رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

بين خيرات الأرض وشاشات العَرْض

كم في باطن الأرض وعليها من الخيرات ما لا تسعه الكلمات ولا يحيط به إلا رب الأرض والسموات، وكم على العرض في الشاشات من الشرور ما تشيب له الولدان، وتضج له العقول من الزيف والكذب والبهتان، أما باطن الأرض فهي مفعمة بخيرات وبركات وأرزاق أرساها الرحمن في طياتها في أربعة أيام أما ما على ظهر الأرض من خيرات فلا يحصيه إلا الله ومن بحث عن خير وجده، وقد تجولتُ هذه العشر الأواخر من ربيع الآخر في بلاد عدة وكان السؤال المتكرر هو: ما رأيك فيما يجري في دول الربيع العربي وبخاصة مصر؟ فأقول ما على الأرض من خيرات يختلف عما يعرض في الشاشات، ولما كان الكلام يحتاج إلى دليل آثرت أن أسوق بعضا من الشواهد العينية على الأرض تؤكد ما عليها من خيرات تختلف عما يعرض من شرور تم تزيينها أو إن شئت تلفيقها نِْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى من (شَيَاطِينَ الْإ ،( بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ  غُرُورًا) (الأنعام: من الآية   112 فجعلوا الناس يكادون أن يحبطوا من الثورة والثوار، والإصلاح  والتغيير، ولنتجول في أرض الله لنرى معا كم تحمل من خيرات تُبشِّر بمستقبل طيب لبلادنا 2013 م حيث  /2/ وأمتنا وعالمنا، وأبدأ من السبت  2 سافرت إلى فرنسا في مؤتمر للمسلمين في مدينة "ليل" شمال باريس بساعتين، وهناك كان المؤتمر في قاعة من صالات الألعاب الكبرى، وترى من كل بقاع الأرض والفرنسيين الذين أسلموا طوعا، ما تقر به عينك، وقد أخبرني الأخ رئيس المؤتمر أن عمدة المدينة رفضت أن تحضر المؤتمر الحاشد بسبب حضوري المؤتمر لأني معادٍ للصهيونية - ونعم التهمة هي- وقد أجابهم الإخوة في المؤتمر: "إذا كنتم تدَّعون في النظام العلماني فصل الدين عن الدولة، فلا يجوز للسلطة أن تتدخل فيمن ندعو إلى المؤتمر" وقد أصروا على حضور العبد الفقير تحديًا لهذا التدخل السافر قربانا للصهيونية، مع ما في هذا الأمر من مخاطر عليهم لكنهم أعملوا قيمة العزة والكرامة، والحق القانوني على المنافع العاجلة، وسافرتُ بعدها إلى ألمانيا لألتقي بالعلماء والأئمة من مائة مركز إسلامي قطع بعضهم أكثر من سبعمائة كيلومتر كي يشتركوا في الدورة التكوينية الشرعية حول: "مقاصد الشريعة ودورها في فقه الأقليات المسلمة" وقد حاضر فيها العالم الرباني أ.د. عمر عبد الكافي، والعالم الشاب في علم المقاصد د.وصفي عاشور، والقائد الرباني العالم الأزهري د.خالد حنفي، وقد رأيتُ في وجوه هؤلاء العلماء وعزائمهم ما يبشِّر على الأرض بخير ليس في ألمانيا، وحدها وإنما في أوروبا كلها، والنقطة الأكثر اندهاشا هو حضور عدد من الأئمة  الألمان الذين أسلموا وتفرغوا لحفظ القرآن وتعلم اللغة العربية فلم يحتج واحد منهم لمترجم رغم أن مستوى الحديث بلغة علم المقاصد يعد مما يصعب على الطلاب العرب فهمه، ولكنهم كانوا يستوعبون كل شيء مما يسر القلب ويشرح الفؤاد. وفي طريق العودة من ميونخ إلى القاهرة كان هناك فتح رباني ما بين الأرض والسماء، حيث دار حوار مع أحد الركاب الذين كانوا قد اقتربوا من حفظ القرآن كله، لكن الصحبة السيئة جرته إلى كل ألوان الفجور، ومع التذكير بنِعم الله عليه ومدى استعداده للدار الآخرة، فإذا بالأصل النقي يعود إليه، وتُزال – بفضل الله - القشرة العارضة، وتحول الشاب في لحظات إلى الإنسان الذي يفيض حبا وخوفا من الرحمن، فأخرجت له مصحفي الذي لا يفارقني قلبا وقالبا وقلت له: ضع يدك وتب توبة نصوحة، وتذكر أن اليد التي تمسك كتاب الله لا تمسك خمرا ولا تمس يدا في الحرام، وتعاهدنا على ثلاث: عمارة المسجد، والورد القرآني، والصحبة الصالحة، ونزلت إلى مصر مغتبطا بهذا الشاب العائد إلى الله. وفي مصر الحبيبة التقينا في المجلس الأعلى في يوم واحد قرابة 800 شاب وفتاة على دفعتين في الصباح مجموعة تزيد عن 400 من الوافدين لمصر من 50 دولة، ورغم أن منحة المجلس محدودة وقليلة، لكنهم جادون في طلب العلوم الشرعية والتربوية واللغة العربية، وقد وقف شاب من ألبانيا وتكلم بلغة عربية فصحى، وفكر إسلامي ناضج، وقيادة ربانية تبشِّر بأن هناك سفراء عظماء سوف يقودون الدعوة في أوروبا بإذن الله، وتكلمت فتاة من كينيا في أرفع أسلوب باللغة العربية التي تجاوزت السلامة النحوية إلى البراعة البلاغية، ورغم مأساتها في عدم دراسة الإعلام الذي تحبه. وكان اليوم التالي مكتظا بلقاءات مع خيار كبار العلماء وشبابهم، وخيار الدعاة من الشباب والفتيات، وخُتم اليوم بلقاء مع مجلس الوزراء والسادة المحافظين، وذهبت بعدها إلى قطر يوم الجمعة 2013/2/8 م لنلتقي بخيرة العلماء من أعضاء مجلس أمناء جامعة الاتحاد العالمي التي يؤسسها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ومع أننا في دور النشأة إلا أننا وجدنا رسالة من أ.د سمير فخرو قائد التعليم الإلكتروني عن بعد في عالمنا العربي والإسلامي يرسل رسالة أنه على استعداد أن يقدم من جامعة آسيا كأحد قادتها كل الخدمات لكي تنهض جامعة الاتحاد، وجامعة آسيا لها 35 فرعا في العالم كله، وتستوعب مئات الآلاف من الدارسين في العلوم الشرعية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية. وفي  اليوم التالي كنا على موعد مع نخبة رائدة متميزة من فتيات قطر اللاتي أمضين عامين ونصف في دورة  القائدة الربانية، ولا تتخرج واحدة إلا بتقديم مشروع من مشاريع الدعوة والبر والنصرة للقيم والأخلاق،  وجاءت مشاريع الفتيات في سن الجامعة دليلا على الأفق الواسع والاستيعاب المتميز، والقدرة على الابتكار  والإبداع والحركة الدؤوب لوجه الله تعالى، وفي مساء اليوم نفسه كانت لي مشاركة في مؤتمر بعنوان:   "السياسة والفن في ميزان الأخلاق.. رؤية واقعية" وقد كان الحضور من كل قارات الدنيا وقد تكلم عبر الإنترنت الدكتور "نورمان فيكالشتين" وهو من يهود نيويورك مدافعا عن الإنسان الفلسطيني في مواجهة الظلم الصهيوني، وعرض فيلما عن الجُدر التي يقيمها اليهود بطريقة لا إنسانية تمزيقا للأسرة والمجتمع الفلسطيني، لكنه عرض جَلَد وصبر الفلسطينيين في مواجهة ظلم وطغيان الصهاينة مبشرا بنصر مبين للفلسطينيين على الصهاينة المعتدين. فهل تؤمنون معي بأن هذا الخير المدرار على الأرض هو الذي يبقى أم نستسلم للعرض في الشاشات الذي نحا أغلبه إلى تصوير دول الربيع العربي أنها صارت أرض الفوضى والمولوتوف والقتل والإضراب في منهجية آثمة لا تعرف إلا تعميم الشواذ وتلطيخ السواد الأعظم، وتشويه العظماء، وتشتيت الأفكار، وتمزيق الصفوف، وشيطنة الثورة.

