رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في بعض أدبيات العلوم السياسية يقولون إن كل رئيس عظيم (أمريكي طبعا) يجب أن تكون له حرب. أي أنه لكي يكون الرئيس عظيما يجب أن يقود بلاده في حرب. وحديثا، لم يعد مهما نوع الحرب، إذ لا يجب بالضرورة أن تكون عسكرية. قد تكون بيولوجية مثل «كورونا» أو اقتصادية مثل «الجمارك». وبالطبع تفسر هذه المقولة، العقلية التي تحكم المناخ السياسي الأمريكي، القائم أساسا على تقديم التصنيع العسكري والحشد المسلح بلا توقف. أسوق هذه المقدمة لأن كثيرين لا ينتبهون إلى أن جمارك ترامب هي حرب شاملة على البشر بمن فيهم الأمريكيون أنفسهم، وأنها لا تختلف كثيرا عن حرب الإبادة في غزة، وأن هذه وتلك مجرد معارك في حرب أشمل لا تتوقف رحاها يوما واحدا لإحكام السيطرة على العالم. وكنت تناولت هذا المعنى في مقالين أولهما بعنوان «الحرب العالمية الأبدية» بتاريخ 30 يناير 2024، والثاني بعنوان «حرب البعض ضد الكل، لا تستثني منكم أحدا» بتاريخ 17 سبتمبر 2024. وسواء كانت الإبادة بالقتل والتدمير في غزة ولبنان وسوريا واليمن، وغيرها، أو بالإفقار والتجويع والتشريد المنظم في كل مكان آخر تقريبا، فالهدف واحد وهو إنهاء عولمة التعاون الدولي وتحويلها إلى عولمة الهيمنة التامة والسيطرة الكاملة على مقدرات الشعوب. ونبقى مع معركة جمارك ترامب لنلاحظ أن الرواية السائدة الآن في معظم الدول منذ بدأ سياسته تلك تلعب على نغمة واحدة هي خفض وتقليص دولة الرفاه الكينزية، (نسبة إلى الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينيز- وهو اقترح في ثلاثينيات القرن الماضي، خلال فترة الكساد الكبير، تدخل الدولة لمساعدة شرائح المجتمع الفقيرة بمساعدات منتظمة مالية وعينية لتنشيط الاقتصاد، ثم سادت تلك الفكرة عقب الحرب العالمية الثانية). ويعني زوال دولة الرفاه تلك زيادة الضرائب وتقليص المعاشات وخفض المساعدات الإنسانية والاجتماعية للمعاقين ومحدودي الدخل، وعودة مجتمع الأسياد والرعاع. وفي الوقت نفسه يرتفع شعار واحد هو تعزيز الدفاع والاستعداد للحرب (العسكرية). وقد أصبح العالم فعليا فوق سطح صفيح ساخن، منذ أطلق الرئيس الأمريكي حربه تلك غير المدروسة وغير المنظمة جيدا. والدليل أن الجميع يرفضها حتى أن مجلس الشيوخ صوت تصويتا تاريخيا لتجاوز صلاحيات الرئيس وأوقف جماركه بشأن كندا، وسط معارضة متصاعدة لسياسة ترامب في الكونجرس. وبدليل آخر هو خروج الشعب الأمريكي في تظاهرات غير مسبوقة في كل الولايات الخمسين رفضا لها. وبات الكل في حالة تأهب لحرب تجارية أو ربما حتى عسكرية. ففي جميع أنحاء أوروبا تقريباً تتصاعد الدعوات لزيادة الإنفاق العسكري وإعادة التسلح. واقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، «خطة إعادة تسليح لأوروبا» تهدف إلى جمع ما يصل إلى 800 مليار يورو أو نحو ترليون دولار. والخطورة الحقيقية بالنسبة لنا نحن الشعوب هي أن هؤلاء السياسيين الأمريكيين أو نظراءهم في أوروبا وغيرها، يريدون تمويل تلك الحروب من جيوب الشعوب. فهذه برونوين مادوكس، مديرة مركز «تشاتام هاوس» البريطاني للأبحاث، تزعم في مقال بالفاينانشيال تايمز في فبراير الماضي وعقب مؤتمر ميونيخ الأمني، أن الإنفاق على الدفاع هو «أعظم منفعة عامة على الإطلاق»، لأنه ضروري لحماية «الديمقراطية». وتدعو المسؤولين السياسيين، بلا حياء ولا شفقة، لتمويل ذلك عبر خفض إعانات المرض، والمعاشات التقاعدية، والرعاية الصحية، وإقناع الناخبين بالتنازل عن بعض حقوقهم الاجتماعية، أي الهدم الكامل لدولة الرفاه. من جانبه يقول مارتن وولف، الخبير الاقتصادي، وفي الصحيفة ذاتها، أنه لتمويل الإنفاق الدفاعي فلا بد من رفع الضرائب، التي تعني مزيدا من الأعباء على المواطن في كل مكان. وكان من نتائج ذلك التحريض أن أعلنت وزيرة المالية البريطانية راشيل ريفز، استقطاعات كبيرة من ميزانية المساعدات الاجتماعية، وخفض الإنفاق على إعانات الأطفال ومخصصات الشتاء لكبار السن وإعانات الإعاقة، لتوجيه الفائض للاستثمار في قطاع الدفاع. وفي كندا لا يتوقف الحديث منذ سنوات عن ضرورة خفض الإنفاق الاجتماعي، وخصوصا ميزانية المساعدات الاجتماعية، حتى بعيدا عن أحاديث الحرب. أما في الولايات المتحدة فحدث ولا حرج. فقد عمدت إدارة ترامب فعليا إلى تسريح آلاف من موظفي وكالة المساعدات الاجتماعية قاصدة تقليص حجم الخدمات المقدمة لمحدودي الدخل والمعاقين، وسط حالة من الغضب والاستياء العام. غير أن هذه السياسات المثيرة للشك والريبة في نوايا أولئك المسؤولين تدعو للتساؤل عن المستفيد من هذه الحروب المفتعلة. وبلا عناء سنجد أنه يأتي في صدارة المستفيدين، جميع الشركات الكبرى التي ستستفيد بالقطع من زيادة الأسعار التي ستتسبب فيها الجمارك. ومن ذلك قطاعات الصناعات التحويلية، ومنها المصانع المحلية الكبيرة والمجموعات الصناعية التي طالبت بإجراءات حمائية. وبحسب موقع مراقبة السوق (Market Watch) أعلنت شركات تعدين عدة منها «U.S. Steel» و»Nucor Corporation» عن زيادة أرباحها بعد تطبيق الرسوم الجديدة. *القصة وما فيها أن عقيدة أصحاب رأس المال هي أن كل المال في العالم هو من حقهم وحدهم وأنه حان الوقت لجمعه ووقف صرفه عن كل من يرون أنه لا يستحق. وهذه بحد ذاتها ترينا كيف يمكن أن يكون شكل الحياة تحت حكومة عالمية يتزعمها هؤلاء؛ لا شك أن «عالم أورويل» سيكون جنة مقارنة بها.
891
| 12 أبريل 2025
يبدو أننا سنضطر للعودة بين الحين والآخر إلى روايات الخيال العلمي والسياسي وأفلام هوليوود لمحاولة فهم ما يجري في العالم الآن وفي المستقبل. هذه المرة سنتوقف مجددا مع رواية جورج أورويل «1984»، الصادرة عام 1949، وتنبأ فيها، بعالم يشبه العالم الذي نعيش فيه الآن، بدرجة كبيرة. عالم التحكم الكامل في البشر والرقابة الشاملة لكل تحركاتهم وأفكارهم! فيما يسمى النظام العالمي الجديد، مع أن الأدق أن نقول «اللا نظام العالمي الجديد»؛ لماذا؟. يقول جون سوير رئيس الاستخبارات السرية البريطانية «إم أي 6» بين عامي 2009 و2014، إن «التوجه الأمريكي الجديد بقيادة ترامب هو أكبر تغيير عالمي منذ أواخر الأربعينيات؛ عندما تعاونت أوروبا وأمريكا لبناء النظام العالمي في صورته الحالية، ويعمل ترامب، الآن، لهدمه، وتدشين عالم بلا ضوابط». ويضيف: «يبدو أن ترامب يفضل عالما للقوى العظمى، تتمتع فيه كل قوة عظمى بمجال نفوذ. وهذا هو عالم رواية «1984»، الذي تتنازعه 3 كتل استبدادية، اقتسمت الأرض بعد حرب عالمية، وتدور الأحداث في واحدة منها وهي أوشينيا (أمريكا وتوابعها)، حيث تتم السيطرة على البشر وعقولهم على طريقة أورويل». * ويبدو أن هذا العالم، ثلاثي الأقطاب، يتشكل بالفعل مع تضخيم ترامب أهمية روسيا على حساب أوروبا، ومع إعجاب النخب الأمريكية بالنموذج الصيني الذي ستتاح له الفرصة للتطور فيما يبدو. وقد جاءت قرارات ترمب التنفيذية بإلغاء وزارة التعليم، وبرامج ثقافية عدة، منها قناة «الحرة»، لتضيف رتوشا جديدة في صورة العالم الاستبدادي الذي بشر به أورويل. ويرسخ صورة ذلك العالم أيضا التصرفات الاستبدادية للسلطات الأمريكية ليس فقط بحق أمثال الفلسلطيني محمود خليل، بل بحق مواطنين ألمان وكنديين وغيرهم، تتم إهانتهم وإيذاؤهم في المطارات الأمريكية. وهو عالم تتراجع فيه كل القوى المجتمعية وتنزوي أمام رأس المال المسعور، ولا تقف أمامه مظاهرات أو احتجاجات، ولا ثورات، ولا حتى إضرابات عمالية بعدما كانت تطيح بحكومات راسخة مثل حكومة إدوارد هيث في بريطانيا عام 1974. فقد انتهت إضرابات في كندا أواخر العام الماضي بلا نجاح يذكر، حيث أُجبر المضربون في قطاعي البريد والمشروبات مثلا على العودة للعمل دون تحقيق مكاسب حقيقية. وقبلها لم تُجدِ المظاهرات والاحتجاجات، سواء في أوروبا أو غيرها في وقف أي من مشاهد الظلم، التي تملأ العالم وأقساها حرب الإبادة المتواصلة في غزة. *وهذا يؤكد فحوى مقالنا السابق عن «العالم المنفلت»، أو عالم «اللا نظام» الذي نعيش فيه. وهو أمر توضحه الصحفية البريطانية آش سركار في كتابها «حكم الأقلية»(2025)، وتقول فيه إن عالم اليوم يفقد كل الضوابط التي كانت موجودة قبل