رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في روايته، "قصة موت معلن"، يروي الكولومبي جابريل جارسيا ماركيز حيثيات جريمة قتل شاب دفاعا عن الشرف بعدما اتهمته فتاة باغتصابها. يحدث ذلك عندما تتزوج الفتاة ويعيدها الزوج إلى أهلها ليلة الزفاف عندما يكتشف أنها ليست عذراء. رسالة القصة باختصار أن عملية القتل التي ينفذها شقيقا الفتاة تتم رغم إعلان الأخوين للجميع نيتهما قتل المتهم الذي لا ينبهه أحد ولا يمد له يد العون رغم "براءته". وفي غزة "قصة موت معلن" مشابهة، أكثر قسوة وإيلاما، إذ تتكرر يوميا، بعدما تحولت مراكز توزيع المساعدات إلى مصائد معلنة للموت. وهكذا، يوما بعد يوم، يتأكد معنى كنا نظن في بداية عملية الإبادة الجارية استحالة تحققه... الآن تعززت الدلائل والمعلومات التي تؤكد أن أعداء الإنسانية ينفذون بالفعل خطة ممنهجة لإبادة أهل غزة عن بكرة أبيهم. هذه الدلائل والمعلومات تكررت في الشهور الماضية لكن وضعتها في دائرة الضوء مرة أخرى دراسة للصهيوني ياكوف غارب، من جامعة بن جوريون الإسرائيلية، ونشرها على منصة تابعة لجامعة هارفارد الأمريكية أخيرا. فُهِم من الدراسة لدى نشرها أن أكثر من 377 ألف فلسطيني، قتلوا أو "اختفوا" منذ بدأت إسرائيل عدوانها على القطاع في أكتوبر 2023.. وكعادة الآلة الصهيونية وأذرعها الممتدة في كل مكان، وبمجرد ظهور رد الفعل الغاضب إزاء الرقم الضخم لضحايا المحرقة الصهيونية، سارعت تلك الأذرع إلى نفي صحة الرقم، والتعلل بأن الدراسة أسيء فهمها. وغيرت مواقع عدة روايتها، أو تم منع الوصول إليها، ومنها موقع "المهد" (Cradel). غير أن كل محاولات طمس الحقيقة لن تفيد، إذ إن أي متابع لعملية القتل اليومي في القطاع يعرف ويفهم بما لا يدع مجالا للشك أن عدد الضحايا هو أضعاف المعلن حتى برغم عدم اعتماد سلطات غزة لهذا الرقم وإعلانها أن إجمالى عدد القتلى لا يزال يقل عن 57 ألفا. أكد ذلك واعترف به كاتب صهيوني هو نير هاسون، في هآرتس، حيث أشار بحسب باحثين إلى أن عدد قتلى غزة لا يقل عن 100 ألف. وقال، مستغربا، إن وزارة الصحة الفلسطينية تقلل من العدد ومن حجم الكارثة. وأقر بأن المجاعة والأمراض، واستهداف القوات الإسرائيلية لتجمعات توزيع المساعدات جعلت الحرب على غزة واحدة من أكثر الحروب دموية في القرن الـ 21. وكانت دراسة نشرتها مجلة "لانسيت" الطبية قبل نحو عام، قد ذكرت أن الآثار التراكمية للحرب على غزة قد تؤدي إلى ارتفاع عدد القتلى الفعلي إلى أكثر من 186 ألف شخص. وقالت الدراسة، حينئذ، إن عدد القتلى أعلى بكثير لأن العدد الرسمي لا يأخذ في الاعتبار آلاف القتلى المدفونين تحت الأنقاض والوفيات غير المباشرة بسبب تدمير المرافق الصحية وأنظمة توزيع الأغذية والبنية التحتية العامة الأخرى. وأضافت أنه حتى لو كانت الحرب توقفت في ذلك الوقت، قبل عام، لاستمر سقوط القتلى، نتيجة الآثار غير المباشرة، لشهور وربما لسنوات. وأضافت أن أعداد القتلى نتيجة الآثار غير المباشرة للحروب تتراوح بين 3 إلى 15 ضعفا للرقم المباشر لقتلى الحرب العسكرية. مصدر آخر بالغ الأهمية يعزز ما تم نفيه في تقرير ياكوف غارب، هو تسريب نشرته صحيفة هآرتس، أيضا، في مايو 2024 ويقر فيه الموساد الإسرائيلي بأن عدد القتلى وقتها كان لا يقل عن 200 ألف قتيل. وبغض النظر عن كل الدلائل فهناك ما لا يمكن الخلاف عليه وهو عقيدة الإبادة التي يعلنها الكيان وكل من ينتمي إليه بلا خوف أو حتى إحراج في كل ما يتسنى لهم من وسائل إعلامية. ربما نتفهم عدم إعلان سلطات غزة للأرقام الضخمة التي تناولتها المصادر المختلفة المشار إليها، نظرا لعدم توفر الإمكانيات الفعلية للإحصاء لديها في ظل حقيقة وجود أعداد مهولة من الضحايا تحت أنقاض البيوت المدمرة التي تصل إلى نحو 70 % من بيوت القطاع، وربما لرغبة تلك السلطات في تجنب إثارة الفزع بين السكان. لكن الذي لا يمكن تفهمه هو استمرار الصمت المطبق من الحكومات والهيئات الطبية والإنسانية الدولية، رغم اطلاعها على تلك الأرقام المخيفة لضحايا المحرقة في غزة، الذين يذهبون كل يوم إلى موت معلن فِعْلي.. فعندما تستوي الحياة والموت، يصبح الوقوف في طوابير الغذاء نوعا آخر من الاستسلام للموت على أمل الفوز بالحياة... الذين يذهبون كل يوم للوقوف في طوابير للحصول على أي قدر من الغذاء، وهم يعلمون أن احتمال موتهم هناك لا يقل عن احتمال عودتهم إلى ذويهم سالمين، أولئك في الحقيقة سلموا أنفسهم لموت معلن بعدما لم يعد إلاّه طريقا وحيدا للحياة، فهم من دون غذاء ميتون لا محالة، ولكن في طوابير الموت، أقصد الخبز، قد تكتب لهم الحياة! الآن، قصة الموت المعلن عندنا معكوسة، فغزة متروكة وحدها، بل يسهر البعض على خدمة قاتلها. [email protected]
627
| 01 يوليو 2025
لوحة «انتصار الموت» للفنان الهولندي بيتر بروغل الأكبر، - رسمها حوالي عام 1562- وقت اشتداد الحروب الدينية في أوروبا، وعلى خلفية مشهد موت مخيف سببه وباء الطاعون أواخر العصور الوسطى، ولم تكن قد تعافت من آثاره بالكامل. تعتبر اللوحة واحدة من أشهر الأعمال الفنية وأكثرها خضوعا للتحليل الفني والسياسي، وذلك لما تحمل من إسقاطات دينية وسياسية ورموز ومعان عميقة حول صراع النفوذ والتوسع، والموت والحياة، أو ما يسمى، أيضا، «رقصة الموت»، لأن بروغل رسمها زمن اجتياح إسبانيا لبلاده هولندا، ولا يستبعد مساهمة اللوحة في تفجير ثورة الاستقلال الهولندي عن إسبانيا بعد رسمها وظهورها بأربع سنوات فقط عام 1566. ومن المعاني التي توحي بها اللوحة أن المنتصر ليس بالضرورة دائما هو الذي يبقى بعد زوال خصمه. فقد يكون المقاوم بعد موته أطول بقاء من المنتصر الظالم، كما قال عمر المختار «سيكون عمري أطول من عمر شانقي»! ومن المعاني المهمة التي رآها النقاد أيضا في اللوحة، فكرة أن الموت نهاية حتمية لجميع البشر على اختلاف مناصبهم ومشاربهم، وأن الأضعف ظاهريا قد يكون هو المنتصر، حقيقة وفعلا، أو حتى رمزا، وذلك عندما يتساوى مع ظالمه في الموت. وهذا يحيلنا مباشرة إلى مشهد غزة، فاللوحة تجسد بشكل شبه متطابق مشهد الموت والدمار في القطاع. تصور اللوحة أكداسا من الجثث وأفواجا من الهياكل العظمية، التي يقودها الموت ويجسده رسم شخص يرتدي رداء أحمر اللون. وتبدو هياكل الموت متحركة وسط منظر عام من الدمار والخراب والنيران على البر وفي البحر، بينما المعتدي، وهو هنا الموت ذاته، يقود الحرب على البشر ولا يميز بين مقاتل وطفل أو امرأة أو شيخ. في تلك اللوحة، لا يوجد مكان آمن من الموت، الذي يطال الجميع، تماما مثل غزة. وينقسم الناس بين مجموعة مذعورة تحاول الهرب ومجموعة تقرر القتال حتى الموت. هذا المعنى سجله كثيرون عبر التاريخ، وأولهم الحسين بن علي رضي الله عنه، بقولته الشهيرة: «لم أخرج لا أشراً ولا بطراً ولا تكبراً ولا ظالماً ولا مفسداً»،،، عندما أدرك أن لا سبيل إلى النصر إلا بالثبات والتضحية، فكان دمه انتصارا على سيف قاتله. وهو الموقف الذي تولدت منه عبارة «عندما ينتصر الدم على السيف». وقد استلهم كثيرون ذلك المعنى في تمجيد المقاومة والبطولة. ومن هؤلاء المهاتما غاندي، الزعيم الروحي التاريخي للهند وقائد ثورة تحريرها من الاحتلال الإنجليزي. يقول: «تعلمت من الحسين كيف أكون مظلومًا فأنتصر». كما استلهم الثائر الكولومبي تشي جيفارا كلمات الحسين، ونظم عبارات خاصة عن الحرية والإنسان قال فيها: «على جميع الثوار في العالم الاقتداء بتلك الثورة العارمة التي قادها الزعيم الصلب العظيم، الحسين، والسير على نهجها لدحر زعماء الشر والإطاحة برؤوسهم العفنة». الشاعر الفلسطيني الشهيد عبد الرحيم محمود، بدوره صاغ كلاما يمضي في السياق ذاته، وإن لم يذع صيته، فقد كانت حياته قصيرة لم تتجاوز الـ 35 عاما، حيث ولد عام 1913 واستشهد في 13 يوليو 1948، مدافعا عن وطنه بالقرب من قرية الشجرة في شمال فلسطين المحتلة، فقد أصابته قذيفة في عنقه، وهو يقاتل العدو، وكان يتمتم وهو محمول على أكتاف زملائه في المقاومة بأبيات أشهرها يقول: سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى فإما حياةٌ تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا ونفس الشريف لها غايتان ورود المنايا ونيلُ المنى لَعَمْرُكَ هذا ممات الرجال ومن رَامَ موتـًا شـريفًا فَذَا ومـا العيش؟ لا عشـت إن لـم أكـن مخــوف الجنــاب حـرام الحـمى. ... وأحسب أن غزة بدمائها وشهدائها ستنتصر على كل سيوف قاتليها وسينتصر موتها على كل سيوف إجرامهم وظلمهم، لأن الظلم لا ينتصر للأبد، فربما يكسب جولة أو حتى جولات ثم يمحقه الله «بعز عزيز أو بذل ذليل». نعم، سينتصر الفلسطينيون على عدوهم الصهيوني لأن هذه الحرب ليست من النوع الذي يمكن لكل طرف فيها الزعم بأنه هو المنتصر، ولأن العدو هو الذي جعلها حرب وجود، ومعادلة صفرية، إما أنتم وإما نحن. سينتصر الفلسطينيون، بدمائهم وموتهم، على الطغيان والظلم والخيانة والخنا، لأنهم سيعودون حتما في أصلاب أبنائهم وذرياتهم جيلا بعد جيل، ليزيلوا عدوان الصهاينة ومن يوالونهم.. وعندما يعود الفلسطيني ابنا أو حفيدا سيكون المجرم الصهيوني قد اندحر وانهزم،، وهنا سيتحقق انتصار الموت على سيف ظلم الصهيوني الذي يحاول تحدي إرادة الخالق، إذ يظن أن بإمكانه الخلود في الأرض، ويظن أن العِلم سيُمكنه من ذلك. وكأننا أمام لحظة يعيد فيها التاريخ نفسه بتكرار مشهد لوحة «انتصار الموت»، حيث تسود الحرب الدينية وإن بمواصفات مختلفة بعض الشيء، وينتشر الموت والدمار وتتصارع الإرادات السياسية، والعقدية، في عالم أصبحت دفة مستقبله في أيدي مشعلي الحروب الذين يقابلهم في اللوحة «الموت» وجيشه المكون من الهياكل العظمية، التي لا يتصدى لها إلا مقاومون حقيقيون مثل أهل غزة.
