رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يبدو أننا سنضطر للعودة بين الحين والآخر إلى روايات الخيال العلمي والسياسي وأفلام هوليوود لمحاولة فهم ما يجري في العالم الآن وفي المستقبل. هذه المرة سنتوقف مجددا مع رواية جورج أورويل «1984»، الصادرة عام 1949، وتنبأ فيها، بعالم يشبه العالم الذي نعيش فيه الآن، بدرجة كبيرة. عالم التحكم الكامل في البشر والرقابة الشاملة لكل تحركاتهم وأفكارهم! فيما يسمى النظام العالمي الجديد، مع أن الأدق أن نقول «اللا نظام العالمي الجديد»؛ لماذا؟.
يقول جون سوير رئيس الاستخبارات السرية البريطانية «إم أي 6» بين عامي 2009 و2014، إن «التوجه الأمريكي الجديد بقيادة ترامب هو أكبر تغيير عالمي منذ أواخر الأربعينيات؛ عندما تعاونت أوروبا وأمريكا لبناء النظام العالمي في صورته الحالية، ويعمل ترامب، الآن، لهدمه، وتدشين عالم بلا ضوابط». ويضيف: «يبدو أن ترامب يفضل عالما للقوى العظمى، تتمتع فيه كل قوة عظمى بمجال نفوذ. وهذا هو عالم رواية «1984»، الذي تتنازعه 3 كتل استبدادية، اقتسمت الأرض بعد حرب عالمية، وتدور الأحداث في واحدة منها وهي أوشينيا (أمريكا وتوابعها)، حيث تتم السيطرة على البشر وعقولهم على طريقة أورويل».
* ويبدو أن هذا العالم، ثلاثي الأقطاب، يتشكل بالفعل مع تضخيم ترامب أهمية روسيا على حساب أوروبا، ومع إعجاب النخب الأمريكية بالنموذج الصيني الذي ستتاح له الفرصة للتطور فيما يبدو. وقد جاءت قرارات ترمب التنفيذية بإلغاء وزارة التعليم، وبرامج ثقافية عدة، منها قناة «الحرة»، لتضيف رتوشا جديدة في صورة العالم الاستبدادي الذي بشر به أورويل. ويرسخ صورة ذلك العالم أيضا التصرفات الاستبدادية للسلطات الأمريكية ليس فقط بحق أمثال الفلسلطيني محمود خليل، بل بحق مواطنين ألمان وكنديين وغيرهم، تتم إهانتهم وإيذاؤهم في المطارات الأمريكية. وهو عالم تتراجع فيه كل القوى المجتمعية وتنزوي أمام رأس المال المسعور، ولا تقف أمامه مظاهرات أو احتجاجات، ولا ثورات، ولا حتى إضرابات عمالية بعدما كانت تطيح بحكومات راسخة مثل حكومة إدوارد هيث في بريطانيا عام 1974. فقد انتهت إضرابات في كندا أواخر العام الماضي بلا نجاح يذكر، حيث أُجبر المضربون في قطاعي البريد والمشروبات مثلا على العودة للعمل دون تحقيق مكاسب حقيقية. وقبلها لم تُجدِ المظاهرات والاحتجاجات، سواء في أوروبا أو غيرها في وقف أي من مشاهد الظلم، التي تملأ العالم وأقساها حرب الإبادة المتواصلة في غزة.
*وهذا يؤكد فحوى مقالنا السابق عن «العالم المنفلت»، أو عالم «اللا نظام» الذي نعيش فيه. وهو أمر توضحه الصحفية البريطانية آش سركار في كتابها «حكم الأقلية»(2025)، وتقول فيه إن عالم اليوم يفقد كل الضوابط التي كانت موجودة قبل عقود قليلة. فمثلا: هذه الأيام، يبدو مفهوم الطبقة العاملة تقريبًا كشيء من الماضي. انخفضت عضوية النقابات العمالية بشكل حاد. كما اختفت مظاهر التضامن الجماعي. لكن لم يختفِ السخط، بل يتجلى الآن في شكل جرائم صغيرة وأعمال شغب عرقية». وهذه الفوضى حالة تريدها النُخب وأصحاب رأس المال، لزيادة الفرقة بين فئات الشعوب وتسهيل السيطرة عليها. وهذا المعنى تؤكده الصحفية الأمريكية تيسا لينا في أحدث مقالاتها بقولها: «عندما يتبادل الناس الأذى يكونون داعمين غير مباشرين للدولة العميقة». وهنا تتحقق فكرة مشابهة كثيرا لما سماه فريدريك إنجلز «الوعي الزائف» حيث يدفع تقاتل الطبقات الدنيا فيما بينها إلى ترسيخ حكم الأقلية الرأسمالية.