عقود قليلة. فمثلا: هذه الأيام، يبدو مفهوم الطبقة العاملة تقريبًا كشيء من الماضي. انخفضت عضوية النقابات العمالية بشكل حاد. كما اختفت مظاهر التضامن الجماعي. لكن لم يختفِ السخط، بل يتجلى الآن في شكل جرائم صغيرة وأعمال شغب عرقية». وهذه الفوضى حالة تريدها النُخب وأصحاب رأس المال، لزيادة الفرقة بين فئات الشعوب وتسهيل السيطرة عليها. وهذا المعنى تؤكده الصحفية الأمريكية تيسا لينا في أحدث مقالاتها بقولها: «عندما يتبادل الناس الأذى يكونون داعمين غير مباشرين للدولة العميقة». وهنا تتحقق فكرة مشابهة كثيرا لما سماه فريدريك إنجلز «الوعي الزائف» حيث يدفع تقاتل الطبقات الدنيا فيما بينها إلى ترسيخ حكم الأقلية الرأسمالية. * هنا يلاحظ تراجع منسوب الحرية والديمقراطية المستمر والمنتظم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أي منذ صدور رواية أورويل، وكأنهم بدؤوا تطبيقها حرفيا منذئذ. فمثلا، بعدما كان المسؤولون في الغرب يستقيلون لارتكابهم أبسط الأخطاء، بات هؤلاء أكثر تبجحا وتمسكا بمناصبهم حتى مع ارتكابهم جرائم حقيقية وليس مجرد أخطاء بسيطة، والأمثلة على ذلك كثيرة، من مرتكبي جريمة غزو أفغانستان والعراق، وحتى اليوم. وقد تعزز ذلك التوجه خصوصا نتيجة «الرعب المصنوع» منذ أحداث 11 سبتمبر، والذي بلغ مستويات خطيرة خلال ما سمي جائحة كورونا. وكان أبرز أضرار تلك الفترة اندثار شعار «الزبون دائما على حق»، وانتحار مفاهيم حرية الرأي وحرية التعبير واحترام كرامة الإنسان. إنه عالم يهدم كل القواعد والبروتوكولات التي كان مرعية من قبل. وهو عالم يبنيه ترامب بخطابه الشعبوي وتشكيكه في المؤسسات المحلية والدولية، وبتعزيزه القبضة الأمنية على الجميع. عالم يفتت كل إرث «نظام ويستفاليا»، وأهمه كيان الدولة المستقلة، ويدشن نظاما جديدا يسوده «اللا نظام». عالم ترتفع فيه الرسوم والأسعار بلا منطق، حد التعجيز، ويعيش فيه الناس في مدن مغلقة يسمونها «مدن الـ15 دقيقة»، ويقدم لهم طعام رديء بحصص محددة مثل السجون، تماما وفق نبوءات «1984». * اللافت هنا أنه بينما يقترب أعداء الإنسانية من إكمال أركان هذا العالم أو «القرية الصغيرة» التي يحكمونها بالحديد والنار، فإن سكان هذه القرية، بلا استثناء، ما يزالون يظنون أنهم أحرار في أحيائهم (دولهم) «المستقلة»، غافلين عما ينتظرهم. وبحسب نظرية «الارتداد الاستعماري» فإن المستعمر الظالم يرد ظلمه وطغيانه على شعبه عاجلا أو آجلا! ومن الجمل المأثورة في «1984»، قوله: «إن من الخطورة أن تبوح بأفكارك وأنت في مكان عام أو ضمن مدى شاشة الرصد». أنا سمعت هذا الكلام يتردد في زمننا الحالي في أمريكا وكندا، فمن منكم سمعه كذلك؟.
981
| 29 مارس 2025
بعد المهانة الكبيرة التي تعرض لها الرئيس الأوكراني زيلينيسكي على يد الرئيس الأمريكي ترامب، أحسب أن رؤساء دول نامية كثيرة باتوا يضربون أخماسا بأسداس في محاولة إيجاد تكتيكات لمواجهة عاصفة الانفلات من أي قواعد أو بروتوكولات تعارف عليها المجتمع الدبلوماسي على مدى القرون الأخيرة. فما نشهده الآن هو التطبيق الحرفي فعليا ولكن بشراسة كبيرة لنظرية «البقاء للأقوى» ولكن على مستوى الدول، وبدون حروب. ففي ساحة السياسة الدولية، التي باتت بالغة التعقيد، يأتي ترامب، الذي «تم اختياره بعناية» لهذه المرحلة، ليطبق النظرية. * فقد قدمت رئاستا ترامب-1 وترامب-2، اللتان تتميزان بتكتيكاته المفاجئة والعدوانية، تحديات غير مسبوقة للقادة حول العالم، وخاصة رؤساء الدول النامية. وبالنسبة لرئيس دولة، وخاصة نامية، فإن اجتياز هذا المشهد يتطلب مزيجًا من الدبلوماسية الإستراتيجية، والمرونة الاقتصادية، والقيادة المبتكرة، لضمان حفظ سيادة وطنه ووجوده، خاصة بعدما ألمح ترامب إلى احتمال اختفاء دول من الوجود. وهذا يتطلب فهم تكتيكات ترامب، التي تتلخص في أنها خارجة عن العرف الدبلوماسي وأقرب إلى أيديولوجيا غير دبلوماسية وفق ما أشارت تقارير عدة في الفترة الأخيرة. ومن ذلك اتباعه سياسة خارجية متقلبة وغير متوقعة لإرباك ضحاياه، والمطالبة بأمور خارجة عن الحسبان والمنطق وحتى عن التنفيذ، ثم تصعيد الضغوط باستخدام التهديدات الاقتصادية، كالعقوبات والتعريفات الجمركية، لإجبار الدول على الامتثال. بعد ذلك يلجأ للدبلوماسية العامة، أي استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتصريحات العامة لزيادة الضغط وتشكيل المواقف والتنصل منها بعيدا عن الشكل المعروف لسياسات الدول. وتاليا يلجأ إلى المفاوضات الثنائية والصفقات الفردية بدلا من الاتفاقيات متعددة الأطراف إعمالا لمبدأ فرق تسد. * وعلى مستوى الكلام الأكاديمي يمكن القول إن هذه تكتيكات لا يمكن التصدي لها في ظل موازين القوى الحالية إلا بتعزيز التحالفات الإقليمية القوية. فمن خلال التعاون مع الدول المجاورة والتكتلات الإقليمية، يمكن لرئيس دولة نامية ماهر تشكيل جبهة موحدة. فعاصفة ترامب لا يكفيها رئيس واحد ماهر، بل هي تحتاج إلى تكاتف دول عدة ووقوفها وقفة واحدة. ومن ثم يمكن لقوة التفاوض الجماعية أن تخفف من تأثير العقوبات الاقتصادية والتعريفات الجمركية «الترامبية». وانطلاقا من نموذج كندا التي وضعت معظم بيضها (صادراتها) في سلة أمريكا يتضح أن الاعتماد المفرط على شريك اقتصادي واحد يكون دائما محفوفًا بالمخاطر. *وفي مواجهة محاولات ترامب المتكررة لتجاوز المؤسسات الدولية، يجب التمسك بهذه المنصات لأنها توفر للدول النامية الملاذ الأخير للحصول على الدعم والتأييد، حتى برغم سيطرة الولايات المتحدة على نسبة كبيرة من مقدرات صناعة القرار في تلك المؤسسات. ولو كنت رئيسا لتحصنت بكل ما يتوفر من مرونة دبلوماسية لمواجهة مفاجآت ترامب. فالرئيس الماهر هو من يستطيع قراءة المواقف، وتوقع الخطوات، والرد بسرعة. وهذا لا يتحقق إلا ببناء جهاز دبلوماسي نشط والانخراط في مفاوضات سرية لإدارة الأزمة وإيجاد أرضية مشتركة. * وهنا يجب الاهتمام بتسليط الضوء على الآثار اللاأخلاقية للتكتيكات العدوانية الترامبية. ففي عصر المعلومات، يصبح التحكم في عرض المواقف والآراء أمرا بالغ الأهمية، وهذا ما يفعله ترامب شخصيا من خلال تويتر (X) ومن خلال منصته الشبيهة. لذلك لو كنت رئيس دولة نامية لبادرت إلى استخدام وسائل التواصل الإستراتيجي لمواجهة الصور السلبية والمعلومات المضللة التي يروجها ترامب وقبيله. ويمكن لوسائل التواصل، والصحافة الحرة، ومبادرات الدبلوماسية العامة أن تساعد في تشكيل صورة عالمية إيجابية لكسب الدعم الدولي في مواجهة حملات التشويه والترهيب «الترامبية». * أما على مستوى دبلوماسية القوة والرأس بالرأس، فهناك نماذج عدة يمكن تطبيقها. فلو كنت رئيسا لفعلت مثلما فعلت كندا الجارة الضعيفة عسكريا نسبيا، إذ هددت بإغراق أمريكا في الظلام بوقف تزويد عدد من ولاياتها بالكهرباء. وبدأت خطوات لتعزيز تعاملاتها مع اقتصادات بديلة، مثل الصين والهند، لتوفير أسواق بديلة. أو كما فعلت اليابان التي فرضت رسوما جمركية بمقدار 700 % على الأرز الأمريكي. كما أن في نموذج كوبا مثالا كافيا على كيفية تعامل دول نامية مع تحديات العقوبات الأمريكية طويلة المدى. ولو كنت رئيسا لأخذت بنصيحة «الإيكونوميست» التي دعت رؤساء الدول الحليفة لأمريكا إلى «الاسترجال» في مواجهة ترامب، أي التصدي بقوة وجرأة لتهديداته. * ربما تبدو سياسة ترامب تحديا كبيرا، إلا أن التصدي لها ليس مستحيلا. لكن أساليب المواجهة تلك لن تجدي من دون فهم الأساس العقائدي والخط التنظيري الذي يعمل وفقه ترامب وفريقه وهو خط أشرت إليه سابقا بحديثي عن نظريات «أنبياء العولمة» ومنهم أنتوني جيدينز، والذي يوصف، في الغرب طبعا، بأنه أهم عالم اجتماع خلال العقود الخمسة الماضية. وقد بشرنا بأننا نعيش في «عالم منفلت» في كتاب بنفس العنوان عام 2000. ففي ضوء تلك النظرية يصبح من الطبيعي أن يقود العالم المنفلت رئيس أو زعيم منفلت أيضا، ولو كنت رئيسا لتعاملت معه بقدر مناسب من الانفلات. وأحسب أن من يديرون المشهد من خلف ستار ترامب إما مبتدئون تعوزهم الخبرة أو أشرار منفلتون مثله يريدون إحداث أكبر قدر من الفوضى، وربما الحروب، في العالم لأسباب لا شك ستكشفها الأيام.
