رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
فيلم «نظرية مؤامرة» 1997، لميل جيبسون يعرض نموذجاً للعمليات القذرة التي شملها برنامج «إم كيه ألترا» للتحكم في عقول البشر، (أشرت إليه سابقا)، والذي تطور حاليا إلى شيء أكبر وأخطر، هو حرب شاملة لـ «احتلال العقول» في كل مكان، تسخيراً لوسائل التكنولوجيا الحديثة، وما يسمى «علم النفس الخارق»، في حالة تتجاوز «غابة هوبز» التي تحدث فيها عن «حرب الكل ضد الكل» إلى غابة أكبر بحجم العالم كله تشهد حرب «البعض (النُّخب) ضد الكل. أحيانا تكون المُسلّمات والبديهيات هي الأكثر صعوبة على الانتباه لها. وأكثر الأمور بداهة هي حرب الشيطان على بني آدم، ورغم ذلك فالناس عنها غافلون. وكنت تحدثت سابقا باختصار عنها وسميتها «الحرب العالمية الأبدية»، وحان الوقت لمزيد من التفاصيل. في المقال السابق وقفنا عند «هندسة الفكر» وهذه تعني، السيطرة على عقول البشر. وبما أن سلاح الشيطان الأمضى هو الوسوسة، فقد قرر قبيله وأتباعه استخدامه، فشرعوا منذ عقود في تنفيذ عملية «وسوسة وتسخير شاملة» لعقول البشر، يستخدمون فيها كل الأسلحة الممكنة وخاصة الإلكترونية، والعقاقير؛ حرب عابرة للحدود والمعايير، وشاملة للجميع، بلا استثناء، حتى المحايدين، وحتى الأمريكيين.
القصة تتلخص في أن أعداء الإنسانية وعندما حقق برنامج «إم كيه ألترا»، نجاحا مقبولا، أرادوا أن يعمموا نموذجه على العالم. بدأ «إم كيه ألترا» عام 1953، وزعموا أنهم أوقفوه عام 1973، لكن الحقيقة أنهم طوروه. فبعد الإعلان عن وقفه ظلوا يكشفون تدريجيا عن برامج أشمل حتى العام 1980، فقيل إنهم كلفوا عقيدا اسمه بول فاليلي ليتعاون مع ضابط آخر لوضع برنامج يجمع كل أنواع الحرب النفسية، و»التخاطر» و»الإفساد الصوتي»، والتجسس، إلخ..، بهدف غسيل العقول والتأثير مباشرة على الجهاز العصبي المركزي الذي يتحكم في الإنسان، باعتبار البشر «أجهزة استقبال».
وكان شريك فاليلي في ذلك، والمؤلِف الفعلي للبرنامج، ضابطا اسمه مايكل أكينو، وهو مؤسس «معبد سيت» (نسبة إلى الإله الفرعوني سيت)، واعترف بنفسه بأن الشيطان ظهر له عام 1975، وطلب منه تأسيس المعبد وتسميته «سيت»، ولقنه تحديثات على «الإنجيل الأسود» أي إنجيل الشيطان. وكان يقود مجموعة لاغتصاب الأطفال بشكل منظم، تحت أعين السلطات، التي برأتهم من كل تهمة وُجهت إليهم. وهذه اعترافات وأحداث موثقة تؤكد ارتباط أعداء الإنسانية ارتباطا مباشرا بالشيطان. وكنت أشرت سابقا إلى مصادر قالت إن دارون تلقى نظريته «الداروينية» من الشيطان مباشرة.