* هنا يلاحظ تراجع منسوب الحرية والديمقراطية المستمر والمنتظم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أي منذ صدور رواية أورويل، وكأنهم بدؤوا تطبيقها حرفيا منذئذ. فمثلا، بعدما كان المسؤولون في الغرب يستقيلون لارتكابهم أبسط الأخطاء، بات هؤلاء أكثر تبجحا وتمسكا بمناصبهم حتى مع ارتكابهم جرائم حقيقية وليس مجرد أخطاء بسيطة، والأمثلة على ذلك كثيرة، من مرتكبي جريمة غزو أفغانستان والعراق، وحتى اليوم. وقد تعزز ذلك التوجه خصوصا نتيجة «الرعب المصنوع» منذ أحداث 11 سبتمبر، والذي بلغ مستويات خطيرة خلال ما سمي جائحة كورونا. وكان أبرز أضرار تلك الفترة اندثار شعار «الزبون دائما على حق»، وانتحار مفاهيم حرية الرأي وحرية التعبير واحترام كرامة الإنسان. إنه عالم يهدم كل القواعد والبروتوكولات التي كان مرعية من قبل. وهو عالم يبنيه ترامب بخطابه الشعبوي وتشكيكه في المؤسسات المحلية والدولية، وبتعزيزه القبضة الأمنية على الجميع. عالم يفتت كل إرث «نظام ويستفاليا»، وأهمه كيان الدولة المستقلة، ويدشن نظاما جديدا يسوده «اللا نظام». عالم ترتفع فيه الرسوم والأسعار بلا منطق، حد التعجيز، ويعيش فيه الناس في مدن مغلقة يسمونها «مدن الـ15 دقيقة»، ويقدم لهم طعام رديء بحصص محددة مثل السجون، تماما وفق نبوءات «1984».
* اللافت هنا أنه بينما يقترب أعداء الإنسانية من إكمال أركان هذا العالم أو «القرية الصغيرة» التي يحكمونها بالحديد والنار، فإن سكان هذه القرية، بلا استثناء، ما يزالون يظنون أنهم أحرار في أحيائهم (دولهم) «المستقلة»، غافلين عما ينتظرهم. وبحسب نظرية «الارتداد الاستعماري» فإن المستعمر الظالم يرد ظلمه وطغيانه على شعبه عاجلا أو آجلا!
ومن الجمل المأثورة في «1984»، قوله: «إن من الخطورة أن تبوح بأفكارك وأنت في مكان عام أو ضمن مدى شاشة الرصد». أنا سمعت هذا الكلام يتردد في زمننا الحالي في أمريكا وكندا، فمن منكم سمعه كذلك؟.
خرافة التنوير الأوروبي.. سرقوا الهوية ثم الحضارة!
من الشائع والمعروف أن ما يسمى "الغرب" يحتفي بالعام 1492، على أنه بداية "العالم الحديث"، وبزوغ إرهاصات ما... اقرأ المزيد
510
| 25 يونيو 2026
خرافة التنوير الأوروبي!
أخطر فكرة في حكاية ما يسمى مسيرة الفكر الغربي كانت وما تزال هي فكرة "الانبعاث الذاتي" للتنوير. لماذا؟... اقرأ المزيد
351
| 17 يونيو 2026
النور علم!
يشَكَوتُ إِلى وَكِيعٍ سوءَ حِفظي فَأرشَدني إِلى تَركِ المَعاصي وأخبرني بِأنَّ العلمَ نـــــــــورٌ ونورُ اللّهِ لا يُهدى لِعـــاصي... اقرأ المزيد
612
| 27 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
15312
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3903
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3159
| 30 أكتوبر 2026