رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عصام بيومي

إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية

مساحة إعلانية

مقالات

993

عصام بيومي

رحيل ترودو.. انهيار الليبرالية وانكشاف "حقارة" الغرب!

21 يناير 2025 , 06:09م

عندما تولى جاستن ترودو رئاسة الوزراء في كندا عام 2015، أحدث تألقه الشخصي حالة من الهوس في أنحاء العالم، وتمنى كثيرون في دول كثيرة عربية وأجنبية لو أنه كان رئيسهم. أشارت لذلك، آنذاك، مجلة الإيكونوميست البريطانية، وعنونت أخرى وهي "رولنج ستون" الأمريكية صراحة تقول (لماذا لا يكون ترودو رئيسنا؟). واعتُبر وصول ترودو إلى سدة الحكم، وقتها، تتويجا وتلميعا لليبرالية الغرب، ذلك النظام السياسي الذي أريد له أن يكون نهاية التاريخ ودين العالم الجديد. لكن نحو عشر سنوات من حكم ترودو، الذي ينتهي فعليا في مارس المقبل، كانت كفيلة بإظهار وجهه الحقيقي بعيدا عن وسامة ملامحه ونعومة شعره، كما كانت كفيلة بإظهار كل قبائح تلك الليبرالية المزعومة، التي رُوج أنها درة حضارة الغرب فلم تزد على أن تكون رمز "حقارة" الغرب، ومجرد بروفة لدين الدجال المنتظر.

وقد بدأ كتاب كثيرون يتساءلون: كيف أمكن لمثل هذه الشخصية الضعيفة، التي تم كشفها في نهاية المطاف، أن ترتفع في عالم السياسة إلى هذا الحد، حتى مع الأخذ في الاعتبار ميراث أبيه السياسي الكبير؟ ويوضح الكاتب الكندي مايكل كوينكو "إن ذلك حدث من خلال الاستعراض والخداع والشهرة". ويضيف: وقد تمكن (ترودو) بهذه الوسائل من التغطية على التناقضات المتصاعدة المروعة ليس فقط في الحزب الليبرالي الكندي، بل وفي الليبرالية نفسها". ففي الوقت الذي كانت الليبرالية، الأيديولوجية الغربية المهيمنة، تعاني بشدة في كل من أوروبا والولايات المتحدة-برغم محاولات تعظيمها من قبل "سحرة الفكر" من أمثال هنتنجتون وفوكو واعتبارها المثل الأعلى للأيديولجيا- فقد كانت على موعد مع نجاح كبير مفاجئ في كندا حيث بلغت قمة تألق جديدة بقيادة ترودو، بداية من عام 2015. وبدت كندا وكأنها معقل صمدت فيه الليبرالية بل وانتعشت. وقد كان ذلك بالنسبة لحكام الغرب الأصليين وبالوكالة، أوهامًا ضرورية يبيعونها للجماهير. فقد أصبحت كندا، والكلام لكوينكو، مثل "قاعة التباهي" بأن عقيدتهم الليبرالية، لا تزال تمتلك فرصة في عالم أصبح أكثر عداءً لها بعدما اكتشف زيف شعاراتها وتناقضاتها. فبينما كانت بريطانيا تتجه للخروج من الاتحاد الأوروبي (فشل ليبرالي) وكانت الولايات المتحدة تتهيأ لاستقبال ترمب رئيسا، (ضربة أخرى لليبرالية المثالية، باعتبار ترمب من المحافظين، وهذه فيها تفصيل لاحق)، كان صعود ترودو في كندا بمنزلة نقطة ضوء وانتعاش كبيرة لليبرالية.

لكن ذاك الصمود انتهى إلى فشل ذريع، إذ لم يحقق ترودو بوسامته وحسن منطقه أي إنجاز حقيقي على المستوى السياسي أو الاقتصادي ولم ينفذ أيا من وعوده الأساسية مثل خفض تكاليف المعيشة وحل مشكلة الإسكان التي جعلت شباب كندا مثل شباب دول كثيرة في العالم الثالث يفقد الأمل في اقتناء منزل وتأسيس أسرة سعيدة، وهو الشعار الكاذب الذي خدع شبابا كثيرين للهجرة إلى الغرب وخاصة كندا لعقود طويلة. الأمر الذي أدى إلى شيوع موجة هجرة عكسية متصاعدة من كندا وليس إليها، حتى بين البيض قبل الأعراق الأخرى.

ومع اشتداد الأزمة تحول النجم إلى شيطان في عيون قطاعات كبيرة. وانتشرت في كل شوارع كندا وعلى السيارات عبارات بذيئة بحقه، أقرب ترجمة مقبولة لها يمكن أن تكون "اللعنة على ترودو". وبعد 'التأليه" العجيب الذي حظي به في البداية، بدأت تدريجيا مرحلة الشيطنة وانكشاف الوجه الحقيقي، مع تزايد معدلات الفقر نتيجة ارتفاع الأسعار المتواصل وغير المبرر، واشتداد أزمة الإسكان التي تسبب بها نتيجة سياسته الهوجاء في استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين الذين شكلوا عبئا خطيرا على سوق العمل وعلى كل القطاعات، ما أدى إلى تزايد معدلات التضخم وتحوّلِ المتسولين في شوارع وميادين المدن الرئيسية من أفراد متناثرين إلى جماعات كبيرة وجيوش حقيقية مشوهة للمنظر العام، بل ومخيفة أيضا فيما يشبه بالفعل أفلام (walking dead) أو "المشاؤون الأموات". ولا عجب أن كان "النجاح" الوحيد الفعلي الذي حققه هو نشر الشذوذ وفرضه تقريبا على الكنديين إضافة إلى تشريع وتقنين استخدام وشراء المواد المخدرة "الماريجوانا"، لدرجة أن محال بيع تلك المواد باتت في كل ركن وزاوية. والأدهى من ذلك وهو ما تم أخيرا، وقبل أسابيع قليلة، هو بيع الخمور في محال السوبرماركت الصغيرة. وبتزايد الأسعار وتكلفة المعيشة يتزايد عدد المعسرين. وبتزايد هؤلاء يتزايد عدد المشردين والمدمنين وإقبالهم على كل أنواع المخدرات والموبقات، وكأن هذه هي الخطة وليس الخطأ.  

وبعدما كان أنصار ومروجو الليبرالية يقدمونها قديما، منذ عهد روزفلت، وحديثا على أنها الأمل في مستقبل أفضل والتيار الذي سيحمل الجميع نحو الرفاهية، أظهر فشل ترودو الذريع وجهها القبيح وأنها مجرد وعود في الهواء. فحال الناس في أي دولة من دول الليبرالية في تدهور مستمر تشهد به الأرقام والإحصاءات حتى وإن ادعى كهنتها العكس. وباستقالة ترودو يفترض أن ينتهي وهم الليبرالية وعصرها البراق الزائف. وليتأكد للعالم ما خلُصتُ إليه في ورقة بحثية قدمتها في إطار نيل درجة الماجستير وكانت بعنوان "الليبرالية هي الشعار والواقعية هي الفعل"،2004. بمعنى أن ما يحكم العالم كان ولايزال وسيظل هو منطق شريعة الغاب (هوبز)، وأن الإفساد في الأرض يجري على قدم وساق، على طريق صناعة الكفر.

 

[email protected]

مساحة إعلانية