رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. حامد أحمد المرواني

مساحة إعلانية

مقالات

1467

د. حامد أحمد المرواني

المدير الذي لا يقرر.. لماذا ندفع له راتباً؟

20 أكتوبر 2026 , 12:00ص

لعل كثيراً منا في قطر، سواء كان موظفاً أو صاحب شركة أو مستثمراً، مرّ بتجربة احتاج فيها إلى قرار إداري واضح، لكنه فوجئ بأن الموضوع انتقل من مكتب إلى آخر، ثم إلى لجنة، وربما إلى مسؤول أعلى، رغم أن المدير الذي عُرض عليه الموضوع يمتلك أصلاً صلاحية اتخاذ القرار. تمر الأيام، وتتوالى المراسلات، وتُعقد الاجتماعات، وقد يعود الموضوع في النهاية إلى النقطة التي بدأ منها. والمفارقة أن الجميع يبدو منشغلاً بالعمل، لكن العمل نفسه لا يتقدم.

هذه الصورة تكشف مشكلة إدارية لا تحظى دائماً بما تستحقه من اهتمام؛ فنحن نناقش القرارات الخاطئة ونتائجها، لكننا قلما نتوقف عند القرارات التي كان ينبغي اتخاذها ولم تُتخذ. فالقرار الخاطئ قد يظهر أثره سريعاً، أما القرار المؤجل فتتوزع خسائره بين الوقت والمال والفرص الضائعة، دون أن يتحمل أحد مسؤوليتها بصورة واضحة.

عندما تعيّن مؤسسة مديراً، فإنها لا تمنحه راتباً ومزايا أعلى لمجرد أنه يحمل مسمى وظيفياً أكبر، أو يجلس في مكتب أوسع، أو يحضر اجتماعات أكثر. إنها تدفع له مقابل خبرته ومسؤولياته، وفي مقدمتها القدرة على اتخاذ القرارات التي تدخل ضمن صلاحياته وتحمل نتائجها. وإذا كان سيعيد كل قرار صعب إلى رئيسه أو إلى لجنة أو إلى مجلس الإدارة، رغم امتلاكه صلاحية اتخاذه، فما القيمة الإضافية التي يقدمها للمؤسسة؟

ولا يعني ذلك أن المدير الجيد هو الذي يقرر وحده أو يرفض الاستشارة. فالمدير الحكيم يستمع إلى المختصين، ويدرس البدائل، ويقدر المخاطر، لكنه يدرك أن الاستشارة تساعده على اتخاذ القرار ولا تعفيه من مسؤوليته عنه. وهناك فرق جوهري بين من يستشير لكي يقرر، ومن يستشير لكي لا يقرر.

في بعض المؤسسات، قد يبدأ تأجيل القرار بطلب يبدو منطقياً: نحتاج إلى دراسة إضافية. وبعد إعداد الدراسة، يُطلب رأي قانوني، ثم تُشكّل لجنة، ثم تُرفع توصياتها إلى مستوى إداري أعلى. وقد تكون كل خطوة صحيحة من حيث الشكل، لكن السؤال الذي يغيب أحياناً هو: هل أضافت هذه الخطوات معلومات ضرورية، أم أنها أخّرت قراراً كانت عناصرها مكتملة منذ البداية؟

والمشكلة ليست في اللجان أو الإجراءات، فهي ضرورية لحماية المؤسسات وضمان سلامة قراراتها، وإنما في استخدامها لإحالة المسؤولية بدلاً من ممارستها. وقد يتحول المدير إلى حلقة إضافية في سلسلة المعاملات، بدلاً من أن يكون الشخص الذي تنتهي عنده المسائل الداخلة ضمن صلاحياته. وهكذا تصبح كثرة المراسلات دليلاً ظاهرياً على النشاط، بينما يظل الإنجاز الحقيقي معلقاً في انتظار قرار.