660
| 25 يونيو 2025
في منتصف يناير الماضي ولدى إعلان رئيس الوزراء الكندي السابق استقالته نشرت مقالا بعنوان (رحيل ترودو.. انهيار الليبرالية وانكشاف الغرب!). ذكرت فيه أن فشل ترودو كشف الوجه القبيح لليبرالية وأن وعودها، من حرية ورفاهية، ونماء، كانت مجرد وعود في الهواء. فحال الناس في أي دولة من دول الليبرالية في تدهور مستمر، تشهد به الأرقام والإحصاءات. وذلك بعدما كان أنصارها يقدمونها على أنها «التيار الذي سيحمل الجميع نحو الرفاهية». وذكرت أيضا في مناسبات عدة أن الصهيوماسون المتحكمين في الغرب يقودون العالم نحو تطبيق فعلي للأفكار والنظم الاشتراكية والشيوعية متمثلين النموذج الصيني. الآن، يتسارع سقوط الأقنعة، إذ يخرج علينا سياسي كندي متحدثا بشكل رسمي وداخل البرلمان ليقول الشيء نفسه، وليُسقط قناعا آخر من أقنعة الليبرالية التي تخفي وراءها نهجا شيوعيا محضا. ذلك هو النائب المحافظ مات شتراوس، الطبيب الذي انتخب للتو عضوا في مجلس العموم بعدما فقد وظيفته بسبب انتقاداته لسياسة الحكومة خلال «تمثيلية الكوفيد». يقول شتراوس إن الناخبين الذين يمثلهم قدِموا إلى كندا من أجل الحرية، وأن الاتجاهات السياسية الحالية تُقلقهم. ويقول: «إن الرومانيين والألبان والبولنديين والأوكرانيين والصرب والكروات والليتوانيين والفنزويليين والصينيين وحتى الصوماليين والإثيوبيين الذين عاشوا تحت النظم الاشتراكية سابقا، يفهمون ما يجري، ولا يعجبهم الأمر»، وخاصة عمليات الاضطهاد بسبب التعبير عن الرأي التي كان هو أحد ضحاياها حيث فصلته جامعة «كوينز» التي كان يعمل بها بسبب مواقفه الناقدة للحكومة. قناع آخر أسقطه كتاب جديد عن الوجه القبيح لليبرالية الغربية التي تتظاهر كذبا بقيم الحرية والديمقراطية وهي تخفي النقيض التام. الكتاب الجديد بعنوان «الخدعة البيضاء الكبرى: قرنان من الترويج للعنصرية في أمريكا»، للأمريكي فيليب كاديش الأستاذ المساعد بكلية هانتر، نيويورك، ويرصد تاريخا حافلا من عمليات التزوير، والعلم الزائف، والبيانات المزورة، والأخبار الكاذبة التي نُفذت لإبقاء نظريات العنصرية والتفوق الأبيض الأمريكية حية لنحو قرنين. يقول كاديش إن العنصرية في عصر شعار «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» «ليست انحرافًا أو نشاذا بل عودة إلى الأصل» في السياسة الأمريكية. ويتحدث عن تقليد طويل من «خِدع العنصريين البيض، التي مارسها ضد الشعب الأمريكي، مجموعة متعاقبة من المحتالين السياسيين والانتهازيين، وجميعهم استخدموا عمدًا الاحتيال العنصري كأدوات لتحقيق مكاسب سياسية واجتماعية». ويشير كاديش في كتابه إلى أن العديد من الحركات الرئيسية المعادية للأجانب وللعنصرية وللكاثوليكية كانت مدفوعة بـ «التزوير و»الانتحال» والبيانات «الزائفة». ويوضح أن هذه الخدع كان لها دائمًا هدفان: إثبات «دونية» الأجناس غير البيضاء، وحتى غير البروتستانت -المسيطرين على الحكم وتتخفى الصهيونية بداخلهم- والزعم بوجود مؤامرات ضد العرق الأبيض مثل «نظرية الاستبدال العظيم»، التي تزعم تعرض البيض للانقراض بسبب تزايد الأجناس الأخرى. ويضيف كاديش أن الأخبار الملفقة، والأكاذيب السياسية الصريحة، والصحافة الحزبية المتحيزة بلا خجل، وانهيار الحقيقة، والحقائق المشوهة، ليست بالأمر الجديد، وأن عصر «فوكس نيوز»، ومن وراءها، هو ببساطة عودة إلى عهد سابق.. «لقد شاهدنا هذا من قبل»!. ويقدم كاديش أمثلة: في حقبة ما قبل الحرب الأهلية، استخدم المدافعون عن العبودية تجارب علمية زائفة «لإثبات» دونية الأمريكيين من أصل أفريقي. وخلال الحرب الأهلية، قام أعداء أبراهام لينكون بتوزيع كتيب زائف يتهمونه فيه بالترويج لتذويب العرق الأبيض من خلال «التزاوج المختلط» وهو مصطلح عنصري اخترعه مؤلفو الكتيب. كما يضرب الكتاب المثل بأعمال توماس ديكسون، وهو قس، وسياسي، وكاتب، ومؤلف رواية «رجل الجماعة» التي اقتبس منها فيلم «ميلاد أمة» (1905)، إذ كان الفيلم ذا طابع عنصري ويدعو إلى سيادة البيض وتمجيد جماعة «كو كلوكس كلان»، المعروفة بأعمالها الإجرامية. وقد أثار الفيلم ضجة آنذاك، وفجّر احتجاجات شعبية، طالبت بمنع عرضه نهائيا. ومع ذلك لم يُمنع، واعتُبر أهم أفلام السينما الصامتة حينها، وظل يحقق أكبر الإيرادات حتى صدور فيلم «ذهب مع الريح» عام 1939. كما يعرض الكتاب قصة راهبة اسمها ماريا مونك- صدرت عام ١٨٣٥- زعمت أنها تعرضت للاغتصاب على يد كاهن «كاثوليكي»، وأنها فرت من الدير لتجنب خنق طفلها بطقوس شيطانية. ويقول إنه تبين أن القصة كانت خديعة لتشويه الكاثوليك (كتبها قس بروتستانتي وكان العشيق الفعلي للراهبة)، ورغم ذلك ظلت من الأكثر مبيعًا لما يقرب من عقدين. وأنا شخصيا فحصت خلال دراستي مسلسلات، أشار المحاضرون إلى أنها كانت تُقدَّم على أنها مناهضة للعنصرية لكنها كانت تنتج بطريقة تشجع العنصرية وتقوي نيرانها. وأكدت ذلك دراسة حديثة نشرتها مجلة «إنترميديا» الدولية الإلكترونية بتاريخ 27-11- 2024. الدراسة بعنوان «التحليل التفكيكي في سياق «نظرية العرق النقدية» لفيلم (هُم، Them)»، وتخلص إلى أن العنصرية أمر طبيعي، تحميه القوانين، في المجتمع الأمريكي. وفي عصر سقوط الأقنعة نجد أن عملية إبادة غزة تفوقت في فضح الليبرالية، وأسقطت أقنعة أخرى كثيرة، عن وجهها القبيح، ومنها قناع الإنسانية، وقناع التسامح، وقناع حقوق الإنسان وقناع حرية الإعلام وقناع حرية التعبير، وكل الحريات الزائفة، ليظهر خلفها جميعا وحش شيطاني كبير اسمه الصهيونية العالمية التي باتت «تلعب على المكشوف».
