رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كم في باطن الأرض وعليها من الخيرات ما لا تسعه الكلمات ولا يحيط به إلا رب الأرض والسموات، وكم على العرض في الشاشات من الشرور ما تشيب له الولدان، وتضج له العقول من الزيف والكذب والبهتان، أما باطن الأرض فهي مفعمة بخيرات وبركات وأرزاق أرساها الرحمن في طياتها في أربعة أيام أما ما على ظهر الأرض من خيرات فلا يحصيه إلا الله ومن بحث عن خير وجده، وقد تجولتُ هذه العشر الأواخر من ربيع الآخر في بلاد عدة وكان السؤال المتكرر هو: ما رأيك فيما يجري في دول الربيع العربي وبخاصة مصر؟ فأقول ما على الأرض من خيرات يختلف عما يعرض في الشاشات، ولما كان الكلام يحتاج إلى دليل آثرت أن أسوق بعضا من الشواهد العينية على الأرض تؤكد ما عليها من خيرات تختلف عما يعرض من شرور تم تزيينها أو إن شئت تلفيقها نِْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى من (شَيَاطِينَ الْإ ،( بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) (الأنعام: من الآية 112 فجعلوا الناس يكادون أن يحبطوا من الثورة والثوار، والإصلاح والتغيير، ولنتجول في أرض الله لنرى معا كم تحمل من خيرات تُبشِّر بمستقبل طيب لبلادنا 2013 م حيث /2/ وأمتنا وعالمنا، وأبدأ من السبت 2 سافرت إلى فرنسا في مؤتمر للمسلمين في مدينة "ليل" شمال باريس بساعتين، وهناك كان المؤتمر في قاعة من صالات الألعاب الكبرى، وترى من كل بقاع الأرض والفرنسيين الذين أسلموا طوعا، ما تقر به عينك، وقد أخبرني الأخ رئيس المؤتمر أن عمدة المدينة رفضت أن تحضر المؤتمر الحاشد بسبب حضوري المؤتمر لأني معادٍ للصهيونية - ونعم التهمة هي- وقد أجابهم الإخوة في المؤتمر: "إذا كنتم تدَّعون في النظام العلماني فصل الدين عن الدولة، فلا يجوز للسلطة أن تتدخل فيمن ندعو إلى المؤتمر" وقد أصروا على حضور العبد الفقير تحديًا لهذا التدخل السافر قربانا للصهيونية، مع ما في هذا الأمر من مخاطر عليهم لكنهم أعملوا قيمة العزة والكرامة، والحق القانوني على المنافع العاجلة، وسافرتُ بعدها إلى ألمانيا لألتقي بالعلماء والأئمة من مائة مركز إسلامي قطع بعضهم أكثر من سبعمائة كيلومتر كي يشتركوا في الدورة التكوينية الشرعية حول: "مقاصد الشريعة ودورها في فقه الأقليات المسلمة" وقد حاضر فيها العالم الرباني أ.د. عمر عبد الكافي، والعالم الشاب في علم المقاصد د.وصفي عاشور، والقائد الرباني العالم الأزهري د.خالد حنفي، وقد رأيتُ في وجوه هؤلاء العلماء وعزائمهم ما يبشِّر على الأرض بخير ليس في ألمانيا، وحدها وإنما في أوروبا كلها، والنقطة الأكثر اندهاشا هو حضور عدد من الأئمة الألمان الذين أسلموا وتفرغوا لحفظ القرآن وتعلم اللغة العربية فلم يحتج واحد منهم لمترجم رغم أن مستوى الحديث بلغة علم المقاصد يعد مما يصعب على الطلاب العرب فهمه، ولكنهم كانوا يستوعبون كل شيء مما يسر القلب ويشرح الفؤاد. وفي طريق العودة من ميونخ إلى القاهرة كان هناك فتح رباني ما بين الأرض والسماء، حيث دار حوار مع أحد الركاب الذين كانوا قد اقتربوا من حفظ القرآن كله، لكن الصحبة السيئة جرته إلى كل ألوان الفجور، ومع التذكير بنِعم الله عليه ومدى استعداده للدار الآخرة، فإذا بالأصل النقي يعود إليه، وتُزال – بفضل الله - القشرة العارضة، وتحول الشاب في لحظات إلى الإنسان الذي