وفي أواخر العام 1980 أصدر، فاليلي وأكينو، دراسة بعنوان «من عمليات الحرب النفسية إلى حرب العقول: سيكولوجية النصر». وكانت تلك الدراسة هي النموذج الأحدث من «إم كيه ألترا»، الذي تم تطويره من حرب على عقول الأفراد إلى حرب عامة على عقول الشعوب في كل مكان. وهذا ما أكده لي عنصر سابق في أحد أجهزة تنفيذ تلك المخططات في أمريكا الشمالية بشرط السرية. وفي العام 2013 صدر كتاب بعنوان «حرب العقول» يحوي تلك الدراسة بتفصيل أكبر، وبتوقيع أكينو، خادم الشيطان، وحده، وبخطة تفصيلية للتنفيذ العملي للبرنامج من خلال إعادة تشكيل فروع العمليات الخاصة بالجيش الأمريكي؛ النفسية، والمدنية، والخاصة. ويوضح الكتاب مراحل تعاون وانخراط تلك الأجهزة في «حرب العقول»، التي تستخدم كل وسائل التكنولوجيا المعروفة وغير المعروفة. ويزعم الكتاب أن الحرب متجذرة في النفس، ولإنقاذ البشرية يجب جعلها أكثر إنسانية وأقل عنفًا بـ «هندسة» العقل البشري. وهكذا، وكما تمت هندسة جينات البذور والحيوانات، يحاولون هندسة أجسام البشر بالأمراض والأمصال، و»هندسة الأفكار» لتخليصها من النزوع للحرب، بزعمهم، ثم التحكم فيها بالكلية. ولأجيال عدة كانت معضلة دراسة العلوم الاجتماعية الأصعب هي أنها ليست علوما «كمية»، كون المشاعر والأفكار لا تصح فيها الحسابات الدقيقة ولا التعميم. لكن باعتبارهم الإنسان «جهاز استقبال»، بعدما جعلوه «شيئا» (أشرنا لذلك في مقال «تشييء الإنسان»)، فهم يبتدعون علما اجتماعيا جديدا هو «هندسة الفكر»، في طريق سعيهم الحثيث لتغيير خلق الله، وصناعة الكفر.
ووفقا لتقرير لمجلة «إكزيكيوتف إنتليجينس ريفيو» بعدد أغسطس 2005، فإن فاليلي وأكينو وآخرين، عملوا على استخدام السحر والممارسات الشيطانية في تلك الحرب. ويكشف التقرير الذي أعده جيفري ستاينبيرج كثيرا من التجارب البشعة على البشر، في معتقلي «غوانتانامو» و»أبو غريب»، وعلى الحيوانات، وخاصة الماعز، فيما سموه «مختبر الماعز». ولستاينبرج تقرير آخر بنفس العدد بعنوان «التخريب الشيطاني للجيش الأمريكي. ومن الذين رصدوا تلك الحرب الشيطانية، في جانبها الإعلامي، مبكرا، الأمريكي هربرت شيللر في كتابه، «المتلاعبون بالعقول»، 1974، ويشرح عمليات التضليل وتشكيل الوعي العام وتزييف الواقع، من خلال وسائل الإعلام. ويدعم ذلك تصريحات حديثة للمنتج الهوليوودي السابق وخبير الإعلام سكوتي ساكس أكد فيها استخدام «الدولة العميقة» تلك الأساليب للسيطرة على السردية العامة في البرامج الإعلامية. ولتشومسكي أقوال مهمة في ذلك سنأتي عليها لاحقا. ويؤكد ذلك بتوسع كتاب جديد بعنوان «ميلاد الحرب النفسية»، 2023، للمحاضر بجامعة لانكاستر د. جيفري وايت، وخاصة جزئية أن الحرب النفسية لا تستثني حتى الأمريكيين. كما يؤكد في الفصل الثالث اضطلاع السي آي أيه بجانب كبير من تلك الحرب، ويشدد على أنها ليست أقل عنفا كما يزعمون.
ولتأكيد الترابط بين كل منظومات النُّخب، يكفي أن نعرف أن اسم «ميتا» الذي تتسمى به «فيسبوك» حاليا مأخوذ من مسمى عمليات عسكرية، أسست، واعتبارا من العام 1983، لأول «غرف دردشة» ضمن برنامج حرب العقول، الذي شاركت «داربا» (وكالة مشاريع أبحاث الدفاع المتقدمة) في تطويره لجعل الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي رأس حربتهم فيما بات يسمى عصر ما بعد الحقيقة أو «عصر الزيف».