وتتضح المشكلة أكثر عندما يمتلك المدير صلاحيات مالية وإدارية معتمدة، ثم يرفع قرارات تدخل ضمنها إلى رئيسه المباشر أو الإدارة العليا أو مجلس الإدارة، وربما إلى المؤسسة المالكة إن وجدت. قد يتعلق الأمر باختيار مورد، أو اعتماد مصروف داخل الميزانية المقررة، أو معالجة خلاف مع مقاول، أو حسم مسألة تشغيلية لا تتطلب موافقة جهة أعلى. ومع ذلك، يفضل بعض المديرين إحالة هذه الموضوعات إلى غيرهم، وكأن امتلاك الصلاحية لا يعني بالضرورة الاستعداد لاستخدامها.

وهنا لا يتعطل العمل في الإدارة المعنية وحدها، بل تنتقل المشكلة إلى المستويات العليا، التي تجد نفسها منشغلة بتفاصيل كان يفترض أن تُحسم قبل وصولها إليها. والأسوأ أن هذا السلوك قد ينتقل إلى المرؤوسين، فيتعلمون بدورهم أن الطريق الأكثر أماناً هو رفع القرارات لا تحمل مسؤوليتها. وهكذا تتحول مشكلة مدير واحد إلى ثقافة مؤسسية، تتعدد فيها مستويات الإدارة، لكن يقل فيها عدد الأشخاص المستعدين للحسم.

ولنتصور مشروعاً عقارياً في قطر يحتاج إلى قرار بشأن تعديل فني يقع ضمن صلاحيات المدير المختص. يقدم الاستشاري رأيه، ويوضح المقاول البدائل وتكلفتها، وتكون المعلومات اللازمة متاحة، لكن القرار يتأخر. وخلال فترة الانتظار تتعطل أعمال مرتبطة به، وقد تتأخر توريدات أو تتراكم مطالبات مالية. وعندما يصدر القرار أخيراً، قد يكون هو نفسه الذي أوصى به الفريق منذ البداية، ولكن بعد أن أصبح تنفيذه أكثر تكلفة.

هذا المثال الافتراضي يوضح أن التأخير ليس مجرد وقت ضائع، بل قد يتحول إلى تكلفة تمويل وأجور والتزامات تعاقدية وفرص استثمارية مفقودة. وفي الاقتصاد، لا تُقاس الخسارة بما ندفعه فقط، بل أيضاً بما نفقد فرصة الحصول عليه، وهو ما يُعرف بتكلفة الفرصة البديلة. ولذلك قد لا يظهر تأجيل قرار استثماري خسارة مباشرة في الحسابات، لكنه قد يحرم المؤسسة من عائد كان يمكن تحقيقه.

وفي دراسة نشرتها شركة ماكنزي للاستشارات الإدارية عام 2019، شملت أكثر من 1200 مشارك من قطاعات ودول مختلفة، أفاد 20% فقط بأن مؤسساتهم تتميز في اتخاذ القرارات. وما يهمنا هنا ليس نقل الأرقام الأجنبية إلى واقعنا المحلي، وإنما إدراك المبدأ الذي تكشفه: أن كفاءة المؤسسة لا تتحدد فقط بنوعية القرارات، بل أيضاً بالمستوى الذي تُتخذ فيه، والوقت الذي تستغرقه.

لكن لماذا يتجنب بعض المديرين اتخاذ القرار؟ ليس السبب دائماً ضعف الخبرة أو الشخصية. فقد يعمل المدير في بيئة تعاقب من يجتهد ويخطئ، بينما تتسامح مع من يؤجل القرار أو يرفعه إلى جهة أعلى. ومع الوقت، يصبح تجنب المسؤولية وسيلة للمحافظة على المنصب. وقد تساهم الإدارة العليا نفسها في المشكلة عندما تمنح الصلاحيات نظرياً، ثم تتدخل عملياً في كل قرار، فتضعف ثقة المدير في حدود مسؤوليته.