3730

| 13 مارس 2013

بين غزة قبل وبعد استشهاد الجعبري

لقد عاشت غزة هاشم ما لا تحتمله الجبال من آلام الحصار وضرب النار، وإذا كان الشيء من معدنه لا يستغرب فأن يقوم الكيان الصهيوني بضرب غزة مرارا فقد أُخرج من غزة مقهورا يجر أذيال الهزيمة بعد أن لقي ضربات نافذة من الاستشهاديين والمقاومين وأطفال الحجارة الذين كانوا يواجهون الدبابة وعساكرها بالحجارة التي كانت تخرج من قلب امتلأ شجاعة وحمية على أرضه وعرضه، لكن المرارة الحقيقية أن تقوم الأنظمة العربية المجاورة بإنهاك المقاومة، وتجيِّش إمكانات وأموال ومواد بترولية عربية لخدمة المشروع الصهيوني، وثمة جرائم لن ينساها التاريخ حيث عُذِّب قادة المقاومة في سجون أنظمة عربية تشيب له الولدان، حتى قتل بعضهم على أيدي عصابات أمن الدولة والمخابرات كي ينتزعوا الاعترافات وتقدم رخيصة إلى الكيان الصهيوني وخدمة للبلاط الأمريكي، ولكن مصر تغيرت بفضل الله ثم بسبب هذه المظالم المتراكبة المتعاقبة، وجاء الدكتور محمد مرسي رئيسا لمصر وقد كان مسؤولا يوما ما عن ملف القضية الفلسطينية كلها فيعرف أصولها وفروعها وآلامها واحتياجاتها، ودعا قيادة حماس والحكومة الفلسطينية المنتخبة لأول مرة إلى القصر الجمهوري ليتحقق العدل بين لقاء القيادة المنتخبة في غزة وغير المنتخبة في رام الله، لكن حدة المرارة تتضاعف من النظام المصري السابق عندما حوَّل الغاز المصري الذي يحتاجه الشعب إلى سلعة رخيصة تقدم للصهاينة بسعر أرخص من الشعب المصري الذي يحتاج لكل نقطة غاز، لكن صلف وجهل وظلم وطغيان الأنظمة العربية جعلهم يحرمون شعوبهم وجيرانهم في فلسطين من الغاز والبترول وعوائده ويقدمون الأموال والمواد البترولية لعدونا فتشتغل بها المجنزرات والطائرات والمحركات القاتلة لإخواننا في فلسطين، والتي تحفر الأنفاق تحت المسجد الأقصى، وتشغّل أجهزة التكييف لقيادات وشعب بني صهيون في الوقت الذي مات فيه أكثر من مائتي مريض في مستشفيات غزة بسبب توقف أجهزة الإنعاش وغسيل الكُلى والأكسجين. أما ثالثة الأثافي فإعلان قرار ضرب غزة من القاهرة في مؤتمر صحفي ضم "ليفني" وأبو الغيط في تراجع غير مسبوق لدور مصر فتحولت حربا وقسوة على الأصدقاء وسِلما وخضوعا للأعداء، وظلت دول الجوار في ضرب غزة في 2009م تحكم الحصار وتشدِّده حتى لا يخرج مريض للعلاج، ولا يدخل طبيب إلا بشق الأنفس، ومنعت المساعدات إلا ماندر تحت ضغوط عالمية، بل سُلِّمت بعض المواد الإغاثية الخاصة بغزة إلى الكيان الصهيوني، وتم احتجاز أطعمة حتى فسدت وتعفنت عند معبر رفح. أما غزة اليوم بعد استشهاد الجعبري فقد زرتها هذا الأسبوع على رأس قافلة من المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية يزيد على 250 من كبار علماء الأزهر وأئمة وزارة الأوقاف والمفكرين ورؤساء أحزاب وقادة المدارس والتيارات الإسلامية وخيرة الشباب والفتيات من حركة أمناء الأقصى، وقام قرابة المائة من الأئمة والدعاة بالانتشار في قطاع غزة لإلقاء الدروس بين المغرب والعشاء وخطب الجمعة، وهو أكبر وأول وفد بهذا الحجم من العلماء وقادة التيارات الإسلامية، ووجدنا على الأرض ما طمأن القلب وشرح الصدر على المستوى الداخلي في غزة، فقد تحدوا الحصار وضرب النار معا، أما مقاومة الحصار فقد زرعوا مليون نخلة ومليون شجرة زيتون، وعمروا الأماكن التي كان يحتلها الكيان الصهيوني وسمّوها المحررات، وصار عندهم اكتفاء بفضل الله تعالى في الخضروات والفواكه والموالح واللحوم البيضاء، وعلى ضوء الشموع وفي الخيام علَّموا الأطفال والشباب والفتيات تعليما رفيع المستوى فصارت غزة المنطقة الوحيدة في العالم العربي التي لا يوجد فيها أميٌّ واحد، وصار ترتيب جامعاتهم في الصدارة من الجامعات في العالم الإسلامي كله، في الوقت الذي ترك لنا النظام السابق الأمية في مصر بنسبة %30، وكثير من الدول العربية ليست أحسن حالا من مصر، وفي الوقت الذي ارتفعت فيه نسبة العنوسة والطلاق معا في أكبر تهديد لأركان الأسرة في العالم العربي حتى وصلت في إحدى الدول العربية إلى 46%، فإن حالات العنوسة تساوي صفرا في غزة، والطلاق لا يزيد على 1%، وفي الوقت الذي تتضاعف الجرائم وينعدم الأمن في عواصم عربية كبرى، صارت غزة أقل المدن العربية في الجرائم، وأستطيع أن أقول بيقين وقد عشت شهر رمضان في غزة وشعرت بالأمن والأمان أكثر من أية عاصمة أو مدينة في العالم زرتها أو عشت فيها، وقد قال دولة رئيس الوزراء إسماعيل هنية: "يستطيع أي إنسان رجل أو امرأة أن يتمشى في جوف الليل في قطاع غزة دون أن يصاب بمكروه، أو يتعرض له أحد بسوء، وليس من تهديد أمني إلا من جهة الكيان الصهيوني"، ولقد حوَّل رجال غزة وحكومتها الراشدة الأنقاض الهائلة من القصف للبيوت والمساجد إلى مواد لرصف الطرق ولإعادة البناء بقدر الوسع، وقد رزق الله غزة بخصوبة الأرض إنتاجا، وخصوبة الأسرة أولادا، فوزير الداخلية عنده - ما شاء الله - 22 ولدا، ورئيس الوزراء - ما شاء الله - عنده 14 ولدا، وهناك شباب يزيدون عن 960 ألفا ولدوا مع الانتفاضة، وأكبر نسبة شباب في أي تجمع ديموغرافي في العالم يوجد في غزة حيث تئن الدول الغربية من زيادة أعداد كبار السن، وندرة الإنجاب، وقلة الشباب، مما ينذر بانهيار حملة استكمال البناء الحضاري الغربي ليعود إلى الشرق بإذن الله تعالى على أيدي الشباب. هذا في الجانب المدني أما فيما يتعلق بالجانب العسكري فعندما قرر نتنياهو وحكومته – عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة – أن يضربوا غزة في فبراير الماضي 2012م فقد ظنوا كما ظنوا من قبل في ديسمبر 2008م أنها ستكون ضربة سريعة قاصمة، لكنها بفضل الله ومنّته ارتدت عليهم أكثر مما توقعوا جميعا، حيث تم ضرب تل أبيب لأول مرة من العمق الفلسطيني وسقطت صواريخ حماس وفصائل المقاومة على بعد 200م من وزارة الدفاع الصهيونية، وصواريخ أخرى على بعد 300م من الكنيست الصهيوني، وتم اختراق الحواجز والقبة الحديدية، كل هذا في أقل من 12 ساعة من استشهاد الجعبري، والأعجب اصطياد الطائرات الصهيوأمريكية على أرض غزة، وضرب السفن الحربية في بحر غزة، ورحبوا بشدة بأن يدخل الجنود الصهاينة برا ليحصدهم أشاوس المقاومة في غزة حصدا، بل حزن شباب المقاومة البرية حزنا شديدا لأنهم ظلوا أياما ينتظرون حسم المعركة البرية ليكون لهم شرف قتل الصهاينة المعتدين لكن معركة الصواريخ جعلت القادة والشعب الصهيوني يرمون البنادق، ويدخلون الخنادق، ويتركون الفنادق، ويرتعشون خشية المارد الفلسطيني الذي يتحرق شوقا إلى رد العدوان من جميع فصائل المقاومة الذين ضربوا أعظم المثل في التجرد والتعاون، واليوم وما أدراك ما اليوم هناك مشروع تجتمع عليه فصائل المقاومة جميعها وهو مشروع تحرير كل التراب الفلسطيني، وأحب أن أرتبه وفقا للأولويات تحت هذا العنوان الذي أردده دائما: "تحرير الأسرى والأقصى والقدس وفلسطين"، وسيفاجئ العدو بأن الزمام لم يعد بيده، وأن قرار الحرب لن يبدأ من عنده، وأنه لو بقيت فيهم بقية من عقل أو خوف على حياة أن يرحلوا، قال تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ) (البقرة: من الآية 96)، وقال تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ) (البقرة: من الآية 96). أو بالأحرى: الآن نغزوهم ولا يغزوننا. وإنني من هنا أقول إن زيارتنا لغزة بعد استشهاد الجعبري قربت عندي المسافة بين القاهرة والقدس والعواصم العربية وفلسطين وشباب وعلماء الأمة ومعركة التحرير، وأحسبها ستكون أسرع مما يقدره علماء ومستشارو عالم الشهادة إلى قوم يؤمنون بالغيب أكثر مما يؤمنون بالشهادة، ويعشقون الشهادة في سبيل الله أكثر مما يعشق بنو صهيون الحياة. وأخيرا أقول ما قاله سبحانه: "أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ" (البقرة: من الآية241)، فاستعدوا (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: من الآية60).

490

| 27 فبراير 2013

مفارقات بين الاغترار والانكسار

الاغترار مرض عضال يصيب القلب فيُهلك الإنسان في الدارين، لما رواه مسلم في صحيحه بسنده من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" وقد كانت أول كبيرة وجريمة ترتكب في الوجود هي الاغترار والاستكبار من إبليس اللعين عندما أمره الله تعالى أن يسجد لآدم فأصابته لعنة الغرور فقال: " أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين" (الأعراف:12)، ولذا يُسمى إبليس " الغَرور" كما جاء في تفسير قوله تعالى " فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور" (فاطر:5) أي الشيطان، ثم صار داء الفراعنة الظالمين الاغترار والاستكبار، فهذا فرعون يحتقر قومه مستكبرا عليهم فيقول:"ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد" (غافر:29)، وقال:"ما علمت لكم من إله غيري" (القصص:38)، فكان مصيره هو الغرق، وصار يهتف أنه مثل أي واحد من بني إسرائيل فقال له ربه:"آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية" (يونس:91). والعجيب أن يتحول الإنسان إلى حالة من الاغترار والاستكبار تفوق إبليس نفسه، فقد كان ولا يزال إبليس يعترف أن الله تعالى هو الله وحده لا شريك له، لكن فراعنة هذا الزمان قد أصيبوا بداء الاستكبار على الله تعالى بالكفر والعناد، واستكبروا على الناس حتى ظنوا أن العباد جميعا خلقوا لخدمتهم وربما لعبادتهم، واليوم ترى من بقايا الفراعين جزار الأسد الذي يستكبر عن الرجوع للحق، ويمعن في القتل بأبشع ما عرف على مدار التاريخ، وأرذل ما يحدث نحو النساء والأطفال، وقد ظل من هو أطول عمرا في الطغيان والاغترار وهو حسني مبارك يسخر من شعبه الذي يسخط من نتائج الانتخابات المفضوحة في التزوير؛ فيقول: "خليهم يتسلوا" وظل القذافي مستكبرا مهددا أنه سيسحق الجرذان"أي شعبه" في كل "دار دار وزنجة زنجة..". حتى قُتل في ماسورة مجاري؛ بكبره على الله ثم الناس، وهناك من اعتبروا شعبهم كله صراصير لا تستحق غير الاحتقار والسحق وقتما يريد الجزار صاحب الاغترار. وعلى كل تأبى إرادة الله إلا أن تذل أنف المغرورين والمستكبرين، وقد أقسم لي أحد المسجونين أنه يعرف ظالما كان من أوغاد التعذيب للإسلاميين، وكان عندما يرجع لبيته لا تضربه زوجته إلا بالحذاء على رأسه، فيأبى عدل الله تعالى إلا أن يذل ويكسر كل أنف تورم على الله، أو تعالى على الضعاف من عباد الله، أو استكبر واغترَّ أن يرجع إلى الحق الأبلج الذي يسطع مثل الشمس في رابعة النهار، فيتكرر قانون الله تعالى على كل الفراعين الصغار أو الكبار، لأنه سبحانه بعد أن ذكر من شأن عاد وثمود والفرعون قال عنهم جميعا:"الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ. فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ. فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ" (الفجر:11-14) فالمرصاد سيظل وراء كل أصحاب الاغترار والاستكبار، ولابد من اليقين أن الله تعالى لايرضى أن يبقى في ملكه مستكبرٌ على الله ذلةً وعبادةً، وعلى الخلق تواضعًا ورعايةً، إلا قصمه وأذله وكسره وهزمه وقهره وقطع دابره، حتى قال تعالى بعد عدد من القصص القرآني في سورة القمر: "أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر، سيهزم الجمع ويولون الدبر"(القمر: 43-44). أما أهل الانكسار بين يدي الله تعالى فيذرفون الدمع سخيا كما قال تعالى: "إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا" (مريم:58) فهم أصحاب سجدات اقتراب لا اغتراب، وقلوبهم لا تعرف مع الله غير الذلة والانكسار، وهم أبعد ما يكونون عن الاستكبار كما قال تعالى:"إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون" (السجدة:15) وهؤلاء من فرط انكسارهم في الدعاء متضرعين، وانغماسهم في الذكر خاشعين، لايرون النعمة قبل المنعم، ولا يرون أنهم مهما أُتوا من المال أو الجاه أو العلم إلا أن هذا محض فضل على عبد لا يستحق منه شيئا فهو هبة وليس عوضا، وفضل وليس عدلا، ومنحة لا محنة، وخير لا شر فيه، ونور لا ظلمة معه، فالفضل منه وإليه، وهو سبحانه وحده ذو الجلال والإكرام لقوله تعالى حصرا وقصرا:"وما بكم من نعمة فمن الله" (النحل:53)، فهذه نكرة"من نعمة " في سياق النفي "وما بكم" فتشمل كل النعم دقها وجلها صغيرها وكبيرها، فيضطلع المسلم مع معين العبودية لله تعالى، حتى إذا خرج إلى الخلق لم يرَ له عليهم من مزية، بل يرى الناس دوما خيرا منه بميزان ومنهج عمر بن الخطاب عندما قال: (إني لأوقِّر الكبير لأنه أكثر مني فعلًا للخيرات، وأقدِّر الصغير لأنه أقل مني فعلا للسيئات)، ولله در سيدنا إبراهيم خليل الله على علو منزلته، وحفيده الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم عندما كان دعاؤهما: "توفني مسلما وألحقني بالصالحين" (يوسف: 101)، ومن هذه الشجرة العظيمة الرائدة في التواضع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان يدعو كثيرا:"اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين" (رواه الترمذي من حديث أنس بن مالك، وقال: هذا حديث غريب) ولما دخل مكة كان يخفض رأسه ويسبح ربه مستغفرا، حتى إن لحيته الشريفة لتكاد تلمس ظهر دابته لا بطرا على الحق، ولا غمطا للخلق، ولا شماتة في أحد بل تواضع القوي، وعفو الأبي:"اذهبوا فأنتم الطلقاء"، فكانت منازله عند لقاء ربه سبحانه أن قال صلى الله عليه وسلم:" اللهم الرفيق الأعلى" (البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها)، فمن أراد أن يقترب من الحبيب محمد صلى الله عليه في الملأ الأعلى فليغترف من فقه الانكسار مع الحق، والتواضع مع الخلق، ومن أراد أن يصل إلى السحيق الأدني فليسلك مسلك أصحاب الاستكبار والاغترار، لكن مع اليقين أن قاصمة الظهر قادمة لا محالة، "فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا" (فاطر: 43)، فتخلُّوا عن الاغترار وتحلُّوا بالانكسار يرضَ عنكم الله الواحد الغفار.