قطر وسوريا.. علاقات أخوية تزداد رسوخا
تزداد العلاقات بين دولة قطر والجمهورية العربية السورية الشقيقة، رسوخا ومتانة، يوما بعد يوم، حيث تشهد علاقات التعاون... اقرأ المزيد
93
| 23 أبريل 2026
العدل.. وعد لا يتأخر
•تخبرنا سنن الله في الكون، كما يخبرنا واقعنا وما يشهده العالم من صور الظلم والابتلاء، أن الظلم مهما... اقرأ المزيد
147
| 23 أبريل 2026
حين يحزن الوطن
هناك حزنٌ لا يحتاج إلى تفسير، حزن يمرّ على القلوب بهدوء، لكنه يترك فيها أثراً واضحاً، كأنه يذكّرنا... اقرأ المزيد
144
| 23 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أصبح ملاحظًا في الآونة الأخيرة تزايد شكاوى المعلمين وأساتذة الجامعات من سطحية بعض الطلاب وضعف قدرتهم على التحليل، بل وقلة اهتمامهم بالشأن العام وغياب الحس بالمسؤولية المجتمعية. وهذه الظاهرة لا يمكن إلقاء اللوم بها على المناهج أو أساليب التدريس، بل ترتبط بشكل كبير بغياب المتابعة الأسرية وانشغال الوالدين أو اعتمادهم الكامل على المؤسسات التعليمية لتأدية دور الوالدين أو توكيل الخدم بكل ما سبق، وهذه طامة أخرى سنأتي عليها لاحقًا. هل يُعقل أن طالبًا جامعيًا لا يعرف من وزير خارجية بلاده؟! وكم هي مساحة الدولة التي يعيش فيها؟! بل أكثر من ذلك، ففي مثل هذه الأيام التي تمر فيها المنطقة في صراع إقليمي وحرب تُغيّر خريطة العالم وتحالفاته وتقلب طاولة الاقتصاد رأسًا على عقب، هو لا يعرف من وكيف ولماذا، وهل هو مع أو ضد توجه معين أو رأي بلاده من كل هذا؟! وبسبب ما سبق عملنا مع بعض الزملاء مسحًا سريعًا للبحث عن هذه الأسباب، فتبيّن أن الأم والأب يقضيان أكثر من ٤ ساعات يوميًا على الهاتف بين برامج التواصل الاجتماعي بما لا ينفع بل بما يضر أحيانًا، ولم نحسب ساعات متابعة الأفلام والمسلسلات ضمن هذا. إن مسؤولية تربية الأبناء لا يمكن تفويضها أو التهرب منها. فتربية الأبناء ليست ما تنتجه المدارس أو المعاهد أو الجامعات، بل هم انعكاس لبيئة كاملة تبدأ بالأسرة. وإذا أردنا جيلًا واعيًا مثقفًا وقادرًا على تحمل مسؤولياته فعلينا أن نعيد الاعتبار لدور الوالدين، وأن ندرك أن التربية الحقيقية تُبنى في البيت أولًا ثم تُستكمل في بقية مؤسسات المجتمع. لأن التربية ليست مهمةً يمكن اختصارها في مؤسسة واحدة أو جهة رسمية بعينها. ومن هنا فإن إلقاء المسؤولية على وزارة التربية والتعليم فيما يتعلق بمستوى الأبناء الفكري والسلوكي والثقافي، هو طرحٌ ناقص يُغفل الدور الجوهري الذي يقع على عاتق الوالدين أولًا ثم بقية مكونات المجتمع. الأسرة هي النواة الأولى التي تتكون فيها شخصية الطفل، وهي البيئة التي يتعلم فيها القيم الأساسية والدينية قبل أن يتعلم الحروف والأرقام. في البيت يتعلم الأبناء معنى المسؤولية واحترام الوقت وأهمية المعرفة والقدرة على الحوار. فإذا نشأ الطفل في بيئة تشجعه على التساؤل وتمنحه مساحة للتعبير وتعطيه قدرًا من الثقة والشعور بالمصداقية وتتابع اهتماماته الدراسية والثقافية، فإنه يدخل المدرسة والجامعة وهو يحمل أدوات التفكير والفهم لا مجرد قابلية للحفظ والتلقين. أما إذا غاب هذا الدور فإننا نجد أنفسنا أمام طالب يفتقر إلى الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء. فحين يجلس الأب أو الأم مع الأبناء لمناقشة حدثٍ ما أو كتابٍ قرأوه أو فكرةٍ سمعوها، فإنهم يزرعون فيهم بذور التفكير النقدي، ويعلمونهم كيف يكونون جزءًا من مجتمعهم لا مجرد متفرجين عليه، كما أن للشارع والأصدقاء دورًا لا يقل أهمية، فهم يشكلون جزءًا من البيئة التي يتفاعل معها الأبناء يوميًا. لذلك فإن اختيار الصحبة الصالحة، وتوجيه الأبناء نحو الأنشطة المفيدة، ومتابعة سلوكهم خارج المنزل، كلها أمور تقع ضمن مسؤولية الوالدين. إضافة إلى ذلك، فإن وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة المختلفة تتحمل دورًا تكامليًا في تعزيز القيم الثقافية والاجتماعية من خلال تقديم محتوى هادف، وخلق بيئات داعمة للنمو الفكري. إن التربية مشروعٌ مشترك تتكامل فيه الأدوار ولا تتقاطع. فوزارة التربية والتعليم تؤدي دورًا مهمًا في تنظيم العملية التعليمية وتوفير المناهج والتربية كذلك، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع وعيًا أو تبني شخصية متكاملة. هذا الدور يبدأ من البيت حيث تتشكل القيم ويتأسس الفكر ويتعلم الأبناء أين يقفون في هذا العالم المتغير من حولهم.