747
| 16 يونيو 2025
لا تغرنكم دموع التماسيح التي تظاهر بذرفِها مسؤولون غربيون في الفترة الأخيرة إزاء غزة، وإعلان رفضهم ما يحدث فيها. ماذا استفادت غزة من بيان أصدرته بعض الدول لم تصل فحواه حتى إلى مستوى إدانة المذبحة إذ اكتفى باستنكار ما سماه «المعاناة الإنسانية»؟ ماذا استفادت غزة طالما أن المجزرة مستمرة ومستعرة والدماء تسيل والبشر يحرقون أحياء، ليلا ونهارا، جهرا وسرا، وفي العلن وفي الخفاء؟ لماذا لا يصل الأمر، لو كانوا فعلا جادين في إدانتهم، إلى استخدام البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة كما حصل لدى التدخل في ليبيا لإسقاط القذافي عام 2011، حيث بدأت التحركات حتى من قبل صدور تفويض مجلس الأمن. ولماذا لا يصل الأمر، لو كانوا فعلا جادين، إلى التدخل الدولي المباشر حتى بدون أي تفويض مثلما حصل في العراق عام 2003، تحت ذرائع عرف العالم كله بعد ذلك أنها كانت كاذبة. ولماذا لا يصل الأمر، لو كانوا فعلا جادين، إلى تحرك الحلف الأطلسي بشكل منفرد كما حصل في بعض المواقف ضد صربيا لوقف مذابح البوسنة والهرسك، وكوسوفو خلال التسعينيات، مع ما فيها من تفاصيل ليست جيدة لذلك الحلف. ولماذا لا يصل الأمر، لو كانوا فعلا جادين، إلى تحرك الطرف الأمريكي بمفرده كما فعل بتدخله في ليبيا عقب حادثة ملهى برلين عام 1986. لو كانوا جادين حقا لأمكنهم أن يتدخلوا ويختلقوا الأعذار كما فعلوا في حوادث تاريخية كثيرة سابقة كانت أقل خطورة من الوضع الكارثي غير المسبوق في غزة؛ أول وأقسى «محرقة يومية وإبادة جماعية على البث المباشر». ولو كانوا جادين حقا لأمكنهم أن يقطعوا العلاقات مع تل أبيب، أو أن يبادروا إلى فرض حظر على السلاح والتجارة مع ذلك الكيان الذي توفر له أوروبا وحدها ثلث حجم تجارته الخارجية. ولأمكنهم فرض عقوبات، ليس فقط على المستوطنين، ولكن أيضًا على المسؤولين في حكومة الكيان الذين يشرفون على جرائمهم. ولأمكنهم قبل كل ذلك إنفاذ أحكام المحكمة الجنائية الدولية بحق مجرمي الحكومة الإسرائيلية وعلى رأسهم مجرم الحرب نتنياهو. ولو كانوا جادين لأمكنهم أن يرفعوا بأنفسهم الحصار عن غزة ويفرضوه على الكيان ليجعلوه من المنبوذين. ولو كانوا جادين حقا لأمكنهم، أن يتوقفوا عن تصوير الكيان على أنه حليف ديمقراطي إستراتيجي مشارك في ما يسمونه كذبا «القيم الغربية المتحضرة»!. إن ما يطيل أمد المحرقة الجارية في غزة ليس هو قوة جيش الكيان الذي فقد سمعته القتالية والأخلاقية بلا رجعة على أيدي أبطال المقاومة والمدنيين الصامدين، ولا هي إمدادات السلاح والمرتزقة التي لا تتوقف تصله من كل حدب وصوب، ولا هي قبته الحديدية التي أسقطت سمعتَها صواريخُ القسام واليمن. ولكن ما يطيل أمد الحرب هي قبة أخرى؛ هي «قبة الإفلات من العقاب الحديدية»، التي توفرها له ذات الدول التي تذرف دموع التماسيح الآن، وفق تعبير الزميلة نسرين مالك الكاتبة بصحيفة الجارديان. هي قبة الحماية السياسية والقانونية التي يوفرها للكيان ما يسمى العالم المتحضر. ولماذا يوفر ذلك العالم تلك القبة الحارسة لهذا الكيان؟! الإجابة شرحتها بتفصيل في مقال سابق بعنوان «عن إرهاب الدولة و»عولمة الإرهاب»: يا عزيزي كلهم لصوص»! (1-11- 2023)، وجاء فيه: «هم يحمون أنفسهم قبل أن يحموا ذلك الكيان لأنهم جميعا يشتركون في جريمة واحدة مستمرة منذ بداية النظام العالمي الذي سميته سابقا «نظام ويستفاليا». فهم لصوص أوطان وهم لصوص أرض ليست لهم، وهم لصوص أقوات شعوب مقهورة، وهم لصوص الماضي والحاضر والمستقبل. وهذا الكيان المحتل لفلسطين يمثل لهم واسطة عقد السرقة التي سرقوها قديما». نحن إذن أمام نظام عالمي متحلل من المبادئ والأخلاق والقيم الإنسانية الحقيقية ولا يعرف إلا قيم الشذوذ والانفلات والعنصرية المقيتة الفجة. نظام لا يعيش إلا على اضطهاد وسرقة ثروات «الأغيار» ومحو ثقافاتهم الأصيلة، لتعميم ثقافته الشيطانية الدخيلة وتراثه المبني على العسف والظلم. ذلك الظلم الذي دفع رئيس وزراء الكيان الأسبق يائير لبيد لمطالبة العالم بكل تبجح بأن يكذب وبأن يصدر الرواية الإسرائيلية فقط، بعد نحو أسبوعين فقط من بدء عملية الإبادة التي يسمونها حربا. ذلك التراث الخبيث الذي يجعل بعض أبواقهم تعلن بلا خوف من عاقبة ولا عقاب أنهم سيواصلون قتل الفلسطينيين لأن العالم يسمح لهم بذلك! كان من أبرز الشعارات التي ظهرت خلال الاحتجاجات الطلابية على حرب فيتنام، التي واجهت السلطات الأمريكية بعضها بوحشية، شعار تبناه طلاب جامعة نيويورك يقول «إنهم لن يستطيعوا أن يقتلونا جميعا». وكانت هذه هي كلمة السر في انتصار الحركة الطلابية. لكن يبدو الآن أن الكيان المجرم، محميا بـ»قبة الإفلات من العقاب» الغربية، مصمم على مواصلة خطة خبيثة لـ»قتل الفلسطينيين جميعا»، يوما بيوم، وأسبوعا بعد أسبوع، وما دموع التماسيح تلك إلا لإعطاء الكيان مزيدا من الوقت لإكمال جريمته، فإما أن يبيد الفلسطينيين عن بكرة أبيهم أو يضطرهم للرحيل... وهذه مأساة أخرى وتغريبة أقسى من كُل، كُل، ما سبق. وليس لها من دون الله كاشفة.
813
| 02 يونيو 2025
منذ عقود بعيدة ظهر ما يسمى «النكتة السياسية» أو»الأدب السياسي الساخر» أو «المعارضة السلبية». وربما تعود بدايات ذلك إلى فترة ظهور الصحف وخاصة في الأستانة مع استفحال مؤامرة خلع السلطان عبدالحميد (أشرت لذلك سابقا). الآن يكاد تأثير كل ذلك يتلاشى فيما يمكن تسميته «عصر ما بعد العولمة». في عام 1945، وفي مقالة بعنوان «مضحكة ولكن ليست مبتذلة» بلور الكاتب البريطاني الراحل جورج أورويل قاعدة سياسية اجتماعية مهمة مفادها أن «النكتة (السياسية) هي ثورة صغيرة». وشرحها قائلا: «كل ما يهدم كرامة الأقوياء ويُسقطهم عن مناصبهم، بطريق السخرية فهو مُضحك. وكلما كان السقوط أكبر، كانت النكتة أكبر». وقد تناول هذا المعنى كُتاب كُثر على مدى العقود منذئذ، ومنهم الأكاديمي التشيكوسلوفاكي جان كالينا في الستينيات، فترة الحكم الشيوعي. وعندما توسع فيها تم سجنه ثم نفيه إلى ألمانيا الغربية. كما تناول موضوع النكتة السياسية كتاب عرب كثيرون، بينهم اللبناني هشام جابر، والعراقي خالد القشطيني والمصري عادل حمودة، ومواطنه الساخر الراحل محمود السعدني الذي وضع هذا المعنى في صورة أكثر وضوحا بقوله إن «النكتة سلاح»، ولعلي أضيف إلى تعبيره كلمة «ناعم». فالنكتة بحسب هؤلاء جميعا يمكنها تغيير نظم ومجتمعات وجعلها تنفجر من الداخل. ورأى السعدني أن كثيرا من النكات التي هتكت النسيج الاجتماعي في مصر مثلا في فترة الستينيات من القرن الماضي كان مصدرها عدوا خارجيا، قاصدا أمريكا وإسرائيل. هذا الأمر ذكره صراحة أيضا الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عندما طالب المصريين في إحدى خطبه بالتوقف عن تبادل تلك النكات. وقدم هشام جابر في كتابه «النكتة السياسية عند العرب بين السخرية البريئة والحرب النفسية» شهادة مهمة على أن الإدارة الأمريكية كانت تستخدم «سلاح النكات» ضد نظام عبد الناصر ولكنها كانت تفعل العكس مع نظام السادات، «باعتباره حليفا». ولم تفلت الولايات المتحدة ذاتها من تفاعلات النكتة السياسية. وقد فعلت النكتة فعلها هناك ضد سياسيين وشخصيات أخرى كثيرة. وكان من أشهر البرامج الساخرة الأمريكية التي قدمت مواد السخرية السياسية برنامج «مباشر ليلة السبت» (SNL) الذي بدأ في أعقاب فضيحة ووترجيت الشهيرة ومازال يقدم حتى الآن، وبرنامج «العرض المتأخر»، من تقديم ستيفن كولبرت، وبرنامج «العرض اليومي» لمقدمه الشهير جون ستيوارت، الذي قلده المصري باسم يوسف، وأحدث تأثيرا «ثورياً» في الرأي العام المصري. قبل أيام استقالت الرئيسة التنفيذية لشبكة سي بي اس،CBS ويندي ماكماهون، نتيجة ضغوط ولأنها لم تتوقف عن السخرية ضمن حملة «فلنشكل جيشًا من الكوميديا». هنا يوضح د. هنري بيتر ستيفز، أستاذ الفلسفة في جامعة دي بول، أن النكتة السياسية الساخرة يمكنها أن تستخدم لزيادة الغضب أو تنفيسه. ويتفق مع آخرين في أن النكتة السياسية لم يعد استخدامها قاصرا على «المعارضة» أيا كان شكلها، إذ باتت الأنظمة في بعض الدول تستخدمها لفرض سيطرتها.
