رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقد عاشت غزة هاشم ما لا تحتمله الجبال من آلام الحصار وضرب النار، وإذا كان الشيء من معدنه لا يستغرب فأن يقوم الكيان الصهيوني بضرب غزة مرارا فقد أُخرج من غزة مقهورا يجر أذيال الهزيمة بعد أن لقي ضربات نافذة من الاستشهاديين والمقاومين وأطفال الحجارة الذين كانوا يواجهون الدبابة وعساكرها بالحجارة التي كانت تخرج من قلب امتلأ شجاعة وحمية على أرضه وعرضه، لكن المرارة الحقيقية أن تقوم الأنظمة العربية المجاورة بإنهاك المقاومة، وتجيِّش إمكانات وأموال ومواد بترولية عربية لخدمة المشروع الصهيوني، وثمة جرائم لن ينساها التاريخ حيث عُذِّب قادة المقاومة في سجون أنظمة عربية تشيب له الولدان، حتى قتل بعضهم على أيدي عصابات أمن الدولة والمخابرات كي ينتزعوا الاعترافات وتقدم رخيصة إلى الكيان الصهيوني وخدمة للبلاط الأمريكي، ولكن مصر تغيرت بفضل الله ثم بسبب هذه المظالم المتراكبة المتعاقبة، وجاء الدكتور محمد مرسي رئيسا لمصر وقد كان مسؤولا يوما ما عن ملف القضية الفلسطينية كلها فيعرف أصولها وفروعها وآلامها واحتياجاتها، ودعا قيادة حماس والحكومة الفلسطينية المنتخبة لأول مرة إلى القصر الجمهوري ليتحقق العدل بين لقاء القيادة المنتخبة في غزة وغير المنتخبة في رام الله، لكن حدة المرارة تتضاعف من النظام المصري السابق عندما حوَّل الغاز المصري الذي يحتاجه الشعب إلى سلعة رخيصة تقدم للصهاينة بسعر أرخص من الشعب المصري الذي يحتاج لكل نقطة غاز، لكن صلف وجهل وظلم وطغيان الأنظمة العربية جعلهم يحرمون شعوبهم وجيرانهم في فلسطين من الغاز والبترول وعوائده ويقدمون الأموال والمواد البترولية لعدونا فتشتغل بها المجنزرات والطائرات والمحركات القاتلة لإخواننا في فلسطين، والتي تحفر الأنفاق تحت المسجد الأقصى، وتشغّل أجهزة التكييف لقيادات وشعب بني صهيون في الوقت الذي مات فيه أكثر من مائتي مريض في مستشفيات غزة بسبب توقف أجهزة الإنعاش وغسيل الكُلى والأكسجين.
أما ثالثة الأثافي فإعلان قرار ضرب غزة من القاهرة في مؤتمر صحفي ضم "ليفني" وأبو الغيط في تراجع غير مسبوق لدور مصر فتحولت حربا وقسوة على الأصدقاء وسِلما وخضوعا للأعداء، وظلت دول الجوار في ضرب غزة في 2009م تحكم الحصار وتشدِّده حتى لا يخرج مريض للعلاج، ولا يدخل طبيب إلا بشق الأنفس، ومنعت المساعدات إلا ماندر تحت ضغوط عالمية، بل سُلِّمت بعض المواد الإغاثية الخاصة بغزة إلى الكيان الصهيوني، وتم احتجاز أطعمة حتى فسدت وتعفنت عند معبر رفح.