2709
| 22 أبريل 2026
شهدت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي خلال الفترة الأخيرة نقلة نوعية لافتة في أساليب التعامل مع الجمهور، انعكست بشكل مباشر على مستوى رضا أولياء الأمور والطلبة في المدارس القطرية ، وساهمت في تسهيل إنجاز المعاملات بصورة غير مسبوقة. هذه الطفرة لم تكن مجرد تحسينات شكلية، بل جاءت نتيجة رؤية واضحة تهدف إلى تطوير الخدمات التعليمية والإدارية بما يتماشى مع التحول الرقمي الذي تشهده الدولة.في السابق، كان إنجاز العديد من المعاملات المتعلقة بأمور الطلاب يتطلب وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا، إضافة إلى الحاجة للمتابعة المستمرة من قبل أولياء الأمور، سواء فيما يتعلق بنقل الطلبة أو استخراج الشهادات أو متابعة الطلبات المختلفة، وكانت الإجراءات تتسم أحيانًا بالتعقيد وكثرة الخطوات، مما يسبب ضغطًا وإرهاقًا للأولياء الأمور.أما اليوم، فقد تغيرت الصورة بشكل جذري. فقد عملت الوزارة على تبسيط الإجراءات وتوحيدها، مع إطلاق منصات إلكترونية متطورة تتيح للمستخدمين إنجاز معاملاتهم بسهولة وسرعة من أي مكان. وأصبح بإمكان ولي الأمر متابعة حالة الطلب بشكل فوري، دون الحاجة إلى مراجعة المكاتب أو الانتظار لفترات طويلة،هذا التحول أسهم في تقليل الجهد المبذول، ورفع مستوى الشفافية، وتعزيز الثقة بين الجمهور والمؤسسة التعليمية.ويرى كثيرون أن السر في التحول اللافت الذي شهدته وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي في الفترة الأخيرة لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة جهود قيادية ركزت على كسر الجمود الإداري وتحديث أساليب العمل، قامت بها سعادة السيدة لولوة الخاطر وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي التي ارتبط اسمها بالدفع قدما وسريعا بعجلة التطوير التي تشهدها الوزارة وإعادة النظر في عدد من الإجراءات التي ظلت لفترات طويلة دون تغيير يُذكر.فمنذ تولي سعادتها الوزارة، اتجهت الجهود نحو مراجعة شاملة للأنظمة والإجراءات، ليس فقط بهدف التحديث، بل لإزالة التعقيدات التي كانت تُعد في السابق من المسلّمات التي لا يجب التعامل معها إلا كما هي دون تغيير، إن هذا التوجه الجديد أتاح إعادة تصميم الخدمات بطريقة أكثر مرونة، وجعل تجربة أولياء الأمور والطلبة أكثر سلاسة ووضوحًا، وقد انعكس ذلك في تقليص الوقت والجهد اللازمين لإنجاز المعاملات، وتحسين آليات التواصل مع الجمهور.كما تميزت هذه المرحلة بشكل كبير وواضح بالتركيز على اعتبار أولياء الأمور شركاء أساسيين في العملية التعليمية، وليسوا مجرد متلقين للخدمة. ومن هنا، تم تطوير قنوات تواصل أكثر فاعلية، والاستماع لملاحظاتهم بشكل مباشر، والعمل على تحويلها إلى تحسينات ملموسة على أرض الواقع.ولم يقتصر التغيير على الإجراءات فقط، بل شمل أيضًا ترسيخ ثقافة مؤسسية جديدة تقوم على الابتكار والتطوير المستمر، وتشجع على المبادرة بدلاً من التمسك بالأنماط التقليدية، هذا التحول الكبير كان له أثر كبير في جعل العمل داخل الوزارة أكثر حيوية ومرونة، وأسهم في تحقيق مستوى أعلى من رضا جميع أصحاب العلاقة مع الوزارة.إن هذه الطفرة النوعية تعكس التزام الوزارة بتحقيق التميز في تقديم الخدمات، وحرصها على مواكبة التطورات العالمية في مجال الإدارة والخدمات الحكومية،كما أنها تؤكد أن الاستثمار في التكنولوجيا وتطوير الكفاءات البشرية يمكن أن يحدث فرقًا حقيقيًا في حياة الناس اليومية.وهنا يمكن التأكيد بأن هذه الجهود القيادية أسهمت في إحداث نقلة نوعية حقيقية، حيث أصبحت الخدمات أكثر كفاءة، والتعامل مع الوزارة أكثر سهولة ومرونة، بما يعكس رؤية حديثة تضع احتياجات الطلبة وأولياء الأمور في صميم أولوياتها.