648

| 20 فبراير 2013

بين رحيل حاكم ظالم ومجيء حاكم عادل

كنت في اليومين على منصة التحرير، وهناك فرق بينهما كما بين السماء والأرض، وإن اشتركا في فرحة غامرة ملأت قلوب أكثر المصريين، بل ملايين البشر في العالم عبروا عن فرحتهم لمصر والأمة والعالم، لأن مصر كما قال الشيخ علي الطنطاوي العالم السوري: هي مصدر الخير والشر لأمة الإسلام فما يجري فيها ينتقل تلقائيا في دول العالم العربي والإسلامي بحذافيره، ولذا كان يوم رحيل مبارك أسود يوم على بني صهيون وأعداء الإسلام، وأشد سوادا منه يوم نجاح د محمد مرسي بالانتخاب وليس بالقهر والتزوير، وقد عبر القرآن عن فرحة المسلم بذهاب الظالمين في قوله تعالى " فقطع دابر الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين"، واليوم في ذكرى رحيل مبارك أذكر لحظة في غاية الأهمية وهي وقت صلاة الجمعة، وقصتها أنني جئت وأسرتي كلها من البحرين وأمريكا للتحرير مشاركين الشباب والرجال والنساء والفتيات، واتصلت بأمي الحنون رحمها الله قائلا: أستسمحك أماه أنني لن آتي من المطار إلى حضنك الدافئ كعادتي وحقك، بل سأذهب للتحرير بإذن الله ولن أخرج حتى يرحل عن كاهل مصر حسنى مبارك، فرضيت أمي وأمطرتني ومصر بوابل من دعواتها الثرية النقية القوية، وفي يوم الخميس توقع العالم كله أن يتنازل لكنه ظل معاندا حتى النفَس الأخير، وهنا رأيت في التحرير شبابا وفتيات رفعوا الأحذية، وهتفوا صارخين بسقوطه ونظامه، وأغشي على بعضهم، وطلبت الكلمة، وكان مما قلته يومها: إنَّ فتْح العراق وخراسان، والشام وفلسطين،وليبيا والمغرب العربي لم يستغرق من كل فاتح سوى عدة أشهر، إلا مصر فقد استغرقت أربع سنوات من الصحابي الجليل، والقائد الحكيم، والسياسي البارع، والعسكري المحنك، عمرو بن العاص ومعه خيرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكيف بنا بذنوبنا، وأن الصحابة قد صبروا لفتح مصر سنوات أربع حتى وصل الإسلام إلينا، فإذا ظننتم أن 18 يوما تكفي لتغيير وجه التاريخ بمصر فأنتم واهمون، ودعوت لصمود الرجال، وصبر الأبطال، وعزائم الأحرار، واحتساب الأبرار، وفي يوم الجمعة صباحًا توافد الملايين على الميدان فاقتُرح أن تكون هناك خطبة ثانية، تستوعب هذه الملايين، وبسرعة تم إعداد منصة أخرى للجمعة في مواجهة المتحف المصري، ورُشحت أن أكون خطيب الجمعة فوافقت، وخرجت للجمعة سائلا ربي أن يجعلني سببا في رحيل الظالمين عن كاهل مصر، وبدأت خطبتي أرد على المفتي آنئذ وبعض التيارات التي أفتت بحرمة الخروج على حسني مبارك تحديدا، وأن من فعل ذلك لعنه الله لأن الفتنة نائمة ملعون من أيقظها، وأخذت أدلل على وجوب الرباط حتى يرحل مبارك ونظامه وأوله عمر سليمان، وذكرت من ألوان مخازيهم من الاستهزاء بالله وبرسوله، وبالقهر للمؤمنين، والذلة على الكافرين، خاصة الصهاينة المعتدين، وسلب ونهب عرق وجهد الكادحين، وقلت يومها إن مبارك وعائلته وحاشيته قد سرقوا من كل مواطن 120ألف جنيه على الأقل، أما يوم نجاح د مرسي فقد كان آية أخرى، حيث كنت على المنصة أجد الشباب والسياسيين يتكلمون ويهددون من تزوير الانتخابات، وقلت يومها على المنصة: أحذر المجلس العسكري من الإشراف والضغط لتزوير الانتخابات لصالح شفيق- حيث كانت كل الدلائل تشير لذلك – وقد غرد مصطفى بكري المقرب من المجلس العسكري - أن الحرس الجمهوري توجه صباحا لبيت أحمد شفيق ليستلم الأمر أول إعلان النتيجة وقلت: لن نترك الميدان إن زورت الانتخابات، وقد كان مبارك أقوى شكيمة وقد أودعه الله السجون هو وأولاده بظلمه وتزويره وعناده، وكان الحديث السياسي غالبا، لكني رأيت رجلا من خيرة العلماء والمرابطين، وأعتقد أنه أكثر العلماء رباطا في التحرير، ووجودا في المواقف الصعبة، وهو الشيخ الدكتور جمال عبد الهادي أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية، وجدته قد نزل من على المنصة واتخذ من دون الناس حجابا تحتها يدعو متوسلا، ويتبتل متضرعا بمنهج:" فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا"، وهنا جاءتني فكرة عرضتها على إخواني في المنصة وأوصلوها للدكتور أسامة ياسين وزير الشباب مسؤول المنصة آنئذ، وهي أن نتوقف قبل إعلان النتيجة بساعة عن كل الكلام في السياسة، وأن ندعو الله مع الميدان كله أن يختار لمصر من يصلحها، وأن يلهم القضاة العدل والإنصاف، وألا يدخلوا على مصر تزويرا بعد الثورة، وكان اقتراحي أن يكون الدعاء من شيخنا د جمال عبد الهادي، ووافق الجميع على الفكرة لأن القلوب كلها كانت قد بلغت الحناجر من توقع التزوير لصالح شفيق وأذناب مبارك، لكن د جمال اعتذر لضعف صوته، وقال لهم: "خلُّوا د صلاح يدعو ونحن نؤَمِّن، فقلت لهم: والله لدعوة منه – مع ضعف صوته – خير من دعائنا جميعا، لكنه أصر على الرفض، وقبلت الأمر، وفتح الله قلبي برحمته في التبتل والدعاء، ورأيت وجوه المرابطين في التحرير، وتأمينهم من أعماق قلوبهم، فتذكرت لحظة رحيل حسني مبارك وقت الدعاء أثناء وبعد خطبة الجمعة فأيقنت مرة أخرى أن اليوم سيكون تاريخيا في نجاح العالم المهندس السياسي الحافظ الدكتور محمد مرسي وجاءت صلاة العصر فصلينا، وجاء الفرج قويا مؤثرا، وسجد الجميع شكرا لله كما سجدوا يوم رحيل مبارك، وعلت الأصوات بالحمد والثناء على الله والتهليل والتكبير، كأن يوم رحيل حسني مبارك قد افترقا في ذهاب حاكم ظالم ومجيء عالم عادل أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحدا، واجتمعا في الفرحة الغامرة بفضل الله على مصر والعالم. ياقوم بالأمل والعمل والدعاء والقنوت ننال الحسنيين التمكين والنصرة في الدنيا، والمغفرة والجنة في الآخرة، والمشوار طويل أكثر من زمن الصحابة قطعا، لكن المفتاح كما هو الأمل والعمل والدعاء وحسن التوكل على الله تعالى، قال تعالى: "لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا" (سورة الطلاق من الآية: 7). هذا آخر أيام مبارك.

