رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كلما رسخ الإيمان في القلوب يمضغ الإنسان الآلام، وتبقى ساحة الآمال واسعة تستوعب الكثير من الأعمال، وكلما طاش عقل الإنسان، وخف وزن الإيمان يرى الإنسان مع كل أزمة أن هذه نهاية الثورة، وبزوغ الفتنة، وضياع الأمة، وعندما ننظر إلى ما يجري في عالم الشهادة دون أن نربطه بعالم الغيب الذي لا يملكه إلا علام الغيوب سبحانه تتورم الآلام، ويتضاعف اليأس والإحباط، والخوف والهلع، والحيرة والفزع فيرى الإنسان أن هناك ردة إلى الوراء، أما من يوقن بأن الأمر لا يُدبر في الأرض، وإنما يدبره من في السماء، وهو رب العزة وحده، كما قال سبحانه: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) (الرعد: من الآية2)، وقال سبحانه: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ) (السجدة: من الآية 5)، ولقد طال انتظار أغلب هذا الشعب المصري أن يتخذ فخامة الرئيس محمد مرسي قرارا يطهر فيه هذا الصرح الشامخ في عقل ووجدان كل إنسان وهو القضاء حيث أفسد النظام السابق كل القطاعات، ولم يكن النظام غبيا غباء مطبقا أن يفسد كل جوانب الحياة دون القضاء، حيث قد يحكم على المفسدين، ويواجه ظلم الطغاة المستبدين، فكان لابد من ترويض فئة من القضاة المنافقين، والعملاء الظالمين الذين لا يخشون ربا، ولا يرعون حرمة، ولا يهتدون سبيلا، وبقي أكثر القضاء يحترمون شرف مهنتهم، وثقل أمانتهم.
لكن أكبر الآلام أن يجتمع قوم من رجال الثورة عُرفوا في سماء مصر بالطهارة والنقاء، والصدق والوفاء، والتضحية والفداء، فينضمون إلى فريق الغوغاء، وقد قال الشاعر:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
على المرء من وقع الحسام المهنّد
ومن أكبر الآلام أن تتفتت قوى الثورة التي جمعت المسلمين والمسيحيين، الرجال والنساء، العلمانيين والإسلاميين، الشباب والفتيات، وأن نتحول إلى شيطنة الثورة، وأن يُدفع إلى ميدان التحرير شباب يواجه بعضهم بعضا، بعد أن كان رمزًا للنبوغ الحضاري لشعوب العالم في ثورته السلمية، وحرصهم بعضهم البعض، وإيثارهم لبعضهم في ثوبهم الحضاري الذي شهد له العالم أجمع أن شباب الثورة المصرية علموا العالم كيف تكون الحضارة والرقي، وشهد لهم العدو قبل الصديق، لكن قومًا من شياطين الإنس فاقوا شياطين الجن نثروا الأموال في حجور بعض هؤلاء الذين كانوا أحرارا فصاروا عبيدا لهذا المال، حتى إن جريد الأهرام يوم 21/11/2012م لتذكر أن هناك نصف مليار وستة ملايين دولار قد مُوِّل بها قطاع الإعلام شاشة وجريدة وصفحات على الإنترنت من أجل شيطنة الثورة، وتمزيق وحدتها، وتلطيخ قادتها، وصناعة رموز من القش التي لا ترى فيه نفعا، والسخرية من الإسلاميين، والنيل من مهابة الرئاسة، وعلى كل لن أطيل في ذكر الآلام فهي أكثر مرارة من وصف الأقلام، لكني أريد أن أطمئن فخامة الرئيس وأهلي من مصر الكنانة، ومحبي مصر من مئات الملايين من خارج محيطها الجغرافي، وإن كانوا من أهلها حبا وولاء وتقديرا ووفاء، أما عناصر الآمال التي لا أشك لحظة واحدة أنها ستغير وجه مصر والعرب والأمة والعالم، فأولها: أن للبيت رباً يحميه، وقد نصر الله تبارك وتعالى عبد المطلب جدّ النبي صلى الله عليه وسلم عندما أراد أبرهة أن يهدم بالفيلة بيت الله الحرام، وأن يعتدي على الكعبة المشرفة، وقد بذل لهم عبد المطلب أقصى ما يملك، فلما تمنَّعوا قالها في رسوخ: "للبيت رب يحميه"، فكانت النتيجة هذه الطير الأبابيل التي رمت أبرهة وجنوده والفيلة بحجارة من سجيل فجعلهم الله كعصف مأكول، وعندما بذل النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه أقصى الأسباب، وهم يحفرون الخندق لمواجهة الأحزاب كما قال تعالى: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هنالك ابتُلي المؤمنون وزُلزلوا زلزالا شديدًا) (الأحزاب: 