رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مرة أخرى مع ما اعتبره جرائم فكرية، شوهت الفكر العربي الإسلامي، ارتكبها «مفكرون» ومؤرخون سواء عن قصد أو بغير قصد. وهنا يجب التفريق بين مسارين من التشويه، الأول، ذاك الذي أُدخل على الدين من فقه ومعاملات، وهذا مساق آخر، والثاني الذي نحن بصدده، هو ما جلبه علينا المفكرون «المصلحون» بدعوى إصلاح العقل العربي. وضربنا أمثلة على ذلك، سابقا، بجرائم فكرية ارتكبها «بعض» هؤلاء. لكن هناك جرائم فكرية أخرى يشارك فيها الجميع تقريبا، وتتسبب في تخريب مخيلة وعقلية الشعوب العربية والإسلامية، وهي أكثر من أن تحصى، لذلك سنتوقف مع أشهرها في السطور التالية. من أعجب الكذبات السياسية التي تمثل جرائم فكرية مقولة إن الدولة العثمانية شاركت في الحرب العالمية الأولى، وهي جريمة توارثتها الأجيال، وكانت تدرس في المدارس الابتدائية، ولاتزال. والحقيقة أن الدولة العثمانية وقت اندلاع الحرب «المفتعلة»، 1914، كانت مجرد جثمان ميت، أو طربوش ارتداه مجرمو الاتحاد والترقي لتنفيذ مخطط أسيادهم وحلفائهم الذين أوصلوهم إلى السلطة الفعلية في الأستانة آنذاك. ورغم أن كثيرين يعرفون هذه الحقيقة فإن عددا كبيرا من الأسماء الكبيرة في عالم السياسة والتأريخ، لا تزال تقع في هذا الخطأ، نتيجة كثرة ترديد الكذبة، ليكونوا من ضحايا نظرية «اكذب واكذب حتى يصدقك الناس». ولا يخفى طبعا أن تلك الكذبة حققت لأعداء الإنسانية أهدافا عدة أولها التغطية على مؤامرتهم الدنيئة في هدم وتحطيم الخلافة والامبراطورية الإسلامية، وثانيها، التظاهر بالانتصار على امبراطورية كبرى، وثالثها، هدم الروح المعنوية لشعوب هذه الامبراطورية، وقد كان. وشبيه بهذه مقولة إن فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية شهدت حركات «تحرر» من «الاستعمار» حول العالم. وهذه كذبة استغلها الاحتلال لخداع شعوب كثيرة وإبقائها تحت سيطرته بينما هو لم يغير إلا قناعة الذي يحكم به. وكان الهدف الأكبر منها حشر ما تسمى إسرائيل ضمن تلك الحركات المزعومة. ومن أهم تلك الجرائم حالة التسليم العام، تقريبا، التي يبديها معظم المتكلمين والمؤرخين، بأن ما فعله مارتن لوثر وجون كالفن، كان عملية «إصلاح» للديانة المسيحية. والحقيقة أن ما حدث كان، فعليا، عملية «تضبيط» للمسيحية على مقاس العقل اليهودي. وبمعنى آخر كانت تلك تكملة لعملية تخريب متعمدة وممتدة للمسيحية لصالح الفكر الصيهوماسوني الذي سيتمكن بذلك من السيطرة على الجسم المسيحي، وخاصة أمريكا، التي سيدخلها الغزاة البيوريتان (اليهود المتخفون) رافعين التوراة ومطلقين عليها اسم إسرائيل الجديدة. وهنا أذكِّر بمقولة مفكرنا الراحل مالك بن نبي بأن اليهود كانوا عقل أوروبا وروحها، والتي نجد لها شروحا في كتابات مفكرين مثل كيث وايتلام وكتابه (اختلاق إسرائيل)، وألبير لوندر وكتابه «اليهودي التائه وصل»، وكذلك كتاب د. رمسيس عوض «شكسبير واليهود». ومن ذلك أيضا مقولة إن الصهيونية نشأت أواخر القرن ال19 مع هيرتزل، مع أن أصولها تمتد بامتداد التاريخ اليهودي كله. ويرتبط بذلك قول كثيرين إن الذين أسسوا الصهيونية هم المسيحيون وليس اليهود، متناسين أولا، أن اليهود اخترقوا المسيحية منذ القدم كما أوضحنا سابقا، وثانيا، أن كل من عمل على تأسيس الصهيونية ودعوا إلى احتلال فلسطين وجعلها وطنا لليهود، في العصر الحديث، كانوا من البروتستانت والبيوريتان والماسون والنورانيين وجميعهم، في النهاية، تنظيم واحد بأطراف متعددة. تنظيم سيطر عليه العقل اليهودي الذي تعمد قطع العقل الأوروبي عن تراثه، وأراد لنا نحن أيضا أن ننقطع عن تراثنا واستخدم في ذلك كل أساليب التشويه والترهيب والترغيب محاولا طمس حقيقة أن الإسلام مشروع متكامل للحياة والنماء والتفوق. ويدخل هنا تلقائيا ما يسمى الصراع بين الإسلام والغرب. والحقيقة أن التعميم في كلمة الغرب جريمة مقصودة وراءها أعداء الإنسانية الذين تمترسوا وراء الشعوب الغربية، كما كان الحال على مدى القرون الماضية، وساقوها سوقا لمحاربة الإسلام. ومن ذلك أيضا، الاستمرار في التعامل مع ما يسمى «النظريات السياسية» وكأنها شيء حقيقي وله وزن، بينما هي مجرد عملية إلهاء وتشتيت كبرى على طريقة «بص العصفورة»، (انظر مقال، أيها السادة، انتبهوا، العالم يرجع للخلف!) وبالإضافة إلى ذلك كثير من المصطلحات الرنانة الجوفاء مثل الحرية والديمقراطية والعدالة والحضارة التي يقال إنها موجودة في «الغرب» وليس في مكان آخر، مع أن الغرب منها خواء. ولتوضيح خطورة حجم هذه الجرائم الفكرية، أقول إن أيا منها لا تقل خطورة، مثلا، عن الكذبة الكبرى التي اخترعها أعداء الإنسانية من أن فلسطين كانت أرضا بلا شعب. فهذه وهاته، وتلك، كلها خرجت من فم شيطان واحد.
684
| 27 نوفمبر 2024
تحدثنا في المقال السابق عن «إعادة الضبط» الإسلامية، وأحسب أن في كثير من دولنا مساحات متفاوتة من الحرية تتيح للمثقفين والمفكرين مباشرتها. لكن المشكلة الحقيقية التي تعيق تلك العملية هم «المفكرون» أنفسهم أو أكثرهم، وتأثير أفكارهم «المفخخة» على العقل العربي. فليس كل مقولة تلمع تعد فكرا. والفكر الحق النافع هو الذي يفهمه الجميع وتتطور به المجتمعات، وليس ما تتعذب في فهمه حتى النخب. بالنظر إلى معظم المقاربات، التي استهدفت «إعادة الضبط»، أو ما يسمى «مشاريع النهضة»، سنجد أن غالبية من تبنوا تلك المشاريع بحثوا عن الحل في بحور الفلسفة فغرقوا فيها. لأن الفلسفة برمتها خارج نطاق الحل الذي يقبله المؤمن بوجود إله واحد عليم خبير، أخبرنا بما كان وما يكون، ولم يفرط في شيء في كتابه الحكيم. فتلك الفلسفة التي أعتبِرُها أساس الحرب على العقل المسلم، امتدادا لرأي الإمام الغزالي الكبير، جعلها أعداء الإنسانية ومن لف لفهم، وعاء الفكر الإنساني الوحيد المقبول منذ أن ابتدعوها، بينما هي لا يمكنها حل أي شيء يتعلق بالعقل المسلم، إذ هي بالضرورة في تضاد معه وخصام. ولطالما سخروها للبحث عن «مفقود» قدمه الإسلام جاهزا واضحا لا لبس فيه، فكانوا كمن أنكر وجود الشمس وراح يبحث عنها في الظلام، فأنى يجدها!. لقد كان رفض أعداء الإنسانية التسليم بالقضاء والقدر، وتحريفهم كتبهم، وظنهم أنهم قادرون على محاججة الخالق وجداله في حكمته، كانت تلك أبوابا أدخلوا منها على البشر ما يسمى الفلسفة فراحوا يبحثون عن أسباب «منطقية» للأشياء بزعمهم، وأخذوا البشرية معهم في طريق الضلال. وهنا نلحظ أن معظم من سُموا فلاسفة كانوا «ترزية» أفكار مثل ترزية القوانين المعاصرين، وكان منهم تجار عبيد (فولتير) ومغتصبو أطفال (فوكو). وإعادة الضبط الإسلامية تستدعي «غربلة» أفكار كثير ممن حُسبوا على الفكر العربي الإسلامي لكنهم ساهموا في عملية التضليل الكبرى تلك، بقصد أو بغير قصد، إذ جعلوا الفلسفة سقفا لأفكارهم شاعرين بدونية إزاءها، واستخدموا مصطلحات غامضة وفضفاضة فشتتوا الفكر العربي، وجعلوه «أسير المصطلحات»، وأصابوا الشعوب العربية بـ»سكتة عصبية»، تجسدت في السلبية واللا مبالاة. وهنا نلحظ أن التاريخ العربي الإسلامي جرت مقاربته من مفاهيم ومناظير غربية، أطّرتها الفلسفة، وأحاطتها التناقضات. والسبب أن هذا التاريخ كتبه، أو أملاه غربيون معادون، و»مثقفون» عرب، موالون للغرب أكثر من ولائهم للعروبة والإسلام، بحسب مالك بن نبي. لكن بن نبي ذاته، مثلا، والذي تأثر، أحيانا، بأعمال فلاسفة الغرب، ورغم أنه الأكثر إخلاصا للفكرة الإسلامية، وقع في التناقض بصياغته فكرة أحسبها أضرت ضررا جسيما بمسألة النهوض كلها وضربتها في أساسها- ما جعلها محل انتقادات- ألا وهي ما سماها «القابلية للاستعمار» التي ألصقها بالشعوب الإسلامية قاطبة، وهو ما أوهنها ورسخ شعورها بالعجز والاستسلام. وقريب من ذلك قول د.عبد الوهاب المسيري : «ثمة هزيمة داخلية في الفكر العربي تجعل من الغرب المرجعية ومصدر المعرفة الوحيد»، ناسيا أن يقول إن تلك الهزيمة حدثت بفعل فاعل هو الغرب نفسه. كما أن إنكاره تآمر اليهود وبروتوكولاتهم أمر سيظل مثيرا للعجب، وقد رفضته منه مباشرة في لقاء على هامش ندوة بعاصمة خليجية أواخر الألفية الثانية. وأشهد أن رده كان انفعاليا ومحفوفا بالقلق. وقد أثبت كثيرون خطأ ذلك الرأي ومنهم د. بهاء الأمير في كتابه المهم «الوحي ونقيضه». بل إن المسيري، مثلا، أنكر أي تدخل لليهود في القضاء على أحلام محمد علي باشا مع أن إدارتهم للمشهد كله، الذي شمل أيضا تدمير الخلافة العثمانية، بات أمرا معروفا من التاريخ بالضرورة. أخيرا، إذا كان التراث القديم يحتاج إلى إعادة النظر مرة فالتراث الحديث يحتاج إليها ألف مرة.