أما غزة اليوم بعد استشهاد الجعبري فقد زرتها هذا الأسبوع على رأس قافلة من المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية يزيد على 250 من كبار علماء الأزهر وأئمة وزارة الأوقاف والمفكرين ورؤساء أحزاب وقادة المدارس والتيارات الإسلامية وخيرة الشباب والفتيات من حركة أمناء الأقصى، وقام قرابة المائة من الأئمة والدعاة بالانتشار في قطاع غزة لإلقاء الدروس بين المغرب والعشاء وخطب الجمعة، وهو أكبر وأول وفد بهذا الحجم من العلماء وقادة التيارات الإسلامية، ووجدنا على الأرض ما طمأن القلب وشرح الصدر على المستوى الداخلي في غزة، فقد تحدوا الحصار وضرب النار معا، أما مقاومة الحصار فقد زرعوا مليون نخلة ومليون شجرة زيتون، وعمروا الأماكن التي كان يحتلها الكيان الصهيوني وسمّوها المحررات، وصار عندهم اكتفاء بفضل الله تعالى في الخضروات والفواكه والموالح واللحوم البيضاء، وعلى ضوء الشموع وفي الخيام علَّموا الأطفال والشباب والفتيات تعليما رفيع المستوى فصارت غزة المنطقة الوحيدة في العالم العربي التي لا يوجد فيها أميٌّ واحد، وصار ترتيب جامعاتهم في الصدارة من الجامعات في العالم الإسلامي كله، في الوقت الذي ترك لنا النظام السابق الأمية في مصر بنسبة %30، وكثير من الدول العربية ليست أحسن حالا من مصر، وفي الوقت الذي ارتفعت فيه نسبة العنوسة والطلاق معا في أكبر تهديد لأركان الأسرة في العالم العربي حتى وصلت في إحدى الدول العربية إلى 46%، فإن حالات العنوسة تساوي صفرا في غزة، والطلاق لا يزيد على 1%، وفي الوقت الذي تتضاعف الجرائم وينعدم الأمن في عواصم عربية كبرى، صارت غزة أقل المدن العربية في الجرائم، وأستطيع أن أقول بيقين وقد عشت شهر رمضان في غزة وشعرت بالأمن والأمان أكثر من أية عاصمة أو مدينة في العالم زرتها أو عشت فيها، وقد قال دولة رئيس الوزراء إسماعيل هنية: "يستطيع أي إنسان رجل أو امرأة أن يتمشى في جوف الليل في قطاع غزة دون أن يصاب بمكروه، أو يتعرض له أحد بسوء، وليس من تهديد أمني إلا من جهة الكيان الصهيوني"، ولقد حوَّل رجال غزة وحكومتها الراشدة الأنقاض الهائلة من القصف للبيوت والمساجد إلى مواد لرصف الطرق ولإعادة البناء بقدر الوسع، وقد رزق الله غزة بخصوبة الأرض إنتاجا، وخصوبة الأسرة أولادا، فوزير الداخلية عنده - ما شاء الله - 22 ولدا، ورئيس الوزراء - ما شاء الله - عنده 14 ولدا، وهناك شباب يزيدون عن 960 ألفا ولدوا مع الانتفاضة، وأكبر نسبة شباب في أي تجمع ديموغرافي في العالم يوجد في غزة حيث تئن الدول الغربية من زيادة أعداد كبار السن، وندرة الإنجاب، وقلة الشباب، مما ينذر بانهيار حملة استكمال البناء الحضاري الغربي ليعود إلى الشرق بإذن الله تعالى على أيدي الشباب.
هذا في الجانب المدني أما فيما يتعلق بالجانب العسكري فعندما قرر نتنياهو وحكومته – عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة – أن يضربوا غزة في فبراير الماضي 2012م فقد ظنوا كما ظنوا من قبل في ديسمبر 2008م أنها ستكون ضربة سريعة قاصمة، لكنها بفضل الله ومنّته ارتدت عليهم أكثر مما توقعوا جميعا، حيث تم ضرب تل أبيب لأول مرة من العمق الفلسطيني وسقطت صواريخ حماس وفصائل المقاومة على بعد 200م من وزارة الدفاع الصهيونية، وصواريخ أخرى على بعد 300م من الكنيست الصهيوني، وتم اختراق الحواجز والقبة الحديدية، كل هذا في أقل من 12 ساعة من استشهاد الجعبري، والأعجب اصطياد الطائرات الصهيوأمريكية على أرض غزة، وضرب السفن الحربية في بحر غزة، ورحبوا بشدة بأن يدخل الجنود الصهاينة برا ليحصدهم أشاوس المقاومة في غزة حصدا، بل حزن شباب المقاومة البرية حزنا شديدا لأنهم ظلوا أياما ينتظرون حسم المعركة البرية ليكون لهم شرف قتل الصهاينة المعتدين لكن معركة الصواريخ جعلت القادة والشعب الصهيوني يرمون البنادق، ويدخلون الخنادق، ويتركون الفنادق، ويرتعشون خشية المارد الفلسطيني الذي يتحرق شوقا إلى رد العدوان من جميع فصائل المقاومة الذين ضربوا أعظم المثل في التجرد والتعاون،
واليوم وما أدراك ما اليوم هناك مشروع تجتمع عليه فصائل المقاومة جميعها وهو مشروع تحرير كل التراب الفلسطيني، وأحب أن أرتبه وفقا للأولويات تحت هذا العنوان الذي أردده دائما: "تحرير الأسرى والأقصى والقدس وفلسطين"، وسيفاجئ العدو بأن الزمام لم يعد بيده، وأن قرار الحرب لن يبدأ من عنده، وأنه لو بقيت فيهم بقية من عقل أو خوف على حياة أن يرحلوا، قال تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ) (البقرة: من الآية 96)، وقال تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ) (البقرة: من الآية 96). أو بالأحرى: الآن نغزوهم ولا يغزوننا.