1026
| 25 مايو 2025
منذ فجر التاريخ، وللآن، كان من يسعى للسيطرة على الشرق الأوسط لا بد له من السيطرة على الشام أو سوريا، بموقعها المفصلي. واستقر علماء الجغرافيا السياسية على معادلة مفادها أنه «إِنْ سيطر حاكم العراق، وما وراءه، أي القادم من الشرق، على سوريا ملك الشرق الأوسط.. وإن سيطر حاكم مصر أو القادم من الغرب على سوريا ملك الشرق الأوسط». وتتحقق المعادلة عندما تكون سوريا ضعيفة ومفتتة حيث تخاض على أرضها الحروب المباشرة أو بالوكالة، كما هو الحال الآن. ويذكر التاريخ أن هذه المعادلة كانت قائمة عند الفراعنة منذ تُحتمس الثالث ورمسيس الثاني، حيث حكموا كل ما بين العراق وسوريا وقبرص إلى قلب أفريقيا مرورا بمصر. وكذلك فعل اليونانيون والرومان، وآثارهم في مصر وسوريا شاهدة على ذلك. كذلك كانت سيرة الدولة الإسلامية منذ بداياتها مرورا بصلاح الدين الأيوبي وصولا إلى العثمانيين ومحمد علي. وكذلك كانت الحال مع قوى الاستخراب العالمي التي ورثت أراضي الخلافة الإسلامية بعدما هدمتها. وقد بلور الفكرة سياسيا وأكاديميا كُتاب كثر، أشهرهم البريطاني باتريك سيل بكتب عدة أهمها، «الصراع على سوريا.. 1945- 1958»، الصادر عام 1965. ويؤكد سيل في كتابه المرجعي مفهوم أن سوريا هي مفتاح السيطرة على الشرق الأوسط. لكنه كان ينظر إلى القضية نظرة المنتمي للعالم الاستعماري، ما جعله يردد ادعاء ذلك العالم بأن «العرب أتيحت لهم، بعد الحرب الثانية، ممارسة سياسة مستقلة عن المستعمر»، وهي فكرة منافية للواقع، لأن ذلك الاستقلال كان «سرابيا»، على أحسن تقدير، ولأن المستعمر ظل محتفظا بهيمنته، مديرا للصراع من بعيد. كما أنه اعتمد في جمع كتابه على مفكرين وسياسيين عرب وأجانب؛ وهؤلاء ليس مضمونا صدقهم في كل ما قدموا من معلومات. ويكفي أن نعرف أن من بين من راجعوا كتابه، قبل طبعه، برنارد لويس العدو اللدود للعرب والمسلمين. كما أن سيل، وهو الذي عاش طفولته في سوريا وتلقى فيها تعليمه الأولي ثم عاش جزءا كبيرا من حياته مستشارا لرئيسها الأسد الأب، لا تُضمن أيضا نزاهته في كل ما كتب وقد يكون حاول ترسيخ مفاهيم معينة ونفي أخرى لمصلحة دولته الأم بريطانيا أو لغيرها، وهذا أمر معروف ومتداول في أجواء تلك الحقبة من التاريخ، ولا يزال. ولا عجب أنه هو ذاته يعترف في الكتاب بأنه لم يستطع أن يكون موضوعياً 100 %. على أن هذه لم تكن مشكلة سيل وحده فكثير ممن كتبوا عن سوريا، ومنهم، الباحث الكندي كمال ديب وكتابه «تاريخ سوريا المعاصر..»، وقعوا في فخ السردية الاستعمارية، التي أوهمت دول العالم الثالث بأنها نالت استقلالها، بالحديث عن «الدولة الوطنية المستقلة». * من زاوية تكاد تكون عكسية، يؤكد د. جمال حمدان، «فيلسوف الجغرافيا السياسية»، أهمية الشام الإستراتيجية لأمن مصر بقولته الشهيرة: «لم تخض مصر حرباً خارجية إلّا ربحتها، ولم تخض حرباً على أرضها إلّا خسرتها». كما يؤكد ذلك المؤرخ المرموق المستشار طارق البشري حيث أصّل لفكرة أن اتحاد مصر والشام كفيل بتأمين السيطرة على المنطقة، لكنه أضاف إليهما الحجاز، فجعل نطاق القوة مثلثًا أو محورا يضم المناطق الثلاثة. وأوضح البشري ذلك المفهوم في مناسبات عدة منها لقاء مهم مع برنامج «بلا حدود»، عام 2002. وفي كتابه «العرب في مواجهة العدوان»، في العام ذاته، ويشدد فيه على فكرة المحور السوري المصري السعودي من منطلق الأمن القومي العربي. ويدعم فكرته بأن الغرب عندما قرر ضرب تجربة محمد علي لم يهاجمه في مصر بل في الشام. كما يورد أن النحاس باشا كان أول سياسي مصري ينتبه، في العصر الحديث، لأهمية سلامة أرض فلسطين، التي هي جزء من الشام، لضمان أمن مصر. وهنا نستخلص فكرة مفادها أننا لو وضعنا سيل وأمثاله، ومنهم د. نيكلاوس فان دام وكتابه (الصراع من أجل السلطة في سوريا، 2011) والصهيوني إيتمار رابينوفيتش (له مقال حديث يدعم فيه أفكار سيل) في جانب، ووضعنا حمدان والبشري في جانب لتبين أنهما ينظران إلى نفس الفكرة ولكن الأول من منطلق رصد الثغرات والثاني من منطلق سدها. ومع الصراع المستعر كانت هناك محاولات متكررة لتحقيق وحدة كان الشام القاسم المشترك فيها. لكن للأسف كان يتم دائما فشل أو»إفشال» تلك المحاولات. فمثلا: انهارت تجربة الوحدة المصرية السورية، 1958- 1961، بانقلاب عبد الكريم النحلاوي في دمشق.... وفي أوائل 1963 فشلت محاولة أخرى لاتحاد بين العراق ومصر وسوريا، ولم تدم سوى 3 أشهر. كما فشلت محاولة اتحاد بين سوريا والعراق في بدايات 1979، بوصول صدام حسين للسلطة في يوليو ذلك العام. * ومع اعتبار البعض أن سوريا كانت الجائزة الكبرى التي حصل عليها ترامب من جولته الأخيرة.. قد يبدو أن الصراع على سوريا في هذه المرحلة قد حسم لمصلحة واشنطن! ولكن... التطورات لا تتوقف والصراع لا ينتهي!
879
| 19 مايو 2025
تحدثت سابقا عن «عصور» تاريخية وفكرية وصناعية عدة، وصولا إلى ما سميته «عصر البين بين». كان ذلك على المستوى العالمي، من منطلق تخصصي في العلاقات الدولية والعولمة. لكن أجد الآن حاجة للحديث عنا نحن العرب تحديدا، ونحن على أعتاب مرحلة تاريخية خطيرة. وبما أننا آخر الأجيال التي عايشت ما أعتبره «عصر النضوج» في تاريخنا العربي الذي صاغه بدرجة كبيرة تاريخ مصر، «أم الدنيا»، فأحسب أن علينا أن نفعل شيئا حتى لا تضيع ملامح هذا العصر، ويفوت أوانه بالكلية، بعد أن فقد زخمه وعنفوانه ووعوده. وقبل أن نسترسل مع ما يمكن فعله، نتحدث قليلا عن عصر النضوج ذاك، الذي ما كاد يصل ذروته بالتضامن العربي التاريخي في حرب أكتوبر 1973، حتى بدأ انهياره وتراجعه التاريخي أيضا والمأساوي بعدها بسنوات قليلة. أحسب أن مصر والعرب جميعا، وفي فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وتسارُع «حركات التحرر»، دون الدخول في محاكمتها سياسيا ولا تاريخيا، كانوا قد بدأوا واحدا من أبهى عصورهم، في تاريخهم الحديث والمعاصر على كل المستويات. حيث تحضرت دولهم، ونضج فكرهم نضوجا تمثل بداية في تبلور أفكار المفكرين والسياسيين العظام الذين جاءوا في أول القرن بعدما تمت غربلة أفكارهم وتمحيصها بالقدر الذي جعل عرب الخمسينيات والستينيات نموذجا يسعد قلب كل من يحلم بمستقبل رائع لوطن، تبلورت صورته أدبا وشعرا وموسيقى في أوبريت «وطني الأكبر». وعندما أقول السياسيين والمفكرين لا أقصد فقط أمثال مصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول، ولا عمر المختار وعبد القادر الجزائري وأمين الحسيني والقسّام. ولا أقصد فقط محمد عبده ومحمد رشيد رضا، ولا المنفلوطي، والرافعي، ولطفي السيد ومحمد حسين هيكل والعقاد والحكيم وطه حسين، ومالك بن نبي، ولا حتى من تبعهم بإحسان من أجيال الفكر الديني والأدبي والسياسي، ولكن أقصد أيضا أعلام الشعر من أمثال أحمد شوقي وحافظ إبراهيم والبارودي، وجبران ومطران، و... وأقصد أيضا أعلام الصحافة بداية من عبدالله النديم والأخوين تقلا، مرورا بالتابعي والحمامصي وعلي أمين ومصطفى أمين وهيكل. وأقصد أيضا وبصفة خاصة الشعراء الكبار لمرحلة الخمسينيات والستينيات الذين شكلوا فعلا وقولا وجدان المصريين ومعهم معظم الشعوب العربية، من أمثال أحمد رامي وإبراهيم ناجي وأحمد عبد المعطي حجازي وأحمد فؤاد نجم وصلاح جاهين ونزار قباني والجواهري والسياب وأحمد مطر والشابي وأمل دنقل والبردوني... ومع كل هؤلاء أقصد أيضا أجيال المطربين الكبار أمثال سيد درويش وعبدالوهاب وأم كلثوم وفيروز والصافي وعبد الحليم والملحنين العظام أمثال السنباطي والقصبجي والموجي والطويل وبليغ والأخوين رحباني، وغيرهم الكثير. ولا أنسى هنا الحس الإيماني وعمالقة التلاوة من أمثال محمد رفعت ومصطفى إسماعيل وعبد الباسط وشعيشع والبنا والمنشاوي، وعملاق التواشيح سيد