522
| 22 نوفمبر 2024
تحدثنا سابقا عن ضرورة خلع جلباب الغرب كله، واسترداد جلباب حضارتنا نحن، ولا يتحقق ذلك إلا بتخليص حاضرنا وماضينا من كل التشويه الذي دسته علينا قوى الاستخراب، وأيضا، استرداد كل ما نهبه أعداء الإنسانية من تراثنا الذي استباحوه بالكامل تقريبا بسقوط الأندلس، قاطفين ثمار عملية تخريب بعيدة المدى امتدت لقرون طويلة، ويريدون قرب ختامها، تنفيذ ما سموه عملية «إعادة ضبط» للعالم، بينما نحن العرب، قلب العالم الإسلامي، مَنْ نحتاج أكثر مِن غيرنا عملية «إعادة ضبط»، ليست «شيطانية» كالتي يريدونها، ولكن واقعية إيجابية تعيدنا إلى عزنا ومجدنا القديم. قصة التخريب تلك بدأت منذ فجر الإسلام كما أوضحت سابقا، لكن مسألة التشويه والنهب تحديدا تفاقمت بدرجة خطيرة مع سقوط الأندلس. ولعل ما حدث أمام أعيننا من تشويه وتدمير ونهب لتراثنا في كل الدول التي سقطت أنظمتها في السنوات الأخيرة، من العراق وسوريا إلى اليمن وليبيا، يعطينا مثالا على ما حدث عندما سقطت ممالك الأندلس، واحدة تلو الأخرى وعندما وصل «المجرمون» إلى الأمريكتين. فقد انخرط أعداء الإنسانية المندسون في صفوف القوات الغاصبة في تنفيذ خططهم المعدة سلفا بسرقة ما يريدون من تراثنا ثم تدمير ما تبقى. وهم في كل الحالات لم يكونوا القوة الغازية الرئيسة، بل كانوا مندسين فيها. وهناك شهادات كثيرة على سوابق تاريخية قام خلالها أسلاف الصهيوماسون الحاليون بسرقة وتدمير تراث المسلمين في الأندلس وفي أي بقعة من الأرض تمكنوا منها، وخاصة الأمريكتين اللتين طاردوا المسلمين فيهما، سواء الذين فروا من اضطهاد فرديناند وإيزابيلا، التي أقْسَمَتْ أن تتعقب المسلمين هناك، أو الذين سبقوا إليهما قبل ذلك بقرون، كما أشرنا بالمقال السابق. وهنا نجد في كتابات مؤرخين غربيين، مثل سام هاسيلبي، توثيقا لعمليات الاضطهاد الوحشية وتخريب التراث التي مورست بحق السكان الأصليين (المسلمين) في الأمريكتين، ونفهم أن سبب تلك الوحشية لم يكن مسألة تطهير عرقي، بل كانت «تطهيرا» دينيا، بحسب كتابه (أصول القومية الدينية الأمريكية،2016). والأهم من ذلك ما يسوقه هاسيلبي عن تدخل الصهيوماسون لتزوير التاريخ وتشويهه، بقوله:»إن من كتب تاريخ الاحتلال الأوروبي للأمريكتين ليس القوات الغازية ولكن «البيوريتان» المندسين الذين كانوا في حقيقتهم يهودا متخفين»، وكانوا دائما وراء تزييف التاريخ وتشويهه. وهذا ما توثقه أيضا كتب مثل، «الصهيونية المسيحية» لستيفن سايرز، و»تفتيت الشرق الأوسط» لجيرمي سولت، ويكشفان كيف اندس الصهاينة اليهود في المسيحية من خلال طائفة البيوريتان، وكيف عملوا دائما على تقويض الجسم العربي الإسلامي وصناعة الاضطرابات لهدمه. وينقل هاسيلبي عن برنال دياز ديل كاستيلو، الذي أرخ اجتياح هيرنان كورتيس حاكم «اسبانيا الجديدة» (منطقة أمريكا الوسطى)، أن الحملة أحصت أكثر من 400 مسجد في تكساس والمكسيك، مُحيت كلها من وجه الأرض. وقد ثبت حديثا أن المدعو كولومبوس كان يهوديا من السفارديم من غرب أوروبا وليس كاثوليكيا. وتم تأكيد ذلك بدراسة استمرت 22 عاما، لتحليل عينات (دِ.ن.أ.) قديمة، وبثتها وسائل إعلام عدة بينها قناة «سي.تي.في» الكندية. وثابت أيضا، بحسب كتاب «من أجل صهيون»، أن كولومبوس «اليهودي» قال في رسالته إلى ملك وملكة أسبانيا، إن هدف رحلته الأساسي نحو الأراضي الجديدة هو «الحياة والموت ضد مُحمد.. واستعادة القدس». وفي كتاب «مَسْخُ الصُّورةِ.. سَرِقةُ وتحريفُ تراثِ الأمّةِ» نجد شرحا وافيا لعملية التشويه الضخمة التي تعرض لها تاريخ العرب والمسلمين من قبل الصهيوماسونيّة العالمية، ومن ذلك ترويجها نظريات ملفقة تظهر الغربيين جنسا متفوقا، والعرب متخلفين وبدائيين. وهو ما نظّر له مجرمون من أمثال برنارد لويس في كتاباته ليرسم، وأمثاله، صورة للمسلمين بأنهم الخطر الذي يتهدد «حضارة الغرب»، وأنَّ صداما سيقع لا محالة بين الجانبين، وهو ما دعمته كتابات فوكو وهنتنجتون. وهذا هو ما صدّرته للعالم ذراعهم الشيطانية المسماة «هوليوود» في أفلام عدة. ويتناول الكتاب في فصله الثالث كيف زور أعداء الإنسانية مصادر التراث ودسوا المعلومات المزورة في الكتب العربيّة والعالميّة، ومناهج الغرب التعليميّة، ودور الكنيسة، وحتى بعض النخب العربية، في تلك «الحرب القذرة». كان هذا عن تشويه التاريخ، أما عن سرقته فيستعرض كتاب «الصحوة الإسلامية في الأندلس اليوم،1992» للدكتور علي المنتصر الكتاني، انقضاض اليهود على تاريخ الأندلس بأكمله وزعمهم أنهم شركاء في بناء الحضارة الإسلامية. كما يوثق سرقتهم كثيرا من روائع الفكر الإسلامي والعربي ونسبته لمفكريهم مثل موسى بن ميمون. وهنا يحضر اسم العالم التركي الراحل فؤاد سزكين، الذي قضى نحو 60 عاما، يفحص الكتب الأوربية، ليكتشف أن أكثر من 150 ألف كتاب غربي أصولها عربية إسلامية، واستطاع توثيق الأصول العربية لأكثر من 35 ألفا منها. وقال إن كل ما كان يفعله «العالِم» الأوروبي هو ترجمة الكتاب العربي ثم وضع اسمه عليه بدلا من اسم المؤلف الحقيقي المسلم. وكان من بين ما أثبته في موسوعته «تاريخ التراث العربي» أن جميع الخرائط حتى بدايات القرن 18 أصلها عربي إسلامي، وهذا يعني أنه حتى وصول الأوروبيين إلى الأمريكتين كان بفضل العرب المسلمين؛ وكان بعضهم ضمن حملة كولومبوس بالفعل. وكان من أهم قناعات سزكين قوله «إن اقناع المسلمين بعظمة الحضارة الإسلامية أصعب من إقناع الغرب بها». وهذا ما يدفعنا للقول إن عملية «إعادة الضبط» الإسلامية يجب أن تكون فرض عين، على الأقل، على كل من يمكنه حمل هذه الأمانة. وهذا حديث آخر.