1340

| 15 فبراير 2013

بين ربيع الأول والربيع العربي

من قدر الله أن يتزامن ربيع الأول هذا العام 1434هـ في ذكرى ميلاد الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم مع ذكرى ثورة الخامس والعشرين من يناير، ومع أني لا أؤمن بالأبراج ودلالاتها التي تصيب البعض بالهوس لدرجة رفض بعض الشباب أو الفتيات الزواج لاختلاف الأبراج، وهذا يصلح للتندر لا الأفعال، فقد حكم مصر بعد ثورة 1952م حكام كانوا من أبراج الجدي والثور، لكن الحمد لله برج الدكتور مرسي وبرجي هو الأسد، وهذا يسعدني في بعض الأوقات التي أراني أخوض عباب الأزمات بروح الأسد الهصور، لكنه لا يمثل لي أية قيمة إضافية، كما سعدت بحركة الأسد من الدكتور مرسي يوم حلف اليمين في ميدان التحرير أمام الملايين، لما تجاوز حُرّاسة والـ "بروتوكولات" الرئاسية، وقال: لست ألبس بين شعبي أي درع واقٍ، فقلت يومها مازحا: غلب عليه برجه الأسدي، المهم أن التزامن بين الربيعين يذكرني بأمور عديدة أهمها: أولا: يتفق الربيعان أنهما كانا رحمة بالبلاد والعباد مع الفارق الضخم بين الرحمتين كما بين القمر وأصغر النجوم، لكن كانت دعوة الحبيب صلى الله عليه وسلم رحمة للناس أجمعين، فقال تعالى:) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين) (الأنبياء: 107)، فكان صلى الله عليه وسلم رحمة بالبَر والفاجر، والصالح والطالح، والإنسان والحيوان، والجماد والنبات، والأرض والسموات، وصارت الرحمة عنوان رسالته، ومقصد دعوته، فصبر برحمة بالغة على من آذاه ودعا لكبار المجرمين والعصاة بالهداية والنجاة، ولما اشتد عليه الأذى أرسل الله جبريل مع ملك الجبال لكي يطبق على المكذبين الأخشبين، ويتخلص من الظالمين، لكن رحمة الحبيب محمد غلبت على طوفان الأذى، وسيل الردى، فدعا لهم بالهدى فقال: "بل أدعو الله لهم، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله عز وجل"، فكان من ولد وظهر أبي جهل الصحابي المجاهد عكرمة بن أبي جهل، ومن نسل الوليد بن المغيرة سيف الله المسلول والفاتح الكبير خالد بن الوليد، ومن قبل كانت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أن يعز الله الإسلام بأحد العمرين: عمرو بن هشام وعمر بن الخطاب، فهدى الله عمر إلى الإسلام وكان ذاهبا لقتل النبي محمد فصار بعد دقائق يقول أشهد ألا إله إلا الله محمد رسول الله، ألسنا على الحق؟! أليسوا على الباطل؟! فلمَ نعطي الدنية في ديننا؟! فأصابت دعوة الحبيب قلب عمر بن الخطاب فصار رحمة بالأمة وخليفة من خلفائها، والربيع العربي توضأ فيه المسلم بماء المسيحي كما يقول جورج إسحاق، وحرس المسلمون الكنائس بسواعدهم وقلوبهم قناعة لا قناعا، واليوم نحن نحتاج إلى أخلاق الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم في الرفق بالمعارضين والدعوة لهم بظهر الغيب أن يهديهم الله أجمعين وأن يشرح صدورهم لما فيه صالح دول الربيع العربي وأمة الإسلام أجمعين. ثانيا: أهتف في إخواني وأخواتي الذين تشبعوا وتضلعوا بمعاني الرحمة وهم يقرؤونها كل يوم (120 مرة) على الأقل مع البسملة وفواتح سورة الفاتحة حيث ترد "الرحمة" (4 مرات) في 30 ركعة يوميا بين فريضة ونافلة، وقد وردت مادة "الرحمة" في القرآن (339 مرة)، وهي أكثر من أية مادة أخرى، على حين وردت كلمة "المهيمن" مرتين، ووردت في القرآن مادة "المغفرة" (234 مرة) أما اسم "الجبار" سبحانه فقد ورد (10 مرات) فقط، ووردت مادة "السلام" (157 مرة)، أما كلمة "القهار" فقد وردت (10 مرات) فقط، ووردت كلمة "الرزاق" (120 مرة)، ووردت مادة "الباسط" (25 مرة)، أما مادة "القابض" فقد وردت (9 مرات)، ووردت كلمة "الرافع" (29 مرة)، وكلمة "الخافض" (4 مرات) فقط، ووردت مادة "المعز" (120 مرة)، ومادة "المذل" (24 مرة)، ووردت مادة "الحكيم" (210 مرة)، و "العدل" (28 مرة)، ووردت كلمة "الحليم" (38 مرة)، ووردت كلمة "المنتقم" (17 مرة)، ونحن في دول الربيع العربي نحتاج إلى استحضار صفات الرحمن في الرحمة بالإنسان والكون كله، رغم قوله تعالى: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) (يوسف:103)، (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) (يوسف: 106)، ومع ذلك فهو سبحانه يرزق الناس أجمعين، ويغفر لهم إن جاؤوا تائبين، ويبدِّل السيئات إلى حسنات، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ولعل هذا التزامن بين الربيعين يعيد لإخواننا خاصة روح الدعوة القائمة على الرحمة والمرتكزة على الهداية، وعدم الانجرار وراء الصبغة الغربية للسياسة في المغالبة والقهر والاستئثار، ولقد صرنا نحتاج إلى التراحم بين الجماعات الإسلامية، وبين أبناء الوطن الواحد علمانيين وإسلاميين، مسلمين ومسيحيين، مثل حاجتنا إلى الدواء والغذاء والماء والهواء، لتكون الرحمة عنوان ربيعنا العربي كما أكرمنا الله في ربيع الأول برحمات النبي في الدنيا وشفاعته للمذنبين يوم القيامة. ثالثا: أن ربيع الأول لما ولد فيه الحبيب صلى الله عليه وسلم انطفأت نار الدولة المجوسية الفارسية، وتزلزت عروش قيصر الروم، وانهدمت صور الاستبداد من السادة للعبيد، والرجال للنساء، والأغنياء للفقراء، والأقوياء للضعفاء، وانهدمت في الربيع العربي عروش و "كروش" مارست الظلم والقهر والاستبداد والفساد والبقية تأتي بإذن الله تعالى، حتى نعود إلى صبغة الربيع الأول حيث صار الناس سواسية كأسنان المشط وناداهم الحبيب صلى الله عليه وسلم على جبل الرحمة في حجة الوداع مخاطبا الناس أجمعين وليس فقط المسلمين، فقال: "يا أيها الناس كلكم لآدم وآدم من تراب، ألا لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح...".، وصار غير المسلم في ديار الإسلام آمنا أكثر مما كان قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وجاءت الوصية لغير المسلمين فصارت ديانة لا سياسة، وقناعة لا قمعا، وإحسانا وبرا، لا ظلما وقهرا، واتسعت أمة الإسلام لكل الأطياف من الكافرين والمنافقين والمؤمنين، حتى جاء الرجل يطلب الإذن من سيد المرسلين أن يمارس الزنا فيُقنع عقله، ويمسح بيده الحنون على قلبه، ويدعو الله أن يشرح صدره للعفة، ويذهب الله ما به من شهوة. وهذا هو أول ما نحتاجه في ربيعنا العربي أن نقبل بفكرة التعايش وفقا لهذه المبادئ الخمسة: لله عبادةً، وللناس رعايةً، وللأرض عمارةً، وللقانون طاعةً، وللسلطة معاونةً فيما لا يخالف كتابا أوسنة، وتلك لعمري لو استحضرناها للربيع العربي من ربيعنا الأول لكانت فتحا مبينا، ونصرا عظيما، وفضلا كبيرا. يا قوم صِلوا الربيع العربي بالربيع الأول فلن يُصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وكفى ما جنته الحلول المستوردة على أمتنا، أو إن شيء تم فاقرؤوا كتاب العالم المسلم الهندي الأصيل أبي الحسن الندوي "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين". حقا ما أحوج الربيع العربي إلى مناهج وأصول الربيع الأول!

579

| 23 يناير 2013

بين امتحانات الدنيا والآخرة

امتحانات الدنيا مكاسبها وخسارتها محدودة، أما امتحانات الآخرة فمكاسبها فوز عظيم والرسوب فيها خسران مبين، امتحانات الدنيا يسبقها كتب وأساتذة ومحاضرات، وأبحاث وواجبات، وامتحانات الآخرة يسبقها رسل ووحي ونفس وعقل وهوى وإغراءات وابتلاءات، امتحانات الدنيا لا تعرف معالمها سلفا فتقوم على التخمين و"التنشين" والاحتياطات، وامتحانات الآخرة تقوم على الواضحات والبينات من الواجبات والمحرمات والمندوبات والمكروهات والمباحات، امتحانات الدنيا أسئلتها مجهولة، أما امتحانات الآخرة فأسئلتها معلومة في أربعة جوانب: "عن شبابه فيم أبلاه، وعن عمره فيم أفناه، وعن ماله فيم اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه"، امتحانات الدنيا يُعرف سلفا للأساتذة والطلاب مكانها وزمانها، وامتحانات الآخرة لا يعلم إلا الله مكانها وزمانها: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (الأعراف:34)، امتحانات الدنيا قد ينجح فيها الإنسان بالغش والخيانة والتزوير، أما امتحانات الآخرة فلا نجاح فيها إلا بالإخلاص والصدق والعمل المستقيم، امتحانات الدنيا تختلف باختلاف التخصصات والمستويات من الحضانة إلى الجامعات، أما امتحانات الآخرة فهي واحدة للرجل والمرأة، للغني والفقير، للحاكم والمحكوم، للعالم والجاهل، ولكل إنسان بالغ عاقل، امتحانات الدنيا يمكن أن يستعد لها الإنسان قبل الامتحانات بأيام، لكن امتحانات الآخرة لا يُعرف لها وقت فنحتاج إلى الاستعداد لها من الآن، لقوله تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) (الأنبياء:1)، امتحانات الدنيا قابلة للإعادة مرة ومرات، أما امتحانات الآخرة فإذا قال الإنسان: (رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ) (المؤمنون: 99 -100)، يأتي النداء حاسما: (كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (المؤمنون:100)، امتحانات الدنيا يتراص الطلاب والممتحنون في صفوف على مقاعد متقاربة، أما امتحانات الآخرة فيَفِرُ الناس من بعضهم: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) (عبس: 35-37)، امتحانات الدنيا يصححها الأساتذة، وامتحانات الآخرة يقوِّمها رب العالمين سبحانه وتعالى: (وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) (الكهف:48)، وفي الحديث الذي رواه البخاري: (ما منكم إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبين ربه ترجمان). امتحانات الدنيا يجريها العباد للعباد، وامتحانات الآخرة يجريها رب العباد للعباد، امتحانات الدنيا في مادة واحدة، وامتحانات الآخرة تشمل كل شيء: شبابا وعمْرا ومالا وعلما، لقوله تعالى: (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) (الكهف:49)، امتحانات الدنيا كل عدة أشهر، وتتدرج من الامتحانات في الابتدائية حتى امتحانات الماجستير والأستاذية، وامتحانات شغل الوظائف القيادية، لكن امتحانات الآخرة تكون مرة واحدة؛ يعقبها جنة أبدا أو نار أبدا، امتحانات الدنيا تنقل الإنسان من فصل إلى آخر، ومن درجة وظيفية إلى أعلى، وامتحانات الآخرة إما درجات في الجنة: (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ) (آل عمران: 163) أو دركات في النار والعياذ بالله: (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ) (الحجر:44)، امتحانات الدنيا فيها مراقبون من البشر وأساتذة ومشرفون، وامتحانات الآخرة يديرها الحسيب الرقيب الواحد الأحد فإن أنكر العبد شيئا تشهد عليه ملائكته الكرام، واللحم والعظام، والأرض والأنام، امتحانات الدنيا تطول وتطول، ويصول فيها الإنسان ويجول، أما امتحانات الآخرة فالله سريع الحساب، ويحاسب العباد جميعا في لحظة واحدة كما يرزقهم في لحظة واحدة، امتحانات الدنيا فيها الوساطات والأخطاء في تقدير الدرجات، والمظالم في وضع العلامات، أما امتحانات الآخرة فشعارها: (لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (غافر:17)، امتحانات الدنيا يُشغل بها الممتحَن وأمه وأبوه وأخته وأخوه، أما امتحانات الآخرة: (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) (مريم:95)، (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) (عبس: 35-37)، امتحانات الدنيا فيها الرأفة لمن لم يصل لدرجة النجاح في حد لا يزيد على %20 من الدرجة الكلية للنجاح، وامتحانات الآخرة فيها الشفاعة لمن لم يصل إلى الفلاح، يقودها النبي صلى الله عليه وسلم ساجداً بين يدي ربِّه، متبتلا إليه (رب أمتي) حتى يرضيه الله في أمته فيخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان. امتحانات الدنيا حصادها فانٍ، وامتحانات الآخرة حصادها باقٍ، فلنؤثر ما يبقى على ما يفنى: (وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى) (الضحى:7). والفلاح كل الفلاح أن نحوز الفوز والنجاح في امتحانات الدنيا والآخرة معا: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (البقرة:201).  