النقشبندي. أقصد كل هؤلاء الذين صنعوا وجدان النضوج المصري العربي الذي تألق تألقا لمسه الجميع أفكارا فلسفية، وعلما وفنا، واصل إبداعَها وإنتاجَها مَنْ تسلموا الشعلة من جيل المفكرين والمبدعين الأوائل فوجدنا، الغزالي والشعراوي ومحمد عمارة، ووجدنا زكي نجيب محمود وفؤاد زكريا والأنصاري والجابري... ووجدنا علماء أجلاء بداية من مصطفى مشرفة وحتى أحمد زويل، ووجدنا أدباً راقيا وعالميا مع نجيب محفوظ ويوسف إدريس ويوسف السباعي، والماغوط ومنيف والطيب صالح، يغترف من عمق وأصالة التاريخ العربي والمجتمع الشرقي، الذي انعكس حتى في تصميم الشوارع والمباني ولم تطغ عليه الحداثة، وخاصة في دولنا الخليجية التي أعطت للمسجد مكان الصدارة في تصميم مدنها، حتى ذلك الوقت. ولن أتحدث عن الأخلاق التي كانت ما تزال محتفظة بأطرها الإنسانية العربية الإسلامية المتعارف عليها عبر القرون، وانفلت أو «انفتح» عقالها مع ما سُمي سياسة الانفتاح والتطبيع التي ليس هنا أيضا مجال محاكمتها سياسيا ولا تاريخيا. ومع الإقرار بتداخل الفترات الزمنية بين كل هؤلاء العمالقة فيمكن القول إنهم جميعا، مصريون وعرب، ساهموا في إحداث نهضة ونضوج في كل مناحي حياتنا العربية، فنا وسينما وتلفزيونا وإعلاما وصحافة ورياضة. وهنا أقصد رياضة كرة القدم التي كان لها ولمشجعيها رونق آخر في ذاك العصر؛ عصر النضوج الذي كان عليه أن يتلاشى نهاية السبعينات، مع بدء التطبيع مع العدو الصهيوني. تلك الفترة التي بدأت فيها عملية تراجع تدريجية، على كل المستويات، سُرق خلالها منا ذاك النضوج. وهنا نلاحظ أن الشيء الوحيد الذي لم يصل إليه عصر النضوج العربي كان هو الصناعة الثقيلة، التي ظهرت في سماء مصر لفترة وجيزة ثم اختفت كالشهب في السماء. السؤال الآن، هل يمكن الإمساك بما تبقى من ملامح ذلك العصر ناهيك عن استرجاعه وتثبيته وتعميمه؟. هل بالإمكان، وقف الإنزلاق التاريخي، والإمساك بتلابيب عصر النضوج أم أنه فات أوانه وانتهى معه أوان العرب، الذين يستدرجهم التطبيع، ومَن وراءه، تدريجيا للذوبان في ثقافة وحضارة لا تمت بصلة لأي شيء عرفه العرب من قبل؟. ثقافة الاستهلاك والإلحاد والدين الإبراهيمي والتحلل بكل مستوياته من شذوذ، وخلاعة وانفلات أخلاقي، حيث تسود «ثقافة الجهل»، ويحل محل السياسيين أذناب للمحتل، ومحل المفكرين منافقون، ومحل الأدباء أفاقون ومحل الشعراء كذابون ومحل المشتغلين بالإعلام رويبضة مطبلون، وينهار كل ما كان جميلا في زمن النضوج ويذبل ويندمل، ويُختزل «وطني الأكبر» في أوبريت آخر هو «الحلم العربي» الذي كان يأسا وكابوسا أكثر منه حُلما!.... فماذا نحن فاعلون؟!
885
| 12 مايو 2025
.. وفي ليلة قارسة البرد مات «ابن الإله»، تاركا وراءه قصة تمتد تفاصيلها من وسط الغرب الأمريكي، حيث ولد أواسط الأربعينيات، إلى أقصى الشرق الكندي، وتحديدا «نيوفوندلاند» حيث سافر هناك للتدريس في السبعينيات، إلى تورنتو عاصمة المال الكندية، حيث أكمل حياته المديدة التي طالت 80 عاما. جول (Joel) أو جويل أوجستين، كان من عائلة أمريكية متدينة بالمعنى العام، ومن الطبقة الميسورة، حيث كان أبوه صحفيا ورساما وأشياء أخرى، وكانت أمه تعمل سكرتيرة لمسؤول كبير في الحكومة الأمريكية. و»جول» تعني في الثقافة المسيحية الغربية «النبي الصغير» أو «الناطق باسم الإله». لكن جول كان يتذكر بنوع من التأثر أن والديه قالا له إن معنى اسمه عندهم هو «ابن الإله» ما جعله يشعر بالفخر ويهتم بالدين ودراسته منذ الصغر وطول حياته. جول، وعندما كبر ودرس وتعلم، كفر بالكثير مما كانوا يعلمونه عن الدين في الصغر.. لكنه، ومثل كثيرين في الغرب، لم يكفر بالعلم. لكن، أيضا، وعلى عكس كثيرين لم يقُده العلم إلى مزيد من الكفر بل إلى مزيد من الإيمان. فهو رفض معظم ما يقوله الغرب دينيا وحتى علميا. كيف.؟ لم يخاصم جول العلم، ولكنه أبحر في اقتصاده، وسياسته، وفلسفته، وتكنولوجيته، وحصل على درجة الماجستير في كل ذلك، كل على حدة. ولم يشأ الحصول على الدكتوراه رفضا للفكرة في حد ذاتها لعدم اعترافه بما يسمى جامعات الغرب وزيف الكثير من أبحاثها وأهدافها. وكلما غاص في بحور ذلك العلم كان جول يتيقن من حجم الفساد «في هذا العالم الذي تقوده النخب نحو الهلاك». قرأ جول التاريخ وفهم حجم المؤامرة التي حيكت وتنفذ ضد البشرية وخاصة المسلمين، ودرس علوم الكمبيوتر ولاحظ أن ما يسمى الذكاء الصناعي، سيجلب على البشر أخطارا جمة، وقرأ في السياسة وفهم أن من يقودون العالم ينفذون بالفعل ما يسمى خطة «المليون الذهبي». وخلال فترة ما سمي «وباء كورونا» كان جول يراقب السماء دائما ويشير بيده إلى طائرات تنفث في الجو مواد مثل الكيمتريل والبروميوم والألومنيوم والسترونتيوم التي لا ترى بالعين المجردة، ويؤكد أن هدفها نشر الأمراض وإضعاف مناعة البشر. ولذلك فقد رفض الاستسلام لتلقي مصل الكوفيد مؤكدا أن الفيروس وأمصاله جميعا جزء من الخطة. وكنا شهود عيان على رذاذ لزج يتساقط علينا وعلى نوافذ سياراتنا، بعد كل مرة تظهر فيها تلك الطائرات في السماء. كان جول دائم التأهب والمتابعة لما تحيكه النُخب. كان يتابع الأخبار ويفهم أن النخب ممثلة في أشخاص مثل كلاوس شواب الذي استقال حديثا من منصب رئيس منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، يجهزون لكارثة عالمية أكبر كثيرا من كارثة كورونا تتمثل في الادعاء بأن الأرض ستتعرض لما سيسمونه عاصفة شمسية، لن تكون في حقيقتها سوى هجمات سيبرانية، وأن تلك العاصفة ستعطل خدمة الإنترنت في العالم كله أو معظمه. وبالتالي ستتوقف خدمات البنوك والاتصالات والمشافي وغالبا المواصلات والأخطر خدمات الشرطة والأمن، الذي سيختفي من مناطق كثيرة ولن يعود إلا بخروج المنقذ الذي سيكون إما الدجال أو من ينوب عنه. وقد ذكرني انقطاع الكهرباء في إسبانيا والبرتغال وأجزاء من فرنسا بالأمس القريب بجول وتحذيراته من خطط النخب. ولو عاش لقال إن ذلك لم يكن إلا تجربة أو بروفة لما يتم تدبيره بليل، وظل يراقب قُدومه طويلا. كان جول واحدا من مثقفين حقيقيين في الغرب فهموا ما لم يفهمه كثير من مثقفي العرب وحكامهم، إذ لامني مثقف عربي لأنني لا أزال أثق في المقاومة وعندي أمل في أن تنتصر. وجول هو أيضا الصورة العكسية لكثير من «مثقفي» العرب الذين إذا ذهبوا للغرب رجعوا أكثر تغربا من الغربيين، على وزن ملكيين أكثر من الملك. فعلى العكس كان جول عربيا أكثر من كثير من العرب. فكان يتابع مآسي المسلمين في الهند والصين وبورما ويبدي دهشته وحزنه لتقاعس العرب والمسلمين إزاءها. وعندما بدأت الإبادة الجماعية في غزة كان أكثر حزنا وتأثرا من كثير من المتأسلمين من العرب. كان جول يفهم أن إسرائيل كيان صهيوني وليس يهوديا، وأن المقاومة وحدها هي الكفيلة بوقف خطرها. كان جول بفهمه السياسي العميق يمثل جسرا بين الغرب والشرق. كما كان بإنسانيته الراقية يمثل جسرا آخر بين وحشية حكومات الغرب ورحمة الشعوب المغلوبة على أمرها. فهو لم يهتم بجمع المال، وعاش حياته مدافعا عن الفقراء إذ تبنى ثلاثة من الأطفال الـ «أبوريجينال»، أي من أبناء السكان الأصليين، المعاقين نفسيا. ولكن قتلته «المؤامرة» التي عاش يرصدها ويحذر منها فكان أحد ضحاياها. فقد اضطره الفقر «المصنوع»، إلى أن يواصل العمل وهو في عمر الثمانين، عملا لا يتناسب مع علمه ومؤهلاته العديدة. وسببُ ذلك أن الشركة الكبيرة التي كان يعمل بها كانت تسرق جانبا مهما من راتبه. واضطره ذلك للعيش في بيته بلا تدفئة فقتله البرد في ليلة من ليالي الشتاء المبكر المفاجئة. وكان في أواخر أيامه يحادثني حديثا مخلصا عن احترامه للإسلام. وقال كلاما جعلني أحسب أنه مات عليه، وجعلني أيضا استشعر ضرورة التأهب مثله لما هو آت، وبدأت تظهر علاماته... فتأهبوا.