963
| 23 مارس 2025
منذ عودته إلى البيت الأبيض رئيسا، والعالم يبدو في حالة حرب أو مقبل عليها. ومظاهر ذلك كثيرة، تمثل بعضها في انسحاباته المتتالية من منظمات واتفاقيات دولية، وتخليه عن مساندة أوكرانيا في حربها مع روسيا، وقراراته الانفرادية بفرض رسوم جمركية مبالغ فيها حتى على أقرب أصدقاء أمريكا وليس على منافسيها فقط. ومع هذه الأخيرة نتوقف لنقول إن سياسات جمارك الرئيس ترمب تمثل نهجًا مضللًا في التجارة، كونها تعطي الأولوية للمكاسب السياسية قصيرة الأجل على حساب الاستقرار الاقتصادي طويل الأجل. فمن خلال رفع الأسعار، وإشعال الحروب التجارية، وتعطيل سلاسل التوريد، وتخريب العلاقات الدولية سيلحق الضرر بالمستهلكين والشركات والاقتصاد العالمي ككل. في الفترة الأخيرة، أصبح مصطلح "جمارك ترمب" مرادفًا لسياسة تجارية حمائية تفضل الرسوم الجمركية والحواجز التجارية على حساب التجارة الحرة والعادلة عالميًا. ورغم أن الهدف من هذه السياسات قد يكون حماية الصناعات المحلية والوظائف، كما يقول ترمب ومساعدوه، فإن الواقع يشير إلى أنها غالبًا ما تسبب أضرارًا تفوق فوائدها. والأغلب أنه ستكون لهذه السياسات عواقب بعيدة المدى، ليس فقط على الولايات المتحدة، ولكن أيضًا على الاقتصاد العالمي بأسره. وإليكم الأسباب. - الرسوم الجمركية تضر بالشركات وبالمستهلكين: من المؤكد أن أول التأثيرات المباشرة لجمارك ترمب سيكون ارتفاع الأسعار على المستهلكين. وقد شهدنا تداعيات ذلك خبرا عن أن الأمريكيين العائدين من كندا يهربون معهم عبوات البيض بسبب ارتفاع أسعاره في أمريكا! وبالإضافة إلى تسبب هذه السياسات في عمليات تسريح للعمال وتقليل الاستثمارات في الابتكار فالرسوم الجمركية على واردات مثل الفولاذ والألمنيوم والإلكترونيات تعني زيادة الضرائب على المستهلكين الأمريكيين. فعندما ترتفع تكلفة المواد الخام، تقوم الشركات بفرض الزيادة على المستهلكين، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بلا توقف. وهذا يؤثر بشكل غير منطقي على الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط التي تنفق مزيدا من دخلها على الضروريات. - ردود الفعل الانتقامية من الشركاء التجاريين: الطبيعي أن تؤدي جمارك ترمب إلى إجراءات انتقامية من قبل الدول الأخرى، مما يخلق حربًا تجارية تضر بالنمو الاقتصادي العالمي. فعلى سبيل المثال، عندما فرضت الولايات المتحدة رسومًا جمركية على السلع الصينية، ردت الصين بفرض رسوم على المنتجات الزراعية الأمريكية مثل فول الصويا واللحوم، مما تسبب في خسائر فادحة للمزارعين الأمريكيين الذين فقدوا أحد أكبر أسواق التصدير لديهم. وبالمثل، فرض الاتحاد الأوروبي وكندا رسومًا جمركية انتقامية على السلع الأمريكية، مما زاد من عزلة الشركات الأمريكية عن الأسواق الرئيسية. - الإضرار بالعلاقات الدولية: ومن نافلة القول، إذن، أن ذلك يؤدي إلى تقويض استقرار النظام التجاري العالمي وإضعاف الثقة بين الدول. فالتجارة ليست مجرد مسألة اقتصادية؛ بل تتعلق أيضًا بالدبلوماسية. وبفرض تعريفات جمركية أحادية الجانب وتجاهل الاتفاقيات التجارية الدولية، تتسبب الولايات المتحدة في عزل حلفائها الرئيسيين وإضعاف موقعها على الساحة العالمية. وهذا النهج يقوض النظام الدولي القائم على القواعد والأسس المعمول بها منذ الحرب العالمية الثانية. وهذه العزلة ستقوض قدرة الولايات المتحدة على القيادة والتعاون بشأن القضايا الدولية المهمة، مثل المناخ والأوبئة والسلام العالمي. - تقويض سلاسل التوريد العالمية: وفي عالم اليوم شديد الترابط، تعتمد سلاسل التوريد على مكونات ومواد من دول متعددة لإنتاج السلع بكفاءة وبتكلفة معقولة. لكن جمارك ترمب ستعمل على تعطيل هذه السلاسل من خلال خلق حالة من عدم اليقين وزيادة التكاليف. مثلا: أجبرت الرسوم الجمركية على الإلكترونيات الصينية الشركات على إعادة التفكير في سلاسل التوريد الخاصة بها، وغالبًا ما يكون ذلك بتكاليف باهظة. وهذا التعطيل لا يضر بالشركات فحسب، بل يؤدي أيضًا إلى تأخير تسليم المنتجات إلى المستهلكين. - عدم فعالية الرسوم الجمركية في معالجة اختلال التوازن التجاري: يتذرع مؤيدو جمارك ترمب بأن الرسوم الجمركية ضرورية لمعالجة اختلال التوازن التجاري وحماية الوظائف الأمريكية. ومع ذلك، تشير الأدلة إلى عكس ذلك. فالعجز التجاري ليس بالضرورة أمرًا ضارًا، بل غالبًا ما يعكس اقتصادًا محليًا قويًا يتمتع بطلب استهلاكي مرتفع. علاوة على ذلك، فإن الرسوم الجمركية لا تعالج الأسباب الجذرية لاختلال التوازن التجاري، مثل الفروقات في تكاليف العمالة والإنتاجية. - مكاسب سياسية قريبة وأضرار اقتصادية طويلة الأجل: على الرغم من أن الرسوم الجمركية قد تفيد ترمب سياسيا على المدى القريب كونها توفر فوائد قصيرة الأجل لبعض الصناعات، إلا أنها ستكون على حساب النمو الاقتصادي العالمي طويل الأجل. فالسياسات الحمائية تعيق الابتكار والكفاءة من خلال حماية الصناعات المحلية من المنافسة. وعلى المدى الطويل، يؤدي ذلك إلى الركود وفقدان القدرة التنافسية في السوق العالمية. فحالة عدم اليقين الناتجة عن مفاجآت ترمب تضعف الرغبة في الاستثمار، على المستويين المحلي والدولي. فالمستثمرون الخائفون أقل ميلًا للاستثمار في مشاريع جديدة أو توسيع عملياتهم. والخلاصة أن المتضرر الحقيقي من كل ذلك هو المستهلك المحلي في كل مكان، وخاصة في أمريكا حيث يزعم ترمب أنه يعمل لمصلحته. وبدلًا من الرسوم الجمركية الجزافية تلك، فإن النهج الأكثر فاعلية هو الاستثمار في التعليم والبنية التحتية والابتكار لجعل الصناعات الأمريكية أكثر قدرة على المنافسة عالميًا. فسياسات ترمب ليست سوى حل مؤقت لن يحل المشكلات الأساسية. ولننتظر وسنرى.
909
| 11 مارس 2025
"المرشح المنشوري"، مصطلح يعني "العميل المندس"، سواء كان رئيسا، أو مرشحا رئاسيا، أو أقل من ذلك. وقد دخل عالم السياسة الأمريكية من باب الأدب والسينما، كما جرت العادة منذ عقود بعيدة، منذ أصبحت هوليود هي "صانعة المستقبل" الأمريكية. وتعود قصة ظهوره إلى رواية مثيرة بهذا العنوان أصدرها ريتشارد كوندون في عام 1959. تحكي الرواية قصة جندي أمريكي يتم أسره في منشوريا، أثناء الحرب الكورية وتغسل دماغه من قبل عملاء صينيين وسوفييت. وعند عودته لبلده، يستخدمه الشيوعيون لاغتيال مرشح رئاسي أمريكي حتى يفوز منافسه بأغلبية ساحقة وفق خطة لإحلال دكتاتورية شيوعية صينية في الولايات المتحدة. ورغم النقد الحاد الذي تعرضت له الرواية وترشيحها لقائمة "أفضل أسوأ الروايات"، فقد تحولت إلى فيلم مرتين كان الأول في أوائل الستينيات من إخراج جون فرانكنهايمر وبطولة فرانك سيناترا. ونظرا لحساسية الموضوع وقتها تدخل الرئيس الراحل جون كينيدي، وكان صديقا لسيناترا، للتصريح بتصويره. وفي عام 2004، أنتج فيلم جديد لنفس القصة، من بطولة دينزل واشنطن وإخراج جوناثان ديمي، ليقدم شخصية العميل في دور ممثل أمريكي يترشح لمنصب نائب الرئيس ويتم التحكم في عقله باستخدام تقنية النانو. وهنا بدأ مصطلح "المرشح المنشوري" في الانتشار، وأصبح إطلاقه يعني اتهام سياسي في منصب أو مرشح لمنصب بأنه مغسول الدماغ من قبل جهة أجنبية. وقد اتُهم مسؤولون أمريكيون عدة قبل ذلك بأنهم "مرشحون منشوريون"، ومنهم كيسنجر وبوش الابن، واتهمت صحف ومجلات منها "ذي أتلانتيك" و"هافينغتون بوست" و"فانيتي فير"، الرئيس ترامب بأنه مرشح منشوري. والحقيقة أن تراجع دور الرئيس وتسفيهه يعود إلى سبب رئيسي بسيط رغم خطورته، ألا وهو أن الرئيس مجرد واجهة لقوى خفية، كما ذكر كارل ماركس في المانيفيستو الشيوعي، حيث صدق وهو كذوب. ولما كان الصهاينة هم المكون الرئيسي لتلك القوى الخفية سنجد أن دعم اليهود وإسرائيل هو الهاجس الأكبر لهم ولكل عملائهم و"دُماهم" التي يأتون بها لتمثيل دور الرئيس بدلا عنهم، مؤقتا، وحتى حين. ولا يهم كثيرا ما يفعله الرئيس "الدمية" أو كيف يبدو للعالم، فهو في النهاية ينفذ ما يُملى عليه من تلك القوى. ولم يشبه تنحي نيكسون المخزي في التاريخ الأمريكي، مع الاختلاف، إلا حدثان مماثلان مع الرئيسين السابقين أندرو جونسون، 1865 الى 1869، حيث كان نائبا لأبراهام لينكون وخلفه بعد اغتياله، وبيل كلينتون، 1992 إلى 2000، وفي الحالتين أدانهما مجلس النواب وبرأهما مجلس الشيوخ ولم تكتمل عملية الإقالة. لذلك كانت استقالة نيكسون الأولى من نوعها وكسرت هيبة الرئاسة والرئيس. ولم يسلم رئيس بعد ذلك من التقزيم والتقليل من شأنه مهما بلغ من القدرة وتحقيق الإنجارات. فقد قيل عن جيرالد فورد الذي كان نائبا لنيكسون وخلفه رئيسا لبقية ولايته الثانية أنه كان ضعيفا ولم تتم إعادة انتخابه. وفي انتخابات عام 1977 خسر فورد أمام جيمي كارتر الذي وصف بدوره بأنه كان رئيسا ضعيفا. والحق أن السبب وراء إظهار كارتر بتلك الصورة كان عدم رضا القوى الخفية عن دوره في معاهدة السلام لعام 1978، وهو الذي استمر في مواقفه الناقدة للصهيونية حتى وفاته أخيرا. بعد ذلك بدأ السيرك الحقيقي للرؤساء، ليس في الولايات المتحدة فقط ولكن في أماكن أخرى مثل الاتحاد السوفيتي السابق وروسيا. فقد شاهدنا في فترات متقاربة كلا من الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان والرئيس السوفيتي السابق ميخائيل غورباتشوف وفي روسيا الرئيس الأسبق بوريس يلتسين. الأول ممثل سابق بدا للكثيرين طول الوقت وكأنه يمثل أحد أدواره السينمائية. والثاني رئيس فقد هيبته بما وصف بأنه كان تمثيلية لخطفه ثم إطلاق سراحه في لعبة كبيرة انتهت بانهيار الاتحاد السوفيتي كله. والثالث "يلتسين"، سكير اشتهر برقصه كدب فاقد للوعي أمام العامة. وبالطبع لم يقف الأمر عند الدول الكبيرة، فرؤساء دول أخرى نالوا حظهم من الإهانة والتقزيم، فصاروا ينعتون في وسائل إعلام الغرب، المسيطر عليها صهيونيا، بأوصاف لا تليق بحكام دول. وصار بعضهم يطارد ويعتقل، وبعضهم يدان بالإرهاب وهكذا. وما دام سيرك الرؤساء المنشوريين منصوبا فيسهل تمرير كل شيء في غفلة الجماهير، من زيادة أسعار إلى نشر أوبئة، إلى افتعال حروب، وكل ما يمكنهم في إطار صناعة الكفر.
