رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عصام بيومي

إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية

مساحة إعلانية

مقالات

648

عصام بيومي

سياسة "طق الحنك" لن تجدي مع غزة!

29 يناير 2025 , 02:00ص

ذكرت سابقا أننا نعيش عصر المسيخ الدجال في كل تفاصيل الحياة،، أو عصر الزيف و"اللا واقع"، لكن الآن سنطلق عليه عصر "الأفاتار". والأفاتار كلمة اختارها أعداء الإنسانية بعناية ضمن عملية صناعة الكفر، إذ أنها تعني "تجسد الإله" في شعوذات ما يسمى الفلسفة، ويسعون لتعميمها على البشرية. ولعل القاريء يلحظ أن معظم الأشياء صار لها الآن "أفاتار" في العالم الافتراضي المقصود لنا أن نعيش فيه،،، عالم الفيسبوك وأخواته، حيث كل شيء يبدو على غير حقيقته. ومثلما سيأتي المسيخ بجنة ليست جنة وبنار ليست نارا، لم يعد العلم علما، ولا التعليم تعليما. وأصبح العلاج "لقاحات"، والسياسة والاقتصاد نصبا ووهما.. أو"طق حنك".. كيف؟

يقول الإنجليزي جون سيرل في كتابه "العقل، مقدمة موجزة"، 1998، ص 15،: "من أسوأ الأفعال، أن توحي للناس أنهم يفهمون شيئاً بينما هم في الواقع لا يفهمون، أو أنّ مشكلة حُلت، بينما هي في الواقع لم تُحل". بكلمات أخرى، أن تبيع لهم الوهم.  

هنا تتجلى أبرز معانى ما يسمى الاقتصاد السياسي، أو تلاعب السياسة بالاقتصاد، في أوضح صوره، فيما يمكن تسميته سياسة الإيحاء واقتصاد الوهم، أو بعبارة أخرى سياسة واقتصاد "طق الحنك".. وهي عملية تقوم على التلاعب بالكلام ليس أكثر. ويدخل في ذلك الكذب وترويج الشائعات والتلويح بالأزمات واللعب على الاحتمالات الوهمية والتحذير من المخاطر المصطنعة. وكل ذلك اعتمادا على سيكولوجية الخوف والتخويف والتنبؤ بالغيب الذي يجعل تلك السياسة أقرب إلى صناعة السحر والتنجيم والدجل والشعوذة منها إلى السياسة والاقتصاد الحقيقي المبني على الإنتاج الفعلي والتبادل الحر العادل في كل مراحله. هنا نؤكد أن ما يحدث فعليا ليس اقتصادا حقيقيا ولكن حالة تتجسد فيها بيئة كازينو القمار، بكل تفاصيلها، ولكن على مستوى عالمي، تظل فيها نسبة الواحد بالمئة (الساسة ومن وراءهم) هي الرابح الحقيقي على الدوام.   

وكما يتحكم أصحاب الكازينو في كل قوانينه التي تحقق لهم الربح أو الخسارة المحسوبة بدقة في كل عملية بلا أي خطأ تقريبا، يتحكم أصحاب رأس المال العالمي في اقتصاد الوهم والإيحاء ويسوسونه بما يجعلهم هم الرابحين على الدوام بينما تسير بقية العالم نحو الفقر يوما بعد يوم. فاقتصاد "طق الحنك" هو اقتصاد التنمر وصناعة الفقر الذي تحدثنا عنه سابقا. وأسواق المال العالمية لا تصنع الثروات إلا للقلة على حساب الكثرة.

مناسبة ذلك حالة التدهور الغريبة التي تشهدها العملة الكندية "اللووني" في الآونة الأخيرة ليس لسبب إلا تصريحات وتهديدات الرئيس الأمريكي ترامب التي شملت اقتراحا بضم كندا إلى أمريكا واعتبارها المقاطعة ال51، ثم التهديد بفرض رسوم جمركية كبيرة على صادراتها إلى الولايات المتحدة. فقد انخفض اللووني تدريجيا إلى أدنى مستوياته التاريخية في الأسابيع الماضية؛ فقط نتيجة كلام لم يُنفذ ولم يتحقق منه أي شيء، مجرد سياسة "طق حنك". والتاريخ المعاصر مليء بحالات مشابهة انهارت فيها اقتصادات، وحققت فيها كيانات خفية ثروات طائلة استجابة فقط لكلام وتنبؤات لا علاقة لها بالواقع.

وقد أفاض المتخصصون في شرح كيفية حدوث ذلك عن طريق عمليات تلاعب في البورصات، منها إجراء عمليات شراء وهمية مكثفة ثم الانسحاب قبيل التنفيذ. لكن من التلاعبات العجيبة التي يروج لها بشكل أكاديمي كثيرا، فكرة حتمية تراجع الأسواق وانهيارها، كونها تتأرجح كحركة البندول بزعمهم، وكأنها حتمية إلهية!. وهذا بدوره يدخل في إطار سعي أعداء الإنسانية لإحلال الذكاء الصناعي، والأفاتار، محل الإله. نجد ذلك في كتاب وارين بافيت "المستثمر الذكي"، ويقول فيه، متقمصا دور "إله الاقتصاد":إن الأسواق الصاعدة "يجب" أن تواجه كارثة!. ويقول الخبراء إن المستثمرين يقعون غالبا ضحايا ما يسمى (inception) أو غرس الفكرة، حيث يتم ترديد فكرة أو كذبة بعينها مرات كثيرة حتى يتم تقبلها بوصفها حقيقة غير قابلة للنفي، في عملية أقرب ما تكون إلى التنويم المغناطيسي الذي يمارس على عموم المجتمعات لإحداث ثقافة أو "برمجة مجتمعية" عامة هي التفسير الأدق لعقلية القطيع.

وبحسب دراسة لمؤسسات اقتصادية عدة، بينها كلية إدارة الأعمال بجامعة شيكاغو، ارتفع مؤشر "نازداك"، والذي يضم شركات التكنولوجيا، بنحو 30% بين نهاية مايو 2023 ونهاية مايو 2024 بفعل قوة "الإيحاء". وتؤكد الدراسة أن المحرك الرئيسي لصعود المؤشر لم يكن قوة الاقتصاد الأمريكي، ولكن "الإيحاء" من خلال الأخبار المتواترة بتأثيرات الذكاء الصناعي الاستثنائية على المستقبل.

وبنفس طريقة سياسة واقتصاد طق الحنك يحاول ترامب ابتلاع غزة. لكن ما لا يدركه ترامب وقبيله هو أن السياسة قد تتلاعب بالاقتصاد لكن العكس ليس صحيحا دائما. فهو يظن أن كلماته التي هزت الاقتصاد الكندي وأضرت به، وفعلت الأفاعيل هنا وهناك، يمكن أن تفعل المفعول نفسه في مصير غزة. هو يحسب أنه لو تحدث عن تهجير سكان غزة شرقا وغربا فسيتحقق ذلك قبل أن يرتد إليه طرفه، وهنا نقول له: لا يا سيد ترامب، لن تجدي سياسة طق الحنك مع غزة. فشعب غزة وفرسانها لا يعيشون عصر الأفاتار ولا يؤمنون به مثل كيانات أخرى تتقمصه وتجعل من أحلامك أوامر. وما فشلت فيه، حرب الإبادة العالمية ضد غزة، لن يفلح فيه طق حنكك.

مساحة إعلانية