972
| 13 نوفمبر 2024
من وحي ما يجري حولنا من أحداث تشيب لها الولدان، كما يقولون، أقول: الله وحده يعلم الغيب، لا يشك في ذلك مؤمن عاقل. لكن ذلك لا يعني ألا نتساءل: كيف يمكن أن يكون مستقبلنا نحن العرب بالذات والمسلمين عموما في ضوء ما نرى؟ استشراف ذلك يدفعنا لأسئلة أخرى مثل: هل دار بخَلَد أي من المسلمين الذين عاشوا عيشة الملوك في الأندلس على مدى ثمانية قرون أن نهايتهم ستكون تلك النهاية البشعة، من تعذيب وتقتيل وانتهاك ومصادرة أموال ثم ترويع وإجبار على الكفر وترك الإسلام ثم تشريد وتهجير إلى أطراف الأرض؟ وهل توقع المسلمون الذين تم استعبادهم، ونقلُهم من أفريقيا إلى أوروبا والأمريكتين بالملايين، بعد سقوط غرناطة 1492، أن ذلك الأمر يمكن أن يحدث لهم في يوم من الأيام، وقد كان منهم مَنْ كانوا سادة وأمراء في قومهم وبالذات في مناطق غرب أفريقيا؟ هل تخيل أحدهم أن اليوم سيأتي ليجد نفسه في أرض غريبة بعيدة يستعبده تجار عبيد مجرمون ويبيعونه لمجرمين آخرين من البيض ليجعلوه عاملا بالسخرة في كل الأعمال الشاقة التي يأنفون من ممارستها؛ أولئك الذين كان كثير منهم بالأمس القريب، وقتها، مجرمين ومساجين في أوروبا أطلق حكامهم السفاحون سراحهم لاحتلال العالم الجديد؟ وهل خطر ببال مسلمي أفريقيا- الذين يذكر المؤرخون أن أحد ملوكهم وهو منسا (الملك) موسى كان من أغنى أغنياء التاريخ، وأن أخاه منسا أوبكر تنازل له عن الحكم ليسير بحملة من 200 سفينة عبر المحيط، عام 1312م، لاستكشاف الأراضي الجديدة، حيث فقد أثره- هل خطر ببال هؤلاء أنهم سيكونون وقود الثورة الزراعية في تلك المناطق الجديدة، التي فرّط في حكمها المسلمون، (وهي مسألة تحتاج إلى بحث معمق) فوقعت في أيدي المجرمين وشذاذ الآفاق، بعدما أبادوا سكانها الأصليين، وكان كثير منهم مسلمين؟ وهل فكر «الأصليون» في الأمريكتين أن تكون الإبادة مصيرهم، وقد كانوا بحسب مصادر عدة بعشرات الملايين؟ وقد يثور سؤال: لماذا أباد أعداء الإنسانية السكان الأصليين، ومنهم المسلمون، وجلبوا غيرهم من أفريقيا؟ أما كان الأسهل لهم استعباد الموجودين بالفعل مادامت لديهم القدرة على إبادتهم؟ والإجابة الواضحة هي أن «الأصليين» كانوا أصحاب الأرض، ولئن أبقى عليهم أعداء الإنسانية فسيظلون غاصبين لتلك الأراضي. أما بإبادة «الأصليين» واستجلاب غيرهم يصبح أعداء الإنسانية أصحاب الأرض، أو هكذا ظنوا. * الآن.. هل يظن أي منكم، أيها السادة، مهما بلغت مكانته، أنه بعيد عن هذا المصير؟ وهل بالضرورة أن يكون الاستعباد بنقلكم إلى أراض جديدة؟ ألم تتحول الأغلبية من سكان العالم عبيدا بالفعل للفقر والعوز والحاجة. الطريف والمخيف، في آن معا، أن المصادر التاريخية تشير إلى أن بعض العبيد في أمريكا آنذاك من القرن السادس عشر وحتى نهاية الثامن عشر حظوا بمكانة عند البيض جعلت لهم هم أيضا عبيدا (من الباطن). وما أشبه الليلة بالبارحة فكثير من حكام هذا الزمان، شرقا وغربا، عبيد للأجنبي ويستعبدون مَنْ دونهم لمصلحة الأجنبي. توثيق ذلك ومعلومات كثيرة عن أوضاع المسلمين في الأمريكتين في مراحل تاريخية مختلفة تضمها كتب من بينها كتاب د. ليون فيرنيل «أفريقيا واكتشاف أميركا،1920» ويطرح فيه أن سكان أمريكا قبل كولومبوس كانوا «كلهم» مسلمين. و»جاءوا قبل كولومبوس،1977» لإيفان فان سيرتيما، الذي يستند إلى مذكرات كولومبوس ويرجح وصول الفراعنة إلى الأمريكتين حوالي عام 800 ق.م. وكتاب الدوقة الإسبانية لويزا دي توليدو، «أفريقيا مقابل أمريكا، 2000»، التي توثق وصول دولة المرابطين للأمريكتين، وحياة المسلمين هناك بسلام. وكتاب المؤرخ الأمريكي سام هاسيلبي (أصول القومية الدينية الأمريكية،2016) وسنتوقف معه لاحقا. *العجيب، وكما توثق تلك الكتب، أن أعداء الإنسانية استخدموا المسلمين وعلوم المسلمين في بناء «حضارة» الغرب التي كانوا هم عقلها كما ذكرت من قبل وفق مقولة مالك بن نبي وآخرين، لأن المسلمين كانوا «أكثر فائدة من غيرهم إذ كان أكثرهم متعلمين بفضل إسلامهم. وهذا أمر طمسوه بينما يزعمون أنهم هم الذين بنوا الأهرامات، مع أنها بنيت قبل دخولهم مصر بألف سنة، كما أن أعدادهم لم تكن تكفي لذلك بحسب المؤرخ هيرودوت. *أعود إلى التساؤل مجددا،، ألا يرى أحدكم أن مسيرة حياتنا تتجه تدريجيا نحو مصير المسلمين في الأندلس وأفريقيا والأمريكتين؟ وهل وضع مسلمي الهند والصين وبورما منّا ببعيد؟ في كل الحالات كانت الإبادة والاستعباد عماد الأسلوب الذي اتبعه أعداء الإنسانية بحق الشعوب التي تمكنوا من السيطرة عليها، تماما مثل التتار. فلِمَ يكون القادم مختلفا، ونحن نرى العينة بأعيننا و»تتار العصر» يفعلون ما يفعلون في غزة؟. هل تحسبون أن «ابن اليهودية» لو قدر على غزة، لا قدر الله، سيفلتكم من الاستعباد الحقيقي الذي لا يتورع عن التلويح والتصريح به جهارا نهارا؟ ألا نفيق ونتعلم من مساوئ وأخطاء أسلافنا قبل فوات الأوان؟. اللهم إنا نعوذ بك من ذاك المصير.
795
| 07 نوفمبر 2024
كنت أفتخر كثيرا أنني قابلت الزعيم الأفريقي الراحل نيلسون مانديلا مرتين، الأولى إثر خروجه من السجن وزيارته مصر عام 1990، والثانية خلال زيارته لإحدى الدول الخليجية، رئيسا، عام 1995. كان يزيد في فخاري أنه في المرة الأولى، وكما أخبرتني أستاذتي الدكتورة عواطف عبدالرحمن، التي رتبت لي لقاءه، أنني كنت الوحيد الذي نال هذا الشرف، وإن كان قلل منه أنه لم يستمر سوى دقائق وكان حرسه يقف حرفيا بيني وبينه طول الوقت. لكنني، بدأت أراجع حقيقة افتخاري بتلكما المقابلتين مع مانديلا في ضوء أحداث وقعت على فترات متتالية، أحدثها استشهاد البطل العربي المسلم يحيى السنوار. خاصة بعدما قارن أحد المغيبين العرب قبل أيام بين مانديلا والسنوار، وقد أمضيا في السجن 27، و23 على التوالي، فقلل من قيمة الأخير، قائلا إن مانديلا أنهى الفصل العنصري، فماذا فعل السنوار؟ فقد كشفت الأيام والأحداث عن أنني وغيري كنا ضحايا ما يعرف باسم «تأثير مانديلا». و»تأثير مانديلا»، هو الخضوع الجماعي لفكرة خطأ باعتقاد أنها ذكريات من الماضي، أو هو بناء «الذاكرة المغلوطة» بناء على معلومات سابقة يظن المرء أنها صحيحة. وهذا يتقاطع مع فكرة عصر ما بعد الحقيقة، أو «عصر الزيف» التي ناقشناها سابقا. وقد رصدَتْ تلك الظاهرة التي سميت باسم مانديلا، عام 2009، الباحثة فيونا برووم، عندما اكتشفت أنها وعددا كبيرا من الناس يظنون خطأ بأن مانديلا مات في السجن في الثمانينيات، بينما كانت وفاته عام 2013. وهنا تتداخل عناصر عدة لتكون صورة مركبة لهذه الفكرة، نبدأ تفكيكها من مسألة تمجيد مانديلا. فهل كان مانديلا عظيما حقا؟ الرجل كانت له قطعا مواقف جيدة وتأملات في الدين والحياة ولكنه كان مدعوما من الغرب .. ورغم اعتراف مانديلا في كتابه «مشوار طويل للحرية» بسبق وفضل المقاومة الإسلامية في كيب تاون على حركة النضال ضد «الأبارتايد»، بقيادة الشيخ عبدالله هارون الذي استشهد تحت التعذيب في السجن عام 1969. والأهم، يضيف مدير، أن ديدات نصح مانديلا ألا يتحول لنجم سينما وألا يُخضع بلاده لنموذج الغرب. «لكن مانديلا أراد الانفتاح على كل شيء». مانديلا لم ينه الفصل العنصري بمفرده وأنه وجد دعما غير محدود من الغرب ومعظم العرب، الذين اجتمعوا مرة أخرى لكن لمحاربة تحرير فلسطين والسنوار ومشروعه النضالي. والغريب أن العرب كانوا يدعمون نضال مانديلا على أمل أن يسهم في تحرير فلسطين ! وهنا نفهم كيف تلعب «الذاكرة المغلوطة» لعبتها في صناعة الوهم وتشويه التاريخ. وهنا نتحدث عن السنوار الذي لم يرض عنه أعداء الإنسانية، لأنه لم يتبع ملتهم، ولم ينفتح على الغرب، وقاومهم حتى آخر عصا في يده فبقي مرفوضا عندهم. ولولا أننا نعيش فعليا تأثير مانديلا في «عصر الزيف» لرأى الناس أن كفاح السنوار ورفاقه تجاوز كل أيقونات النضال في التاريخ المعاصر من الحقيقيين مثل القسام وعمر المختار إلى المشكوك في أمرهم. وإذا كان هذا النظام العالمي عادلاً حقاً إزاء مانديلا وجيفارا فلماذا إذن يقتل كل فرصة أو مناضل «حقيقي» لتحرير فلسطين. ولمن يتساءل ماذا فعل السنوار، نقول إنه زرع بذرة الحياة في جسد مات منذ زمن، وسيبقى شهيدا حيا يلهم أجيالا، كما كان أبطال الإسلام من قبل.