1548
| 26 فبراير 2025
بداية، من يعتقد أن ترمب مجنون، أو منفلت، أو يتصرف من عند نفسه، فعليه هو أن يختبر قواه العقلية. ومن يظن أن العرب كيان واحد يمكن مخاطبته ودعوته للاستيقاظ والتصدي لترمب فحالته، بلا شك، أسوأ من الأول. ومن يبتلع كذبة أن ترمب يحارب الدولة العميقة، فوضعه بالتأكيد أسوأ من سابقيه. أما من ينتظر معجزة إلهية فهذا ميئوس من حالته. القصة باختصار أن «ترمب-2»، قادم لاستكمال خطة سياسية واقتصادية، ليست خطته وإنما هو مجرد مكمل لها كما ذكرت في المقال السابق. لذلك، فمن يظن أن هناك أي فارق بين ترمب وبايدن مثلا، فلا يقربن مجلسنا هذا. الكل يسير وفق تلك الخطة وينفذ فيها مراحل وأجزاء تباعا، بحسب تغير المعطيات والظروف. منذ عقود والحديث يدور بأن «الحاكم الأمريكي» أو من يمثله، يضع في كثير من الدول لجان توجيه أو «حكومات ظل» توجه أجهزتها التنفيذية وفق ما يريده ذلك الحاكم وليس وفق مصلحة تلك الدول. الآن جاء دور أمريكا ذاتها لتنال نصيبها من ذلك، وتقام فيها حكومة ظل مماثلة، تتمثل في الكيان الرقابي الذي شكله ترمب ويختصر مسماه بحروف ((DOGE أو «د و ج إ»، ولنسميه (دوجي) ويتولى رئاسته إيلون ماسك، وما أدراك ما إيلون ماسك! في تقرير حديث تقول الكاتبة الأمريكية كاثرين أوستن فيتس، إن ترمب يسابق الزمن لتأسيس شبكة تَحَكُّمٍ رقمية عالمية، (الحكومة العالمية) من خلال عدة خطوات أهمها تعميم العملات الرقمية ونقل السيطرة المالية إلى مسؤولي المصارف المركزية. وتوضح أن استيلاء «دوجي» على أنظمة الدفع في وزارة الخزانة، تزامنت مع عملية «تفنيشات» بالآلاف في أجهزة الخدمة المدنية، بهدف إنهاء سيطرة الكونجرس على السياسات والتدفقات المالية. وهذا يمنح بنك الاحتياطي الفيدرالي، ووكلاءه، السيطرة الكاملة على الجانب المالي، أو «روح الحياة». وبهذا، عمليًا، يحل ماسك وفريقه- بالإضافة إلى أي شركات خاصة وجهات أجنبية تتبعه- محل الجهاز التنفيذي والكونجرس، الذي ألغاه ترمب فعليا بـ»الأوامر التنفيذية» التي تجعله، ظاهريا، الحاكم بأمره. دفع ذلك مراقبين وصحفا عدة بينها «ناشيونال انترست» للتساؤل عمن يحكم أمريكا حقا، أو عما إذا كانت الرئاسة مشتركة! وخاصة في ضوء تلاسن حاد بين أصدقاء ترمب ومنهم ستيف بانون، وبين ماسك وطاقم وادي السيليكون، والتلميح بأن وضعه الآن كرئيس «دوجي»، وانفراده بإصدار قرارات، بعيدا عن الدستور والقانون، يجعل من الأدق تسميته «الرئيس ماسك». وأيد موقع «إنترسيبت» ذلك قائلا إن ما يحدث ليس تحسينا لأداء الحكومة ولكن «استيلاء على الحكومة». وترى فيتس أن ما يجري هو الخطوات النهائية نحو تنفيذ عملية انقلاب مدروس على سلطة الشعب الأمريكي من خلال سيطرة «الرئيس» ماسك ووادي السيليكون على كل قواعد بيانات جميع الأجهزة والمؤسسات الحكومية والحساسة في الولايات المتحدة، بما فيها الاستخبارات ووزارة الدفاع. هذه الفوضى جعلت الكاتب السويدي مالكوم كايون يشبهها بأجواء ما قبل الثورة الفرنسية، «حيث لا يشعر الناس بأن الامبراطورية تعمل من أجلهم». فوسط الفوضى التي افتعلها ترمب في الفترة الماضية، داخليا وخارجيا، يمكن تمرير كل الأفكار والأوضاع المستحيل مرورها في الظروف الطبيعية. وعن ذلك تقول زاني مينتون بيدوز رئيسة تحرير الإيكونوميست «إن ترمب وفي ظرف ثلاثة أسابيع فقط من حكمه أطاح بكل قواعد الجغرافيا السياسية» في العالم. والقادم أسوأ. وهنا تؤكد فيتس ما ذكرتُه آنفا بقولها: «على الرغم من الفوضى الظاهرة، فإن الخطة التي يتم تنفيذها استراتيجية للغاية وقد كانت «محل تخطيط لفترة طويلة». وخلف الضباب الذي يحيط بـ»حرب ستأكل الأخضر واليابس»، هناك عملية بناء شبكة تحكم عالمية بسرعة عالية، لتحقيق «الانقلاب». وهذا وسط تحذيرات متواصلة من كايون وغيره بأن أمريكا ومعها الغرب يتجهون نحو انهيار كارثي. ومن بنود تلك الخطة تعميم تطبيق نظام الهوية الرقمية ويسمونها «الهوية الحقيقية»، والجمع بينها وبين البيانات البيومترية (البيولوجية). وتعميم مبادرة «ستارغيت»، الترمبية للذكاء الصناعي، لبناء مراكز بيانات كافية لدعم شبكة تحكم كاملة ونظام نقدي رقمي بالكامل. وتكثيف برنامج حقن «ستارغيت إم ار إن إيه» بما يكفي لتنفيذ خطة «إنترنت الأجساد» واستمرار خفض متوسط أعمار البشر، من خلال اللقاحات. وبتنفيذ خطة «إنترنت الأجساد» تكون الساحة جاهزة لتنفيذ نموذج يحاكي «نظام الائتمان الاجتماعي» الصيني، الذي يعاقب فيه المواطن أو يثاب بحسب سلوكه وفق جدول نقاط يشبه النقاط العقابية في نظام المخالفات المرورية. وباستيلاء «دوجي» على قواعد البيانات يتأسس «نظام ائتمان اجتماعي أمريكي» يراد له أن يكون «عالميا»، تتحكم به «دوجي» في كل أفكارك مثلما تتحكم فيسبوك في آرائك وتحجبها تدريجيا، وصولا إلى إغلاق حسابك مهما كانت قوته. وهنا ستكون اتهامات «جرائم الكراهية»، و»هذا الكلام لا يتفق مع قيم مجتمعنا»، جاهزة لحرمانك من كل حقوقك وطردك من النظام أو من «الحياة». ولا تنسى فيتس أن تشير إلى أن «حكومة الظل العالمية» تحتاج إلى غزة وتعتبرها عقبة «جغرافية» أمام بناء جزء من شبكة التحكم. والحقيقة هي أن غزة عقبة أمامهم بالفعل، لكنها عقبة عقائدية تمثل حاجز الرفض الأكبر لخططهم التي يؤكدها المفكر الأمريكي باتريك وود في سلسلة أعماله حول «النظام العالمي الجديد»، الذي يسميه نظام «ما بعد الإنسان». وبالطبع، أي بقعة مسلمة حقيقة الإيمان ستكون عقبة أمام مثل تلك المشاريع الشيطانية، فالأمر لا يحتاج إلى معجزة ولكن إلى إيمان قوي وصمود وتضحيات، غزة نموذجها الوحيد.