1557

| 18 يناير 2013

بين عام الأزمات 2012م وعام الإنجازات 2013م

 لقد مضى عام الأزمات 2012م بكل ما فيه من مآس في مصر وفلسطين، وسوريا وتونس، وليبيا واليمن، والعراق وأفغانستان، والسودان والصومال، وأوروبا وأمريكا، والصين واليابان والهند والسند بمعارك ومصاعب من العيار الثقيل حيث بلغت فيه الأمور كما قال الله تعالى: "وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا" (الأحزاب من الآية 10و11)، لكن الأمل أن يكون عام 2013م عام الإنجازات على أرض الواقع، فلقد قُتل في سوريا عام 2012م وحدها ذبحا وقصفا 40 ألفا، وشُرِّد مليون على الأقل، ولا يزال في آخر عام 2012م من يقول إنها ليست ثورة شعبية بل ثورة طائفية، وتُرك الشعب السوري قرابة العامين يُذبح بالليل والنهار، ونصرهم المسلمون بالحناجر بينما ناصر النظام الفاشي الظالم بالخناجر والجنود والخبراء إيران وبنو صهيون والروس والأمريكان والصين ودول عربية تخشى من تصاعد التيار الإسلامي، وكانت المؤامرة الروسية الأمريكية العربية في خطة الأخضر الإبراهيمي، لكن عام 2013م سيكون عام الحسم والإنجازات - بإذن الله - على التراب السوري الذي تشبع بدم الأحرار، وفي مصر تعددت الأزمات لكن كان أشرسها وأصعبها وأقساها معركة انتخابات الرئاسة والدستور، حيث وجد الإسلاميون أنفسهم في مواجهة الدولة العميقة والخونة من بني جلدتنا؛ فهذا قِبلته بنو صهيون مع ليفني وغيرها التي لم تخجل أن تصرح أنها مارست الجنس مع قيادات عربية من أجل تنازلات لصالح إسرائيل، والأدهى أنه بفتوى من الحاخامات الفاجرين، وسياسي آخر يعتمر بالإمارات ويطوف حول أكوام الذهب بأبو ظبي، وثالث كانت المراجع الشيعية والأموال الفارسية هي الشراب المنعش، ونزلت السفيرة الأمريكية تزور مقرات ورجالات واتصلت السفارة آمرة لبعض الشخصيات: أسقطوا مرسي والدستور و...لكن الله سلّم ونجح أول رئيس مدني في تاريخ مصر المعاصر، وحفظه الله من مؤامرات عدة كانت ترفض الحوار الذي دعا إليه الرئيس بحجة: لماذا نتحاور؟ الراجل "بقي له فقط يومين ويروح"، لأنهم نسوا أن للكون إلها قال عن نفسه: "إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ" (البروج: 12-16)، ونسوا أن شعب مصر متدين بالفطرة، وهو خير أجناد الأرض، وأن مصر محروسة من الله تعالى، والآن وبعد مشهد مهيب من التجاوب الذي فاق الدول الديمقراطية ذهب الشعب للصناديق في طوابير أذهلت العالم، واختاروا الاستقرار، والحرية والعدالة والكرامة والعمل والإنتاج، لا الفوضى والهياج، والكذب والبهتان، وصار الشعب يعرف من يكذب بالجملة، ومن يصدق في النقير والقطمير، وله أخطاء عن غير قصد أمام مؤامرات عن عمد، والحمد لله فضحهم الله على الأشهاد عندما تصرخ وتلطم "الوِلية الشعنونة" الحقوا فيه تزوير يقينا في البحيرة، وكانت الفضيحة أن البحيرة في الأسبوع الثاني، لكن الله سلم لأنه سبحانه قال: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ" (يونس: من الآية 81و82)، ومن ذا يظن أن دعوات الأوابين في السحر لا تنفذ فيهم سهام القدر، ويقيني أن عام 2013م عام الإنجازات، وستعود مصر - إن شاء الله - إلى الإنتاج والعمل، ففيها ثلاثة أرباع عناصر الاستقرار، حيث فيها رئيس منتخب، ودستور بالاستفتاء، ومجلس شورى بين الانتخاب والتعيين من كل أطياف المجتمع ونال غير الإسلاميين نصيب الأسد في التعيين، وحصد الإسلاميون ثقة المنتخبين، وعندنا النقابات وهي تمثل الحضور النوعي لا الجغرافي، فصارت الانتخابات علامة فارقة، رغم وفرة المال والشاشات والكذب والبهتان، لكن كل مرة على الأرض لا يفوز إلا الإسلاميون بثقة الشعب، رغم أنهم جاءوا مع الثورة من الإقصاء الرهيب، والسجون والمعتقلات، والتشريد في البلاد والحرمان من الوظائف القيادية، بل والله لقد كان يُحرم الإسلامي أن ينال شرف كنس شوارع مصر، لكن أراد الله تعالى أن يأتي العام الجديد ومصر تتعافى ويشتد عودها، وسيكون عامها الجديد فتحا للأمة، لكني أرجو من فخامة الرئيس الذي أعطى الثقة والمسؤوليات الجسام لقوم لم يراعوا حق الله تعالى في مصر، وبدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، فتحتاج مصر لرجال يجمعون بين الكفاءة والثقة، وهم كثر وتعرفهم بين صفوف هذا الشعب العظيم من إسلاميين وأناس من المحبين لمصر من غير الإسلاميين وهم بحق أكفاء كرام، ومراعاة التوافق سيضيع الإنجازات، إلا ما كان من "تحِلَّة القسم" كما يقول الفقهاء، وليس "قسم وسط الشعب" من أجل إرضاء التوافق السياسي على حساب الإنجاز العملي، والشعب ينتظر من يحل له أزمات الكرامة وهي متوفرة الآن، فلم يعتقل شخص واحد من المعارضين رغم الإسفاف والتطاول بل المؤامرة والخيانة بكل وضوح، خاصة مع سيل المال السياسي والإعلامي مدرارا وحوَّل الصعاليك إلى ملوك، لكن عموم الشعب ينتظر مطعما ومشربا غير ملوث، ومسكنا متاحا ولو غير وسيع، ومركبا آمنا ولو غير سريع، وعلاجا رخيصا لا يقصم الظهر، ويخرم الجيب الفارغ، والشعب يجب أن يهدأ ليصنع الأمجاد، ويثق في رب العباد أن سبحانه وعد ولا مخلف لوعده: "وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ" (البقرة: من الآية 143)، و "وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" (التوبة:105)، و"لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا" (الطلاق: من الآية 7)، فالتزموا قوانين الله، فإن سنن الله غلابة، وإرادة الله نافذة ووعده للمؤمنين لا يغيب ولا يخيب. ثقوا أن القاطرة المصرية لو تحركت نحو الإنجاز فسوف تحل مشكلات فلسطين وسوريا والعراق وأفغانستان والصومال، وستعود أمريكا إلى حجمها الجغرافي، وهذا ما يفسر حجم الأزمات، لكن الليل فات والنهار آت، وكل آت قريب، ولكنكم قوم تستعجلون، تفاءلوا بالخير تجدوه، والكيِّس من صدق فيه قول الله تعالى: "لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا" (الحديد: من الآية 10).

447

| 02 يناير 2013

بين الاستفتاء والاستقواء

الاستفتاء حالة صحية تعني أن الشعب هو صاحب السلطات في اختيار دستوره أو ممثليه، الاختيار الحر المباشر المسبوق بحالة حوار، وحراك فكري واجتماعي؛ حتى يستطيع كل صاحب رأي أن يجد له مجالا ليطرح رأيه ويقدم أدلته، ويقنع غيره، ويذهب إلى دائرته الانتخابية حاملا رؤيته، واقفا بانتظام في صفه، داخلا إلى لجنته في أدبه، ويبرز هويته، ويضع بصمته، ويكتب اختياره، ثم يخرج آمنا مطمئنا أنه أدى واجبه، أما الاستقواء فهو إلغاء للعقل وتفعيل للعضلات، وغياب للحوار ليكون منطق القوة هو الذي يحكم أو يحسم المشهد السياسي، وهذا يعني الإفلاس في القدرة على إقناع الغير ويُرفع شعار: "أقنعوهم لا تُقنعوهم، وحاربوهم ولا تحاورهم، ولطخوهم ولا تتلطفوا معهم، وكفروهم ولا تتركوهم". وأعتقد أن بمصر الآن ظاهرة غير صحية من الاستقواء حيث التقت مصالح الأمريكان والصهاينة وإيران مع بعض رجال الأعمال الذين تعودوا على الكسب الحرام بالمليارات وليس بالملايين، وبقايا النظام السابق الذين خسروا المال والسلطة، وبعض رجال أمن الدولة سابقا – المسمى الأمن الوطني الآن – وبعض رجال المخابرات الذين لم يتعظوا بالثورات، هؤلاء وبعض سفهاء الإعلام الذين يقبضون على الحلقة أو المقال عشرات الآلاف، ولا يشعرون بأصحاب الفقر العجاف، هؤلاء بدلا من أن يقبلوا المناظرة حول بنود الدستور مع شيخ القضاة د.حسام الغرياني، أو أستاذ القانون د.محمد محسوب، أو أستاذ الهندسة د.عمرو دراج، أو العلامة الموسوعة د.حسين حامد، أو السياسي البارع عصام سلطان، أو المناضل الحر د.محمد البلتاجي، وقد دعوا إلى مناظرات علنية ليثبت فريق الاستقواء ما أعلنوه وكتبوه، ودفعوا له المليارات من الإعلانات والمطبوعات أن هذا الدستور يقسِّم مصر، ويقصم ظهر الفقير، ويُجهز على المريض، ويصنع الديكتاتور، ويؤدي بنا إلى الويل والثبور، حتى وصلت درجة السفاهة حدا غير مسبوق عندما رفعوا على التويتر يوم الخميس 30 محرم 1434هـ الموافق 13/ 12/ 2012م شعارا تحت عنوان: "أنزلوهم من على المنبر"، فهؤلاء يستقوون بالإعلام ليخاطبوا الملايين في حالة من التزييف والكذب والبهتان لا نظير لها، فالكنيسة تعلن رسميا ضرورة الذهاب للصناديق وأن تقول لا، وفي المقابل ليس من حق الإمام في المسجد أن يقول للناس كلمة الله: "وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ" (البقرة: من الآية 283)، وقوله تعالى: "وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا" (البقرة: من الآية 282)، وقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا" (النساء: 135)، ومن حق الإبراشي والحديدي والشاذلي وأديب و.... أن يقولوا ما يشاءون، ولو استخدم بعضهم أعلى درجات التزييف، لكن الإمام ليس من حقه أن يقول للناس اذهبوا للاستفتاء سلميا، كما فعل الشيخ المحلاوي في غاية الأدب والرقة، فقام قوم من المفسدين في الأرض بالاعتداء على هذا الرمز من رموز الدعوة إلى الله في مصر والأمة الإسلامية كلها فضيلة الشيخ الجليل أحمد المحلاوي، الذي يزيد على التسعين عاما هجريا ويقترب من التسعين ميلاديا، فلم يراع المفسدون الأشرار سنه ولا علمه ولا مكانته، فحاصروا الشيخ الجليل خمس عشرة ساعة مع 150 من المصلين داخل المسجد، وضربوا مصلِي الجمعة بالحجارة، وأصابوا العديد منهم، واعتدوا اعتداء سافرًا على بيت الله مسجد القائد إبراهيم، وكسروا نوافذه، كل ذلك لأن الشيخ الجليل قال: "اذهبوا للصندوق". ونحن نعتبر هذا اعتداء على جميع الأئمة والعلماء والمسلمين، في سابقة خطيرة لا عهد لأهل مصر الكرام بها؛ لأنهم يوقرون أئمتهم عملا بحديث الإمام أحمد بسنده عن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعط لعالمنا حقه"، فهؤلاء المجرمون ومن وراءهم من فريق الاستقواء لا الاستفتاء، لم يراعوا حرمة كبر سن الشيخ ولا مكانته العلمية، ولا حرمة المسجد والمصلين ونعتبر هذا من أشد أنواع الإفساد في الأرض لأن الاعتداء على المسجد حرام شرعا فهو مكان التعبد والأمان، ولا يجوز تحويله إلى مكان تهجم وتهديد لقوله تعالى: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ" (البقرة: 114). وإذا لم يشعر المصلون بالأمان في مساجدهم فأين يجدونه؟! ونستنكر بحدة تخاذل وزارة الداخلية عن نجدة الشيخ وحماية المسجد من المجرمين بدعوى الحوار مع من يستخدمون العنف والحجارة والعصى، فلو اقتحموا المسجد - لا قدر الله لكانت مجزرة رهيبة، وأن الاستجابة كانت متأخرة 15 ساعة متصلة، وهو ما يوجب أن يتحرك له النائب العام لكشف المقصرين من قيادات الداخلية، ومن يحرك هؤلاء البلطجية، ومن يدفع لهم، ومن يؤجج السلام الاجتماعي بمصر، ويحول الاستفتاء إلى استقواء، كما نستنكر ممن يسمون بالنخب السياسية والإعلامية هذا الصمت الزؤام أو سوء تناولهم لهذا الحدث الجلل.  ولقد بذلت قصارى جهدي بالتواصل مع معالي وزير الأوقاف ومع كل الجهات الرسمية لفك الحصار عن الشيخ الجليل، وتحركتُ مع وفد رفيع المستوى إلى الإسكندرية على مقربة من الحدث، منهم الأستاذ الدكتور جمال عبد الستار وكيل أول وزارة الأوقاف، والسادة المستشارون الدكتور محمد الصغير، والشيخ سلامة عبد القوي، والشيخ أحمد هليل، وأ.د.أيمن الغايش، وظللنا طوال الليل نتواصل مع الرئاسة والداخلية؛ حتى تم إخراج فضيلة الشيخ المحلاوي في عربة مصفحة لوزارة الداخلية التي نشكرها رغم تأخرها الشديد. هل يرضى أحد أن يحاصر الشيخ مع تهديد مستمر بالهجوم عليه لقتله لمجرد أن صعد المنبر، وحث المصلين على الذهاب إلى صندوق الانتخاب كواجب شرعي ووطني؟!، وهو نفس مضمون رسالة شيخ الأزهر الدكتور الطيب الذي طالب الشعب بالذهاب إلى صناديق الاقتراع مع سلمية الاستفتاء، وأن تزييفُ إرادة الناس بأيِّ نوعٍ من أنواع التزييف حرام شرعًا، ويجبُ تركُ الناس لإرادتِهم الحرَّة واختيارِهم الشخصي والتقبُّل التام لنتيجة الاستفتاء الذي يرتَضِيه الشعب بإرادةٍ حرَّة قويَّة لتنطلقَ مصرُ نحوَ نهضتها وتقدُّمها، وتتبوَّأ مكانتَها بين الدول. إذا أردت أن تعرف من أصحاب الاستفتاء السلمي فهم الذين دعوا بالحكمة إلى قراءة الدستور، واختيار نعم أو لا دون اتهام للآخر بالكفر أو استعمال العنف. وإذا أردت أن تعرف أصحاب الاستقواء فأسأل عن الذين طبعوا من الأموال الحرام ملايين من النسخ المزيفة للدستور، ونشروا إعلانات باطلة، ورفضوا الحوار والمناظرة، وحرقوا المنشئات، وقتلوا الشباب، وتسلحوا بالحجارة والعصي والخرطوش والقنابل، واستقووا بالسفارات الخارجية وأعداء الشعب والثورات السلمية، وعلى كل قال الله تعالى: "وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ" (فاطر: من الآية 43)، "وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ" (فاطر: من الآية227)، "وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" (يوسف: من الآية 21).  