1125
| 30 أكتوبر 2024
قليلون هم الثابتون على الحق، أصحاب الرؤى الواضحة التي لا تغيرها الأحداث والأحوال مهما بدت سيئة، أولئك الذين يفهمون مراد الله ويثقون في وعده، والأهم يعرفون مبتدأهم ومنتهاهم وأولهم وآخرهم، ولا تنخلع قلوبهم لاستشهاد أي منهم، ويعرفون أن النصر آت لا محالة. غزوة مؤتة، التي وقعت في العام الثامن للهجرة أي قبل نحو ٣ سنوات فقط من وفاة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في العام الحادي عشر، عندما أتم الله دينه وأكمل نعمته على عباده، مثال واضح وتطبيقي لما سبق من معان. خلال الغزوة وبحسب الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم سقط كل القادة الذين عيّنهم صلى الله عليه وسلم لقيادة المعركة، زيد بن حارثة ثم جعفر بن أبي طالب، ثم عبدالله بن رواحة. عندها تجلت رحمة الله وتوفيقه لعباده المؤمنين. فقد قيل إنه بعد ابن رواحة أخذ الراية ثابت بن أرقم بن ثعلبة الأنصاري فدعا المسلمين أن يصطلحوا على رجل منهم، فقالوا: أنت، فقال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد. ولما جاء الدور على سيف الله المسلول، كان الناس في أضعف أحوالهم فتبدل الوضع من هزيمة وتنكيل بالجنود والقيادات إلى وضع ربما لا يكون نصرا مؤزرا لكنه وضع التعادل الذي، وبقراءة عادلة للمشهد، يعد نصرا عمليا، بعد كل ذلك التراجع، بحسب كثير ممن تناولوا تلك الحرب بالدراسة والتحليل. وفي الأثر المحفوظ الذي يشرح لنا جانبا مما حدث هناك في تلك الموقعة، أن الوحي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليطلعه على ما يجرى. ونجد ذلك في حديث أنس رضي الله عنه، (الذي رواه البخاري) أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال: (أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، (خالد)، حتى فتح الله عليهم). وجملة «حتى فتح الله عليهم» هذه هي التي يستند إليها من رأوا أن الوضع تحول مع سيف الله خالد من هزيمة إلى نصر. وكان أساس ذاك الصمود ثم النصر أن المسلمين تحصنوا في قرية صغيرة تشبه غزة بحيث لا يسمح المكان للقوى المعادية أن تهاجم بكل حشودها دفعة واحدة. فكلما تقدم فوج من العدو قضى عليهم جند الله، فكانت بذلك مشابهة إلى حد كبير لغزوة «خندق غزة» وأنفاقها. تشابه آخر بين المعركتين، هو حالة الشماتة التي يبديها البعض ضد المعسكر المؤيد لغزة وصمودها. ففي مؤتة وعند عودة خالد بالجيش ناداهم بعض أهل المدينة يافُرار يافُرار، حتى قالوا هم ذلك عن أنفسهم، لكن هنا يتدخل رسول الرحمة والإنسانية صلى الله عليه وسلم بالقول الفصل: (لا، بل أنتم الكرارون، أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين). وفي معركة غزة، أحسب الوضع لن يختلف كثيرا، فرحيل قائد أو اثنين أو أكثر لن يوقف كفاح الأبطال الصابرين الصامدين الواعين بوعد الله، العالمين بما عليهم وما لهم. وغزة تشبه مؤتة، أيضا، في الهوة الكبيرة في العدد والعدة بين الجانبين. في مؤتة صمد ثلاثة آلاف مقاتل مؤمن أمام أكثر من مائتي ألف من الروم ومن والاهم. وفي غزة يقاتل عدد قد لا يصل حتى إلى بضعة آلاف، بأسلحة بدائية جيوش العالم المتوحش بكل أعداده المليونية وأسلحته الجبارة. وتشبه غزة مؤتة في أمور ثلاثة أخرى تحققت كلها جزئيا حتى الآن. الأول يتجلى في أن غزوة مؤتة كانت بكل المقاييس العسكرية معجزة من المعجزات، في ضوء ما تقدم عن فارق العدة والعتاد. والثاني أن «مؤتة» كانت أيضا كرامة من كرامات الله لعباده المؤمنين تؤكد أن الخالق سبحانه يدافع عن الذين آمنوا وأنه معهم. أما الثالث، فهو أن «مؤتة» كانت تصديقا لكلام رب العالمين عن أن المؤمنين الصابرين يمكنهم التغلب على عشرة أضعافهم. وهو معنى أكدته غزة مجددا، بصمودها، رغم ما جاء بعده عن تخفيف الله عن المؤمنين بأن جعل نصرهم ممكنا على ضعف عددهم فقط بالصبر والإيمان. فما نراه أمامنا يفوق كثيرا معادلة الضِعف وحتى معادلة الأضعاف العشرة. نحن نرى عالما مجرما يتكالب كله تقريبا سواء بالحرب المباشرة أو بالخيانة والموالاة على أصغر بقعة مستقلة على كوكب الأرض. لا أعرف ما هو ترتيب الشهيد يحيى السنوار في قادة نصر غزة قبل وصول «سيف غزة المسلول» لكن ثقتنا في الله أن «خالدها» سيأتي في الوقت المناسب الذي يعلمه رب العالمين ليتحقق به النصر المبين.
987
| 23 أكتوبر 2024
إذا كان الجسم الإسلامي العربي قد فقد عقله الجمعي رسميا بسقوط الخلافة، والخضوع للاحتلال، بعدما كان فقده عمليا قبل ذلك بكثير، كما أشرت سابقا، فإنه آن الأوان لاستعادة هذا العقل ولو على المستوى الشعبي، ولا يكون ذلك إلا بالقطع والانفصال عن كل ما هو احتلال أو من تبعات الاحتلال، وخلع جلبابه تماما. قد تبدو هذه الفكرة بعيدة عن حديثنا في عملية صناعة الكفر، لكن قليلا من التدقيق سيوضح أن أساس التغلب على تلك الصناعة الشيطانية هو خلع جلباب التبعية وترويضها. فالأوطان لا تسقط ضحية للاحتلال عندما يقهرها المعتدي الغاصب بل عندما ينجح في احتلال شعوبها، أي احتلال عقولها وقلوبها وإقناعها بأنه ليس فقط أقوى ولكن أفضل. وهنا تبدأ تلك الشعوب في تقليده (الغالب) كما يقول ابن خلدون في مقولته التي يسيئ كثيرون استخدامها، والتي لا يمكن تعميمها لأنها لا تنطبق إلا عندما يتحقق احتلال الشعب وليس الأرض. والذي نعاني منه الآن ليس هو احتلال الأوطان ولكن هو أن الجزء الأكبر من شعوبنا بات محتلا فكريا، وخاصة الجزء المترف منه، ذاك الذي يتماهى تماهيا كاملا مع المحتل ويقلده بولع، أما الجزء الآخر المستضعف فقد تم احتلاله بزرع اليأس في نفوس أفراده مع تطاول أمد المحنة لعقود طويلة حتى ساءت أخلاق معظمهم وباتوا يعيشون كالهوام كما تنبأ ابن خلدون أيضا. على أن لجمال الدين الأفغاني، تنبؤا أكثر أهمية هنا لاتصاله مباشرة بواقعنا الحالي، إذ قال، ضمن نظريته للتغيير الاجتماعي والسياسي، أواخر القرن 19: الوضع الذي ترونه الآن وتحسبونه تقدما هو عين التخلف. لأننا نتقدم وفق مثال عدونا،»، منتقدا الفهم الخاطئ للقدر، والانبهار الزائد بالغرب لدى المسلمين، ومتنبئا أيضا بسيادة الهيمنة الأجنبية على كامل الجسم الإسلامي. لذا، ونحن نقارب فكرة خلع جلباب الغرب، علينا أن نفهم، وهو ما سيسهل علينا الاقتناع والتنفيذ، أن ذلك الجلباب لم يكن إلا من تفصيل العقل الصهيوماسوني الذي سيطر على أوروبا قبلنا بقرون. وهنا نشير إلى أهم ما جادت به قريحة المفكر العربي الراحل مالك بن نبي، (وربما هو القول الأهم بين أقوال كل الباحثين في عوامل الانهيار وشروط النهضة)، وهو أن العقل الأوروبي في مجمله منذ قرون، كان هو العقل اليهودي. بمعنى أن الأخير كان هو القائد لأوروبا ومن ثم الغرب. وهنا سأذهب بعيدا أبعد مما ذهب بن نبي لأقول إن العقل اليهودي كان هو المحرك للعالم قبل ذلك بكثير، وخاصة عندما قويت شوكتهم باندساسهم في المسيحية ليسيطروا من خلالها على العالم كما ذكرت سابقا. وما ذاك إلا انطلاقا من فكرتهم الشيطانية بأنهم خير من بقية الأمم ويجب أن يسودوهم. وهذا يوضح ويؤكد ما ذهبت إليه سابقا من أن الغرب أيضا ليس عنده عقل جمعي وأن ما كان يحكمه في أغلب مراحل التاريخ الوسيط والحديث والمعاصر هو عقلية القطيع، التي أفرزها تحكم العقل اليهودي فيه. فأي عقل جمعي ذاك الذي يجمع الغرب؟ الأمريكي أم الفرنسي أم الألماني أم..؟ وقد علمنا ربنا قوله القاطع الحاسم البين المبين، «تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ(14) الحشر.» لذلك أقول إن العقل الوحيد الذي سيطر على ما يسمى الغرب، وبشمول شبه تام، منذ معاهدة ويستفاليا (1648) وتدشين أسس النظام العالمي الحالي، هو عقل ابن سبأ وقبيله، الذين ورثهم الآن الصهيوماسون، الذين يريدون هدم الدين كله. فمسيرة «الفكر الغربي» منذ ذلك الحين واحدة وهي مسيرة ما سمي العولمة التي أفرزت صورة العالم الذي نراه الآن، وفق «نظرية المعرفة الشيطانية»، ومصطلحاتها ومسمياتها. فعندما سيطر العقل اليهودي أو بالأحرى الصهيوماسوني على الغرب سيطر بالتالي على العالم أو أغلبه، وشكله على هواه، وكان من ذلك السيطرة على كل شيء من البنوك إلى التعليم إلى إنتاج النفط إلى الصناعات الكبرى وخاصة السلاح إلى السينما والفن، إلخ. وتلك العقلية هي التي فرضت على الغرب وعلينا بالتبعية كل ما يحيط بنا من أفكار ومنتجات وثقافات ومسميات، إلخ، وألْبستنا جلبابا ليس لنا، وليس بقياسنا. والآن، ونحن نحاول إفاقة الشعوب من غيبوبتها، يتحتم علينا أن نرى الأمور من منظورنا نحن وبعيوننا نحن، وبقياسنا نحن.