1161
| 20 فبراير 2025
تحدثت سابقا عن "إعلام السامسونج العالمي" وامتداده في معظم دول المعمورة. الآن نتحدث عن أنه كان موجودا منذ سنين طويلة بل ومنذ عقود بعيدة، وأني كنت شاهد عيان على بعض تجسداته، وأنه جزء من خطة بعيدة المدى، تنفذ على مهل شديد، مهما تغير منفذوها عبر الزمن. في عام 1989 ذهبت في تغطية لمؤتمر تنظمه هيئة "فولبرايت" الدولية سنويا تحت عنوان "سالزبورج سيمينار" في مدينة سالزبورج بالنمسا. على هامش المنتدى الذي كانت تحضره شخصيات فكرية ودبلوماسية من معظم الدول التقيت رئيس "معهد لندن للدراسات السياسية والاستراتيجية"، في ذلك الوقت، سير جيمس بالاسير، في مقابلة صحفية خصني فيها بتصريحات مهمة للغاية، منها، مثلا، أنه توقع اندلاع حرب جديدة في الخليج، رغم أن حرب إيران والعراق كانت قد انتهت للتو. وكان يقصد غزو العراق للكويت، وما تلاه من حرب تحريرها. والأكثر أهمية وارتباطا بموضوع هذا المقال هو أنه قال بالحرف: "إن إسرائيل لن تمنح العرب أي شيء من الآن فصاعدا وأنهم تعلموا ألا يفرطوا في شيء بعدما أعادوا سيناء لمصر بمقتضى اتفاقات كامب ديفيد". قال ذلك الكلام في أوائل سبتمبر 1989 رغم أنه كان لم يمر سوى أشهر قليلة على مؤتمر الجزائر في نوفمبر 1988، الذي نفذ فيه ياسر عرفات كل طلبات الكيان الغاصب من إعلان "نبذ الإرهاب" إلى اعترافه بحق ما يسمى إسرائيل في الوجود. كنت سعيدا أيما سعادة بهذا الإنجاز الصحفي الذي اعتبرته أهم كثيرا من تغطية الحدث نفسه، أي المنتدى، الذي ناقش مستقبل الاتحاد السوفيتي وتوقع انهياره، وهو ما حدث بعد ذلك بشهور. لكنني عندما عدت وسلمت المقابلة للمسؤولين رفضوا نشرها دون إبداء أسباب. وعلمت لاحقا أن "تعليمات السامسونج" أو ما يماثله وقتها، جاءت بألا يغضبوا إسرائيل وألا يفتحوا أعين الناس على أن ما قيل عن السلام وتحديدا "الأرض مقابل السلام" لم يكن إلا كذبة كبيرة، لأن ما قاله جيمس بالاسير قبل نحو 35 عاما رأيناه يتجسد حقيقة بأم أعيننا عاما بعد عام منذ ذلك الحين. وحتى الآن لم ينل العرب من إسرائيل أي شيء حقيقي. وقبل أن أبتعد عن هذه الذكرى، أضيف إليها أخرى ترتبط بنفس الجريدة التي بدأت بها عملي الصحفي بقسم الإخراج الصحفي، أواخر عام 1982، وحتى قبل التخرج، حيث بدأت كلية الإعلام وقتها بإرسال عدد من المتفوقين للتدرب في تلك الجريدة وغيرها خلال الدراسة. وبعد فترة وجيزة أصبحت أعمل كمحترف مثل بقية الصحفيين المعينين وإن بأجر أقل نظرا لأني كنت مازلت في السنة الثانية. الشاهد هنا أنني عندما بدأت الاضطلاع بمسؤوليات حقيقية كانت معظمها في الوردية الليلية التي يتهرب منها معظم المعينين. كنا لا ننشر صور شخصيات الكيان الصهيوني على صفحات الجريدة لأن "عملية السلام"، كما كانت تسمى، كانت في بداياتها ولم تكن سيناء قد عادت كاملة. ولكن بعد شهور قليلة، وصلتنا تعليمات "ليلية" بأن ننشر صور هؤلاء. وكانت الحكمة المهنية الإعلامية من عدم نشر صورهم أن نشرها حتى مع وصف العدو يجعل الجمهور يألفها ويسهل التطبيع. ولكن مع بداية تنفيذ التطبيع بخطى ثابتة توالت التعليمات بنشر تلك الصور والامتناع عن استخدام كلمة العدو وتغيير اسم وزارة حرب الكيان إلى وزارة الدفاع. بعد ذلك بسنوات قليلة وخلال مؤتمر كبير عن مستقبل العرب عام 1996، أجريت مقابلة مع ريتشارد ميرفي مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق عن القضية الفلسطينية، وقال فيها إن الخطط الموضوعة تشير إلى أن الفلسطينيين لن يعودوا إلى فلسطين أبدا وإنه سيتم توطينهم في عدد من دول العالم ذكر منها تحديدا دول الخليج وكندا ومصر والأردن. كان ذلك ضمن نحو عشر مقابلات أجريتها على مدى أيام المؤتمر الثلاثة. كنت سعيدا جدا بها لكن اعتبرت أن حديثي ذاك مع ميرفي كان الأهم، إضافة إلى مقابلتين أخريين أجريتهما مع سمير نجم الذي كان سفيرا للعراق هناك، ومسؤول كويتي رفيع سابق بمنزلة وزير الخارجية آنذاك. مرة أخرى، كل الأحاديث نشرت باستثناء حديث ميرفي، وأيضا دون إبداء الأسباب، التي لا تعدو أن يكون وراءها "تعليمات السامسونج". بعدها بأقل من ثلاث سنوات بدأت بكتابة زاوية سياسية بعنوان "عبر الحدود". وما كدت أصل الى المقال الثالث أو نحو ذلك حتى وجدت مسؤولا من إدارة الجريدة يقول لي إن قلمي رشيق وإنه يستحسن أن أستغله في الكتابة عن القضايا الاجتماعية. وبالفعل، تحول "عبر الحدود" إلى "أهلا بكم". لكن لماذا قرر هؤلاء وقف المقال السياسي؟ لأنني في أول زاوية، ورغم تخفيف وطأة الفكرة، قلت إنني "رأيت في المنام أن انتخابات حرة حقيقية جرت في إسرائيل، وفاز فيها عربي فلسطيني برئاسة الوزارة"، بحكم أنه حتى ذلك الوقت كانت هناك أغلبية فلسطينية مقارنة بأعداد المحتلين. وفي مقالات تالية تناولت احتمالات المواجهة بين العرب والكيان وقلت إن ما يسمى إسرائيل أيقنت بعد حرب 1973، استحالة مواجهة العرب مجتمعين مرة أخرى ولذلك عملت منذئذ على تفريق صفوفهم وتمزيقها من خلال الاتفاقات الثنائية. فجاءت تعليمات السامسونج بوقف هذا الكلام. وكان ذلك هو التطبيق العملي لكلام سير جيمس بالاسير الذي بدأنا به هذه الشهادة على خطة بعيدة المدى، يريد ترامب وضع مشهد النهاية لها بتنفيذ ما يسمى صفقة القرن التي بات الجميع يعرف تفاصيلها وأهمها إلقاء أهل غزة في البحر. فلننتظر ونرى. والله من ورائهم محيط.
888
| 12 فبراير 2025
في العام 1818 صدرت رواية خيال علمي اشتهرت بعنوان «فرانكشتاين»، وتدور حول شخص يريد معرفة إكسير الحياة حتى يبقى وعائلته أحياء للأبد، ولذلك يصنع مخلوقا يتحول وحشا ويخرج عن السيطرة. والآن يحيي أعداء الإنسانية هذه القصة من الركام بمسمى جديد هو «الذكاء الصناعي»- وهو صناعي وليس اصطناعيا، فهو مصنوع وليس مصطنعا- الذي يحاولون من خلاله اكتساب قدرات إلهية، ويحاولون إقناعنا بأنه قد يخرج عن سيطرة البشر. وهم يمهدون بذلك لكوارث يجهزونها لتنفيذ مخططاتهم لحكم العالم، التي يروجونها في المحافل الأكاديمية والسياسية تحت مسمى «الحوكمة العالمية». لذلك نقول إن قصة «الذكاء الصناعي» هي، باختصار، قصة فرانكشتاين العائد في ثوب جديد، أو قصة الصراع للسيطرة على العالم. لا شك أننا نحن البشر نواجه مشكلة خطيرة إزاء فهم حقيقة «الذكاء الصناعي»، لأنهم صوروه وحشا مخيفا على غرار الكائنات الفضائية أو الأشباح أو فرانكشتاين. لكن نظرة متأنية توضح أن الذكاء الصناعي هو مجرد تطوير لعلوم الحاسب الآلي أو الكمبيوتر، أي تسخير الإنسان للآلة لأداء بعض المهام مهما بلغ تعقيدها. والمفترض والمنطقي أن الآلة التي يصنعها الإنسان لا يمكن بحال من الأحوال أن تتفوق عليه ويصبح لها تفكيرها الخاص وقراراتها المستقلة مهما بلغت من التطور، إلا إذا كان هو من يزودها بما يمكنها من التدمير والتخريب الذي يستهدفه هو ويخطط له. ولأن أعداء الإنسانية يريدون صناعة الكفر ويريدون إقناع البشر بغياب الإله أو عدم سيطرته على خلقه (راجع القصص التلمودية)، فهم يريدوننا أن نقتنع بأن صنعة أيدينا يمكن أن تتحكم فينا؛ أي تصبح شيئا ما من قبيل الآلهة، في عالم المسيخ الدجال الذي أشرنا له سابقا. وهذه عملية تشبه صناعة الآلهة ثم عبادتها، ولا مستفيد منها إلا سدنة وكهنة تلك الآلهة الوهمية. لقد صنعوا «الذكاء الصناعي» ويريدوننا أن نصدق أنه ستكون له القدرة على التفكير المستقل وتدمير البشرية؛ حسنا، ولماذا لا يفكر في تطوير البشرية؟! لقد ثار في الأيام الماضية كثير من اللغط والجدل بشأن «الذكاء الصناعي» بعد ظهور نموذج شركة «دييب سييك» الصينية التي وجهت ضربات مهمة للنظام الرأسمالي العالمي، أهمها أنها فضحت الكثير من كذب هذا النظام بشأن «جسامة» «الذكاء الصناعي»، وخاصة فيما يتعلق بالتهويل العجيب بشأن تكلفة تشغيله ومخاطره. ففي حين زعم سدنة «الذكاء الصناعي» الغربي أن الأمر يتكلف مليارات الدولارات، ظهر للجميع أن النسخة الصينية لم تتكلف سوى ستة ملايين. وكان أكبر دليل على زيف «سردية» الغرب كلها أن شركاته فقدت مئات المليارات من قيمتها السوقية خلال ساعات. وهذا يؤكد أن المبالغة في تسعير الخدمات والمنتجات أصل أصيل في صناعة الكفر والفقر كما بينت سالفا. وكما يطبع البنك المركزي الأمريكي الدولارات بدون غطاء ذهب وبدون ضمانات، فهم (أصحاب رأس المال) يقدرون قيمة شركاتهم كما يحلو لهم ثم يفرضون على العالم قيمة المنتجات والسلع والخدمات كما يحلو لهم. وبما أنهم يملكون ويتحكمون في معظم شركات ومؤسسات الرقابة الدولية فالأمور بالنسبة لهم تبقى تحت السيطرة حتى تأتي شركة مثل «ديب سييك» وتفضح جزءا من مؤامراتهم. تماما مثل مؤامرة كورونا التي تواطأت فيها كل المؤسسات الطبية الدولية وعلى رأسها الصحة العالمية، والتي مهدت لها بدورها أعمال خيال علمي وأدبي منها رواية «عيون الظلام»، أو «eyes of Darknress The»، للأمريكي ديين نووتز،1981. وكأن تكنولوجيتهم مثل أوبئتهم، كل له «متحوراته» ونسخه المتطورة عبر الزمن. هنا تجب ملاحظة أن عالم المسيخ الدجال هذا لا يقوم على كذبة واحدة، فقد بات كل شيء فيه مغلفا بالكذب والتهويل. فالتهويل الصناعي، مثلا، يخدمه التهويل الاقتصادي، وفق ما كشفه الملياردير راي داليو الذي يقول إن الاندفاع المفرط للمستثمرين تجاه «الذكاء الصناعي» أدى لـ»فقاعة» في الأسهم الأمريكية تشبه فقاعة «دوت كوم» في أواخر التسعينيات، التي نتجت بسبب المبالغة في تقدير قيمة بعض الشركات، وهو ما يحدث الآن مع شركات «الذكاء الصناعي». ويلفت داليو إلى أن النظام الاقتصادي العالمي يتحرك نحو «سياسة أكثر توجهًا نحو «عسكرة الصناعة»، مشيرا للتدخل الحكومي القوي في الأنشطة الاقتصادية، (جمارك ترمب)، ومضيفا: «الرأسمالية وحدها، لا يمكنها الفوز في هذه المعركة». هنا يتردد الحديث عن أن الصين انتصرت بالفعل في حرب الذكاء الصناعي وأن مشروع ترامب المسمى «ستارجيت» لن يلحق بها وسيكون إهدارا لمزيد من أموال الأمريكيين. وقد عزز ذلك إعلان شركة «علي بابا» الصينية، أيضا، إنتاجها تقنية جديدة من «الذكاء الصناعي» تسمى Owen 2.5 Max، وتتفوق على «تشات جي بي تي 4» و»ميتا أيه آي». وبات معلوما أن من ينتصر في حرب «الذكاء الصناعي» سينتصر في الحرب العسكرية وستكون له السيادة على العالم. فقد كانت «الآلة» عبر التاريخ هي وسيلة كسب الحروب، والذكاء الصناعي هو «أبو» كل الآلات الآن. وقد أشار لذلك ألفن توفلر في كتابه «الحرب وضد الحرب»،1993. ولا عجب أن ورد ذلك في تصريح للرئيس الأسبق جورج بوش قال فيه «حروبنا في المستقبل ستكون بلا دموع، لأننا لن نرسل أبناءنا للحرب وسنحارب بالجنود المُستنسخين». وربما كان يبشر وقتها بالجيوش الآلية أو الروبوتات، وهي فكرة أكدها إيلون ماسك بقوله إنه «بحلول 2040، ستكون هناك روبوتات مؤنسنة، وستكون أكثر عدداً من البشر، وقد تصل إلى 10 مليارات روبوت»، ما يجعلنا أمام عالم جديد يسكنه بنو البشر وبنو قردان (التطور) وأخيرا بنو الروبوت (الذكاء الصناعي)، ولم يبق إلا أن يخرج علينا بنو يأجوج ومأجوج.