2013
| 04 مايو 2025
من نزع سلاح الفصائل الفلسطينية في مخيمات لبنان، تعللا بتفادي حروب جديدة، إلى حظر نشاط جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، إلى اعتقال قيادات جهادية فلسطينية في دمشق، بعد ساعات من زيارة أبومازن، إلى التجدد المستعر لحملة العداء ضد كل ما هو مقاومة، في وسائل إعلام «دول التطبيع»، تتبلور معانٍ ودلالات تؤكد أن خطط القضاء على المقاومة الحقيقية للخطر الصهيوني في العالم العربي والإسلامي تتصاعد إلى مستويات جديدة، يريد منها العدو فيما يبدو إنجاز مرحلة أعلى في إطار أحلامه المريضة بإتمام السيطرة على الشرق الأوسط وتحقيق وهم إسرائيل الكبرى. وبرغم أهمية كل تلك الإجراءات وخطورتها بما فيها اعتداءات محمود عباس اللفظية الخارجة ضد المقاومة فإن الأكثر إدهاشا فيها هو الإجراء السوري الذي يفسر بدرجة كبيرة ما تم تسريبه بشأن الزعيم السوري الجديد أحمد الشرع أو «أبو محمد الجولاني»، وماضيه في العراق وإدلب وعلاقاته المحتملة بجهات لا تتسق ولا تتفق مع الصورة التي رسمت له حتى الآن كمجاهد إسلامي. عندما نشرت مقالي (سوريا.. هرب «الأسد» فلنحذر «الذئاب»!) بتاريخ 25 ديسمبر 2024- نبهت فيه إلى أن سهولة وسرعة سقوط دمشق، كانت مثيرة للشكوك والتساؤلات أكثر منها للابتهاج و»التفاؤلات»- كانت المخاوف على تجربة الشرع أكثر من الشكوك فيها. وكان القلق كبيرا على نظامه الجديد من أن يتعرض لما تعرضت له تجارب مشابهة. وحدث بالفعل أن تعرض نظام الجولاني لمحاولات، لا يمكن الجزم بمدى جديتها أو خطورتها، لإزالته وإبعاده عن السلطة في دمشق. لكن في النهاية لم تفلح كل تلك المحاولات. ومثلما كُتب الكثير في محاولة فهم السهولة التي سقطت بها دمشق دون تقديم إجابات حقيقية تكشف الترتيبات التي حدثت يقينا بين مخابرات الدول المعنية شرقا وغربا وجنوبا، لم تفلح التحليلات في سبر غور محاولات الإطاحة بالجولاني ونظامه الوليد. لكن المشاهدات الأخيرة تطرح تساؤلات قد تقرب الصورة، ربما لتؤكد شكوكا سقناها سابقا بأن الجولاني على أقل تقدير كان مرضيا عنه أمريكيا وصهيونيا، وحتى من روسيا التي استدعت الأسد في الساعات الأخيرة من نوفمبر 2024، أي قبل أيام قليلة من فراره الأخير، لتبلغه بالعودة لدمشق فقط لحزم حقائبه. وإلا فلماذا تسير السياسة المعتادة في وأد كل احتمالات المقاومة (نزع سلاح فلسطيني جنوب لبنان) وقتل كل الحركات السياسية المناوئة لإسرائيل (حظر إخوان الأردن)، ويبقى هو، أي الجولاني، مثل «التيفال السياسي» الذي لا تؤثر فيه الاتهامات ولا الاعتداءات، لا بل وينفذ هو بنفسه إجراءات ضد المقاومين والمجاهدين، وهو ما اعتبره مراقبون للشأن الفلسطيني بينهم سعيد زياد «انضماما لصف الخيانة العربية الطويل». ويأتي هذا متزامنا مع اتهامات للجولاني، ظهرت في وسائل إعلام عربية وأجنبية بأنه، مثلا، وعندما كان في العراق، باع المقاومين الحقيقيين من شركائه فى الكفاح لأنهم رفضوا تفاهماته مع الأمريكان، حيث سلمهم لمخابرات إقليمية قامت بدورها بتسليمهم للتحالف الدولى. وتحدثت مصادر أخرى بأنه، وهو في إدلب لم يكن يحظى بإجماع شعبي، وبأنه تخلص من عدد من أقرب خلصائه بعد زيارة سرية لأوروبا. كما كشف الدبلوماسي البريطاني كريج موري أن تلك الزيارة كانت لبريطانيا وتعهد خلالها بتلبية طلبات أمريكا والاعتراف بالكيان قبل نهاية 2026. وكانت مواقع عدة بينها «The cradle» كشفت في وقت مبكر عن تعاون قديم بين الموساد الإسرائيلي وجبهة «النصرة»، الفرع السوري للقاعدة سابقا، قبل أن تتحول إلى هيئة تحرير الشام التي كان يتزعمها. وقال الموقع إنه في العام 2014 تعاونت «النصرة» مع إسرائيل ضد حزب الله والجيش السوري. وأضاف أن مقاتلي «النصرة» في القنيطرة خاضوا معارك بتوجيه إسرائيلي مباشر. وتم توثيق نقل جرحى الجبهة لتلقي العلاج في مستشفيات إسرائيلية. كل ذلك قد لا يكفي لتصديق الاتهامات المعلنة، ويمكن تأويله على وجوه عدة. لكن تحركات الشرع حتى الآن تظهر أنه ينفذ بالفعل مطالب صهيوأمريكية قيل إنها من ثماني نقاط، بحسب مصادر إعلامية بينها «وول ستريت جورنال»، أحدها، «حظر النشاط السياسي والعسكري للفصائل الفلسطينية كافة داخل سوريا». وقد لا نستطيع نحن ولا غيرنا كشف الاتفاقات السرية التي أدت إلى التضحية بنظام الأسد وتسليم سوريا إلى الجولاني لكن يمكننا طرح بعض التساؤلات التي يمكنها أن تضيف رتوشا لصورة تلك الاتفاقات. لماذا رضيت واشنطن وبالتالي إسرائيل عن الجولاني حتى أنها ألغت مكافأة العشرة ملايين دولار التي كانت رصدتها لرأسه؟... ولماذا يسكت هو عن احتلال إسرائيل لأراض سورية جديدة؟. ولماذا يشيد بترامب ويعتبره داعية سلام؟. والأهم من ذلك كله لماذا يعتقل المجاهدين وينفذ مطالب لم يقبل بها حتى الأسد؟ ولماذا تشيد به باربرا ليف، مسؤولة الشرق الأوسط السابقة في إدارة بايدن، وتعلن «أنه أتى مستعداً لسماع ما تقوله الولايات المتحدة، وتنفيذه؟. ولماذا تتولى القوات البريطانية الخاصة وجهاز إم آي 6، بحسب موري، حمايته حتى من انقلاب قواته عليه؟ وستظل كلمة السر الكبرى التي أغلقت الأبواب في وجه الأسد وفتحتها للجولاني هي تعهده بأنه يريد تغيير نظام الأسد «دون المساس بمصالح أي أطراف أخرى»، حتى ولو كانت تلك المصالح هي قتل كل ما تبقى من مقاومة حقيقية للاحتلال.