1977
| 20 أبريل 2026
لم يعد الزواج، عند شريحة من الشباب، مجرد خطوة نحو الاستقرار وبناء أسرة، بل تحوّل في بعض الحالات إلى ساحة تنافس مفتوحة، تُقاس فيها القيمة بمدى الفخامة، وعدد الحضور، وحجم التفاعل الاجتماعي. مشهد يتكرر: سباق نحو «أفضل عرس»، و»أفخم قاعة»، و»أكبر عدد من المعازيم»، و»أقوى تغطية إعلامية»، وكأن الحدث لم يعد بداية وبناء حياة جديدة، بل عرضًا قصيرًا يخضع لمقاييس الإبهار، وهي في الأساس أتت من مفهوم دنيوي خاطئ وهو البحث عن الوجاهة! ومن اللافت ظهور ممارسات دخيلة على ثقافة المجتمع، مثل تعدد الأزياء الرسمية خلال ساعات الحفل، أو الالتزام ببروتوكولات أقرب للمناسبات الرسمية منها للاحتفالات الاجتماعية، هذه التفاصيل؛ رغم بساطتها الظاهرية، تعكس تحوّلًا أعمق في مفهوم الزواج نفسه، حيث تتقدّم الشكليات على الجوهر. وخلف هذا المشهد للأسف يقف عامل مؤثر وهو «ضغط المجتمع»؛ فالكثير من الشباب باتوا يخشون «كلام الناس» أكثر من خشيتهم من التبعات المالية أو النفسية، مما تؤدي هذه الخشية إلى إنفاق مبالغ كبيرة، قد تصل إلى حد الاستدانة، فقط لضمان صورة مثالية في نظر الآخرين! لكن ما يغيب عن كثيرين، أن هذا «الاستثمار في المظهر» غالبًا ما يكون قصير الأمد، إذ ينتهي تأثيره بانتهاء حفل الزواج، بينما تبقى التبعات المالية والنفسية لفترة أطول، قد تمتد إلى بداية الحياة الزوجية نفسها. ولعل علم النفس يُفسّر هذا السلوك ضمن ما يُعرف بـ Status Anxiety، وهو القلق المرتبط بالمكانة الاجتماعية ونظرة الآخرين. في هذه الحالة، لا يُبنى القرار على القناعة الشخصية، بل على المقارنة المستمرة مع الآخرين، والسعي لتجنب الانتقاد أو التقليل. هذا النوع من التفكير قد يدفع الأفراد إلى تضخيم التفاصيل الشكلية على حساب الأساسيات، ويجعل من لحظة الفرح مصدر توتر بدل أن تكون مناسبة للراحة والاطمئنان. في مقابل هذا الاتجاه، يبرز مفهوم بسيط لكنه عميق الدلالة مفاده أن البركة تكمن في التيسير، وأن البدايات الهادئة قد تكون أكثر استقرارًا، فالزواج؛ في جوهره ليس مناسبة عابرة، بل مشروع طويل الأمد يقوم على التفاهم والمسؤولية والمودة. ولعل إعادة ترتيب الأولويات باتت ضرورة ملحة في مثل هذه الظروف، بحيث يعود التركيز إلى جودة العلاقة لا شكل الحفل، والاستقرار النفسي لا الانطباع الاجتماعي، والقدرة على الاستمرار لا لحظة الظهور. فاصلة أخيرة حين تتحول بداية الزواج إلى استعراض، يفقد الحدث معناه الحقيقي. أما حين يُبنى على القناعة والبساطة، فإنه يفتح الباب لحياة أكثر توازنًا وهدوءًا. فالزواج لا يُقاس بما يُقال عنه في ليلة واحدة، بل بما يُبنى على أسس نفسية وقناعة شخصية دون التأثر من ردود وآراء آنية.
921
| 16 أبريل 2026