1023
| 16 أكتوبر 2024
تحدثنا سابقا عن «السايبورج» أو الإنسان الهجين أو الوسيط بين خلق الله والروبوت. وشرحنا أن ذلك يحدث في إطار صناعة الكفر ومحاولات أعداء الإنسانية الدائبة تغيير خلق الله. لكن يبدو الآن أن الأمور تأخذ منحى أكثر سرعة وخطورة في تطورها نحو تحقق آية «وظن أهلها أنهم قادرون عليها»، إذ يكثف هؤلاء الآن الحديث وبجدية عما يسمونه «ما بعد الإنسانية» إذ أنهم مهووسون بهذه اللازمة «المابعديات». وكنت أشرت في مقال «أيها السادة انتبهوا.. العالم يرجع للخلف إلى تقرير أصدرته شركة «كاسبرسكي لاب» العام الماضي ذكرت فيه أن الحدود الفاصلة بين البشر و»الإنسان التكنولوجي» ستتلاشى قريبا. وتزامن ذلك مع تصريحات لأشخاص يسمون «علماء»، ومنهم يوفال هراري، الذي يقول:»إننا قريبا سنبدأ هندسة الأجسام والعقول» وأن البشر الحاليين هم آخر جيل للإنسان بشكله الحالي. ويعني ذلك أن أعداء الإنسانية يستعدون لنقل الصراع معنا نحن البشر من مرحلة الدفاع عن أصل الحياة الرجل والمرأة، إلى مرحلة «الاختيار بين أن تكون إنسانا أو لا تكون».! وفي هذا يقول المفكر الروسي ألكسندر دوجين إن أنماط الحياة الخاصة بمجتمع الميم «ليست مجرد انحراف، بل عنصر ضروري لتنفيذ وانتصار الأيديولوجية الليبرالية.» وأن مسألة الشذوذ تلك ما هي إلا مرحلة من مراحل تستهدف تغيير بنية الإنسان حيث ستكون الخطوة النهائية «في هذه العملية الليبرالية، وجود أنواع من الخلق يختار منها الفرد أن يكون إنسانا أو وسيطا هجينا أو غير ذلك. وهذا تحت مسميات ما بعد الإنسانية، التفوق البشري، التفرد، الذكاء الاصطناعي. وهنا يتحدث «علماء آخر الزمان» عن روبوتات نانوية ستربط دماغ الإنسان وعقله بالخدمات السحابية، مثل سحابة جوجل، (Google cloud)، خلال السنوات القادمة، في سيناريو يشبه أحداث فيلم «ماتركس»، حيث يتحول الدماغ فعليا إلى كمبيوتر بتحميل المعلومات عليه مباشرة واستخدامها بمساعدة ما سيتم زرعه فيه من رقائق إلكترونية. وبذلك يتم ربط الإنسان بالخدمات السحابية ودمجه مع الآلة، لخلق الإنسان الهجين! وقد بدأوا ببث فيديوهات تصور الخلق من بدايته إلى ما يرتبون أن تكون نهايته من وجهة نظرهم، والتي يسود عندها الشذوذ، ثم السايبورج أو الإنسان الهجين، حيث يعتقدون أنهم سيحققون بذلك الخلود. وهذا من المفاهيم التي مهد لها «أنبياء العصر» أو «شياطين العولمة»، كما سبق شرحه، ومنهم في هذه الحالة ليو شتراوس، الذي يلقبونه بالفيلسوف، إذ يقول في إحدى محاضراته في العام 1960، مستشهدا بالماركسية، وكأنه يستشهد بالقرآن أو الإنجيل: إذا كان تقسيم العمل في الماركسية يقوم على الاختلاف بين الرجل والمرأة، فلتحقيق «المساواة الماركسية» يجب التخلص من تلك الثنائية وتذويب الفارق بين الرجل والمرأة، (التمهيد والتقنين للشذوذ والجنس الوسيط)، وذلك تحت شعار تحقيق المساواة بين الجانبين، أي أنه يريد أن يلغي النوعين لتحقيق المساواة بينهما،، تماما كمن يذهب للطبيب للعلاج فيقول له إن أفضل علاج له هو أن يلغيه من الوجود، الموت! ** اتجاه «ما بعد الإنسانية» وللغرابة بدأ منذ خمسينيات القرن الماضي في مؤلفات الخيال العلمي، بحسب باحثين غربيين وعرب بينهم د. عادل خميس الزهراني، في دراسته الوافية «مابعد الإنسان، ومابعد الإنسانوية» 2020. لكن الغريب أن هذا الاتجاه بدأ مع بداية الألفية يكتسب شعبية في جميع أنحاء العالم، وقبل كل شيء في الغرب حيث نشأ. أو لنقل ينتشر في غفلة من الجماهير المغيبة كما ذكرت سابقا تحت وطأة «تسونامي الأكاذيب»، وهدم الإنسان بكل أنواع الإهلاك من مخدرات وخمور وانحلال أخلاقي عام. وأنصار هذا الاتجاه يبتلعونه بحماس مخدوعين بفكرة ضرورة تتبع مسار التقدم و التكنولوجيا الحديثة إلى نهايتها. في رأيهم، أن تعزيز التكنولوجيا يقود البشرية إلى حالة يكون فيها البشر أكثر كمالا من الجنس البشري. وهذا ما يعمل أعداء الإنسانية لتحقيقه من خلال تعديل جميع أجزاء جسم الإنسان عن طريق استبدالها بالمرفقات المصنعة التي لا يمكن تمييزها من أجزاء الجسم والأعضاء الداخلية. وهذا يشمل المحاكاة التكنولوجية للوعي أو تسجيل مختلف مستقبلات الوعي، ورسم خرائط الدماغ، إذ تظهر أحدث الاكتشافات في بنية الجين الوراثي قدرة الكائنات على تصحيح نوعيته باستمرار، بحيث تكون خالية من الأمراض والعيوب لتحقق، في النهاية، الخلود الجسدي. ** وهنا يوضح دوجين، صاحب ما يسمى «النظرية االرابعة» للعلاقات الدولية رفضه لـ «ما بعد الإنسانية» ويقول إنها ليست مجرد هواية لغريبي الأطوار، أو المتعصبين للتقدم التكنولوجي. ولكنها نتيجة للقرون القليلة الماضية التي جرى خلالها التلاعب بكل الثوابت والمسائل الفطرية تحت وهم الحداثة والتحديث، وتحرير البشر من كل القيود، حتى بات لدينا دين، أو بالأحرى ما يشبه الدين تم تقديمه إلى أوروبا والعالم من خلال ما يسمى التنوير، وهو ما تناولناه أيضا سابقا. ويضيف دوجين في تصريحات حديثة: «وصلنا الآن إلى المرحلة النهائية. في الغرب لم يعد يوجد، لا دين ولا تسلسلات منطقية، ولا أسر عادية، ولا دولة بالمعنى الكامل للكلمة. وقد تم تجاوز كل الحدود تماما. الآن كل ما تبقى هو خطوة واحدة أخيرة: التغلب على حدود الجنس البشري نفسه. ما بعد الإنسانية ليس المنتج الجانبي الغريب للتطور التكنولوجي بل هو النهاية المستهدفة للعصر الحديث. «الإنسان الخرافي» والهجائن والمسوخ والوهم، هي منتجات تلك الحضارة الحديثة، وبطبيعة الحال، فإن الغالبية العظمى من البشرية ليست على استعداد للتحول إلى الإنسان الخرافي أو المسخ. ولكن لا أحد يسأل غالبية البشر. فالتاريخ تصنعه وتكتبه النخب. الجماهير ليست مستعدة لقبول أي شيء من ذلك هم فقط جرى تحضيرهم، ولا أحد ينتبه.»