وإنني من هنا أقول إن زيارتنا لغزة بعد استشهاد الجعبري قربت عندي المسافة بين القاهرة والقدس والعواصم العربية وفلسطين وشباب وعلماء الأمة ومعركة التحرير، وأحسبها ستكون أسرع مما يقدره علماء ومستشارو عالم الشهادة إلى قوم يؤمنون بالغيب أكثر مما يؤمنون بالشهادة، ويعشقون الشهادة في سبيل الله أكثر مما يعشق بنو صهيون الحياة.
وأخيرا أقول ما قاله سبحانه: "أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ" (البقرة: من الآية241)، فاستعدوا (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: من الآية60).
لا تناقض بين الإسلام والديمقراطية حسب أشهر الجامعات الأمريكية
تعود مسألة «الإسلام الديمقراطي» إلى صدارة النقاش السياسي والفكري مجددًا وذلك على ضوء التجربة التونسية التي كانت نموذجًا... اقرأ المزيد
102
| 23 يناير 2026
العربي اليهودي: سيرة هوية لا تقبل القسمة 1-2
من خلال هذه السيرة التي يقطع فيها صاحبها مسيرة حياته بين ثلاثة عوالم متغايرة الثقافة، عربية وعبرية وأنجلوسكسونية،... اقرأ المزيد
120
| 23 يناير 2026
كوكبة جديدة من حماة الوطن
انطلاقاً من الأهمية الكبيرة التي يوليها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى... اقرأ المزيد
114
| 22 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من نهائي كأس الأمم الإفريقية الذي جمع بين منتخب المغرب ومنتخب السنغال. مباراة كان من المفترض أن تعكس روح التنافس والاحتكام للقوانين، لكنها شهدت أحداثًا وأجواءً أثارت الاستغراب والجدل، ووضعت علامات استفهام حول سلوك بعض المسؤولين واللاعبين، وما إذا كانت المباراة حقًا تعكس الروح الرياضية التي يفترض أن تحكم مثل هذا الحدث القاري المهم. الموقف الأول يتعلق بتصرف مدرب منتخب السنغال، بابي ثياو، حين طلب من لاعبيه الانسحاب. هذا السلوك يثير علامات استفهام عديدة، ويُفهم على أنه تجاوز للحدود الأساسية للروح الرياضية وعدم احترام لقرارات الحكم مهما كانت صعبة أو مثيرة للجدل. فالمدرب، قبل أن يكون فنيًا، هو قائد مسؤول عن توجيه لاعبيه وامتصاص التوتر، وليس دفع الفريق نحو الفوضى. كان الأجدر به أن يترك الاعتراض للمسارات الرسمية، ويدرك أن قيمة الحدث أكبر من رد فعل لحظي قد يسيء لصورة الفريق والبطولة معًا. الموقف الثاني يتعلق بضربة الجزاء الضائعة من إبراهيم دياز. هذه اللحظة فتحت باب التساؤلات على مصراعيه. هل كان هناك تفاهم صامت بين المنتخبين لجعل ضربة الجزاء تتحول إلى مجرد إجراء شكلي لاستكمال المباراة؟ لماذا غابت فرحة لاعبي السنغال بعد التصدي؟ ولماذا نُفذت الركلة بطريقة غريبة من لاعب يُعد من أبرز نجوم البطولة وهدافها؟ برود اللحظة وردود الفعل غير المعتادة أربكا المتابعين، وترك أكثر من علامة استفهام دون إجابة واضحة، مما جعل هذه اللحظة محاطة بالشكوك. ومع ذلك، لا يمكن القول إن اللقب ذهب لمن لا يستحقه، فمنتخب السنغال بلغ النهائي بجدارة، وقدم مستويات جيدة طوال مشوار البطولة. لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن المغرب أثبت أنه الأجدر والأقرب للتتويج بما أظهره من أداء مقنع وروح جماعية وإصرار حتى اللحظات الأخيرة. هذا الجيل المغربي أثبت أنه قادر على تحقيق إنجازات تاريخية، ويستحق التقدير والثناء، حتى وسط لحظات الالتباس والجدل. ويحسب للمنتخب السنغالي، قبل النتيجة، الموقف الرجولي لقائده ساديو ماني، الذي أصر على عودة زملائه إلى أرض الملعب واستكمال المباراة. هذا القرار جسد معنى القائد الحقيقي الذي يعلو باللعبة فوق الانفعال، ويُعيد لكرة القدم وجهها النبيل، مؤكدًا أن الالتزام بالقيم الرياضية أحيانًا أهم من النتيجة نفسها. كلمة أخيرة: يا جماهير المغرب الوفية، دموعكم اليوم تعكس حبكم العميق لمنتخب بلادكم ووقوفكم معه حتى اللحظة الأخيرة يملؤنا فخرًا. لا تحزنوا، فالمستقبل يحمل النجاح الذي تستحقونه، وستظلون دائمًا مصدر الإلهام والأمل لمنتخبكم.
