رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تحدثنا سابقا عن ضرورة خلع جلباب الغرب كله، واسترداد جلباب حضارتنا نحن، ولا يتحقق ذلك إلا بتخليص حاضرنا وماضينا من كل التشويه الذي دسته علينا قوى الاستخراب، وأيضا، استرداد كل ما نهبه أعداء الإنسانية من تراثنا الذي استباحوه بالكامل تقريبا بسقوط الأندلس، قاطفين ثمار عملية تخريب بعيدة المدى امتدت لقرون طويلة، ويريدون قرب ختامها، تنفيذ ما سموه عملية «إعادة ضبط» للعالم، بينما نحن العرب، قلب العالم الإسلامي، مَنْ نحتاج أكثر مِن غيرنا عملية «إعادة ضبط»، ليست «شيطانية» كالتي يريدونها، ولكن واقعية إيجابية تعيدنا إلى عزنا ومجدنا القديم.
قصة التخريب تلك بدأت منذ فجر الإسلام كما أوضحت سابقا، لكن مسألة التشويه والنهب تحديدا تفاقمت بدرجة خطيرة مع سقوط الأندلس. ولعل ما حدث أمام أعيننا من تشويه وتدمير ونهب لتراثنا في كل الدول التي سقطت أنظمتها في السنوات الأخيرة، من العراق وسوريا إلى اليمن وليبيا، يعطينا مثالا على ما حدث عندما سقطت ممالك الأندلس، واحدة تلو الأخرى وعندما وصل «المجرمون» إلى الأمريكتين. فقد انخرط أعداء الإنسانية المندسون في صفوف القوات الغاصبة في تنفيذ خططهم المعدة سلفا بسرقة ما يريدون من تراثنا ثم تدمير ما تبقى. وهم في كل الحالات لم يكونوا القوة الغازية الرئيسة، بل كانوا مندسين فيها. وهناك شهادات كثيرة على سوابق تاريخية قام خلالها أسلاف الصهيوماسون الحاليون بسرقة وتدمير تراث المسلمين في الأندلس وفي أي بقعة من الأرض تمكنوا منها، وخاصة الأمريكتين اللتين طاردوا المسلمين فيهما، سواء الذين فروا من اضطهاد فرديناند وإيزابيلا، التي أقْسَمَتْ أن تتعقب المسلمين هناك، أو الذين سبقوا إليهما قبل ذلك بقرون، كما أشرنا بالمقال السابق.
وهنا نجد في كتابات مؤرخين غربيين، مثل سام هاسيلبي، توثيقا لعمليات الاضطهاد الوحشية وتخريب التراث التي مورست بحق السكان الأصليين (المسلمين) في الأمريكتين، ونفهم أن سبب تلك الوحشية لم يكن مسألة تطهير عرقي، بل كانت «تطهيرا» دينيا، بحسب كتابه (أصول القومية الدينية الأمريكية،2016). والأهم من ذلك ما يسوقه هاسيلبي عن تدخل الصهيوماسون لتزوير التاريخ وتشويهه، بقوله:»إن من كتب تاريخ الاحتلال الأوروبي للأمريكتين ليس القوات الغازية ولكن «البيوريتان» المندسين الذين كانوا في حقيقتهم يهودا متخفين»، وكانوا دائما وراء تزييف التاريخ وتشويهه. وهذا ما توثقه أيضا كتب مثل، «الصهيونية المسيحية» لستيفن سايرز، و»تفتيت الشرق الأوسط» لجيرمي سولت، ويكشفان كيف اندس الصهاينة اليهود في المسيحية من خلال طائفة البيوريتان، وكيف عملوا دائما على تقويض الجسم العربي الإسلامي وصناعة الاضطرابات لهدمه. وينقل هاسيلبي عن برنال دياز ديل كاستيلو، الذي أرخ اجتياح هيرنان كورتيس حاكم «اسبانيا الجديدة» (منطقة أمريكا الوسطى)، أن الحملة أحصت أكثر من 400 مسجد في تكساس والمكسيك، مُحيت كلها من وجه الأرض. وقد ثبت حديثا أن المدعو كولومبوس كان يهوديا من السفارديم من غرب أوروبا وليس كاثوليكيا. وتم تأكيد ذلك بدراسة استمرت 22 عاما، لتحليل عينات (دِ.ن.أ.) قديمة، وبثتها وسائل إعلام عدة بينها قناة «سي.تي.في» الكندية. وثابت أيضا، بحسب كتاب «من أجل صهيون»، أن كولومبوس «اليهودي» قال في رسالته إلى ملك وملكة أسبانيا، إن هدف رحلته الأساسي نحو الأراضي الجديدة هو «الحياة والموت ضد مُحمد.. واستعادة القدس».