960
| 14 أكتوبر 2024
هناك أقوال كثيرة في صعوبة مقاربة «الحقيقة»، أحدها أن الناس لا تحب سماعها، وهذا تمت نسبته إلى كل من نيتشة ودوستويفسكي. وأحسب أن «أعداء الإنسانية» روجوه عن قصد، حتى يكذبوا ويقولوا «هذا ما تطلبه الجماهير». وللأديب التشيكي فرانز كافكا مقولة أغرب هي «من الصعب تحديد الحقيقة، فرغم أن الحقيقة واحدة، إلا أنها حية وتتغير باستمرار». ولي مقال منشور بمجلة «الشباب» المصرية، منذ نحو 35 عاما، بعنوان «زوايا»، أقول فيه «إن حقيقة الشيء تختلف باختلاف الزاوية التي ينظر منها كل واحد». ومحاولات تشويه الحقيقة لم تتوقف على مر العصور، وإن اختلف مداها وطرقها. لكن أخطر مشروع منظم لطمسها بدأ عندما ابتدع أعداء الإنسانية ما يسمى الفلسفة في العصر اليوناني، كما أشرت سابقا، وظلوا يبحثون من وقتها عن الحقيقة، بزعمهم، معتبرين أن العقل والعلم، وليس الوحي الإلهي، هو الطريق الوحيد لمعرفتها، حتى يحتكروا العلم ومن ثم يحتكرون الحقيقة،،، وقد كان. في مقال «عصر البَيْنَ بَيْن» استعرضنا الضبابية التي تغلف المواقف السياسية والاقتصادية في العالم. واليوم نتحدث عن ضبابية أكبر تغلف كل شيء في حياتنا، ضبابية جعلت كُتاب الغرب يطلقون على زمننا هذا «عصر ما بعد الحقيقة». وأحسب أن الأدق تسميته «عصر الزيف». وهو عصر كان تدشينه أوائل القرن الحالي. فعلى طريقة «إعلام السامسونج العالمي»، (تناولناه سابقا)، خرج «كُتاب السامسونج» ببرامج ومقالات وكتب تحمل نفس الكلمات تقريبا، «ما بعد الحقيقة»، من بينها كتاب رالف كييز، 2004، وإيفان ديفيز، 2017، ولي ماكنتاير، 2018، وكين فيلبر، 2024. بل إن «نيتفليكس» أنتجت فيلما بعنوان «عالم ما بعد الحقيقة»،2022. وهذا جزء أصيل من عملية صناعة الكفر، التي تعتمد الإغراق في كل شيء؛ إغراق بمواقع النت والبرامج والأغاني والأفلام والمسلسلات والألعاب..إلخ. وأيضا بالمعلومات، بحيث تشيع الفوضى بكل أشكالها بين الناس، عقائديا، وفكريا، وسياسيا، واجتماعيا، وتصبح كل المعاني سائلة ويندثر التعريف المحدد لأي فكرة ولأي شيء، ويتلاشى الخط الفاصل بين الحقيقة والخيال، ويسود عدم اليقين. أبرز مثال على ذلك هو ما باتوا يسمونه «الجندر» ويقصدون به نوع الإنسان، الذي لم يعد ذكرا وأنثى كما قال الخالق سبحانه وتعالى، بل جعلوه، في كندا مثلا، أنواعا تصل إلى 72، بحسب موقع (ميديسن نت). ويفسر هذا ما ذكرته سابقا من أننا «نعيش في اللا واقع»،(living in the HyperReality). بمعنى أننا نعيش في واقع تصنعه النُخب، ذلك الـ1% الذين يتحكمون بالعالم. فما ترصده كاميرات إعلامهم هو الواقع وهو الحياة وكل شيء خارج ذلك ليس واقعا، وليس موجودا. وما تقوله أبواقهم فذاك هو الحق والحقيقة، وما عدا ذلك فلا يعتد به. وهنا تصبح المقاومة إرهابا، وإرهاب العدو دفاعا عن النفس، وهكذا. وهذا تحديدا هو الزيف بعينه، وهو جزء من «حرب العقول» التي تحدثنا عنها سابقا. وهذا ما يؤكده ماكنتاير بقوله: إن ما يبدو جلياً في عصر «ما بعد الحقيقة» هو التشكيك، ليس في فكرة معرفة الواقع، بل في وجود الواقع نفسه». وفي كل تلك الكتب والمقالات وحتى المعاجم يُعرف عصر «ما بعد الحقيقة» بأنه لا يعني، بالضرورة، عكس الحقيقة وإنما «فقدان الحقائق مكانتها، وازدياد الأكاذيب، والاستخدام الانتقائي للحقائق»، بحسب إيفان ديفيز. وكان يمكن تعريف هذا العصر، بفرض توفر حسن النية، بأنه عصر تفسير الحقيقة كل حسب مصلحته وأهوائه. ولأن حسن النية مفقود، بالقطع، يبقى تفسير الحقيقة بحسب مصلحة النُخب وفقط. ما يجعلنا فعليا في عصر «صناعة الزيف»، وهذا ما يؤكده ماكنتاير بقوله إن «ما بعد الحقيقة» هو فرض الرأي بالقوة والهيمنة السياسية، مضيفا «إن المؤسسات والشركات الكبرى تحاول التغطية على آثار فسادها، بصناعة خطاب علمي وإعلامي ينسجم مع مصالحها. خطاب يضلل الرأي العام، ويخلق حقائق ليست حقيقية، ومدارك ومعارف تبدو علمية». وفي ذلك يقول د. جون يوانديس، جامعة ستانفورد، في مقال بعنوان «سبب كون أغلب نتائج الأبحاث المنشورة خطأ»، 2005، «إن كثيرا مما يتم تدريسه في كليات الطب والصيدلة مغلوط، وتجب إعادة النظر فيه»!. قد تكون وسائل التواصل الاجتماعي أبطلت جزئيا نظرية «تدفق المعلومات»،(من الغرب إلى الشرق)، التي درسناها في كليات الإعلام قديما. لكنها لم ولن تبطل نظرية «حارس البوابة الإعلامية»، التي تعلمناها أيضا هناك، بل أكدتها وعززتها. فهي أولا، جعلت المعلومات فوضى تتدفق في كل اتجاه ومن كل مصدر. وثانيا، يظل المتحكم الأكبر في تلك المعلومات التي لا يعرف أحد كاذبها من صادقها هو حارس البوابة الكبرى الذي يمتلك وسائل التواصل كلها قديمها وحديثها، ويتحكم أيضا في قواعدها وإدارتها، بل ويصيغ ويطبق نظرياتها، ومن أحدثها، «متى تقال الحقيقة»، إذ يمكنك قهر عدوك بقول الحقيقة ولكن في الوقت الذي لا يريده هو، تقديما أو تأخيرا.
1371
| 02 أكتوبر 2024
فيلم «نظرية مؤامرة» 1997، لميل جيبسون يعرض نموذجاً للعمليات القذرة التي شملها برنامج «إم كيه ألترا» للتحكم في عقول البشر، (أشرت إليه سابقا)، والذي تطور حاليا إلى شيء أكبر وأخطر، هو حرب شاملة لـ «احتلال العقول» في كل مكان، تسخيراً لوسائل التكنولوجيا الحديثة، وما يسمى «علم النفس الخارق»، في حالة تتجاوز «غابة هوبز» التي تحدث فيها عن «حرب الكل ضد الكل» إلى غابة أكبر بحجم العالم كله تشهد حرب «البعض (النُّخب) ضد الكل. أحيانا تكون المُسلّمات والبديهيات هي الأكثر صعوبة على الانتباه لها. وأكثر الأمور بداهة هي حرب الشيطان على بني آدم، ورغم ذلك فالناس عنها غافلون. وكنت تحدثت سابقا باختصار عنها وسميتها «الحرب العالمية الأبدية»، وحان الوقت لمزيد من التفاصيل. في المقال السابق وقفنا عند «هندسة الفكر» وهذه تعني، السيطرة على عقول البشر. وبما أن سلاح الشيطان الأمضى هو الوسوسة، فقد قرر قبيله وأتباعه استخدامه، فشرعوا منذ عقود في تنفيذ عملية «وسوسة وتسخير شاملة» لعقول البشر، يستخدمون فيها كل الأسلحة الممكنة وخاصة الإلكترونية، والعقاقير؛ حرب عابرة للحدود والمعايير، وشاملة للجميع، بلا استثناء، حتى المحايدين، وحتى الأمريكيين. القصة تتلخص في أن أعداء الإنسانية وعندما حقق برنامج «إم كيه ألترا»، نجاحا مقبولا، أرادوا أن يعمموا نموذجه على العالم. بدأ «إم كيه ألترا» عام 1953، وزعموا أنهم أوقفوه عام 1973، لكن الحقيقة أنهم طوروه. فبعد الإعلان عن وقفه ظلوا يكشفون تدريجيا عن برامج أشمل حتى العام 1980، فقيل إنهم كلفوا عقيدا اسمه بول فاليلي ليتعاون مع ضابط آخر لوضع برنامج يجمع كل أنواع الحرب النفسية، و»التخاطر» و»الإفساد الصوتي»، والتجسس، إلخ..، بهدف غسيل العقول والتأثير مباشرة على الجهاز العصبي المركزي الذي يتحكم في الإنسان، باعتبار البشر «أجهزة استقبال». وكان شريك فاليلي في ذلك، والمؤلِف الفعلي للبرنامج، ضابطا اسمه مايكل أكينو، وهو مؤسس «معبد سيت» (نسبة إلى الإله الفرعوني سيت)، واعترف بنفسه بأن الشيطان ظهر له عام 1975، وطلب منه تأسيس المعبد وتسميته «سيت»، ولقنه تحديثات على «الإنجيل الأسود» أي إنجيل الشيطان. وكان يقود مجموعة لاغتصاب الأطفال بشكل منظم، تحت أعين السلطات، التي برأتهم من كل تهمة وُجهت إليهم. وهذه اعترافات وأحداث موثقة تؤكد ارتباط أعداء الإنسانية ارتباطا مباشرا بالشيطان. وكنت أشرت سابقا إلى مصادر قالت إن دارون تلقى نظريته «الداروينية» من الشيطان مباشرة. وفي أواخر العام 1980 أصدر، فاليلي وأكينو، دراسة بعنوان «من عمليات الحرب النفسية إلى حرب العقول: سيكولوجية النصر». وكانت تلك الدراسة هي النموذج الأحدث من «إم كيه ألترا»، الذي تم تطويره من حرب على عقول الأفراد إلى حرب عامة على عقول الشعوب في كل مكان. وهذا ما أكده لي عنصر سابق في أحد أجهزة تنفيذ تلك المخططات في أمريكا الشمالية بشرط السرية. وفي العام 2013 صدر كتاب بعنوان «حرب العقول» يحوي تلك الدراسة بتفصيل أكبر، وبتوقيع أكينو، خادم الشيطان، وحده، وبخطة تفصيلية للتنفيذ العملي للبرنامج من خلال إعادة تشكيل فروع العمليات الخاصة بالجيش الأمريكي؛ النفسية، والمدنية، والخاصة. ويوضح الكتاب مراحل تعاون وانخراط تلك الأجهزة في «حرب العقول»، التي تستخدم كل وسائل التكنولوجيا المعروفة وغير المعروفة. ويزعم