606
| 05 فبراير 2025
ذكرت سابقا أننا نعيش عصر المسيخ الدجال في كل تفاصيل الحياة،، أو عصر الزيف و"اللا واقع"، لكن الآن سنطلق عليه عصر "الأفاتار". والأفاتار كلمة اختارها أعداء الإنسانية بعناية ضمن عملية صناعة الكفر، إذ أنها تعني "تجسد الإله" في شعوذات ما يسمى الفلسفة، ويسعون لتعميمها على البشرية. ولعل القاريء يلحظ أن معظم الأشياء صار لها الآن "أفاتار" في العالم الافتراضي المقصود لنا أن نعيش فيه،،، عالم الفيسبوك وأخواته، حيث كل شيء يبدو على غير حقيقته. ومثلما سيأتي المسيخ بجنة ليست جنة وبنار ليست نارا، لم يعد العلم علما، ولا التعليم تعليما. وأصبح العلاج "لقاحات"، والسياسة والاقتصاد نصبا ووهما.. أو"طق حنك".. كيف؟ يقول الإنجليزي جون سيرل في كتابه "العقل، مقدمة موجزة"، 1998، ص 15،: "من أسوأ الأفعال، أن توحي للناس أنهم يفهمون شيئاً بينما هم في الواقع لا يفهمون، أو أنّ مشكلة حُلت، بينما هي في الواقع لم تُحل". بكلمات أخرى، أن تبيع لهم الوهم. هنا تتجلى أبرز معانى ما يسمى الاقتصاد السياسي، أو تلاعب السياسة بالاقتصاد، في أوضح صوره، فيما يمكن تسميته سياسة الإيحاء واقتصاد الوهم، أو بعبارة أخرى سياسة واقتصاد "طق الحنك".. وهي عملية تقوم على التلاعب بالكلام ليس أكثر. ويدخل في ذلك الكذب وترويج الشائعات والتلويح بالأزمات واللعب على الاحتمالات الوهمية والتحذير من المخاطر المصطنعة. وكل ذلك اعتمادا على سيكولوجية الخوف والتخويف والتنبؤ بالغيب الذي يجعل تلك السياسة أقرب إلى صناعة السحر والتنجيم والدجل والشعوذة منها إلى السياسة والاقتصاد الحقيقي المبني على الإنتاج الفعلي والتبادل الحر العادل في كل مراحله. هنا نؤكد أن ما يحدث فعليا ليس اقتصادا حقيقيا ولكن حالة تتجسد فيها بيئة كازينو القمار، بكل تفاصيلها، ولكن على مستوى عالمي، تظل فيها نسبة الواحد بالمئة (الساسة ومن وراءهم) هي الرابح الحقيقي على الدوام. وكما يتحكم أصحاب الكازينو في كل قوانينه التي تحقق لهم الربح أو الخسارة المحسوبة بدقة في كل عملية بلا أي خطأ تقريبا، يتحكم أصحاب رأس المال العالمي في اقتصاد الوهم والإيحاء ويسوسونه بما يجعلهم هم الرابحين على الدوام بينما تسير بقية العالم نحو الفقر يوما بعد يوم. فاقتصاد "طق الحنك" هو اقتصاد التنمر وصناعة الفقر الذي تحدثنا عنه سابقا. وأسواق المال العالمية لا تصنع الثروات إلا للقلة على حساب الكثرة. مناسبة ذلك حالة التدهور الغريبة التي تشهدها العملة الكندية "اللووني" في الآونة الأخيرة ليس لسبب إلا تصريحات وتهديدات الرئيس الأمريكي ترامب التي شملت اقتراحا بضم كندا إلى أمريكا واعتبارها المقاطعة ال51، ثم التهديد بفرض رسوم جمركية كبيرة على صادراتها إلى الولايات المتحدة. فقد انخفض اللووني تدريجيا إلى أدنى مستوياته التاريخية في الأسابيع الماضية؛ فقط نتيجة كلام لم يُنفذ ولم يتحقق منه أي شيء، مجرد سياسة "طق حنك". والتاريخ المعاصر مليء بحالات مشابهة انهارت فيها اقتصادات، وحققت فيها كيانات خفية ثروات طائلة استجابة فقط لكلام وتنبؤات لا علاقة لها بالواقع. وقد أفاض المتخصصون في شرح كيفية حدوث ذلك عن طريق عمليات تلاعب في البورصات، منها إجراء عمليات شراء وهمية مكثفة ثم الانسحاب قبيل التنفيذ. لكن من التلاعبات العجيبة التي يروج لها بشكل أكاديمي كثيرا، فكرة حتمية تراجع الأسواق وانهيارها، كونها تتأرجح كحركة البندول بزعمهم، وكأنها حتمية إلهية!. وهذا بدوره يدخل في إطار سعي أعداء الإنسانية لإحلال الذكاء الصناعي، والأفاتار، محل الإله. نجد ذلك في كتاب وارين بافيت "المستثمر الذكي"، ويقول فيه، متقمصا دور "إله الاقتصاد":إن الأسواق الصاعدة "يجب" أن تواجه كارثة!. ويقول الخبراء إن المستثمرين يقعون غالبا ضحايا ما يسمى (inception) أو غرس الفكرة، حيث يتم ترديد فكرة أو كذبة بعينها مرات كثيرة حتى يتم تقبلها بوصفها حقيقة غير قابلة للنفي، في عملية أقرب ما تكون إلى التنويم المغناطيسي الذي يمارس على عموم المجتمعات لإحداث ثقافة أو "برمجة مجتمعية" عامة هي التفسير الأدق لعقلية القطيع. وبحسب دراسة لمؤسسات اقتصادية عدة، بينها كلية إدارة الأعمال بجامعة شيكاغو، ارتفع مؤشر "نازداك"، والذي يضم شركات التكنولوجيا، بنحو 30% بين نهاية مايو 2023 ونهاية مايو 2024 بفعل قوة "الإيحاء". وتؤكد الدراسة أن المحرك الرئيسي لصعود المؤشر لم يكن قوة الاقتصاد الأمريكي، ولكن "الإيحاء" من خلال الأخبار المتواترة بتأثيرات الذكاء الصناعي الاستثنائية على المستقبل. وبنفس طريقة سياسة واقتصاد طق الحنك يحاول ترامب ابتلاع غزة. لكن ما لا يدركه ترامب وقبيله هو أن السياسة قد تتلاعب بالاقتصاد لكن العكس ليس صحيحا دائما. فهو يظن أن كلماته التي هزت الاقتصاد الكندي وأضرت به، وفعلت الأفاعيل هنا وهناك، يمكن أن تفعل المفعول نفسه في مصير غزة. هو يحسب أنه لو تحدث عن تهجير سكان غزة شرقا وغربا فسيتحقق ذلك قبل أن يرتد إليه طرفه، وهنا نقول له: لا يا سيد ترامب، لن تجدي سياسة طق الحنك مع غزة. فشعب غزة وفرسانها لا يعيشون عصر الأفاتار ولا يؤمنون به مثل كيانات أخرى تتقمصه وتجعل من أحلامك أوامر. وما فشلت فيه، حرب الإبادة العالمية ضد غزة، لن يفلحفيهطقحنكك.