وفي كتاب «مَسْخُ الصُّورةِ.. سَرِقةُ وتحريفُ تراثِ الأمّةِ» نجد شرحا وافيا لعملية التشويه الضخمة التي تعرض لها تاريخ العرب والمسلمين من قبل الصهيوماسونيّة العالمية، ومن ذلك ترويجها نظريات ملفقة تظهر الغربيين جنسا متفوقا، والعرب متخلفين وبدائيين. وهو ما نظّر له مجرمون من أمثال برنارد لويس في كتاباته ليرسم، وأمثاله، صورة للمسلمين بأنهم الخطر الذي يتهدد «حضارة الغرب»، وأنَّ صداما سيقع لا محالة بين الجانبين، وهو ما دعمته كتابات فوكو وهنتنجتون. وهذا هو ما صدّرته للعالم ذراعهم الشيطانية المسماة «هوليوود» في أفلام عدة. ويتناول الكتاب في فصله الثالث كيف زور أعداء الإنسانية مصادر التراث ودسوا المعلومات المزورة في الكتب العربيّة والعالميّة، ومناهج الغرب التعليميّة، ودور الكنيسة، وحتى بعض النخب العربية، في تلك «الحرب القذرة».
كان هذا عن تشويه التاريخ، أما عن سرقته فيستعرض كتاب «الصحوة الإسلامية في الأندلس اليوم،1992» للدكتور علي المنتصر الكتاني، انقضاض اليهود على تاريخ الأندلس بأكمله وزعمهم أنهم شركاء في بناء الحضارة الإسلامية. كما يوثق سرقتهم كثيرا من روائع الفكر الإسلامي والعربي ونسبته لمفكريهم مثل موسى بن ميمون. وهنا يحضر اسم العالم التركي الراحل فؤاد سزكين، الذي قضى نحو 60 عاما، يفحص الكتب الأوربية، ليكتشف أن أكثر من 150 ألف كتاب غربي أصولها عربية إسلامية، واستطاع توثيق الأصول العربية لأكثر من 35 ألفا منها.
وقال إن كل ما كان يفعله «العالِم» الأوروبي هو ترجمة الكتاب العربي ثم وضع اسمه عليه بدلا من اسم المؤلف الحقيقي المسلم. وكان من بين ما أثبته في موسوعته «تاريخ التراث العربي» أن جميع الخرائط حتى بدايات القرن 18 أصلها عربي إسلامي، وهذا يعني أنه حتى وصول الأوروبيين إلى الأمريكتين كان بفضل العرب المسلمين؛ وكان بعضهم ضمن حملة كولومبوس بالفعل. وكان من أهم قناعات سزكين قوله «إن اقناع المسلمين بعظمة الحضارة الإسلامية أصعب من إقناع الغرب بها». وهذا ما يدفعنا للقول إن عملية «إعادة الضبط» الإسلامية يجب أن تكون فرض عين، على الأقل، على كل من يمكنه حمل هذه الأمانة. وهذا حديث آخر.
ألعاب الأطفال الشعبية في العيد
العيد فرحة للصغار والكبار، ولكنه للأطفال أكثر متعة لما يحمله من فرص لاستكشاف البيئة المحيطة وتطوير صداقات جديدة،... اقرأ المزيد
90
| 22 مارس 2026
ملحمة وطنية
منذ اندلاع الحرب في الثامن والعشرين من فبراير، وجدت دولة قطر نفسها أمام اختبار تاريخي جديد، اختبار لم... اقرأ المزيد
141
| 22 مارس 2026
الرواقية: فلسفة المجتمع القطري في زمن الهجمات
حين يغدو الثبات فلسفة قطرية في زمن الهجمات، فمع مرور الأيام مع محاولة اختراق الصواريخ المعادية سماء الدوحة... اقرأ المزيد
237
| 22 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية.
17154
| 16 مارس 2026
* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال. وفي ظل ما يمر به العالم من ظروف صعبة وأحداث مؤلمة، نسأل الله أن يرفع الغمة، وأن يعم الأمن والسلام على بلادنا وسائر بلاد المسلمين. * في هذه الأيام المباركة، تتجه القلوب إلى بيوت الله بحثًا عن السكينة والخشوع، خاصة في المساجد التي يرتبط بها المصلون روحانيًا، ومن بينها المساجد التي يؤم فيها الشيخ عبدالرشيد صوفي، لما لصوته من أثر بالغ في نفوس المصلين، وما يحمله من خشوع يجعل الكثيرين يحرصون على الصلاة خلفه منذ سنوات. * هذا الإقبال الكبير، بطبيعته، يتطلب جاهزية عالية في إدارة المسجد، من حيث تنظيم الدخول والخروج للمواقف، وتوفير المساحات الكافية، وتهيئة المرافق، وحسن التعامل مع المصلين والمصليات، إلا أن الواقع في بعض الحالات لا يعكس هذا المستوى من الجاهزية. * فمن غير المقبول أن يتم التحكم في المرافق الأساسية، وإغلاق دورات المياه، أو تخصيصها لفئة معينة دون غيرها، بما يسبب معاناة