رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عصام بيومي

إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية

مساحة إعلانية

مقالات

372

عصام بيومي

الفلاسفة «ترزية» أفكار.. ليس كل ما يلمع فكرًا!

22 نوفمبر 2024 , 02:00ص

تحدثنا في المقال السابق عن «إعادة الضبط» الإسلامية، وأحسب أن في كثير من دولنا مساحات متفاوتة من الحرية تتيح للمثقفين والمفكرين مباشرتها. لكن المشكلة الحقيقية التي تعيق تلك العملية هم «المفكرون» أنفسهم أو أكثرهم، وتأثير أفكارهم «المفخخة» على العقل العربي. فليس كل مقولة تلمع تعد فكرا. والفكر الحق النافع هو الذي يفهمه الجميع وتتطور به المجتمعات، وليس ما تتعذب في فهمه حتى النخب.

بالنظر إلى معظم المقاربات، التي استهدفت «إعادة الضبط»، أو ما يسمى «مشاريع النهضة»، سنجد أن غالبية من تبنوا تلك المشاريع بحثوا عن الحل في بحور الفلسفة فغرقوا فيها. لأن الفلسفة برمتها خارج نطاق الحل الذي يقبله المؤمن بوجود إله واحد عليم خبير، أخبرنا بما كان وما يكون، ولم يفرط في شيء في كتابه الحكيم. فتلك الفلسفة التي أعتبِرُها أساس الحرب على العقل المسلم، امتدادا لرأي الإمام الغزالي الكبير، جعلها أعداء الإنسانية ومن لف لفهم، وعاء الفكر الإنساني الوحيد المقبول منذ أن ابتدعوها، بينما هي لا يمكنها حل أي شيء يتعلق بالعقل المسلم، إذ هي بالضرورة في تضاد معه وخصام. ولطالما سخروها للبحث عن «مفقود» قدمه الإسلام جاهزا واضحا لا لبس فيه، فكانوا كمن أنكر وجود الشمس وراح يبحث عنها في الظلام، فأنى يجدها!.

لقد كان رفض أعداء الإنسانية التسليم بالقضاء والقدر، وتحريفهم كتبهم، وظنهم أنهم قادرون على محاججة الخالق وجداله في حكمته، كانت تلك أبوابا أدخلوا منها على البشر ما يسمى الفلسفة فراحوا يبحثون عن أسباب «منطقية» للأشياء بزعمهم، وأخذوا البشرية معهم في طريق الضلال. وهنا نلحظ أن معظم من سُموا فلاسفة كانوا «ترزية» أفكار مثل ترزية القوانين المعاصرين، وكان منهم تجار عبيد (فولتير) ومغتصبو أطفال (فوكو).

وإعادة الضبط الإسلامية تستدعي «غربلة» أفكار كثير ممن حُسبوا على الفكر العربي الإسلامي لكنهم ساهموا في عملية التضليل الكبرى تلك، بقصد أو بغير قصد، إذ جعلوا الفلسفة سقفا لأفكارهم شاعرين بدونية إزاءها، واستخدموا مصطلحات غامضة وفضفاضة فشتتوا الفكر العربي، وجعلوه «أسير المصطلحات»، وأصابوا الشعوب العربية بـ»سكتة عصبية»، تجسدت في السلبية واللا مبالاة.

وهنا نلحظ أن التاريخ العربي الإسلامي جرت مقاربته من مفاهيم ومناظير غربية، أطّرتها الفلسفة، وأحاطتها التناقضات. والسبب أن هذا التاريخ كتبه، أو أملاه غربيون معادون، و»مثقفون» عرب، موالون للغرب أكثر من ولائهم للعروبة والإسلام، بحسب مالك بن نبي. لكن بن نبي ذاته، مثلا، والذي تأثر، أحيانا، بأعمال فلاسفة الغرب، ورغم أنه الأكثر إخلاصا للفكرة الإسلامية، وقع في التناقض بصياغته فكرة أحسبها أضرت ضررا جسيما بمسألة النهوض كلها وضربتها في أساسها- ما جعلها محل انتقادات- ألا وهي ما سماها «القابلية للاستعمار» التي ألصقها بالشعوب الإسلامية قاطبة، وهو ما أوهنها ورسخ شعورها بالعجز والاستسلام.

وقريب من ذلك قول د.عبد الوهاب المسيري ‎: «ثمة هزيمة داخلية في الفكر العربي تجعل من الغرب المرجعية ومصدر المعرفة الوحيد»، ناسيا أن يقول إن تلك الهزيمة حدثت بفعل فاعل هو الغرب نفسه. كما أن إنكاره تآمر اليهود وبروتوكولاتهم أمر سيظل مثيرا للعجب، وقد رفضته منه مباشرة في لقاء على هامش ندوة بعاصمة خليجية أواخر الألفية الثانية. وأشهد أن رده كان انفعاليا ومحفوفا بالقلق. وقد أثبت كثيرون خطأ ذلك الرأي ومنهم د. بهاء الأمير في كتابه المهم «الوحي ونقيضه». بل إن المسيري، مثلا، أنكر أي تدخل لليهود في القضاء على أحلام محمد علي باشا مع أن إدارتهم للمشهد كله، الذي شمل أيضا تدمير الخلافة العثمانية، بات أمرا معروفا من التاريخ بالضرورة.

أخيرا، إذا كان التراث القديم يحتاج إلى إعادة النظر مرة فالتراث الحديث يحتاج إليها ألف مرة.

مساحة إعلانية