رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لعل كثيراً منا في قطر، سواء كان موظفاً أو صاحب شركة أو مستثمراً، مرّ بتجربة احتاج فيها إلى قرار إداري واضح، لكنه فوجئ بأن الموضوع انتقل من مكتب إلى آخر، ثم إلى لجنة، وربما إلى مسؤول أعلى، رغم أن المدير الذي عُرض عليه الموضوع يمتلك أصلاً صلاحية اتخاذ القرار. تمر الأيام، وتتوالى المراسلات، وتُعقد الاجتماعات، وقد يعود الموضوع في النهاية إلى النقطة التي بدأ منها. والمفارقة أن الجميع يبدو منشغلاً بالعمل، لكن العمل نفسه لا يتقدم.
هذه الصورة تكشف مشكلة إدارية لا تحظى دائماً بما تستحقه من اهتمام؛ فنحن نناقش القرارات الخاطئة ونتائجها، لكننا قلما نتوقف عند القرارات التي كان ينبغي اتخاذها ولم تُتخذ. فالقرار الخاطئ قد يظهر أثره سريعاً، أما القرار المؤجل فتتوزع خسائره بين الوقت والمال والفرص الضائعة، دون أن يتحمل أحد مسؤوليتها بصورة واضحة.
عندما تعيّن مؤسسة مديراً، فإنها لا تمنحه راتباً ومزايا أعلى لمجرد أنه يحمل مسمى وظيفياً أكبر، أو يجلس في مكتب أوسع، أو يحضر اجتماعات أكثر. إنها تدفع له مقابل خبرته ومسؤولياته، وفي مقدمتها القدرة على اتخاذ القرارات التي تدخل ضمن صلاحياته وتحمل نتائجها. وإذا كان سيعيد كل قرار صعب إلى رئيسه أو إلى لجنة أو إلى مجلس الإدارة، رغم امتلاكه صلاحية اتخاذه، فما القيمة الإضافية التي يقدمها للمؤسسة؟
ولا يعني ذلك أن المدير الجيد هو الذي يقرر وحده أو يرفض الاستشارة. فالمدير الحكيم يستمع إلى المختصين، ويدرس البدائل، ويقدر المخاطر، لكنه يدرك أن الاستشارة تساعده على اتخاذ القرار ولا تعفيه من مسؤوليته عنه. وهناك فرق جوهري بين من يستشير لكي يقرر، ومن يستشير لكي لا يقرر.
في بعض المؤسسات، قد يبدأ تأجيل القرار بطلب يبدو منطقياً: نحتاج إلى دراسة إضافية. وبعد إعداد الدراسة، يُطلب رأي قانوني، ثم تُشكّل لجنة، ثم تُرفع توصياتها إلى مستوى إداري أعلى. وقد تكون كل خطوة صحيحة من حيث الشكل، لكن السؤال الذي يغيب أحياناً هو: هل أضافت هذه الخطوات معلومات ضرورية، أم أنها أخّرت قراراً كانت عناصرها مكتملة منذ البداية؟
والمشكلة ليست في اللجان أو الإجراءات، فهي ضرورية لحماية المؤسسات وضمان سلامة قراراتها، وإنما في استخدامها لإحالة المسؤولية بدلاً من ممارستها. وقد يتحول المدير إلى حلقة إضافية في سلسلة المعاملات، بدلاً من أن يكون الشخص الذي تنتهي عنده المسائل الداخلة ضمن صلاحياته. وهكذا تصبح كثرة المراسلات دليلاً ظاهرياً على النشاط، بينما يظل الإنجاز الحقيقي معلقاً في انتظار قرار.
وتتضح المشكلة أكثر عندما يمتلك المدير صلاحيات مالية وإدارية معتمدة، ثم يرفع قرارات تدخل ضمنها إلى رئيسه المباشر أو الإدارة العليا أو مجلس الإدارة، وربما إلى المؤسسة المالكة إن وجدت. قد يتعلق الأمر باختيار مورد، أو اعتماد مصروف داخل الميزانية المقررة، أو معالجة خلاف مع مقاول، أو حسم مسألة تشغيلية لا تتطلب موافقة جهة أعلى. ومع ذلك، يفضل بعض المديرين إحالة هذه الموضوعات إلى غيرهم، وكأن امتلاك الصلاحية لا يعني بالضرورة الاستعداد لاستخدامها.
وهنا لا يتعطل العمل في الإدارة المعنية وحدها، بل تنتقل المشكلة إلى المستويات العليا، التي تجد نفسها منشغلة بتفاصيل كان يفترض أن تُحسم قبل وصولها إليها. والأسوأ أن هذا السلوك قد ينتقل إلى المرؤوسين، فيتعلمون بدورهم أن الطريق الأكثر أماناً هو رفع القرارات لا تحمل مسؤوليتها. وهكذا تتحول مشكلة مدير واحد إلى ثقافة مؤسسية، تتعدد فيها مستويات الإدارة، لكن يقل فيها عدد الأشخاص المستعدين للحسم.
ولنتصور مشروعاً عقارياً في قطر يحتاج إلى قرار بشأن تعديل فني يقع ضمن صلاحيات المدير المختص. يقدم الاستشاري رأيه، ويوضح المقاول البدائل وتكلفتها، وتكون المعلومات اللازمة متاحة، لكن القرار يتأخر. وخلال فترة الانتظار تتعطل أعمال مرتبطة به، وقد تتأخر توريدات أو تتراكم مطالبات مالية. وعندما يصدر القرار أخيراً، قد يكون هو نفسه الذي أوصى به الفريق منذ البداية، ولكن بعد أن أصبح تنفيذه أكثر تكلفة.