10-11)، واجتمع على المسلمين كفار العرب ويهود المدينة والمنافقون، ولم يكن أحد يستطيع أن يتحرك إلا ومعه سلاحه، حتى بلغت القلوب الحناجر كما عبرت الآيات وبقي أصحاب الرسوخ الإيماني كما وصفهم الله تعالى: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) (الأحزاب: 22)، وكانت النتيجة النهائية هي التي قالها تعالى: (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) (الأحزاب:27)، ومن هنا فلابد من اليقين أن الله لن يريد بمصر إلا الخير ففيها العلماء، وحفظة كتاب الله، والشرفاء، والعظماء، والصالحون من الأغنياء والفقراء، والشباب والفتيات، وفيها من رجال البر ونساء الخير، في مصر تغرف من بحر ولا تنحت من صخر، في مصر رجال ونساء شباب وفتيات من كل التيارات والجماعات والأحزاب، من المسيحيين والمسلمين من الأنقياء الذين لا يبيعون الأرض، ولا يهتكون العرض، ولا يفرّطون في الوطن، ولا ينجرفون وراء الفتن، ولا تستهويهم الأهواء، ولا يثنيهم الابتلاء، وفي أمثال هؤلاء قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) (البقرة: من الآية 143)، ولابد من اليقين أن حاكما - مثل د.محمد مرسي - حافظا للقرآن، متبعا هدى سيد الأنام، صوّامًا قوّامًا، لا يمكن أن يدعه الرحمن فريسة لأتباع الهوى والشيطان ، ومسعري الحرب، ومؤججي الفتن، الذين لا يزأرون أمام الصهاينة المعتدين، ولا الأمريكان الباغين، ولا العلويين الظالمين، كما لا يمكن أن يدع الله عبده محمد مرسي دون أن يكشف له المؤامرات التي جلس لها كبار القضاة في النيابة والدستورية والتجار الذين نهبوا مصر في العهد البائد، وكبار الصحفيين الذين قال الله فيهم: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) (الواقعة: 82)، وبعض رجال الأمن الذين فقدوا صوابهم، ويتآمرون لإعادة البلاد إلى الفوضى التي وعد بها مبارك! أو استعادة من خرج من البلاد معتمرا إلى غير بلد الله الحرام، وأصبح كما قال الشاعر:
إذا ما خلا الجبان بأرض
طلب الطعن وحده والنزالا
أقول ما قلته في اليوم الأول من أحداث رفح الموجعة يوم أن قتل أبناؤنا ذبحا عند الإفطار، لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم، وقلت إن ما حدث في رفح سيعود خيرا على د.محمد مرسي ومصر والعرب والأمة كلها، ورأينا كيف أفاقت مصر من سيطرة العسكر، وغدا أقول ستفيق مصر بعد هذا الإعلان الدستوري الذي يحفظ خلق الوفاء لدماء الشهداء، كما وعد الرئيس بالقصاص من قاتليهم، ويحفظ مؤسسات مصر مثل التأسيسية والشورى من ألاعيب وكلاكيع بقايا النظام السابق، وأقول غدا جاء دورك يا إعلام مصر حيث يجب أن يطهر من الأقزام، وأن يقوده بحق الأعلام.
يا قومنا ثقوا في الله علام الغيوب، وأجمعوا أمركم، ووحدوا صفكم، واعملوا بالليل والنهار، وتيقنوا أن مصر والأمة ستعود إلى القمة بإذن الله ولو كره المشركون في الخارج، والمنافقون في الداخل.
الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية
أفول أوروبا ورسائل التدافع
التدافع سُنّةٌ من سنن الاجتماع الإنساني، وقانونٌ يحكم حركة التاريخ كما تحكم قوانين الطبيعة حركة الكون. فلا استقرار... اقرأ المزيد
93
| 08 فبراير 2026
سقوط الأقنعة الأخلاقية
شكّلت قضية رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين واحدة من أكبر الفضائح الأخلاقية والقانونية في العصر الحديث، بعدما كشفت... اقرأ المزيد
171
| 08 فبراير 2026
شكراً للعيون الساهرة
دعوني أولاً أعبر عن تقديرنا الكامل لكل الجهود المبذولة من وزارة الداخلية في تتبع كل ما من شأنه... اقرأ المزيد
111
| 08 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2130
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
948
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
723
| 04 فبراير 2026