وهنا يجب التمييز بين مدير يمتلك صلاحيات حقيقية لكنه يتجنب استخدامها، وآخر يحمل صلاحيات على الورق بينما لا يُسمح له بممارستها. فالمساءلة العادلة تبدأ بالتأكد من أن المدير يملك فعلاً سلطة اتخاذ القرار، وأن التأخير لم يكن نتيجة قيود مفروضة عليه.

كما أن عدم اتخاذ القرار ليس دائماً موقفاً محايداً. فعندما يؤجل المدير قراراً تتوافر معلوماته ويملك صلاحية اتخاذه، فإنه يختار عملياً استمرار الوضع القائم، بكل ما قد يترتب عليه من تكلفة. وهناك فرق بين التروي والتردد؛ فالأول يعني دراسة البدائل وتقدير المخاطر قبل الحسم، أما الثاني فهو الاستمرار في طلب المعلومات والموافقات بعد زوال المبررات الحقيقية للتأجيل.

ولهذا ينبغي أن يشمل تقييم المديرين القرارات التي بقيت معلقة لديهم، وأسباب تأخيرها، وما إذا كانت قد أُحيلت إلى جهات أعلى رغم وقوعها ضمن صلاحياتهم. ويمكن للمؤسسة أن تبدأ بمراجعة القرارات التي تجاوزت المدة المحددة لحسمها، لمعرفة ما إذا كان التأخير ناتجاً عن نقص المعلومات أو غموض الصلاحيات أو تجنب المسؤولية. فالهدف ليس استعجال القرارات، وإنما منع ضياع المسؤولية بين المكاتب واللجان.

وفي النهاية، لا تحتاج مؤسساتنا إلى مديرين يوقعون كل ما يُعرض عليهم، ولا إلى مديرين يخشون التوقيع على كل ما يُعرض عليهم. إنها تحتاج إلى قيادات تعرف متى تستشير، ومتى تتريث، ومتى تحسم، وتدرك أن الصلاحية ليست امتيازاً يمنحه المنصب، بل مسؤولية تفرضها الوظيفة.

إن المؤسسة لا تدفع للمدير راتباً مرتفعاً لكي يكون حلقة إضافية في سلسلة المراسلات، بل لكي يكون نقطة حسم فيما يدخل ضمن صلاحياته. فتأجيل القرارات دون مبرر قد يعطل مصالح الناس ويؤخر إنجاز معاملاتهم، كما قد يتسبب في تعثر المشاريع وارتفاع تكاليفها وضياع فرص استثمارية لا تتكرر. ولهذا فإن مسؤولية المدير لا تُقاس فقط بالقرارات التي اتخذها، بل أيضاً بالقرارات التي كان عليه اتخاذها ولم يفعل، وبما ترتب على ذلك من أضرار كان بالإمكان تجنبها.

اقرأ المزيد

حين تتمدد الصلاحية وتنكمش المسؤولية حين تتمدد الصلاحية وتنكمش المسؤولية

في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار... اقرأ المزيد

1158

| 06 أكتوبر 2026

أزمة هرمز.. كيف نخرج منها باقتصاد قطري أكثر مرونة؟ أزمة هرمز.. كيف نخرج منها باقتصاد قطري أكثر مرونة؟

في الأوقات العادية، قد تبدو الاحتياطيات المالية والاستثمارات الخارجية مجرد أرقام كبيرة في التقارير. أما في الأزمات، فتتحول... اقرأ المزيد

1122

| 04 أكتوبر 2026

من يحمي الشركة العائلية من صراع الورثة؟ من يحمي الشركة العائلية من صراع الورثة؟

بعد أيام من رحيل مؤسس الشركة، يجتمع الأبناء حول الطاولة التي كان يتصدرها طوال عقود. الكرسي نفسه موجود،... اقرأ المزيد

1227

| 29 سبتمبر 2026

مساحة إعلانية