للمصليات، ويخلق حالة من الازدحام والتوتر، بل ويدفع بعضهن للخروج إلى المرافق الخارجية للوضوء. كما أن غياب التنظيم الواضح، وترك بعض الجوانب لاجتهادات فردية دون صفة رسمية، قد يؤدي إلى ممارسات لا تتناسب مع حرمة المكان، سواء في أسلوب التعامل أو في آلية إدارة المصلى. * إن بيوت الله يجب أن تظل مفتوحة، رحبة، قائمة على الرفق، كما أرشدنا النبي ﷺ، لا أن تتحول- تحت أي ظرف- إلى بيئة يشعر فيها المصلون بالتضييق أو التمييز أو التوتر. * كما أن ما يُثار حول وجود تدخلات غير رسمية في بعض المساجد، أو التعامل معها وكأنها نطاق خاص، يطرح تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز الإشراف المؤسسي، وتأكيد أن المسجد وقف لله، يخضع لتنظيم الجهات المختصة، ولا يُدار وفق اعتبارات شخصية أو علاقات. * إن طرح هذه الملاحظات لا يأتي من باب النقد المجرد، بل من حرص صادق على بيوت الله، وعلى أن تبقى، كما ينبغي، مكانًا للسكينة، والرحمة، والخشوع. * ومع ختام هذا الشهر الكريم، فإن الأمل كبير بإذن الله في أن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، وأن يتم التعامل معها بجدية، والاستعداد بشكل أفضل للمواسم القادمة، بما يضمن تهيئة بيئة إيمانية متكاملة، تليق بروحانية رمضان، وبمكانة المساجد، وبحرص المصلين على العبادة فيها. فالمساجد ليست مجرد مباني بل هي روح تُبنى، وقيمة تُصان، وأمانة يجب أن تُحفظ. * آخر جرة قلم حين يحرص الناس على الصلاة خلف إمام بخشوع الشيخ عبدالرشيد صوفي والحرص على الحضور من مناطق بعيدة، والتواجد طوال الشهر، فذلك دليل حياة في القلوب، لا يُقابل بإغلاق باب، ولا بتضييق مرفق، ولا بسوء إدارة. بيوت الله لا تُدار بالمفاتيح، بل بالمسؤولية. ولا تُحفظ بالمنع، بل بالرحمة. فإن لم تُصن روحانية المسجد، فماذا نصون؟ نسأل الله أن يتقبل، وأن يبلغنا وإياكم رمضان أعوامًا عديدة، في أمن وسكينة وطمأنينة. وأن يبلغنا ليلة القدر وما تنزل فيها من كل أمر حكيم.
1230
| 18 مارس 2026
ليست الحياة سوى جند مطواع يفتح ذراعيه لاستقبال كل من حمل في قلبه خيراً فأضاءه، فهي تأنس بمن يأنس إليها، وتلين لمن يطرقُ بابها بعزمٍ صادقٍ، فتفتح مسالكها لمن جاء زارعاً مُعمراً لا عابراً مجتازاً فحسب، وتستقبله هاشةً باشة، وكأنما تُكافئه جزيلاً على سلامة النية، وصفاء المقصد. ثم لا تلبث أن تلاعبه قليلاً لتمتحن شدّة صبره، وتختبر حقيقة جَلده، فيقف عند مفارقها لحظاتٍ يتبيّن فيها مقدار ما في صدره من احتمالٍ وثبات. وفي تلك المداورة الخفيّة تتجلّى معادن النفوس، وتنكشف سرائر الصدور، فمن وثق عزمه ازداد رسوخاً، ومن لانَ ساعده تعلّم من العثرة ما يقوّي خطوه في المرة القادمة. وكأن الحياة في هذا الامتحان لا تريد إلا أن تُظهر خبيئة المرء لنفسه، ليعرف موضع قدمه في دروبها، ومقدار ما يملك من صبرٍ على مسالكها الوعرة. فإن اجتاز.. تباهت به، وكأنها ترفع ذكره بين تجاربها، وتشهد له بأنه ممن صدقوا المسير ولم يهن لهم عزم. وإن علق في بعض منعطفاتها أعطته كرّات أخرى، تُمهله ليعيد المحاولة، ويستنهض الخطوة، ويستأنف السير بعزمٍ أشد وبصيرةٍ أوسع. وهكذا تبادله ودًّا بود، وإقداما بإحجام، في علاقةٍ خفيّة تتوازن فيها الخطوات بين الدفع والتريّث، وبين الجرأة والحكمة. ويمضي الإنسان في هذه المداولة الطويلة، تكرّ به الأيام وتفرّ، وهو يقطع فيافيها وقفارها، عابراً مسالكها البعيدة، متجاوزاً مفازاتها المترامية، حتى يبلغ واحاتٍ يهدأ عندها، ومستراحاتٍ يستردّ فيها أنفاسه. فلا يلبث أن يُدرك أن كل ما قطعه من مسافات كان جزءاً من الطريق إلى تلك السكينة، وأن كل اختبار مرّ به كان درجةً في سلّم النضج والاتساع. لحظة إدراك: هكذا تتبدّى الحياة في وجهها الأصدق: ميدانٌ رحب لمن أحسن قصدها، ورفيقُ مسيرٍ لمن أقبل عليها بنيّة الإعمار والسعي، فليست هذه سوى بتلك !
903
| 17 مارس 2026