837
| 29 يناير 2025
عندما تولى جاستن ترودو رئاسة الوزراء في كندا عام 2015، أحدث تألقه الشخصي حالة من الهوس في أنحاء العالم، وتمنى كثيرون في دول كثيرة عربية وأجنبية لو أنه كان رئيسهم. أشارت لذلك، آنذاك، مجلة الإيكونوميست البريطانية، وعنونت أخرى وهي "رولنج ستون" الأمريكية صراحة تقول (لماذا لا يكون ترودو رئيسنا؟). واعتُبر وصول ترودو إلى سدة الحكم، وقتها، تتويجا وتلميعا لليبرالية الغرب، ذلك النظام السياسي الذي أريد له أن يكون نهاية التاريخ ودين العالم الجديد. لكن نحو عشر سنوات من حكم ترودو، الذي ينتهي فعليا في مارس المقبل، كانت كفيلة بإظهار وجهه الحقيقي بعيدا عن وسامة ملامحه ونعومة شعره، كما كانت كفيلة بإظهار كل قبائح تلك الليبرالية المزعومة، التي رُوج أنها درة حضارة الغرب فلم تزد على أن تكون رمز "حقارة" الغرب، ومجرد بروفة لدين الدجال المنتظر. وقد بدأ كتاب كثيرون يتساءلون: كيف أمكن لمثل هذه الشخصية الضعيفة، التي تم كشفها في نهاية المطاف، أن ترتفع في عالم السياسة إلى هذا الحد، حتى مع الأخذ في الاعتبار ميراث أبيه السياسي الكبير؟ ويوضح الكاتب الكندي مايكل كوينكو "إن ذلك حدث من خلال الاستعراض والخداع والشهرة". ويضيف: وقد تمكن (ترودو) بهذه الوسائل من التغطية على التناقضات المتصاعدة المروعة ليس فقط في الحزب الليبرالي الكندي، بل وفي الليبرالية نفسها". ففي الوقت الذي كانت الليبرالية، الأيديولوجية الغربية المهيمنة، تعاني بشدة في كل من أوروبا والولايات المتحدة-برغم محاولات تعظيمها من قبل "سحرة الفكر" من أمثال هنتنجتون وفوكو واعتبارها المثل الأعلى للأيديولجيا- فقد كانت على موعد مع نجاح كبير مفاجئ في كندا حيث بلغت قمة تألق جديدة بقيادة ترودو، بداية من عام 2015. وبدت كندا وكأنها معقل صمدت فيه الليبرالية بل وانتعشت. وقد كان ذلك بالنسبة لحكام الغرب الأصليين وبالوكالة، أوهامًا ضرورية يبيعونها للجماهير. فقد أصبحت كندا، والكلام لكوينكو، مثل "قاعة التباهي" بأن عقيدتهم الليبرالية، لا تزال تمتلك فرصة في عالم أصبح أكثر عداءً لها بعدما اكتشف زيف شعاراتها وتناقضاتها. فبينما كانت بريطانيا تتجه للخروج من الاتحاد الأوروبي (فشل ليبرالي) وكانت الولايات المتحدة تتهيأ لاستقبال ترمب رئيسا، (ضربة أخرى لليبرالية المثالية، باعتبار ترمب من المحافظين، وهذه فيها تفصيل لاحق)، كان صعود ترودو في كندا بمنزلة نقطة ضوء وانتعاش كبيرة لليبرالية. لكن ذاك الصمود انتهى إلى فشل ذريع، إذ لم يحقق ترودو بوسامته وحسن منطقه أي إنجاز حقيقي على المستوى السياسي أو الاقتصادي ولم ينفذ أيا من وعوده الأساسية مثل خفض تكاليف المعيشة وحل مشكلة الإسكان التي جعلت شباب كندا مثل شباب دول كثيرة في العالم الثالث يفقد الأمل في اقتناء منزل وتأسيس أسرة سعيدة، وهو الشعار الكاذب الذي خدع شبابا كثيرين للهجرة إلى الغرب وخاصة كندا لعقود طويلة. الأمر الذي أدى إلى شيوع موجة هجرة عكسية متصاعدة من كندا وليس إليها، حتى بين البيض قبل الأعراق الأخرى. ومع اشتداد الأزمة تحول النجم إلى شيطان في عيون قطاعات كبيرة. وانتشرت في كل شوارع كندا وعلى السيارات عبارات بذيئة بحقه، أقرب ترجمة مقبولة لها يمكن أن تكون "اللعنة على ترودو". وبعد 'التأليه" العجيب الذي حظي به في البداية، بدأت تدريجيا مرحلة الشيطنة وانكشاف الوجه الحقيقي، مع تزايد معدلات الفقر نتيجة ارتفاع الأسعار المتواصل وغير المبرر، واشتداد أزمة الإسكان التي تسبب بها نتيجة سياسته الهوجاء في استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين الذين شكلوا عبئا خطيرا على سوق العمل وعلى كل القطاعات، ما أدى إلى تزايد معدلات التضخم وتحوّلِ المتسولين في شوارع وميادين المدن الرئيسية من أفراد متناثرين إلى جماعات كبيرة وجيوش حقيقية مشوهة للمنظر العام، بل ومخيفة أيضا فيما يشبه بالفعل أفلام (walking dead) أو "المشاؤون الأموات". ولا عجب أن كان "النجاح" الوحيد الفعلي الذي حققه هو نشر الشذوذ وفرضه تقريبا على الكنديين إضافة إلى تشريع وتقنين استخدام وشراء المواد المخدرة "الماريجوانا"، لدرجة أن محال بيع تلك المواد باتت في كل ركن وزاوية. والأدهى من ذلك وهو ما تم أخيرا، وقبل أسابيع قليلة، هو بيع الخمور في محال السوبرماركت الصغيرة. وبتزايد الأسعار وتكلفة المعيشة يتزايد عدد المعسرين. وبتزايد هؤلاء يتزايد عدد المشردين والمدمنين وإقبالهم على كل أنواع المخدرات والموبقات، وكأن هذه هي الخطة وليس الخطأ. وبعدما كان أنصار ومروجو الليبرالية يقدمونها قديما، منذ عهد روزفلت، وحديثا على أنها الأمل في مستقبل أفضل والتيار الذي سيحمل الجميع نحو الرفاهية، أظهر فشل ترودو الذريع وجهها القبيح وأنها مجرد وعود في الهواء. فحال الناس في أي دولة من دول الليبرالية في تدهور مستمر تشهد به الأرقام والإحصاءات حتى وإن ادعى كهنتها العكس. وباستقالة ترودو يفترض أن ينتهي وهم الليبرالية وعصرها البراق الزائف. وليتأكد للعالم ما خلُصتُ إليه في ورقة بحثية قدمتها في إطار نيل درجة الماجستير وكانت بعنوان "الليبرالية هي الشعار والواقعية هي الفعل"،2004. بمعنى أن ما يحكم العالم كان ولايزال وسيظل هو منطق شريعة الغاب (هوبز)، وأن الإفساد في الأرض يجري على قدم وساق، على طريق صناعة الكفر. [email protected]
1206
| 21 يناير 2025
مررنا قبل ذلك سريعا على فكرة أن معظم من يُسمَّوْن فلاسفة لا يستحقون ذلك التبجيل العجيب الذي أُلقي عليهم. والآن بقي أن نوثق أنهم أو أغلبهم كانوا ولا يزالون يشتغلون بالسحر وعبادة الشيطان، وأن كثيرا مما أنتجوه من «أفكار» هو في حقيقته طلاسم وشعوذات كانت تخدم هدفا واحدا هو صناعة الكفر بمحو وجود الإله وتأليه الإنسان، وحكم العالم. وللمفكر الليبي د. علي فهمي خشيم كتاب مهم بعنوان «الفلسفة والسلطة»، 1999، يوثق أن الفلسفة كانت دائما، ومنذ عهد حمورابي، محاولة للوصول إلى السلطة والحكم. كما أوردنا، سابقا، توثيقا بأن بعض تلك الأفكار أملاها عليهم الشيطان فعليا، ومنهم داروين ونظريته العبثية في «التطور». والمصادر أكثر من أن تحصى في توثيق اشتغال كثير من هؤلاء بالسحر وعبادة الشيطان إذ كان أغلبهم أعضاء في الجماعات السرية من نورانيين وماسونيين بكل تفرعاتهم. وقد كتب مفكرون بعضهم مسيحيون وبعضهم يهود، ومنهم، «ميرابو» خطيب الثورة الفرنسية، والكاتبة الإنجليزية نيستا ويبستر في كتابها «الجمعيات السرية والحركات الهدامة»، 1924، أن فرانسيس بيكون، المسمى افتراء بـ»الفيلسوف» في عصر «التنوير» في أوروبا، هو المؤسس الثاني لما يسمى جماعة «الصليب الوردي» في إنجلترا. فرغم اشتهاره بأنه أبوالعلوم التجريبية، فإن الحقيقة أنه كان الأب الروحي لكل الحركات السرية في تلك الفترة وصاحب فكرة توحيد كل الحركات الماسونية ونقلها من أوروبا إلى أمريكا. وقد تخصصت جماعة الصليب الوردي، تلك في الاغتيالات السياسية، بحسب كتاب «العالم رقعة شطرنج» المجلد 1 ص296. وتوفر نيستا ويبستر في كتابها إضاءات بالغة الأهمية على ارتباط الفلاسفة بالسحر والشعوذة وخضوعهم للكابالا والتلمود والماسون، مشيرة إلى أن بيكون استمد «فلسفته» من الماسونية، وأن ذلك كان أوضح ما يكون في كتابه «أطلنطس الجديدة»، ص 114. وبالمثل فولتير الذي وثقنا من قبل أنه كان مساهما في تجارة العبيد، فقد كان عضوا في جماعة سرية تنتمي إلى الماسونية تسمى «الأخوة السبعة». وقيل إنه انضم إليها قبل موته بفترة ليست طويلة. ودفع هذا عددا من معاصري فولتير، حطوا من قدره وسفهوا أفكاره. ومن هؤلاء الكاتب الأسكتلندي «توماس كارلايل» الذي امتدح موهبة فولتير الأدبية، لكنه انتقد أفكاره وقال «إن أكثرها إتقانًا لم تكن ذات قيمة من ناحية المضمون». وأورد نورمان ماكينزي في كتابه «الجمعيات السرية»، 1967، أيضا، أن عددا من مفكري وشعراء الغرب ومنهم «وليام بتلر ييتس» كانوا يحضرون مجالس تحضير الأرواح والجن، ويستعينون بها. ويشير إلى ذيوع اسم عرافة تدعى مدام بلاتافيسكي في هذا الصدد، كانت تنظم تلك المجالس وتزعم أن لها علما بالغيب والتنجيم. وتوضح سيلفيا ليبي أستاذة الطب النفسي بجامعة «باريس ديدرو» أن عصر النهضة شهد محاولات من المفكرين والفلاسفة باستخدام السحر أن يُحلوا الإنسان محل الله، واعتقدوا أن علمهم سيسمح لهم بتغيير الأشياء والمصير. وتقول: «لقد ساهم «السحرة الإنسانيون»، بخيالهم وحدسهم، في ولادة العلم الحديث... لكن انتهى بهم المطاف إلى إلغاء الخالق نفسه، في محاولة لمحاربة الحتمية، بحيث يصبح العلم هو الذي يحدد الموضوع وتاريخه. وبالتالي، ننتقل من القدرة المطلقة للإله إلى القدرة المطلقة للعلم». وتضيف في ورقة بحثية عام 2012، إن إيطاليا، خلال عصر النهضة، اجتمعت فيها الفلسفة والسحر والعلم والدين في شكل خاص جدًا من المعرفة سُمي «الهرمسية»، حيث كان العالـِم القادر على ممارسة السحر في الوقت نفسه يسمى فيلسوفًا، وحيث يجعل الساحر الفيلسوف نفسه بديلا عن الله. ومن هنا جاءت كل قاذورات الفكر من مثل إعلان موت الإله، ووحدة الوجود، وصولا إلى «صناعة الإله» بواسطة الذكاء الصناعي،»، لتنتقل البشرية من عصر صناعة الإله «العجوة» إلى عصر صناعة «الإله الإلكتروني». تلك القاذورات الفكرية التي يسمونها تنويرا، ساعدهم في نشرها، وللأسف، كثيرون ممن ينتمون للعروبة والإسلام بالاسم، وبجهالة لا تليق بهم، كونهم لم يفندوا ذلك الغثاء منذ بداية شيوعه في عالمنا الإسلامي قبل ما لا يقل عن مائة وخمسين عاما، في بدايات عصر التحديث الذي استخدم كحصان طروادة لهدم الخلافة، كما أوضحنا سابقا. وحتى لو لم تتوفر أدلة بشأن تورط كل واحد من هؤلاء «الفلاسفة» في السحر وعبادة الشيطان فإن نتائج أعمالهم تدل عليهم وتؤكد أن تلك لم تكن إلا مسيرة شيطانية من بدايتها إلى الآن، في عصر ما بعد الإنسانية، حيث يقول مؤلف الخيال العلمي آرثر سي. كلارك: «قد يكون دورنا على هذا الكوكب ليس عبادة الله، بل خلقه. فكل ما نراه من فلسفات مريضة مُمْرِضة من قبيل المادية والوجودية والحداثة وما بعد الحداثة، والعدمية، وكل تلك الأفكار الشيطانية لا تهدف إلا إلى صناعة الكفر، تماما كما هدف مؤسسو الفلسفة. وهذا هو سبب الانحدار الأخلاقي والإنساني الخطيرعلى المستوى العالمي. وهذا ما يجعل الذين يعتبرون ما يحدث في العالم الآن مسلمات إما غافلين أو مغفلون. فلا يمكن الحديث عن علم مجرد ولا تاريخ مجرد ولا أفكار مجردة. كل ذلك تلاعبت به الفلسفة ومن وراءها، وتمت صناعته وصياغته وفق العقل والروح اليهودية، كما تقدم. ويعكس ذلك بوضوح مقولة فرويد «إن تعطش الإنسان للمعرفة ينبع من رغبته في السيطرة على العالم، ومن حاجته إلى إخضاع الطبيعة لقوته»، وهذا تحديدا ترجمة للعقل اليهودي الإجرامي الذي حاولوا إقناع البشرية بأنه عقل جمعي عالمي، لتبرير عملية سيطرة تتم وفق عقلية القطيع. والله من ورائهم محيط.