4365
| 20 يناير 2026
التحديثات الأخيرة في قانون الموارد البشرية والتي تم الإعلان عنها في فترة سابقة، بدأت ملامحها في الظهور وذلك بصرف علاوة استمرارية الزواج للزوجين القطريين بعلاوة تُقدّر بـ 12000 ريال لكل من الزوجين والذي حددها القانون وحدد وقت صرفها في كل شهر يناير من كل عام، وسبق ذلك التعديل المباشر لاستحقاق الزوجة للعلاوة الاجتماعية بفئة متزوج وإلغاء حالة فئة أعزب للموظفة المتزوجة وذلك في بند القانون السابق. يناير 2026 يختلف عن يناير 2025 حيث إن القانون في مرحلة جديدة وملامح جديدة من حوافز وصرف المكافآت التي حددها القانون للموظفين وللوظائف الإشرافية التي تقع تحت مظلة قانون الموارد البشرية. حوافز كثيرة وقيم مستحقة يُتوقع أن تكون ذات أثر في المنافسة وبذل العطاء للوصول إليها، مع محافظة القانون على العلاوة السنوية والمحافظة على بدل الإجازة بمعدل راتب أساسي شهري للموظفين أصحاب تقييم جيد أو متوقع، والمعني به “جيد” أن الموظف أدى مهام وظيفته على أكمل وجه والتزم بكل القوانين وأخلاقيات العمل، ولم يزح القانون تلك الاستحقاقات السابقة بل حافظ عليها، وليضيف القانون حوافز مالية جديدة وذلك مع بدل الموظف المزيد من العطاء والتنافسية الايجابية ما بين الزملاء للوصول إلى التقييم الأعلى ومن ثم الوصول إلى المكافآت ومنها رؤية الأثر بزيادة مالية في تقييم “جيد جداً، امتياز وهما تعادلان تجاوز التوقعات، استثنائي” والتي حددها القانون في زيادة العلاوة الدورية لتكون في تلك السنة التقييمية 125% - 150% بدلاً من 100% للعلاوة المخصصة لدرجته المالية، بالإضافة لحصول الموظف على راتب أساسي شهري كمكافأة أو راتبين أساسيين كمكافأة بناءً على التقييم الحاصل عليه في تلك السنة، ولم يقف القانون هنا بل قام بوضع حوافز مالية للموظف القائم بالعمل الإشرافي وبقيم مالية مشجعة وضحها القانون ووفق درجة التقييم. لقد عمل القائمون على التقييم في بذل كل ما يمكنهم من وضع الخطوات والحوافز للموظفين وبإنشاء نظام تقييم يسعى قدر الإمكان في إنصاف جميع الموظفين، فإذاً لنجاح هذه العملية وجب على الجميع التعاون موظفاً ومسؤولاً في تطبيق الشروط التي حددها القانون للوصول إلى أهداف التقييم وهي في مقامها الأول هدف الارتقاء الوظيفي والتطوير والإبداع في العمل، ويليها الظفر بالمكافآت التي حددها القانون، ولكل مجتهد نصيب. أخيراً لكل مسؤول ولكل موظف عطاؤكم هو أساس لكل نجاح وبهذا النجاح يتحقق الهدف المنشود من كل عمل وبعبارة «لنجعل قطر هي الأفضل».