هذا المثال الافتراضي يوضح أن التأخير ليس مجرد وقت ضائع، بل قد يتحول إلى تكلفة تمويل وأجور والتزامات تعاقدية وفرص استثمارية مفقودة. وفي الاقتصاد، لا تُقاس الخسارة بما ندفعه فقط، بل أيضاً بما نفقد فرصة الحصول عليه، وهو ما يُعرف بتكلفة الفرصة البديلة. ولذلك قد لا يظهر تأجيل قرار استثماري خسارة مباشرة في الحسابات، لكنه قد يحرم المؤسسة من عائد كان يمكن تحقيقه.
وفي دراسة نشرتها شركة ماكنزي للاستشارات الإدارية عام 2019، شملت أكثر من 1200 مشارك من قطاعات ودول مختلفة، أفاد 20% فقط بأن مؤسساتهم تتميز في اتخاذ القرارات. وما يهمنا هنا ليس نقل الأرقام الأجنبية إلى واقعنا المحلي، وإنما إدراك المبدأ الذي تكشفه: أن كفاءة المؤسسة لا تتحدد فقط بنوعية القرارات، بل أيضاً بالمستوى الذي تُتخذ فيه، والوقت الذي تستغرقه.
لكن لماذا يتجنب بعض المديرين اتخاذ القرار؟ ليس السبب دائماً ضعف الخبرة أو الشخصية. فقد يعمل المدير في بيئة تعاقب من يجتهد ويخطئ، بينما تتسامح مع من يؤجل القرار أو يرفعه إلى جهة أعلى. ومع الوقت، يصبح تجنب المسؤولية وسيلة للمحافظة على المنصب. وقد تساهم الإدارة العليا نفسها في المشكلة عندما تمنح الصلاحيات نظرياً، ثم تتدخل عملياً في كل قرار، فتضعف ثقة المدير في حدود مسؤوليته.
وهنا يجب التمييز بين مدير يمتلك صلاحيات حقيقية لكنه يتجنب استخدامها، وآخر يحمل صلاحيات على الورق بينما لا يُسمح له بممارستها. فالمساءلة العادلة تبدأ بالتأكد من أن المدير يملك فعلاً سلطة اتخاذ القرار، وأن التأخير لم يكن نتيجة قيود مفروضة عليه.
كما أن عدم اتخاذ القرار ليس دائماً موقفاً محايداً. فعندما يؤجل المدير قراراً تتوافر معلوماته ويملك صلاحية اتخاذه، فإنه يختار عملياً استمرار الوضع القائم، بكل ما قد يترتب عليه من تكلفة. وهناك فرق بين التروي والتردد؛ فالأول يعني دراسة البدائل وتقدير المخاطر قبل الحسم، أما الثاني فهو الاستمرار في طلب المعلومات والموافقات بعد زوال المبررات الحقيقية للتأجيل.
ولهذا ينبغي أن يشمل تقييم المديرين القرارات التي بقيت معلقة لديهم، وأسباب تأخيرها، وما إذا كانت قد أُحيلت إلى جهات أعلى رغم وقوعها ضمن صلاحياتهم. ويمكن للمؤسسة أن تبدأ بمراجعة القرارات التي تجاوزت المدة المحددة لحسمها، لمعرفة ما إذا كان التأخير ناتجاً عن نقص المعلومات أو غموض الصلاحيات أو تجنب المسؤولية. فالهدف ليس استعجال القرارات، وإنما منع ضياع المسؤولية بين المكاتب واللجان.
وفي النهاية، لا تحتاج مؤسساتنا إلى مديرين يوقعون كل ما يُعرض عليهم، ولا إلى مديرين يخشون التوقيع على كل ما يُعرض عليهم. إنها تحتاج إلى قيادات تعرف متى تستشير، ومتى تتريث، ومتى تحسم، وتدرك أن الصلاحية ليست امتيازاً يمنحه المنصب، بل مسؤولية تفرضها الوظيفة.
إن المؤسسة لا تدفع للمدير راتباً مرتفعاً لكي يكون حلقة إضافية في سلسلة المراسلات، بل لكي يكون نقطة حسم فيما يدخل ضمن صلاحياته. فتأجيل القرارات دون مبرر قد يعطل مصالح الناس ويؤخر إنجاز معاملاتهم، كما قد يتسبب في تعثر المشاريع وارتفاع تكاليفها وضياع فرص استثمارية لا تتكرر. ولهذا فإن مسؤولية المدير لا تُقاس فقط بالقرارات التي اتخذها، بل أيضاً بالقرارات التي كان عليه اتخاذها ولم يفعل، وبما ترتب على ذلك من أضرار كان بالإمكان تجنبها.
حين تتمدد الصلاحية وتنكمش المسؤولية
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار... اقرأ المزيد
1158
| 06 أكتوبر 2026
أزمة هرمز.. كيف نخرج منها باقتصاد قطري أكثر مرونة؟
في الأوقات العادية، قد تبدو الاحتياطيات المالية والاستثمارات الخارجية مجرد أرقام كبيرة في التقارير. أما في الأزمات، فتتحول... اقرأ المزيد
1122
| 04 أكتوبر 2026
من يحمي الشركة العائلية من صراع الورثة؟
بعد أيام من رحيل مؤسس الشركة، يجتمع الأبناء حول الطاولة التي كان يتصدرها طوال عقود. الكرسي نفسه موجود،... اقرأ المزيد
1227
| 29 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
4239
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2592
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2355
| 15 أكتوبر 2026