391

| 19 ديسمبر 2012

بين" نعم" و"لا" في الاستفتاء على الدستور

أن تقول " نعم " و " لا "على الدستور يوم السبت 2 صفر 1434هـ الموافق 15ديسمبر 2012م يعني أننا شعب حضاري قرأ مشروع دستوره ثم اتخذ موقفاً راشداً موافقاً أو رافضاً، ويجب أن يكون عندنا عقيدة وليس ثقافة فقط أن من آيات الله في الكون أن نختلف لقوله تعالى: "وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ" (الروم:22) ومن يظن أنه مهما أوتي الإنسان عقلية سقراط أو أفلاطون أو ابن سينا أو الفارابي أو ابن خلدون أو ابن جني فلن يستطيع أحد أن يجمع الخلق على شيء واحد، فهذا عكس السنن الربانية لقوله تعالى: "فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا" (فاطر:42)، فكلاهما يعبِّر عن حب حقيقي لمصر وثورة مصر وأبناء مصر الذين يستحقون الاستقرار والاستمرار لأفضل مشوار وهو الإعمار، ليس إعمار صعيد مصر وشمالها بل إعمار الأمة الإسلامية قاطبة لتكون الأمة المصرية الرائدة لا الراكدة. أقول يجب أن يقف تيار الإيجابيين أصحاب الصوت " نعم " أو " لا " معاً دعاة بالحسنى لمن رفضوا قراءة الدستور، وأريد هنا حواراً هادئاً بين القول بنعم أم لا في دائرة أننا معاً إيجابيون في الاستجابة للشرعية، ونريد لمصر كما قال الشيخ الشعراوي: "إن الثائر بالحق هو من يثور ليهدم الفساد ثم يهدأ ليصنع الأمجاد". إذا قلنا "نعم" فإننا من اليوم الثاني يكون عندنا مرجع فوق رؤوس الجميع اسمه الدستور، وقد قرأته مرارا بعقليات ومنهجيات مختلفة، وأول جانب شغلني كرجل تخصصي وحياتي الشريعة الإسلامية: هل للشريعة الإسلامية بِرُقيها وعدالتها مكانة يمكنها من حل كل معضلات المجتمع المصري المسلم وهي الضمان الحقيقي الأكبر لإخواننا المسيحيين، فوجدت مادتين تجعل كل قانون أو لائحة تنفيذية أو قرار إداري يمكن الطعن عليه لو خالف الشريعة فلماذا أقول "لا"؟! وعدتُ فقرأتُ الدستور بعقلية القانوني حيث درستُ في كلية الحقوق أربع سنوات للحصول على تخصص في القانون حباً في الدراسات القانونية، فكان أول شيء هل هناك توازن بين السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية؟ فوجدت نموذجا رائعاً وضعه خبراء من خيرة رجال الدساتير والقانون في العالم، وهذا واضح في الميزان الذي قاده رجل القضاء العظيم المحايد الذي لا يمثل تياراً وهو الغرياني، وفريق من خيرة أبناء مصر من كل الاتجاهات، وخصُّوا مصر بلدهم بدستور أروع وأدق في هذا التوازن من أكثر دساتير العالم بحيث لا تتغول سلطة على أخرى، ووجدت استقلال القضاء وحق السلطة التشريعية في الرقابة على السلطة التنفيذية، ولو فيه طرف ضعيف في الدستور فهو السلطة التنفيذية على عكس الدستور الماضي الذي أعطى سلطة منفردة تتغول على كل السلطات والهيئات فعنده 35 سلطة منفردة في الدستور الماضي لكن الرئيس في دستور ما بعد الثورة له صلاحيتان فقط في السياسة الخارجية والأمن الوطني والقومي، وبقية الصلاحيات مشتركة مع مجلس الشعب أو الحكومة أو القضاء أو الجيش، فلماذا أقول لدستور مثل هذا "لا"؟! وعدت أقرأ الدستور بعقلية ابن البلد الفلاح الذي يحب كل أبناء قريته ومدينته وبلده وأمته فلم أجد شريحة في المجتمع مهملة أو منسية في زحمة الشغب حول الدستور، حتى الطفل له حضور مثل الشباب والكبار، والمرضى لهم حقوق تسبق الأصحاء، والأميون لهم حقوق في التعلم والتصويت، وللمتعلمين حق في العمل، ولأصحاب العمل حق في حياة كريمة، ولمن لا يجد عملاً له حق في تدريبه وتأهيله للعمل ثم توفير فرص عمل، ووجدت للتعليم رسالة حضارية واستثمارية، فقلت هذا أعظم احترام للعلماء والجامعات، ووجدت الطلاب لهم مكانة يفخر بها كل طالب حر، وعدتُ أسأل عن سواعدنا المحترمين ورجالنا العمال والفلاحين فوجدتهم في مكانة تليق بالإنسان الشريف عاملاً أو فلاحاً، فلماذا أقول لدستور كهذا "لا"؟! وعندما لبست ثوب المصلح الاجتماعي فوجدت نسيج المجتمع مسلمين ومسيحيين - رغم مواقف غير مرضية وطائفية بامتياز - لكن مصر الكبيرة بدستورها كفل لشركاء الوطن كل الحقوق المدنية والدينية بما لا يجدونه لو عاشوا في أوروبا وأمريكا وأستراليا، ونظرت إلى موقف المرأة التي تغنّى الكثير بأنهم حماتها فإذا بهم ذئاب في افتراسها، لكن الدستور كفل للمرأة كل كرامتها وعفتها وحقوقها، حتى نص على حقها في العمل عكس ما روج له الكثيرون، وعدت أبحث عن حقوق المعوقين فوجدت لهم مكانا بارزا وحقا ساطعا أكثر مما يوجد في أكثر دساتير العالم المتحضر في القوانين أو اللوائح لا الدستور مثل مشروع دستور مصر العظيم، فلماذا أقول لدستوري هذا"لا"؟! ولبست ثوباً لم ألبسه من قبل وهو ثوب رجل الاستثمار في الداخل أو الخارج فوجدت أن الاهتمام بالأمن لتهيئة المناخ، وتذليل قوانين الاستثمار، والاهتمام بالموارد الضخمة لمصر بدءا بقطرات نهر النيل وانتهاء بجبال وسهول وأجواء مصر وما تحتها من تلال الذهب والبترول والغاز سيحول مصر إلى قوة اقتصادية عالمية بإذن الله، فقلت فلماذا أقول لهذا الدستور"لا"؟! وجلست بعد أن تعبت من كثرة الملابس التي لبستها كأنني في برنامج تلفزيوني أغير ملابسي لكل حلقة فلبست أخيرا "بيجامة" النوم من الإرهاق فأرّقني هاجس: ماذا لو مرَّ الدستور وأحببنا أن نغير شيئا في الدستور، فهل سدَّ شيوخ الجمعية التأسيسية الباب أمام تعديله، فرجعتُ وأشعلتُ النور ووجدت أن خُمس أعضاء مجلس الشعب يمكنهم أن يطلبوا تعديل الدستور بشرط إقناع الثلثين، ثم لا حق لهم في التعديل وهم ممثلو الشعب، لكن لابد من استفتاء جديد من الشعب كله، فقلت سأذهب للنوم قريراً وسأقول "نعم" لدستوري الذي احترمني قبل ميلاده وبعد شبابه ويمكن علاجه عند شيخوخته، وقلت والله لو قلتَ يا صاحبي: "لا" بعد القراءة فأظل أحترمك وأقدرك؛ لأن هذا من سنن الله وآداب التعايش في بلد واحد. أما الذين لم يقرأوا فأقول لهم: لا تعطوا لعقولكم عطلة فيحتلها من يريد بنا معاً أن تعود مصر إلى الفوضى التي توعدنا بها المخلوع وأذنابه، ومن يتربصون بمصر في الكيان الصهيوني وأمريكا، وبعض أذيال الخليج لكني أقول للجميع: والله نحن مقبلون بمصر على خير كثير لأن بها من الطيبين الصالحين من قال الله عنهم: "وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ" (البقرة:143)، فغدًا نفرح بمصر ودستورها العظيم ونهضتها الشاملة، وروحوا للصندوق وقولوا بملء الفم: "نعم" أو"لا"؛ فالذهاب فريضة شرعية وضرورة واقعية، لكن أن تقول: "نعم" أو "لا" فهذه على الإباحة الأصلية ومن الحرية الشخصية.