978
| 28 أبريل 2025
ليست ابتهال أبو السعد هي الأولى التي تحتج أو تفضح تواطؤ وتآمر شركات التكنولوجيا، (ومنها مثالا لا حصرا، غوغل وأمازون ومايكروسوفت) مع إسرائيل في حرب الإبادة في غزة. والأغلب أنها لن تكون الأخيرة. فقد سبقها كثيرون، لكنها الأشهر والأكثر لفتا للانتباه، حتى أن ما فعلته يمثل وَحْده «غزوة» في الحرب الممتدة ضد الكيان الغاصب وأعوانه. وما يهم في «غزوة ابتهال» أنها أعادت تسليط الضوء على حرب عالمية غير مسبوقة في كل مواصفاتها وتفاصيلها من حيث فداحة صغر حجم الهدف وفداحة ضخامة المهاجمين وشمولية وسائل هجومهم. وهنا نتحدث عن سلاح التكنولوجيا، أو الجانب المخفي من تلك الحرب؛ جانب يقتل ويشرد ليس بالحديد والنار ولكن بالكاميرا والسونار. ولعلنا نعيد تأكيد أن العالم كله تقريبا متحالف ضد غزة ومقاومتها الباسلة في حرب لم تشهد البشرية مثلها. فمن لم يشارك بالمال والسلاح والتكنولوجيا فهو مشارك بجريمة الصمت. بحيث باتت غزة تبدو حقا البقعة الوحيدة الطاهرة الآن وسط عالم ظهر فيه الفساد في البر والبحر، لتنطبق على أهلها آية «أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون». فحرب غزة تُقدم أوضح نموذج للحرب العالمية المتكاملة الأركان على البشر. فهذه جيوش العالم كله تقريبا تكالبت عليها على الأقل من خلال المرتزقة القادمين من كل صوب شرقا وغربا من الهند وتايلاند إلى أمريكا اللاتينية ناهيك عن أوروبا وتحديدا فرنسا وإيطاليا. ويضاف إلى ذلك كله جميع شركات التكنولوجيا والتصنيع العسكري الكبرى ووسائل الإعلام والجامعات ومراكز البحث. وكنت قد نبهت من قبل في مقال بعنوان «عندما يخطط الشيطان للمستقبل» إلى سيطرة أعداء الإنسانية على كل ما يمس مستقبل البشر من زراعة وتصنيع وتطبيب وتعليم وغيره، وأكدت أنهم يستخدمون العلم لتدمير البشر وليس لمنفعتهم.. وها هم لم يُكذبوا الخبر وباتوا يسخرون التكنولوجيا الحديثة لقتل أهل غزة، في تحد صارخ لاتفاقية روما الدولية وكل الأطر القانونية والأخلاقية. هنا يجب التأكيد على أن العلاقة بين إسرائيل وشركات التكنولوجيا ليست علاقة تعاون بل علاقة الكيان الواحد فمعظم تلك الشركات إن لم تكن جميعها يملكها ويديرها الصهيوماسون الذين لا يخفون انتماءاتهم تلك. وكنا تحدثنا عن محاولات أعداء الإنسانية الوصول إلى المزج أو الدمج الكامل بين البشر والألات أو الروبوتات فيما يسمونه «سايبورج» من خلال تسخير التكنولوجيا الحديثة. لكن فكرهم الشيطاني تجاوز ذلك أيضا إلى استخدام تلك التكنولوجيا وآلاتها في قتل البشر أيضا. وهنا يختلط الواقع بالخيال واللعب بالجد والقتل في ألعاب التسلية بالقتل على الحقيقة. فتصبح ألعاب الحرب الإلكترونية مثل «كوول أوف ديوتي»، وسيلة حقيقية لقتل البشر الأبرياء في غزة. كانت «غزوة ابتهال» هي قمة جبل ثلج بدأ تكونه قبل السابع من أكتوبر بمشاريع صهيونية تكنولوجية. فقد وفرت شركات التكنولوجيا لإسرائيل عدة أنظمة تعمل بالذكاء الصناعي لتحقيق أكبر قدرة على قتل الفلسطينيين من أهمها: غوسبل (The Gospel)، أو «الحبسورة»(«Habsora، ولاڨندر (Lavender)، و»أين أبي؟» (Where’s Daddy?)؛ علاوة على تطبيقات مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك ومثيلاتها، و»أزور Azure» و»عمود النار» (Pillar of Fire)، ويستخدمه قادة العمليات العسكرية. ويقود كل ذلك الذكاء الصناعي OpenAI، بحيث تتولى هذه النظم والتطبيقات تحديد الأهداف وتتبعها بطريقة لا تتوفر للعنصر البشري. فيقوم نظام «غوسبل» بتحديد المباني التي يُعتقد أنها تُستخدم من قِبل الخصم. ويقوم نظام «لاڨندر»، بتحديد وترشيح وتتبع الأهداف البشرية. بينما يقوم نظام «أين أبي؟» بتتبع هؤلاء المستهدفين داخل منازلهم ثم يتم قصفهم. وبالطبع يأتي مع كل ذلك شركات مثل «NSO Group» الإسرائيلية التي تزود الاحتلال بتقنيات مراقبة مثل برنامج «بيغاسوس»، الذي يختراق أجهزة الهواتف. وإجمالا ارتفع استخدام الكيان لمنتجات الذكاء الصناعي 200 مرة عما قبل بداية الحرب. ومما يؤكد أن «غزوة ابتهال» لم تكشف إلا قمة جبل جليد الانتهاكات التكنولوجية من جانب أعداء الإنسانية نشير إلى أن الكيان كان يعمل على تسخير التكنولوجيا للقتل منذ زمن. ويدل على ذلك كتاب أصدره قائد وحدة الاستخبارات الإسرائيلية (8200)، في 2021، بعنوان «فريق الإنسان والآلة: كيفية خلق تكامل بين الذكاء البشري والصناعي...»، ويتحدث فيه عن آلة ثورية قادرة على معالجة كميات ضخمة من البيانات بسرعة كبيرة، لتوليد الألاف من الأهداف «المُحتملة» التي يمكن توجيه ضربات عسكرية لها بسرعة ودقة كبيرة للغاية، متجاوزة بذلك التحديات المفروضة على العنصر البشري. وقد أسفر ذلك مشروعات منها مشروع «نيمبوس» الذي يستخدم لتحديد الأهداف العسكرية عبر الذكاء الصناعي وتبلغ قيمته 1.2 مليار دولار، والذي مُنح لشركتي غوغل وأمازون لتوفير بنية تحتية للحوسبة السحابية للحكومة الإسرائيلية في العام2021. وقد وصف خبراء ومصادر عدة ذلك بأنه التكنولوجيا «الأكثر وحشية» بحسب موقع «القناة السادسة» الإسبانية. وكما أن القتل لم يعد فقط بالحديد والنار فإن المقاومة لم تعد أيضا فقط بالحديد والنار وفي غزوة ابتهال خير دليل. ودليل آخر جاء بمداخلات عدة في الأيام الأخيرة من نشطاء وخبراء بينهم، هايدي خلاف، خبيرة الذكاء الصناعي التي انتقدت الكيان وحذرت، من «تطبيع القتل الجماعي للمدنيين وإلقاء اللوم على الخوارزميات».
954
| 21 أبريل 2025
في بعض أدبيات العلوم السياسية يقولون إن كل رئيس عظيم (أمريكي طبعا) يجب أن تكون له حرب. أي أنه لكي يكون الرئيس عظيما يجب أن يقود بلاده في حرب. وحديثا، لم يعد مهما نوع الحرب، إذ لا يجب بالضرورة أن تكون عسكرية. قد تكون بيولوجية مثل «كورونا» أو اقتصادية مثل «الجمارك». وبالطبع تفسر هذه المقولة، العقلية التي تحكم المناخ السياسي الأمريكي، القائم أساسا على تقديم التصنيع العسكري والحشد المسلح بلا توقف. أسوق هذه المقدمة لأن كثيرين لا ينتبهون إلى أن جمارك ترامب هي حرب شاملة على البشر بمن فيهم الأمريكيون أنفسهم، وأنها لا تختلف كثيرا عن حرب الإبادة في غزة، وأن هذه وتلك مجرد معارك في حرب أشمل لا تتوقف رحاها يوما واحدا لإحكام السيطرة على العالم. وكنت تناولت هذا المعنى في مقالين أولهما بعنوان «الحرب العالمية الأبدية» بتاريخ 30 يناير 2024، والثاني بعنوان «حرب البعض ضد الكل، لا تستثني منكم أحدا» بتاريخ 17 سبتمبر 2024. وسواء كانت الإبادة بالقتل والتدمير في غزة ولبنان وسوريا واليمن، وغيرها، أو بالإفقار والتجويع والتشريد المنظم في كل مكان آخر تقريبا، فالهدف واحد وهو إنهاء عولمة التعاون الدولي وتحويلها إلى عولمة الهيمنة التامة والسيطرة الكاملة على مقدرات الشعوب. ونبقى مع معركة جمارك ترامب لنلاحظ أن الرواية السائدة الآن في معظم الدول منذ بدأ سياسته تلك تلعب على نغمة واحدة هي خفض وتقليص دولة الرفاه الكينزية، (نسبة إلى الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينيز- وهو اقترح في ثلاثينيات القرن الماضي، خلال فترة الكساد الكبير، تدخل الدولة لمساعدة شرائح المجتمع الفقيرة بمساعدات منتظمة مالية وعينية لتنشيط الاقتصاد، ثم سادت تلك الفكرة عقب الحرب العالمية الثانية). ويعني زوال دولة الرفاه تلك زيادة الضرائب وتقليص المعاشات وخفض المساعدات الإنسانية والاجتماعية للمعاقين ومحدودي الدخل، وعودة مجتمع الأسياد والرعاع. وفي الوقت نفسه يرتفع شعار واحد هو تعزيز الدفاع والاستعداد للحرب (العسكرية). وقد أصبح العالم فعليا فوق سطح صفيح ساخن، منذ أطلق الرئيس الأمريكي حربه تلك غير المدروسة وغير المنظمة جيدا. والدليل أن الجميع يرفضها حتى أن مجلس الشيوخ صوت تصويتا تاريخيا لتجاوز صلاحيات الرئيس وأوقف جماركه بشأن كندا، وسط معارضة متصاعدة لسياسة ترامب في الكونجرس. وبدليل آخر هو خروج الشعب الأمريكي في تظاهرات غير مسبوقة في كل الولايات الخمسين رفضا لها. وبات الكل في حالة تأهب لحرب تجارية أو ربما حتى عسكرية. ففي جميع أنحاء أوروبا تقريباً تتصاعد الدعوات لزيادة الإنفاق العسكري وإعادة التسلح. واقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، «خطة إعادة تسليح لأوروبا» تهدف إلى جمع ما يصل إلى 800 مليار يورو أو نحو ترليون دولار. والخطورة الحقيقية بالنسبة لنا نحن الشعوب هي أن هؤلاء السياسيين الأمريكيين أو نظراءهم في أوروبا وغيرها، يريدون تمويل تلك الحروب من جيوب الشعوب. فهذه برونوين مادوكس، مديرة مركز «تشاتام هاوس» البريطاني للأبحاث، تزعم في مقال بالفاينانشيال تايمز في فبراير الماضي وعقب مؤتمر ميونيخ الأمني، أن الإنفاق على الدفاع هو «أعظم منفعة عامة على الإطلاق»، لأنه ضروري لحماية «الديمقراطية». وتدعو المسؤولين السياسيين، بلا حياء ولا شفقة، لتمويل ذلك عبر خفض إعانات المرض، والمعاشات التقاعدية، والرعاية الصحية، وإقناع الناخبين بالتنازل عن بعض حقوقهم الاجتماعية، أي الهدم الكامل لدولة الرفاه. من جانبه يقول مارتن وولف، الخبير الاقتصادي، وفي الصحيفة ذاتها، أنه لتمويل الإنفاق الدفاعي فلا بد من رفع الضرائب، التي تعني مزيدا من الأعباء على المواطن في كل مكان. وكان من نتائج ذلك التحريض أن أعلنت وزيرة المالية البريطانية راشيل ريفز، استقطاعات كبيرة من ميزانية المساعدات الاجتماعية، وخفض الإنفاق على إعانات الأطفال ومخصصات الشتاء لكبار السن وإعانات الإعاقة، لتوجيه الفائض للاستثمار في قطاع الدفاع. وفي كندا لا يتوقف الحديث منذ سنوات عن ضرورة خفض الإنفاق الاجتماعي، وخصوصا ميزانية المساعدات الاجتماعية، حتى بعيدا عن أحاديث الحرب. أما في الولايات المتحدة فحدث ولا حرج. فقد عمدت إدارة ترامب فعليا إلى تسريح آلاف من موظفي وكالة المساعدات الاجتماعية قاصدة تقليص حجم الخدمات المقدمة لمحدودي الدخل والمعاقين، وسط حالة من الغضب والاستياء العام. غير أن هذه السياسات المثيرة للشك والريبة في نوايا أولئك المسؤولين تدعو للتساؤل عن المستفيد من هذه الحروب المفتعلة. وبلا عناء سنجد أنه يأتي في صدارة المستفيدين، جميع الشركات الكبرى التي ستستفيد بالقطع من زيادة الأسعار التي ستتسبب فيها الجمارك. ومن ذلك قطاعات الصناعات التحويلية، ومنها المصانع المحلية الكبيرة والمجموعات الصناعية التي طالبت بإجراءات حمائية. وبحسب موقع مراقبة السوق (Market Watch) أعلنت شركات تعدين عدة منها «U.S. Steel» و»Nucor Corporation» عن زيادة أرباحها بعد تطبيق الرسوم الجديدة. *القصة وما فيها أن عقيدة أصحاب رأس المال هي أن كل المال في العالم هو من حقهم وحدهم وأنه حان الوقت لجمعه ووقف صرفه عن كل من يرون أنه لا يستحق. وهذه بحد ذاتها ترينا كيف يمكن أن يكون شكل الحياة تحت حكومة عالمية يتزعمها هؤلاء؛ لا شك أن «عالم أورويل» سيكون جنة مقارنة بها.