1068
| 08 يناير 2025
مؤكد أن العام الجديد 2025، الذي بدأ قبل ساعات قليلة، سيكون مليئا بأحداث أكثر خطورة وأهمية مما سبق، على الأقل، بحكم السياق الزمني. لكن أحسب أن أخطر تلك الأحداث سيكون كما كان دائما، هو صراع الشعوب ضد أعداء الإنسانية، من الصهاينة وغيرهم، الساعين لإحكام السيطرة على مقدرات العالم، متخفين برداء العولمة، من خلال سعيهم المتواصل لاستشراف أي فرصة تنبؤهم بالمستقبل، وتمنحهم قدرات إلهية لم يتوقفوا يوما عن البحث عنها، بوسائل عدة، مثل البحث عن سر الروح. ومن أحدثها دراسة ما يسمونه عدم اليقين الجذري أو «المجهول الشارد»، الذي صدرت بشأنه كتب حديثة، منها كتاب بنفس العنوان لمؤلفيه جون كاي وميرفين كينج. ويعني المصطلح استطلاع المستقبل، ليس وفق معطيات أو أرقام متوافرة، ولكن وفق ما يمكن تسميته رغبات وأطماع جامحة، في عملية أقرب إلى التنجيم والسحر منها إلى العلم. وقد كان هذا دأبهم منذ قرون، إذ إن أغلب مفكريهم وفلاسفتهم كانوا يشتغلون بعبادة الشيطان والسحر والشعوذة ومنهم كارل ماركس، بحسب كتاب ريتشارد فورمبراند «ماركس والشيطان» 1986، وغيره كثير سنعود إليهم لاحقا. وقد امتلأت مواقع الإنترنت والصحف العالمية، طوال الشهر الماضي، بتوقعات كثيرة للعام 2025، وكان محركها الأهم هو عودة ترامب إلى البيت الأبيض رئيسا، ومع عدم إعطاء أي قيمة حقيقية لنتائج ما يسمى استطلاعات الرأي، التي يتم التلاعب بها وتصميمها من الأساس لإعطاء نتائج محددة سلفا، فإن من المفيد الاطلاع على بعض تلك النتائج. ومن ذلك استطلاع عالمي نظمه معهد «ابسوس» الفرنسي في 33 دولة حول العالم. وقد جاء بنتائج متضاربة، أستغرب كيف، إذ أفاد بأنه رغم تفاؤل أغلبية كبيرة بالعام الجديد فإن هناك نسبة كبيرة ترجح استمرار الصراعات، وارتفاع الأسعار والضرائب. كما عكس الاستطلاع تشاؤما أكبر في أوروبا عن بقية العالم إزاء الأوضاع الاقتصادية. وأظهر أن نسبة كبيرة متخوفة إزاء تكنولوجيا الذكاء الصناعي، ووسائل التواصل الاجتماعي. وبخصوص العنصرين الأخيرين فمن الخطأ تصور أن ساحات المواجهة مع أعداء الإنسانية تبتعد عنهما كثيرا. ففي مقال حديث في «نيويورك تايمز» يحذر عالم السياسة الأمريكي كورت جراي من أن أعداء الإنسانية يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي، وتلقائيا الذكاء الصناعي، فعليا مثل المخدرات لزرع الخوف والقلق والغضب في نفوس الناس من خلال خوارزميات الإنترنت. ويقول إن البشر، في هذا العصر، تحولوا إلى «فرائس» وليس صيادين. وهذا ما يؤكده السيناتور جوش هاولي في كتابه «استبداد شركات التكنولوجيا الكبرى»،2021، بقوله: «إن تلك الشركات تتبنى نموذج أعمال يسبب الإدمان... فالكثير من «الابتكارات» في هذا المجال مصمم ليس لخلق منتجات أفضل، بل لجذب المزيد من الاهتمام باستخدام الحيل النفسية التي تجعل الأمر إدمانا». ويعلق الكاتب الأمريكي توم هارتمان على ذلك بأن هذا الإدمان على الخوف والقلق يتم استغلاله لترويج الكراهية والعنف في المجتمعات ضاربا المثل بمنصة إكس الحالية، تويتر سابقا، قائلا «إن استيلاء إيلون ماسك، رجل الأعمال غير المسؤول قانونيا أمام الدولة أو الشعب، والذي له أهدافه الخاصة، على تلك المنصة حوّلها إلى مرحاض حقيقي، مليء بالكراهية والتعصب». وبذات القاعدة التي ذكرناها سابقا، وهي «عندما يقول الغرب انظروا شمالا فما علينا إلا أن ننظر يمينا». فأغلب التوقعات التي تغص بها وسائل الإعلام العالمية الرئيسية، وبنظرة متأنية، تعد من قبيل الاستهلاك الإعلامي «المقولب» والمتكرر، الذي تجعلنا وسائل التواصل مدمنين عليه. أما التوقعات الأقرب إلى التحقق فيكون معظمها تخطيطا وتدبيرا بليل، ومن ذلك توقعات عرافة مشهورة باندلاع حرب كبيرة قد لا تكون عالمية لكنها ستشمل دولا عدة، وظهور وباء جديد. لكن حتى هذه تظل جزءا بسيطا من المواجهة الحقيقية الأبدية بيننا نحن البشر وبين الشيطان وأوليائه من أعداء الإنسانية. ولو فرض أن أحدهم نظر من خارج الكوكب الأرضي الآن فإنه سيرى عالما مختل الموازين، متعدد الصراعات تتجاذبه قوتان رئيسيتان هما أمريكا ومن يحركونها وهي القوة الأكبر، وقوة أخرى تتألف من عدة أطراف، متباعدة مكانيا، يمكن تسميتها قوى رفض العولمة، سواء كانت تلك حركة حماس في غزة وحربها ضد رأس شيطان العولمة المسمى إسرائيل، أو كانت روسيا في حربها ضد «الغرب» في أوكرانيا، أو كانت الصين وحربها الاقتصادية ضد واشنطن، أو كانت مجموعة البريكس والتي تضم كثيرا من عناصر وقوى رفض العولمة. وهنا تجب الإشارة إلى وجود حركة رسمية تسمى «حركة مناهضة العولمة» تأسست فعليا للتنديد بمؤتمر مجموعة الثماني في سياتل عام 1999. وأيا كان تشرذم تلك القوى وضعف فاعليتها النسبي على المستوى الدولي، فإن ما حققه انتصار الثورة السورية، أيا كانت خلفياته، وحتى مآلاته على المدى القريب، سيُلهم شعوبا كثيرة شرقا وغربا، أملا في الخلاص من زيف العولمة. وسيكون الملمح الرئيسي للعام الجديد هو تلك المواجهة المنسية بين أعداء الإنسانية المتخفين وراء العولمة ومفرداتها، وبين القوى المدافعة عما تبقى من «إنسانية» البشر. وسيظل السؤال الكبير هو هل سيكون 2025 مطابقا لما سبقه من أعوام، أم سيكون عاما سعيدا بحق تكمل فيه جهود المدافعين عن الإنسانية مسيرة ما حققه انتصار الثورة السورية التي ستظل الإلهام الأهم لعام جديد سعيد.
666
| 01 يناير 2025
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية...
7290
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده...
2610
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة...
2361
| 15 أكتوبر 2026
لعل كثيراً منا في قطر، سواء كان موظفاً...
1533
| 20 أكتوبر 2026
حين يطلب أحد أبناء العائلة منصبًا إداريًا في...
1128
| 18 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات...
1113
| 14 أكتوبر 2026
شخصيًا ما زلت أرى ضبابية وعدم وضوح في...
1071
| 15 أكتوبر 2026
كيف يتحمل القلب مشهد صالة المسافرين رقم (٤)...
951
| 18 أكتوبر 2026
حدث ذات مساء في قرية فويرط المستلقية على...
753
| 20 أكتوبر 2026
هناك في متحف الإنسان بالعاصمة الفرنسية باريس، تقبع...
564
| 18 أكتوبر 2026
لم يخلق الله عز وجل هذه الدنيا لنخلد...
489
| 15 أكتوبر 2026
الموضوع باختصار إن لي صديقة كانت قد انفصلت...
483
| 15 أكتوبر 2026
مساحة إعلانية