر صهيوني يحلم بالتوسع كما كان العدو الصليبي يفعل في حروبه ضد دويلات المسلمين، والذي أسماها يومئذ بحروب الاسترداد، وهو المسمى ذاته الذي تستخدمه اليهودية المتصهينة ممثلة بالكيان الإسرائيلي، من أجل استرداد مملكة اليهود الممتدة من النيل إلى الفرات! غزة هي غرناطة العصر اليوم بقي آخر حصن جهادي يدفع عن أرض إسلامية بعد أن ابتعد عنها القريب قبل الغريب، بل تدافع الإخوة الأعداء للتعاون مع المحتل المغتصب وداعميه، من أجل تصفية وإنهاء هذا الجيب، وهذه المقاومة، أو هذا الصداع المزمن في الدماغ العربي الكبير، فلعل هذا التعاون يكون جميلاً يمكن الرجوع إليه واستثماره في قادم الأيام. سقوط غزة، لا قدر الله، تكملة لمسلسل سقوط الدول العربية الكبيرة، التي وإن كانت اليوم أكثر من عشرين دولة كما كانت دويلات الأندلس، فليس مستبعداً أن تتضاعف وتتكاثر، فيما يتعملق العدو المحتل ويكبر، ويزداد حجماً وعدداً وعدة، لنعيش حقبة ذل ومهانة جديدة كتلك التي عاشها مسلمو الأندلس بسبب تفرقهم واختلافهم وصراعهم، بل وتحالفهم مع العدو المتربص ضد الأخ المسلم. خلاصة القول أن دروس التاريخ هي للتأمل، وأخذ العظة والعبرة. وأحسبُ أن تلك الدروس قد تم تأملها ودراستها واستثمارها من لدن مجاهدي غزة، وجزء كبير من حاضنتهم الشعبية، فيما بقية العالم العربي والإسلامي في سبات أو غفلة عميقة، وتكرار عجيب لأخطاء مسلمي الأندلس ومواقف الخذلان مع غرناطة، والتي أحسبها نتاج تغافلنا عن دروس التاريخ وتأملها، وأخذ الحيطة والحذر كي لا تتكرر. لكن لا يبدو في الأفق ما يشير إلى أن استفادة ما قد تمت من تلكم الدروس. ولا أريد أن أكون متشائماً إن قلت: لا شيء يمنع من تكرار قصة الأندلس في عالمنا العربي تحديداً بعد عدد من السنين قادمة، ما لم يحدث حادث، يدفع الأمة للنهوض، ومواجهة خطط المتربصين بها. وهو أمل كل غيور، وكل من في قلبه ذرة كرامة، وإسلام وإيمان.
663
| 02 أكتوبر 2025
مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة...
1449
| 14 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت...
1341
| 08 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات...
810
| 13 يناير 2026
اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة...
807
| 11 يناير 2026
سؤال مشروع أطرحه عبر هذا المنبر إلى وزارة...
618
| 08 يناير 2026
في خطوة تنظيميّة مهمّة تهدف إلى ضبط سوق...
609
| 14 يناير 2026
لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس...
597
| 12 يناير 2026
الوساطة أصبحت خياراً إستراتيجياً وركناً أساسياً من أركان...
570
| 09 يناير 2026
الوقوف على الأطلال سمة فريدة للثّقافة العربيّة، تعكس...
558
| 09 يناير 2026
تقابلت مع أحد الزملاء القدامى بعد انقطاع طويل،...
552
| 12 يناير 2026
تجول في ممرات أسواقنا الشعبية المجددة، أو زُر...
498
| 14 يناير 2026
في رحلتي من مطار حمد الدولي إلى منزلي،...
498
| 15 يناير 2026
مساحة إعلانية