813
| 12 أبريل 2025
يبدو أننا سنضطر للعودة بين الحين والآخر إلى روايات الخيال العلمي والسياسي وأفلام هوليوود لمحاولة فهم ما يجري في العالم الآن وفي المستقبل. هذه المرة سنتوقف مجددا مع رواية جورج أورويل «1984»، الصادرة عام 1949، وتنبأ فيها، بعالم يشبه العالم الذي نعيش فيه الآن، بدرجة كبيرة. عالم التحكم الكامل في البشر والرقابة الشاملة لكل تحركاتهم وأفكارهم! فيما يسمى النظام العالمي الجديد، مع أن الأدق أن نقول «اللا نظام العالمي الجديد»؛ لماذا؟. يقول جون سوير رئيس الاستخبارات السرية البريطانية «إم أي 6» بين عامي 2009 و2014، إن «التوجه الأمريكي الجديد بقيادة ترامب هو أكبر تغيير عالمي منذ أواخر الأربعينيات؛ عندما تعاونت أوروبا وأمريكا لبناء النظام العالمي في صورته الحالية، ويعمل ترامب، الآن، لهدمه، وتدشين عالم بلا ضوابط». ويضيف: «يبدو أن ترامب يفضل عالما للقوى العظمى، تتمتع فيه كل قوة عظمى بمجال نفوذ. وهذا هو عالم رواية «1984»، الذي تتنازعه 3 كتل استبدادية، اقتسمت الأرض بعد حرب عالمية، وتدور الأحداث في واحدة منها وهي أوشينيا (أمريكا وتوابعها)، حيث تتم السيطرة على البشر وعقولهم على طريقة أورويل». * ويبدو أن هذا العالم، ثلاثي الأقطاب، يتشكل بالفعل مع تضخيم ترامب أهمية روسيا على حساب أوروبا، ومع إعجاب النخب الأمريكية بالنموذج الصيني الذي ستتاح له الفرصة للتطور فيما يبدو. وقد جاءت قرارات ترمب التنفيذية بإلغاء وزارة التعليم، وبرامج ثقافية عدة، منها قناة «الحرة»، لتضيف رتوشا جديدة في صورة العالم الاستبدادي الذي بشر به أورويل. ويرسخ صورة ذلك العالم أيضا التصرفات الاستبدادية للسلطات الأمريكية ليس فقط بحق أمثال الفلسلطيني محمود خليل، بل بحق مواطنين ألمان وكنديين وغيرهم، تتم إهانتهم وإيذاؤهم في المطارات الأمريكية. وهو عالم تتراجع فيه كل القوى المجتمعية وتنزوي أمام رأس المال المسعور، ولا تقف أمامه مظاهرات أو احتجاجات، ولا ثورات، ولا حتى إضرابات عمالية بعدما كانت تطيح بحكومات راسخة مثل حكومة إدوارد هيث في بريطانيا عام 1974. فقد انتهت إضرابات في كندا أواخر العام الماضي بلا نجاح يذكر، حيث أُجبر المضربون في قطاعي البريد والمشروبات مثلا على العودة للعمل دون تحقيق مكاسب حقيقية. وقبلها لم تُجدِ المظاهرات والاحتجاجات، سواء في أوروبا أو غيرها في وقف أي من مشاهد الظلم، التي تملأ العالم وأقساها حرب الإبادة المتواصلة في غزة. *وهذا يؤكد فحوى مقالنا السابق عن «العالم المنفلت»، أو عالم «اللا نظام» الذي نعيش فيه. وهو أمر توضحه الصحفية البريطانية آش سركار في كتابها «حكم الأقلية»(2025)، وتقول فيه إن عالم اليوم يفقد كل الضوابط التي كانت موجودة قبل عقود قليلة. فمثلا: هذه الأيام، يبدو مفهوم الطبقة العاملة تقريبًا كشيء من الماضي. انخفضت عضوية النقابات العمالية بشكل حاد. كما اختفت مظاهر التضامن الجماعي. لكن لم يختفِ السخط، بل يتجلى الآن في شكل جرائم صغيرة وأعمال شغب عرقية». وهذه الفوضى حالة تريدها النُخب وأصحاب رأس المال، لزيادة الفرقة بين فئات الشعوب وتسهيل السيطرة عليها. وهذا المعنى تؤكده الصحفية الأمريكية تيسا لينا في أحدث مقالاتها بقولها: «عندما يتبادل الناس الأذى يكونون داعمين غير مباشرين للدولة العميقة». وهنا تتحقق فكرة مشابهة كثيرا لما سماه فريدريك إنجلز «الوعي الزائف» حيث يدفع تقاتل الطبقات الدنيا فيما بينها إلى ترسيخ حكم الأقلية الرأسمالية. * هنا يلاحظ تراجع منسوب الحرية والديمقراطية المستمر والمنتظم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أي منذ صدور رواية أورويل، وكأنهم بدؤوا تطبيقها حرفيا منذئذ. فمثلا، بعدما كان المسؤولون في الغرب يستقيلون لارتكابهم أبسط الأخطاء، بات هؤلاء أكثر تبجحا وتمسكا بمناصبهم حتى مع ارتكابهم جرائم حقيقية وليس مجرد أخطاء بسيطة، والأمثلة على ذلك كثيرة، من مرتكبي جريمة غزو أفغانستان والعراق، وحتى اليوم. وقد تعزز ذلك التوجه خصوصا نتيجة «الرعب المصنوع» منذ أحداث 11 سبتمبر، والذي بلغ مستويات خطيرة خلال ما سمي جائحة كورونا. وكان أبرز أضرار تلك الفترة اندثار شعار «الزبون دائما على حق»، وانتحار مفاهيم حرية الرأي وحرية التعبير واحترام كرامة الإنسان. إنه عالم يهدم كل القواعد والبروتوكولات التي كان مرعية من قبل. وهو عالم يبنيه ترامب بخطابه الشعبوي وتشكيكه في المؤسسات المحلية والدولية، وبتعزيزه القبضة الأمنية على الجميع. عالم يفتت كل إرث «نظام ويستفاليا»، وأهمه كيان الدولة المستقلة، ويدشن نظاما جديدا يسوده «اللا نظام». عالم ترتفع فيه الرسوم والأسعار بلا منطق، حد التعجيز، ويعيش فيه الناس في مدن مغلقة يسمونها «مدن الـ15 دقيقة»، ويقدم لهم طعام رديء بحصص محددة مثل السجون، تماما وفق نبوءات «1984». * اللافت هنا أنه بينما يقترب أعداء الإنسانية من إكمال أركان هذا العالم أو «القرية الصغيرة» التي يحكمونها بالحديد والنار، فإن سكان هذه القرية، بلا استثناء، ما يزالون يظنون أنهم أحرار في أحيائهم (دولهم) «المستقلة»، غافلين عما ينتظرهم. وبحسب نظرية «الارتداد الاستعماري» فإن المستعمر الظالم يرد ظلمه وطغيانه على شعبه عاجلا أو آجلا! ومن الجمل المأثورة في «1984»، قوله: «إن من الخطورة أن تبوح بأفكارك وأنت في مكان عام أو ضمن مدى شاشة الرصد». أنا سمعت هذا الكلام يتردد في زمننا الحالي في أمريكا وكندا، فمن منكم سمعه كذلك؟.
873
| 29 مارس 2025
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي،...
12510
| 27 يوليو 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن...
1983
| 01 أغسطس 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد،...
1878
| 29 يوليو 2026
ليس للحلم قيمة إن بقي حبيس الخيال، ولا...
1452
| 30 يوليو 2026
الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا...
1422
| 30 يوليو 2026
في كثير من المؤسسات تبدو الأمور واضحة على...
1359
| 29 يوليو 2026
تعمدت في المقال السابق ألا أجيب مباشرة عن...
1011
| 28 يوليو 2026
بعض الكتب تبقى على قيد الحياة طويلا لا...
858
| 28 يوليو 2026
تجاوز السيجار في المجتمعات الخليجية حدود كونه مجرد...
768
| 02 أغسطس 2026
هناك كلمة إذا نُطقت، اعتدل لها القلب قبل...
741
| 31 يوليو 2026
في كثير من المؤسسات، يُحال الموظف أو المسؤول...
732
| 27 يوليو 2026
حين تستثمر الدول في الكتاب، فهي لا تستثمر...
546
| 27 يوليو 2026
مساحة إعلانية