392

| 12 ديسمبر 2012

بين الزبد وما ينفع الناس في الإعلان الدستوري

قامت الدنيا ولم تقعد منذ الإعلان الدستوري وصار التفاعل كما قال الشاعر: عين الرضا عن كل عيب كليلة   وعين السخط تبدي المساويا وكما يقول المثل البلدي: "حبيبك يبلع لك الزلط، وعدوك يتمنى لك الغلط"، لكن التفاعلات الهائلة التي تمت في التحرير رغم نزاهة وعراقة المكان، وإنني أتعامل مع المكان على أن له حنينا وإحساسا ومشاعر كما يشعر الإنسان، لأن النجم والشجر في عقيدتنا يسجدان، وجبل أحد منا نحبه ويحبنا، وحن الجذع للحبيب محمد صلى الله عليه وسلم؛ لما اتخذ منبرا، ونحن نحنُّ إلى التحرير مكانًا، وإلى 25 يناير زمانًا وكأني بالتحرير يردد قوله تعالى: "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ" (الرعد: من الآية 17)، فلقد اعتاد التحرير على قوم يكثرون الدعاء فجاء قوم يكثرون الغثاء، واعتاد التحرير أن يغشاه قومٌ يوطِّئون الأكناف، فجاءه قوم يضربون الأكتاف، واعتاد التحرير قوما يصلون الصلوات الخمس، فجاء قوم يصلون الجمعة فقط، بخطيب "عمولة" لا له في الدين ولا في الدنيا، لم يرزق حكمة ولا فصل الخطاب، واعتاد التحرير أن يتواصل المسلم مع المسيحي تحت عنوان البر والقسط والاعتزاز بالمواطنة، فجاء قوم يتعاملون تحت عنوان السب والقذف والابتزاز و"المزاحمة"، واعتاد التحرير أن تكون هناك راية واحدة، يجمعهم حب الله ثم الوطن والمواطن، وفعل الخير ونفع الغير، فجاء قوم من أرحام متعددة تجمعهم كراهية مرسي وأنصاره، مع كل ألوان المعاصي، وفعل الشر وضرر الغير، لقد كنت ممن يغلبون الإنسان على المكان، لأني أدرِّس في الشريعة أن الإنسان هو الخليفة لله تعالى، خلقه الله لعبادته، وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعا منه، وأسجد له الملائكة فلا يمكن التشبث بالمكان ويقتتل الإنسان مع أخيه الإنسان، والمعارك داخل الوطن الواحد ليس فيها منتصر ومنهزم، بل الكل فيها منهزم لكن القوم جاءوا في صلف يعلنون في المكان الذي تعلقنا به: ممنوع دخول "الإخوان" فصار الأمر كما قال الشاعر: حرام على بلابله الدوح   حلال للطير من كل جنس ومن الذي يحدد ويصدر القرارات أن يحتكر جزءا عزيزا من الوطن، لكن لا حرج أن نكون كبارا، وأن نأخذ بقول العرب: "إذا عز أخوك فلِن" من الليونة لا اللّي ولا الرفض، ومضى القوم بين رجال منهاجهم (وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) فجلسوا على الملأ والفضائيات يناقشون الدستور مناقشة أخيرة 21 ساعة متصلة في صبر وجلد وعلم وأدب، وحرص وحدب حتى على من يسبونهم في التحرير، ومن يقذفونهم بالحجارة والنقير، ويتهمونهم بالخيانة والتزوير، فصبروا وهم يرون أن الزبد يذهب جفاء، وأنه إذا هوجم الإسلام أو الوطن انتفضنا، وإذا هوجم الأشخاص أو الجماعات احتسبنا، فأنهوا مشروع الدستور بعد آلاف الساعات، والمناقشات بينهم ومع كل القطاعات، وجابوا شمال مصر وجنوبها شرقها وغربها يجمعون الآراء، ويوازنون بين أفضل المصلحتين، والترجيح بين المصالح والمفاسد والحقوق والواجبات وحقوق الرجل والمرأة، والغني والفقير، والوزير والغفير، والصحيح والمريض، والمسلم والمسيحي، وحقوق الظالم والمظلوم، والطالب والمطلوب، والواقع والأمل، حتى خرج مشروع الدستور شامة على جبين كل مصري ليقول بحق في العالم كله: "ارفع راسك فوق أنت مصري"، ومضى القوم يعلنون تأييدهم للإعلان الدستوري أمام جامعة القاهرة، وهم يحنون إلى التحرير لكن الكبير لابد أن يبقى كبيرا كما قالت العرب: "الزعيم غارم" وفقه المقاصد يقتضي أن تصل الرسالة من أي موقع، " وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَـزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ" (يوسف: من الآية 65)، لكن الله تعالى دفع بفلذات أكباد مصر إلى جامعة القاهرة، وقد قال لي شيخي الوقور الجليل، وكنا بالوزارة نعمل فيما ينفع الناس في يوم العطلة لكنا نعمل لله ثم من أجل بناء مصر، فقال وهو ينظر للتلفاز كيف ستدخل في هذا الزحام فضحكت وقلت: على الأعناق يا مولانا، سيحملني الأحباب الأبرار الأطهار من إخواني، ولم أصدق أن الساعة 2 ظهرا، والوفود تتدفق على الميدان كأنك في يوم النفرة من عرفات إلى منى والمزدلفة لقد كانوا حقا ملايين، ورأيت التراص فعلا كما قال الله تعالى: "كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ" (الصف: من الآية 4) ولقد كانت الكتل البشرية تتحرك معا كأنهم شجرة ضخمة تحركها الريح معا، يمنة ويسرة في روعة وبراعة معا، ولقد تمنيت لو كان خطاب الجماعات جامعا لشتات الوطن، ناظرا إلى مستقبل شعب واحد مثل الأمعاء والمثل البلدي يقول: "المصارين بتتخانق مع بعضها" ثم لا تلبث أن تهدأ وتهضم الطعام وتطرد الفضلات، وفي الأخير كما نقول: صحة وعافية، وإنني على يقين أن بطن مصر الكبيرة سوف يحتمل "خناقة المصارين"، وسيأتي من كان شاردا ليعود واردا على نيل مصر يشرب ويرتوي"ومطرح ما يسري يمري" ثم يقوم ليغرس غرسا، أو يروي شجرا، أو يقطف ثمرا" انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" (الأنعام: من الآية 99)، واستلم الرئيس مشروع الدستور في حفل سجدت معه لله شكرا، وازددت بإخواني وأساتذتي في الجمعية التأسيسية عزا وفخرا، وشعرت براحة تقترب من يوم ذهاب مبارك، ويوم نجاح د.مرسي، وقلت اقتربت ساعة الفرج كما قال تعالى: "لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا " (الطلاق: من الآية 7)، وتوقعت أن يفيق كل من أصابته حمى الخوف من الإسلام والأخونة والسلفنة لنقول جميعا نحن أبناء ثورة مصر 25 يناير، نحن معا نبني مصرنا ونحرر قدسنا، نحن معا سنشق طريقنا نحو عزنا ومجدنا، نحن معا سوف نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع، نحن معا سنرضي الله في رئيسنا ومرؤوسنا صغيرنا وكبيرنا، وكلنا قد تشبع بقول ربنا: "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ " فاغرسوا في الأرض إرضاءً لرب الأرض والسماء.  

430

| 05 ديسمبر 2012

بين الآلام والآمال في الإعلان الدستوري

كلما رسخ الإيمان في القلوب يمضغ الإنسان الآلام، وتبقى ساحة الآمال واسعة تستوعب الكثير من الأعمال، وكلما طاش عقل الإنسان، وخف وزن الإيمان يرى الإنسان مع كل أزمة أن هذه نهاية الثورة، وبزوغ الفتنة، وضياع الأمة،  وعندما ننظر إلى ما يجري في عالم الشهادة دون أن نربطه بعالم الغيب الذي لا يملكه إلا علام الغيوب سبحانه تتورم الآلام، ويتضاعف اليأس والإحباط، والخوف والهلع، والحيرة والفزع فيرى الإنسان أن هناك ردة إلى الوراء، أما من يوقن بأن الأمر لا يُدبر في الأرض، وإنما يدبره من في السماء، وهو رب العزة وحده، كما قال سبحانه: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) (الرعد: من الآية2)، وقال سبحانه: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ) (السجدة: من الآية 5)، ولقد طال انتظار أغلب هذا الشعب المصري أن يتخذ فخامة الرئيس محمد مرسي قرارا يطهر فيه هذا الصرح الشامخ في عقل ووجدان كل إنسان وهو القضاء حيث أفسد النظام السابق كل القطاعات، ولم يكن النظام غبيا غباء مطبقا أن يفسد كل جوانب الحياة دون القضاء، حيث قد يحكم على المفسدين، ويواجه ظلم الطغاة المستبدين، فكان لابد من ترويض فئة من القضاة المنافقين، والعملاء الظالمين الذين لا يخشون ربا، ولا يرعون حرمة، ولا يهتدون سبيلا، وبقي أكثر القضاء يحترمون شرف مهنتهم، وثقل أمانتهم.  لكن أكبر الآلام أن يجتمع قوم من رجال الثورة عُرفوا في سماء مصر بالطهارة والنقاء، والصدق والوفاء، والتضحية والفداء، فينضمون إلى فريق الغوغاء، وقد قال الشاعر: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهنّد ومن أكبر الآلام أن تتفتت قوى الثورة التي جمعت المسلمين والمسيحيين، الرجال والنساء، العلمانيين والإسلاميين، الشباب والفتيات، وأن نتحول إلى شيطنة الثورة، وأن يُدفع إلى ميدان التحرير شباب يواجه بعضهم بعضا، بعد أن كان رمزًا للنبوغ الحضاري لشعوب العالم في ثورته السلمية، وحرصهم بعضهم البعض، وإيثارهم لبعضهم في ثوبهم الحضاري الذي شهد له العالم أجمع أن شباب الثورة المصرية علموا العالم كيف تكون الحضارة والرقي، وشهد لهم العدو قبل الصديق، لكن قومًا من شياطين الإنس فاقوا شياطين الجن نثروا الأموال في حجور بعض هؤلاء الذين كانوا أحرارا فصاروا عبيدا لهذا المال، حتى إن جريد الأهرام يوم 21/11/2012م لتذكر أن هناك نصف مليار وستة ملايين دولار قد مُوِّل بها قطاع الإعلام شاشة وجريدة وصفحات على الإنترنت من أجل شيطنة الثورة، وتمزيق وحدتها، وتلطيخ قادتها، وصناعة رموز من القش التي لا ترى فيه نفعا، والسخرية من الإسلاميين، والنيل من مهابة الرئاسة، وعلى كل لن أطيل في ذكر الآلام فهي أكثر مرارة من وصف الأقلام، لكني أريد أن أطمئن فخامة الرئيس وأهلي من مصر الكنانة، ومحبي مصر من مئات الملايين من خارج محيطها الجغرافي، وإن كانوا من أهلها حبا وولاء وتقديرا ووفاء، أما عناصر الآمال التي لا أشك لحظة واحدة أنها ستغير وجه مصر والعرب والأمة والعالم، فأولها: أن للبيت رباً يحميه، وقد نصر الله تبارك وتعالى عبد المطلب جدّ النبي صلى الله عليه وسلم عندما أراد أبرهة أن يهدم بالفيلة بيت الله الحرام، وأن يعتدي على الكعبة المشرفة، وقد بذل لهم عبد المطلب أقصى ما يملك، فلما تمنَّعوا قالها في رسوخ: "للبيت رب يحميه"، فكانت النتيجة هذه الطير الأبابيل التي رمت أبرهة وجنوده والفيلة بحجارة من سجيل فجعلهم الله كعصف مأكول، وعندما بذل النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه أقصى الأسباب، وهم يحفرون الخندق لمواجهة الأحزاب كما قال تعالى: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هنالك ابتُلي المؤمنون وزُلزلوا زلزالا شديدًا) (الأحزاب: 10-11)، واجتمع على المسلمين كفار العرب ويهود المدينة والمنافقون، ولم يكن أحد يستطيع أن يتحرك إلا ومعه سلاحه، حتى بلغت القلوب الحناجر كما عبرت الآيات وبقي أصحاب الرسوخ الإيماني كما وصفهم الله تعالى: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) (الأحزاب: 22)، وكانت النتيجة النهائية هي التي قالها تعالى: (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) (الأحزاب:27)، ومن هنا فلابد من اليقين أن الله لن يريد بمصر إلا الخير ففيها العلماء، وحفظة كتاب الله، والشرفاء، والعظماء، والصالحون من الأغنياء والفقراء، والشباب والفتيات، وفيها من رجال البر ونساء الخير، في مصر تغرف من بحر ولا تنحت من صخر، في مصر رجال ونساء شباب وفتيات من كل التيارات والجماعات والأحزاب، من المسيحيين والمسلمين من الأنقياء الذين لا يبيعون الأرض، ولا يهتكون العرض، ولا يفرّطون في الوطن، ولا ينجرفون وراء الفتن، ولا تستهويهم الأهواء، ولا يثنيهم الابتلاء، وفي أمثال هؤلاء قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) (البقرة: من الآية 143)، ولابد من اليقين أن حاكما - مثل د.محمد مرسي - حافظا للقرآن، متبعا هدى سيد الأنام، صوّامًا قوّامًا، لا يمكن أن يدعه الرحمن فريسة لأتباع الهوى والشيطان ، ومسعري الحرب، ومؤججي الفتن، الذين لا يزأرون أمام الصهاينة المعتدين، ولا الأمريكان الباغين، ولا العلويين الظالمين، كما لا يمكن أن يدع الله عبده محمد مرسي دون أن يكشف له المؤامرات التي جلس لها كبار القضاة في النيابة والدستورية والتجار الذين نهبوا مصر في العهد البائد، وكبار الصحفيين الذين قال الله فيهم: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) (الواقعة: 82)، وبعض رجال الأمن الذين فقدوا صوابهم، ويتآمرون لإعادة البلاد إلى الفوضى التي وعد بها مبارك! أو استعادة من خرج من البلاد معتمرا إلى غير بلد الله الحرام، وأصبح كما قال الشاعر: إذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا أقول ما قلته في اليوم الأول من أحداث رفح الموجعة يوم أن قتل أبناؤنا ذبحا عند الإفطار، لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم، وقلت إن ما حدث في رفح سيعود خيرا على د.محمد مرسي ومصر والعرب والأمة كلها، ورأينا كيف أفاقت مصر من سيطرة العسكر، وغدا أقول ستفيق مصر بعد هذا الإعلان الدستوري الذي يحفظ خلق الوفاء لدماء الشهداء، كما وعد الرئيس بالقصاص من قاتليهم، ويحفظ مؤسسات مصر مثل التأسيسية والشورى من ألاعيب وكلاكيع بقايا النظام السابق، وأقول غدا جاء دورك يا إعلام مصر حيث يجب أن يطهر من الأقزام، وأن يقوده بحق الأعلام. يا قومنا ثقوا في الله علام الغيوب، وأجمعوا أمركم، ووحدوا صفكم، واعملوا بالليل والنهار، وتيقنوا أن مصر والأمة ستعود إلى القمة بإذن الله ولو كره المشركون في الخارج، والمنافقون في الداخل. الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية

402

| 30 نوفمبر 2012

بين حماقة بني صهيون وبراعة أهل غزة

حماقة بني صهيون قديمة متجددة، وسيجري عليهم قانون الله تعالى: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ) (القمر:45-46)، وسيمضي عليهم قدر الله تعالى: وقوله تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) (آل عمران:112)، فهل يوجد أحمق في تاريخ العالم من قوم رأوا بأعينهم العصا تتحول إلى ثعبان، كما قال سبحانه: (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ) (طه: 69)، وشق الله البحر أمام أعينهم فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، وخلع الله الجبل وجعله فوق رؤوسهم كأنه مظلة، وأحيا الله الميت بضربة من عظام البقرة وأنزل الله عليهم المن والسلوى، ومع هذا ظلوا على حماقتهم وكفرهم وعنادهم حتى قال سبحانه: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ) (البقرة: من الآية87)، وقال تعالى: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة:75)، أليست هذه حماقات بالجملة لدى بني إسرائيل وأبنائهم وأحفادهم من بني صهيون! أليس يهود بني قينقاع قد رأوا انتصار القلة المؤمنة في غزوة بدر فراحوا يسخرون من النبي وصحبه، ويقللون من شأن هذا الانتصار ويهددون وقالوا: لإن لقيتنا لتعلَمن أنَّا الناس، وقاموا كعادتهم بأفعال الخسة بأن كشفوا عورة امرأة مسلمة في سوق ذهبهم؛ فقامت حرب من دولة الإسلام الوليدة التي لم تتهيأ بعد للنزال والقتال كما تهيأ بنو قينقاع زمنا طويلا لكنهم لما حوصروا تقوقعوا واستغاثوا وأخرجوا من ديارهم، ولم يتعلم يهود بني النضير ممن سبقهم في الغدر والمكر والخسة والنذالة، بل هموا احتيالا بمحاولة اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم بطريقة خسيسة أيضا، فأنجاه الله وحوصروا ونزلت الآيات في سورة بأكملها سميت بسورة بني النضير، حيث قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ) (الحشر:2)، والقرآن يقص هنا أن هؤلاء بلغوا في الحماقة أوُجَّها وأعلاها حتى يصح أن يقال: أحمق الناس من تحدى رب الناس، فآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب وخرجوا أذلاء مقهورين، ومع هذا لم يتعلم الدرس بنو قريظة، وقد صار النبي صلى الله عليه وسلم أقوى استعدادا للأعداء وأوسع انتشارا، وقد تراجع اليهود عددا، وصاروا قبيلة واحدة بدل من قبائل ثلاث، ومع هذا أغواهم الشيطان، وأنساهم العمى، ودفعتهم الحماقة أن ينقضوا العهود وأن يفتحوا الحدود في منطقة الجنوب للمشركين من الأحزاب حتى وصل المسلمون إلى ما وصفه القرآن: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا) (الأحزاب:10-11)، لكن الله جل في علاه أجرى سننه، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا، فكانت النتيجة قتل يهود بنو قريظة، بعد أن اشتد الغضب في السماء، ونزل جبريل إلى الأرض في لغة حربية قاطعة: يا محمد أوقد وضعت سلاحك؟! إن الملائكة لم تضع أسلحتها، فقال: فإني سائر أمامك إلى بني قريظة أزلزل عليهم عروشهم، وهنا أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الرسالة وقال في حزم وعزم: من كان منكم سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة، فانطلقوا سراعا وحاكموهم، ونزلوا على حكم سعد بن معاذ بعد أن بكوا وتعلقوا برجله وهو ينزف على دابته، وحكم أن يقتل كل من أنبت من الرجال، وأن تسبى النساء والأطفال، وأن تقسم الأموال، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: لقد حكمت بحكم الله يا سعد من فوق سبع سماوات، وهنا يأتي الشاهد الكبير على حماقة بني يهود عندما جُمعوا ليقتل شرارهم، وسأل أحد اليهود قائدهم كعب بن أسد القرظي: إلى أين يذهبون بنا؟، فقال كعب: يا قوم أفي كل مرة لا تعقلون؟!، أولا ترون أن الآخذ لا ينزع، وأن الذاهب لا يرجع!، إنه والله القتل، فأودت بهم حماقتهم فلم يعتبروا في الأولى من بني قينقاع ولا في الثانية من بني النضير فلقوا حتفهم جميعا، وأقول اليوم لنتنياهو وباراك وحكومة بني صهيون وشعب المحتلين: يا بني صهيون أفي كل مرة لا تعقلون! ألم تهزموا في لبنان في 2006م، وهزمتم من أهل غزة المحاصرين في موقعة الرصاص المصبوب من جانبكم، والفرقان من جانبنا، ألم تعتبروا أن مخابراتكم وسلاحكم ومخابرات الأمريكان والألمان والهند واليابان والصين وروسيا وأستراليا وجواسيس رام الله ومبارك وعمر سليمان لم يستطيعوا خمس سنوات أن يعرفوا مكانا لشاليط؛ ورضختم أذلاء لشروط حماس فحُررِّت عشرون أختا من سجون الاحتلال من أجل دقيقتين فيديو يؤكدان حياة شاليط واستكبروا ورفضوا شروط حماس وفي الأخير رضخوا وذلوا واضطروا أن يخرجوا فوق الألف من أسرى فلسطين من أجل الإفراج عن شاليط! هل نسيتم يا بني صهيون أن في فلسطين قوما جبارين؟! هل نسيتم يا بني صهيون عماد عقل وهو يرعب جحافلكم وقادة الدبابات والطائرات وصار رعبا في الجنود الصهاينة حتى في الأحلام، وألقى بنفسه من فوق السطح بينكم وقتل جنودكم قبل أن يستشهد، أنسيتم براعة أهل غزة الذين ملؤوا المساجد عمارة، وملأوا قلوبهم حفظا للقرآن؟! هل نسيتم أن في غزة أكثر من سبعين ألف حافظ للقرآن تحوطهم عناية الرحمن وتسدد رميتهم كلمات الله حيث قال سبحانه: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ) (الأنفال: من الآية 17)! هل نسيتم يا بني صهيون براعة أهل غزة عندما حاصرتموهم سنين عديدة فرفعوا شعار: "الجوع لا الركوع"! وعلموا العالم كيف تكون غزة رمزا للعزة والقوة والصبر والجلد فكأني بهم كما قال الشاعر: وتجلدي للشامتين أرُيهم أني لريب الدهر لا أتضعضع أنسيتم يا بني صهيون براعة أهل غزة الذين جعلوا "من الفسيخ شربات" فصار عندهم فائض - رغم الحصار الظالم من العدو والصديق - من الخضروات والفواكه واللحوم البيضاء والأسماك والتمر، وعندهم استعداد للتصدير! هل نسيتم يا بني صهيون براعة أهل غزة عندما قدمت أم نضال وأخواتها ثلاثة من أبنائها شهداء وهم في قمة الشباب والفتوة فأعادت للأمة خنساء المدينة بخنساء فلسطين، هل نسيتم أمية جحا الفنانة الرسامة وهي تودع زوجها الأول شهيدا، وزوجها الثاني شهيدا، وتتزوج قائدا جديدا يرجو أن يكون شهيدا! هل نسيتم براعة أهل غزة وهم يصنعون من روث البهائم متفجرات في وجوهكم النجسة؟! هل نسيتم براعة أهل غزة حيث طوروا من الصفيح وقطع الحديد صواريخ تضربكم في الأعماق حتى وصلت إلى الكنيست وإلى 85 كيلو في عمق أرض الاحتلال وصرتم تختبئون بالملايين ليس فقط في الملاجئ وإنما في المراحيض كما عبَّرت على "تويتر" شقيقة أحد الجنود الإسرائيليين أن أخاها الجندي المدجج بالسلاح يختبئ داخل المراحيض، وأنهم يخشون من فرسان حماس أن يصطادوهم كالبط، ولعلها من مدرسة عكاشة! هل نسيتم يا بني صهيون أن جنودكم الذين دخلوا إلى غزة كانوا يلبسون الحفاظات من كثرة تبولهم على أنفسهم خشية براعة الإقدام من أبطال غزة في حماس والجهاد والأحرار و... إنني أهتف في أمتي أولا لا تخشوا من حماقات بني صهيون فسنة الله جارية، وسيقتلون على أرضنا، ونحرر قدسنا، فقفوا بالقول والعمل، والسيف والقلم مع براعة أهلنا وجيراننا وإخواننا أبطال غزة. غدا نلقى الله تعالى ولا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية

2426

| 23 نوفمبر 2012

alsharq
أهمية الدعم الخليجي لاستقرار اليمن

بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة...

1710

| 14 يناير 2026

alsharq
ضحكة تتلألأ ودمعة تختبئ

بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري...

1428

| 16 يناير 2026

alsharq
توثيق اللحظة... حين ننسى أن نعيشها

للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات...

834

| 13 يناير 2026

alsharq
رسالة عميقة عن قطر!

في رحلتي من مطار حمد الدولي إلى منزلي،...

708

| 15 يناير 2026

alsharq
بطاقة الثقة لمعلمي الدروس الخصوصية

في خطوة تنظيميّة مهمّة تهدف إلى ضبط سوق...

681

| 14 يناير 2026

alsharq
هل الدوحة الوجهة المناسبة للعائلة الخليجية؟

لا تأتي القناعات الكبرى دائماً من التقارير الرسمية...

663

| 16 يناير 2026

alsharq
وانتهت الفُرص

ما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي اليوم ليس...

639

| 15 يناير 2026

alsharq
معول الهدم

لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس...

621

| 12 يناير 2026

alsharq
سر نجاح أنظمة التعويضات في المؤسسات

في عالم تتسارع فيه المنافسة على استقطاب أفضل...

573

| 15 يناير 2026

alsharq
هدر الكفاءات الوطنية

تقابلت مع أحد الزملاء القدامى بعد انقطاع طويل،...

570

| 12 يناير 2026

alsharq
حنين «مُعلّب».. هل نشتري تراثنا أم نعيشه؟

تجول في ممرات أسواقنا الشعبية المجددة، أو زُر...

558

| 14 يناير 2026

alsharq
السياسة الخارجية التركية عام 2025

شهدت السياسة الخارجية التركية تحولات بالغة الأهمية، في...

528

| 12 يناير 2026

أخبار محلية