الكتاب أن الحرب متجذرة في النفس، ولإنقاذ البشرية يجب جعلها أكثر إنسانية وأقل عنفًا بـ «هندسة» العقل البشري. وهكذا، وكما تمت هندسة جينات البذور والحيوانات، يحاولون هندسة أجسام البشر بالأمراض والأمصال، و»هندسة الأفكار» لتخليصها من النزوع للحرب، بزعمهم، ثم التحكم فيها بالكلية. ولأجيال عدة كانت معضلة دراسة العلوم الاجتماعية الأصعب هي أنها ليست علوما «كمية»، كون المشاعر والأفكار لا تصح فيها الحسابات الدقيقة ولا التعميم. لكن باعتبارهم الإنسان «جهاز استقبال»، بعدما جعلوه «شيئا» (أشرنا لذلك في مقال «تشييء الإنسان»)، فهم يبتدعون علما اجتماعيا جديدا هو «هندسة الفكر»، في طريق سعيهم الحثيث لتغيير خلق الله، وصناعة الكفر. ووفقا لتقرير لمجلة «إكزيكيوتف إنتليجينس ريفيو» بعدد أغسطس 2005، فإن فاليلي وأكينو وآخرين، عملوا على استخدام السحر والممارسات الشيطانية في تلك الحرب. ويكشف التقرير الذي أعده جيفري ستاينبيرج كثيرا من التجارب البشعة على البشر، في معتقلي «غوانتانامو» و»أبو غريب»، وعلى الحيوانات، وخاصة الماعز، فيما سموه «مختبر الماعز». ولستاينبرج تقرير آخر بنفس العدد بعنوان «التخريب الشيطاني للجيش الأمريكي. ومن الذين رصدوا تلك الحرب الشيطانية، في جانبها الإعلامي، مبكرا، الأمريكي هربرت شيللر في كتابه، «المتلاعبون بالعقول»، 1974، ويشرح عمليات التضليل وتشكيل الوعي العام وتزييف الواقع، من خلال وسائل الإعلام. ويدعم ذلك تصريحات حديثة للمنتج الهوليوودي السابق وخبير الإعلام سكوتي ساكس أكد فيها استخدام «الدولة العميقة» تلك الأساليب للسيطرة على السردية العامة في البرامج الإعلامية. ولتشومسكي أقوال مهمة في ذلك سنأتي عليها لاحقا. ويؤكد ذلك بتوسع كتاب جديد بعنوان «ميلاد الحرب النفسية»، 2023، للمحاضر بجامعة لانكاستر د. جيفري وايت، وخاصة جزئية أن الحرب النفسية لا تستثني حتى الأمريكيين. كما يؤكد في الفصل الثالث اضطلاع السي آي أيه بجانب كبير من تلك الحرب، ويشدد على أنها ليست أقل عنفا كما يزعمون. ولتأكيد الترابط بين كل منظومات النُّخب، يكفي أن نعرف أن اسم «ميتا» الذي تتسمى به «فيسبوك» حاليا مأخوذ من مسمى عمليات عسكرية، أسست، واعتبارا من العام 1983، لأول «غرف دردشة» ضمن برنامج حرب العقول، الذي شاركت «داربا» (وكالة مشاريع أبحاث الدفاع المتقدمة) في تطويره لجعل الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي رأس حربتهم فيما بات يسمى عصر ما بعد الحقيقة أو «عصر الزيف».
921
| 25 سبتمبر 2024
ذكرت في مقالات سابقة أن «أعداء الإنسانية» لم يتركوا مجالا واحدا من مجالات الفطرة إلا وحاولوا إفساده وتشويهه في سعيهم الحثيث لـ «صناعة الكفر». واليوم نتحدث عن إفساد الحياة بإفساد الصوت، وهذا بحد ذاته بحر من الأسرار والمعلومات الموثقة، وليست «التآمرية»، قد لا يصدقها عقل. فكما أن للصوت أثرا إيجابيا على النفس كصوت القرآن يُتلى، فإن له أثرا مدمرا، أيضا، لا يقتصر على الأغاني الماجنة. فقد طور أعداء الإنسانية طرقا أخرى للإفساد بالصوت أهمها التلاعب بالترددات. وربما يتذكر كثيرون الحلقات المميزة التي قدمها الزميل يسري فودة عن الماسونية على قناة الجزيرة في عام 2008. وكان من بين المعلومات الصادمة فيها أنهم يتلاعبون بترددات الموسيقى وكلمات ونغمات الأغاني وبسياقها وتشغيلها من الأمام للخلف، وبالعكس، ويُضمّنونها معانى تمجد الشيطان وترددات تؤذي النفس. وقد أظهرت الأبحاث أن كل الأصوات حولنا هي مقادير من الطاقة، ترتبط بشبكة من الترددات الكهرومغناطيسية، التي تنتقل عبر الهواء، في شكل موجات. وكان أول من رصدها وقاس سرعتها الألماني هاينريخ هيرتز، عام 1888. وقد درس اللغة العربية، التي وضع علماؤها المسلمون أُسُسَ «علم الصوتيات». وسُمي باسمه، مقياس سرعة الترددات الصوتية «هيرتز». وهذا يختلف عن مقياس شدة أو قوة الصوت وهو «ديسيبل». وتختلف الترددات بحسب مصدرها وكم الطاقة المختزنة فيه. واندرج ذلك ضمن علوم الفيزياء، في ضوء نظريات منها نظرية الموسيقى لفيثاغورث، ونظرية الدوّامات لهيرمان هيلمهولتز، أستاذ هيرتز، وصولا إلى المزج بين الصوت والكهرباء، فيما يعرف بالموجات الكهرومغناطيسية، التي باتت تصنع صناعة، منذئذ، حيث اختُرعت موجات الراديو، والموجات الصوتية المتراكبة، وأشعة إكس، وغيرها. كما تم التعرف على وجود ترددات نافعة وترددات ضارة. فقبل نحو مائة عام وتحديدا في عام 1930، أجرى د. رويال ريموند رايف تجارب على الترددات الصوتية تمكن من خلالها إثبات التأثير الضار للتردد 440 هيرتز على الإنسان، مقابل ترددات مفيدة منها 432، و528، كونها متناغمة مع الترددات الكونية. كما أثبت أن الترددين الأخيرين يقعان ضمن صوت تلاوة القرآن والأذان، ولهما تأثير علاجي شاف. كما اخترع د. رايف تقنية الرنين الحيوي وتمكن بها من علاج 16 حالة من السرطان خلال 3 أشهر، فكان جزاؤه الاغتيال من قبل أعداء الإنسانية، وإنهاء برنامجه العلاجي، بحسب باري لاينز وكتابه، «علاج السرطان الذي نفع» 1987. وفي عام 1952، اكتشف الألماني شومان ( (W.O. Schuman رنين أو»نبض الأرض»، وهي ترددات وموجات سميت باسمه بتردد 7.83، ويؤدي التلاعب به إلى الإضرار ليس فقط بالإنسان، بل بشبكات الطاقة والأقمار الصناعية. لاحقا، أكد الدكتور ليونارد هورويتز، أحد أكبر علماء الصحة العامة، أن التردد 528 يمكنه إحداث تغييرات في الحمض النووي للإنسان، وإمداد الجسم بطاقة إيجابية شفائية. وهورويتز ذاك هو ذاته الذي نبه في لقاء مع «الجزيرة» عام 2009، إلى تواطؤ الحكومة الأمريكية وشركات الأدوية ووسائل الإعلام و»الصحة العالمية» لنشر فيروس ولقاح انفلونزا الخنازير، ضمن تجربة عسكرية راحت أمه شخصيا ضحيتها. وهكذا بات معروفا ومنذ زمن بعيد أن الصوت يمكن استخدامه كسلاح، أو أداة للخير أو الشر. وتعزز ذلك بتطور مخيف يسمى «تكنولوجيا المؤثرات الصوتية» التي باتت أهم من الانتاج الصوتي نفسه. ولا نتحدث هنا عن تزييف الأصوات ولكن عن التأثيرات النفسية للصوت. وفي عام 1953، قرر أعداء الإنسانية فرض التردد 440 هيرتز على البشر، فصدر قرار للمنظمة الدولية للمعايير،ISO، بأن تُصنع كل الموسيقى في العالم بذاك التردد، الذي يسبب حالات من الاكتئاب والأمراض النفسية. ومَنْ كان وراء هذا القرار؟...نعم، «مؤسسة روكفلر»، تلك التي كانت وراء إهلاك الحرث والنسل والزرع والضرع، كما تقدم. وعندما تهيمن موجات كهرومغناطيسية وترددات معينة على الدماغ، ومنها 440، يشعر الإنسان بالكسل والتعب، بينما تجعله موجات أخرى متأهبا ويقظاً. وثبت أيضا أن الترددات الموسيقية يمكنها، في أقل تأثيراتها، أن تشل التفكير وتجعله أسير اللحن. لكن الترددات التي يفرضها أعداء الإنسانية لها تأثيرات أخرى قد تصيب الإنسان بأمراض مثل الفصام والتوحد الذي بات شائعا في الغرب بالذات. والأكثر شيوعا هو مرض القلق الحاد الذي تشعر وكأنهم يسقونه للأطفال سقيا في المدارس، نظرا لكثرة أعداد الأحداث المصابين به بدرجات وأشكال مختلفة، حيث تملأ الموسيقى والأغاني مراكز التسوق والشوارع وحتى العيادات. ويؤكد د. روبرت فايفر، مدير قسم السمع وأمراض النطق في جامعة ميامي، ومازال حيا يرزق، أن الموجات (تحت الصوتية) والموسيقى الصاخبة، (موسيقى عبدة الشيطان، ويقابلها عندنا ما يسمى موسيقى المهرجانات)، تسبب ما يسمى مشكلة الارتجاف السمعي، وتؤدي إلى طيف واسع من الأمراض، تصل بالإنسان للانتحار. أخطر ما في الأمر الإفساد الصوتي هو أحد أسلحة التحكم بالعقول البشرية، وهي أكثر خطرا من القنابل الذرية، لأنها تستهدف تقريبا كل الناس والمجتمعات والدول، في حرب غير معلنة لا تستثني أحدا. والغريب أن بعض المشتغلين بالدين ينفون إمكانية التأثير بالصوت على الإنسان، ويخلطون بينه وبين شعوذة العلاج بالطاقة، برغم ما ثبت في الأثر عن ذلك، وبرغم ما أثبته العلم الحديث، ومنه، مثلا، أن قراءة القرآن، والدعاء والذكر، على الماء تغير شكل جزيئاته، وذلك بحسب كتاب «الرسائل المخفية في الماء» للطبيب الياباني إيسورو إيموتو. فما بالك بالإنسان الذي يشكل الماء 70 % من جسمه. ولا أدري ماذا يقول هؤلاء عندما يعلمون عن حرب أكبر وأشمل من مجرد إفساد الصوت سماها من يشنونها علينا «هندسة الفكر». وفي هذا حديث آخر.