702
| 20 يناير 2026
في زمنٍ تختلط فيه البوصلة وتُشترى فيه المواقف وتُباع، تبرز القضية الفلسطينية كمرآةٍ صافية تكشف جوهر الإنسان. ففلسطين اليوم لم تعد قضية الفلسطيني وحده، ولا العربي وحده، ولا المسلم وحده، بل أصبحت قضية إنسانية عالمية، يدافع عنها الأحرار من كل بقاع الأرض، كثيرٌ منهم لم يولدوا عربًا، ولم يعتنقوا الإسلام، وربما لم يكونوا يعرفون موقع فلسطين على الخريطة يومًا، لكنهم عرفوا معنى الظلم واختاروا الوقوف في وجهه. لقد شهد التاريخ الحديث مواقف واضحة لشخصيات عالمية دفعت ثمن انحيازها للحق دون مواربة، وتفضل لديك بعض الأمثلة.. نيلسون مانديلا الزعيم الجنوب أفريقي وأحد أبرز رموز النضال العالمي ضد نظام الفصل العنصري، عبّر صراحة عن دعمه للقضية الفلسطينية، معتبرًا أن حرية شعبه ستبقى ناقصة ما لم ينل الفلسطينيون حريتهم. وإلى جانبه وقف ديزموند توتو الأسقف الجنوب أفريقي الحائز على جائزة نوبل للسلام، وأحد أهم الأصوات الأخلاقية في العالم. شبّه توتو ما يتعرض له الفلسطينيون بنظام الأبارتهايد انطلاقًا من تجربة شخصية عميقة مع التمييز والقهر. ورغم حملات التشويه والضغوط السياسية، لم يتراجع عن موقفه لأن العدالة في نظره لا تُجزّأ ولا تُقاس بالمصالح. ومن داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته خرج إيلان بابِه المؤرخ الإسرائيلي المعروف وأستاذ التاريخ، ليكشف في أبحاثه وكتبه ما تعرّض له الفلسطينيون عام 1948 من تهجير قسري وتطهير عرقي. لم يكن كلامه خطابًا سياسيًا، بل توثيقًا تاريخيًا مدعومًا بالمصادر. نتيجة لذلك تعرّض للتهديد والنبذ الأكاديمي، واضطر إلى مغادرة بلاده، ليصبح شاهدًا على أن قول الحقيقة قد يكون المنفى وليس أي منفى، إنه منفى الشرفاء. وفي الولايات المتحدة برز اسم نورمان فنكلستاين الأكاديمي الأمريكي اليهودي والمتخصص في القانون الدولي وحقوق الإنسان. دافع عن الحقوق الفلسطينية من منطلق قانوني وإنساني، ورفض استخدام المآسي التاريخية لتبرير الاحتلال. هذا الموقف كلّفه مستقبله الأكاديمي حيث حُرم من التثبيت الجامعي وتعرّض لعزل ممنهج، لكنه بقي مصرًّا على أن الدفاع عن فلسطين ليس موقفًا ضد شعب بل ضد الظلم والقهر. وهنا يبرز السؤال الجارح لماذا يقفون مع فلسطين؟ يقفون لأن الضمير لا يحتاج إلى جواز سفر. لأن الإنسان حين يرى طفلًا تحت الأنقاض، أو أمًا تبحث عن أشلاء أبنائها، لا يسأل عن الديانة، هو يُجسد الإنسانية بذاتها. لماذا يقفون؟؟ لأنهم يؤمنون أن الصمت شراكة، وأن الحياد في وجه الظلم ظلمٌ أكبر من الظلم نفسه. يقفون في البرد القارس وتحت المطر وفي حرّ الصيف وهم يعلمون أن الكلمة قد تُكلفهم منصبًا أو سمعة أو أمانًا شخصيًا. ومع ذلك لا يتراجعون. إيمانهم بعدالة القضية لم يُبنَ على هوية بل على مبدأ بسيط.. العدل. وهنا تأتي المقارنة المؤلمة.. إذا كانت فلسطين ليست قضيتي كمسلم، فهؤلاء ليسوا عربًا، ولا مسلمين، ولا تجمعهم بفلسطين رابطة دم أو دين ولا حتى رابطة دم جغرافية ومع ذلك وقفوا بشجاعة. أما نحن فماذا فعلنا؟ ومن يفعل … ماذا يُقال له؟ يُقال له لا ترفع صوتك يُقال له هذه سياسة يُقال له اهتم بنفسك ويُحاصر أحيانًا بالتشكيك أو التخوين أو السخرية القضية الفلسطينية اليوم لا تطلب المعجزات بل تطلب الصدق صدق الكلمة صدق الموقف صدق الإحساس وصدق ألا نكون أقل شجاعة ممن لا يشاركوننا اللغة ولا العقيدة. فلسطين ليست اختبار انتماء بل امتحان إنسانية، ومن فشل فيه لم يفشل لأنه لا يعرف فلسطين بل لأنه لم يعرف نفسه.
666
| 20 يناير 2026