يفيض حبا وخوفا من الرحمن، فأخرجت له مصحفي الذي لا يفارقني قلبا وقالبا وقلت له: ضع يدك وتب توبة نصوحة، وتذكر أن اليد التي تمسك كتاب الله لا تمسك خمرا ولا تمس يدا في الحرام، وتعاهدنا على ثلاث: عمارة المسجد، والورد القرآني، والصحبة الصالحة، ونزلت إلى مصر مغتبطا بهذا الشاب العائد إلى الله. وفي مصر الحبيبة التقينا في المجلس الأعلى في يوم واحد قرابة 800 شاب وفتاة على دفعتين في الصباح مجموعة تزيد عن 400 من الوافدين لمصر من 50 دولة، ورغم أن منحة المجلس محدودة وقليلة، لكنهم جادون في طلب العلوم الشرعية والتربوية واللغة العربية، وقد وقف شاب من ألبانيا وتكلم بلغة عربية فصحى، وفكر إسلامي ناضج، وقيادة ربانية تبشِّر بأن هناك سفراء عظماء سوف يقودون الدعوة في أوروبا بإذن الله، وتكلمت فتاة من كينيا في أرفع أسلوب باللغة العربية التي تجاوزت السلامة النحوية إلى البراعة البلاغية، ورغم مأساتها في عدم دراسة الإعلام الذي تحبه. وكان اليوم التالي مكتظا بلقاءات مع خيار كبار العلماء وشبابهم، وخيار الدعاة من الشباب والفتيات، وخُتم اليوم بلقاء مع مجلس الوزراء والسادة المحافظين، وذهبت بعدها إلى قطر يوم الجمعة 2013/2/8 م لنلتقي بخيرة العلماء من أعضاء مجلس أمناء جامعة الاتحاد العالمي التي يؤسسها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ومع أننا في دور النشأة إلا أننا وجدنا رسالة من أ.د سمير فخرو قائد التعليم الإلكتروني عن بعد في عالمنا العربي والإسلامي يرسل رسالة أنه على استعداد أن يقدم من جامعة آسيا كأحد قادتها كل الخدمات لكي تنهض جامعة الاتحاد، وجامعة آسيا لها 35 فرعا في العالم كله، وتستوعب مئات الآلاف من الدارسين في العلوم الشرعية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية. وفي اليوم التالي كنا على موعد مع نخبة رائدة متميزة من فتيات قطر اللاتي أمضين عامين ونصف في دورة القائدة الربانية، ولا تتخرج واحدة إلا بتقديم مشروع من مشاريع الدعوة والبر والنصرة للقيم والأخلاق، وجاءت مشاريع الفتيات في سن الجامعة دليلا على الأفق الواسع والاستيعاب المتميز، والقدرة على الابتكار والإبداع والحركة الدؤوب لوجه الله تعالى، وفي مساء اليوم نفسه كانت لي مشاركة في مؤتمر بعنوان: "السياسة والفن في ميزان الأخلاق.. رؤية واقعية" وقد كان الحضور من كل قارات الدنيا وقد تكلم عبر الإنترنت الدكتور "نورمان فيكالشتين" وهو من يهود نيويورك مدافعا عن الإنسان الفلسطيني في مواجهة الظلم الصهيوني، وعرض فيلما عن الجُدر التي يقيمها اليهود بطريقة لا إنسانية تمزيقا للأسرة والمجتمع الفلسطيني، لكنه عرض جَلَد وصبر الفلسطينيين في مواجهة ظلم وطغيان الصهاينة مبشرا بنصر مبين للفلسطينيين على الصهاينة المعتدين. فهل تؤمنون معي بأن هذا الخير المدرار على الأرض هو الذي يبقى أم نستسلم للعرض في الشاشات الذي نحا أغلبه إلى تصوير دول الربيع العربي أنها صارت أرض الفوضى والمولوتوف والقتل والإضراب في منهجية آثمة لا تعرف إلا تعميم الشواذ وتلطيخ السواد الأعظم، وتشويه العظماء، وتشتيت الأفكار، وتمزيق الصفوف، وشيطنة الثورة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4314
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2868
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1182
| 28 سبتمبر 2026