2673
| 12 سبتمبر 2024
هناك مثل روسي يقول «لا تُكثر وصفَ أحد بأنه حمار لأنه في المرة العاشرة سيُصدقك». ويُنسب إلى فلاديمير لينين، مُنظر الثورة الروسية، قوله إن «الكذبة التي تتكرر كثيرا تُصبح حقيقة»، وهذا ما نفذه جوبلز، وزير دعاية هتلر، ثم تحول نظرية «إعلامية» مفادها «اكذب واكذب، ثم اكذب، حتى يُصدقك الناس»، وينفذها أعداء الإنسانية ضدنا نحن البشر في جميع المجالات. إنهم يصنعون الفساد بترويج الكذب وجعله حقيقة مفروضة بسحر الإعلام وإرهاب الرصاصة كما ذكرت سابقا. ونتناول هنا ما يتعلق بما يسمونه «التغير المناخي»، وأهمه الاحتباس الحراري، الذي تؤكد المصادر العلمية المحايدة أنه مجرد كذبة محضة يمهدون بها لإحداث تغييرات كبرى في خلق الله في الكون وليس فقط الأرض، بعد تفكيرهم بتغيير مدار القمر! ظانين أنهم باتوا قادرين على ذلك، مصداقا لقوله تعالى: «حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ». قبل فترة ليست بعيدة وخلال هرج ومرج «كورونا» اقترح النائب الأمريكي الجمهوري لووي جوميرت، في جلسة استماع بالكونجرس مكافحة «التغير المناخي» بتغيير مداري الأرض والقمر! وطلب من مسؤولة في هيئة الغابات الأمريكية إيجاد طريقة لتحقيق ذلك. ورد عليه براين بريتشنايدر، عالم المناخ بجامعة «ألاسكا فيربانكس»، متهكما، مثل كثيرين على «تويتر» بقوله: «باختصار، لا يمكننا تغيير مدار الأرض أو القمر، شكرا لحضورك». وكتبت كاثرين هيهو، المديرة المشاركة لمركز المناخ بجامعة تكساس للتكنولوجيا: «المشكلة هي أن الساسة لا يريدون حلا حقيقيا». هؤلاء الساسة منهم نائب الرئيس الأسبق آل جور الذي منحوه جائزة نوبل للسلام لإنتاجه وثائقيا متحيزا لكذبة التغير المناخي بعنوان «حقيقة مزعجة» عام 2007، مُحولين الموضوع إلى «ملهاة سياسية». والسؤال الذي يجب طرحه هنا هو: هل نحن فعلا بصدد كارثة تغيُّر مُناحي؟ الإجابة تأتي واضحة قاطعة في كتاب «أسطورة الاحترار العالمي»-2018، لمؤلفه بروس بانكر، الذي يدحض تلك الرواية بالكلية، ويُكذب، بلا أي تحفظ، «الادعاءات المتواصلة التي تتلاعب بعواطف ومخاوف الناس بأن المجتمعات الصناعية تدمر كوكبنا بسبب استخدام الوقود الأحفوري»، الذي ينبعث عنه ما يسمى «غازات الدفيئة» مثل ثاني أكسيد الكربون (CO2) والميثان. ويؤكد أن تلك الانبعاثات لن تذيب كل الجليد على الأرض حقا، ولن ترفع مستويات سطح البحر بمعدلات كارثية. ولن تتسبب في زيادة الأعاصير والعواصف والفيضانات والجفاف. ولن تدفع الدببة القطبية وأشكال الحياة الأخرى إلى حافة الانقراض. كما يدحض بانكر الكذبة الرئيسية التي يروجها أعداء الإنسانية بأن التغير المناخي سببه البشر، والبقر، بما ينتجونه من غازات الدفيئة، قائلا إن «مستوياتها لا تشكل أي خطر، بل إن مستويات CO2 الحالية منخفضة كما كانت معظم فترات التاريخ. ويُظهِر السجل الجيولوجي أن الوفرة والتنوع الحيوي كانا دائماً أعظم عندما كانت مستويات CO2 ودرجات الحرارة أعلى بكثير من اليوم». كما يشدد على أن هدف «حركة الاحتباس الحراري العالمي» ليس إنقاذ الكوكب ولكن إعادة توزيع الثروة وتنفيذ أجندات سياسية خفية، عبر مجموعة علماء ووكالات حكومية ومنافذ إعلامية، تبذل وسعها لتحريف وتزوير سجلات المناخ». ويضيف: هذه أخبث عملية احتيال علمي في التاريخ. وأكثر من ذلك، يؤكد بعض الخبراء معلومة أن الأرض ربما تكون متجهة نحو قدر من البرودة وليس الاحترار. فقد أكد د. بوب كارتر وهو أحد أهم علماء البيئة بجامعة «جيمس كوك» الاسترالية أن «المناخ يتسم بالتغير الدائم.. ومعدلات الاحترار في القرن 20 كانت في الحدود الطبيعية مقارنة بالأزمنة السابقة» وأشار إلى أن معدل الاحترار العالمي لم يزد منذ عام 1998، والذي شهد تسجيل أعلى درجة حرارة على الإطلاق، برغم زيادة CO2 في الجو بنسبة 4%. وقد أكد مركز هارفارد سميوثنيان للفيزياء الفلكية، ومعهد ماكس بلانك لبحوث النظام الشمسي، تلك النتائج، بحسب الباحثة في الوكالة الدولية للطاقة الذرية دانا ساكشيتي. يقودنا ذلك إلى النقطة الأهم، وهي أزمة الثقة بيننا نحن الشعوب وبين الشركات الكبرى (النُخب)، وما يتبعها من حكومات تنفذ مصالحها. وهي أزمة لا تقتصر على السياسة ودهاليزها المظلمة، بل تمتد إلى كل مناحي الحياة، من صحة وتغذية وتعليم.. إلخ. وكنت أظن أنني ربما الوحيد الذي تؤرقه هذه الفكرة لكنني وجدت مؤيدين، ومن بينهم عالم البيئة الشهير باتريك جيه مايكلز صاحب كتاب «حقيقة الاحتباس الحراري العالمي»،2005، الذي يقول: لا نستطيع أن نتأكد من أن ما يقال لنا هو الحقيقة دون أن نعرف بالضبط ما يجري خلف الكواليس. وما أدرانا أن الاحتباس الحراري ذاك ليس من صنع التكنولوجيا الحديثة مثل نظام «هارب»، الذي يعترف مكتشفه الفيزيائي الأمريكي بيرنارد إيستلاند، في براءة اختراعه أنه مصمم للتحكم في الطقس، بإجراءات تبدأ من رفع حرارة الغلاف الجوي مرورا بالتأثير الكهرومغناطيسي الذي له قوة تدمير بالغة، ولا تتوقف عند صنع الزلازل والبراكين، وذلك بحسب دراسة للمركز العربي للمناخ. وفي مارس 2007 قدمت القناة الرابعة البريطانية وثائقيا بعنوان «خدعة الاحتباس الحراري الكبرى»، أثار جدلا كبيرا وأيده الجمهور بنسبة 6إلى1. لكن أعداء الإنسانية وكما تجاهلوا الاحتجاجات بشأن غزة وما قبلها من حروب عدوانية، فقد تجاهلوا الانتقادات الموجهة لكل كذبهم بشأن التغير المناخي، وأجبروا القناة على تغيير بعض المعلومات في الوثائقي ثم على وقفه تماما. وتحول الرافضون لكذبة «التغير المناخي» إلى «منكرين»، تماما مثل منكري المحرقة، ورافضي الاستبداد بكل أشكاله. وهكذا يواصل أعداء الإنسانية جرائمهم ضد البشر، مُفلتين من العقاب ويظنون أنهم قادرون عليها. ولكن حتى حين.
786
| 04 سبتمبر 2024
مساحة إعلانية
في رحيل الرجال العظام لا تُطوى صفحة من...
5685
| 14 يوليو 2026
لعل أسوأ ما قدمته بطولة كأس العالم الحالية...
1773
| 12 يوليو 2026
عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية، لا تحتاج التجارة العالمية...
1689
| 11 يوليو 2026
لم نستيقظ فجر اليوم (أمس) على وقع الضربات...
1173
| 13 يوليو 2026
غاب عن دنيانا والد الجميع، صاحب السمو الأمير...
984
| 14 يوليو 2026
الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني…...
939
| 14 يوليو 2026
- أسس نظامًا راسخًا ومهّد طريق الأجيال ولمستقبلهم...
891
| 13 يوليو 2026
أتيحت لي الفرصة من خلال صحبتي- بحكم العمل-...
852
| 16 يوليو 2026
هناك رجال لا يرحلون حين تغيب أجسادهم، لأنهم...
708
| 14 يوليو 2026
- دمــوع فـــي وداع الأمـير الوالـد - «أبو...
708
| 15 يوليو 2026
هناك رحيلٌ يشبه انطفاء شمعة، وهناك رحيلٌ يشبه...
699
| 15 يوليو 2026
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، أتقدم بخالص العزاء...
675
| 13 يوليو 2026
مساحة إعلانية