رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كل عام وأنتم بخير أعزائي القراء. حين وقف حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، كالجبل الأشم على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، ليفكك بصرامة سياسية ودبلوماسية أوهام مشاريع "الشرق الأوسط الجديد" التي حاولت تل أبيب الترويج لها عبر خرائط إقصائية تسلب الحقوق الفلسطينية وتفرض منطق القوة الغاشمة، لم يكن سموه يعلق على مجرد غطرسة سياسية عابرة. لقد كان الخطاب بمثابة تعرية واعية لأوراق التوت وجذور أيديولوجية غائرة في عمق التاريخ الاحتلالي. إن هذه الخرائط المزعومة اليوم في ردهات الأمم المتحدة ليست وليدة اللحظة، بل هي النتيجة الحتمية لتقاطع استراتيجي مخيف بين خطين: خط فكري باطني صِيغت ملامحه في رسائل الجنرال الأمريكي ألبيرت بايك في القرن التاسع عشر، ومنهجية أكاديمية رُسمت خرائطها بأقلام المستشرق البريطاني-الأمريكي برنارد لويس في أواخر القرن العشرين؛ خطان يلتقيان اليوم عند هدف أوحد: تفكيك الدول العربية المركزية، وتحويل المنطقة إلى كانتونات ومقاطعات ممزقة تخضع لهيمنة الكيان الصهيوني. على الإنسان العربي إدراك الخطر المحدق به، وذلك من خلال الخرائط التي يُسدل عنها الستار اليوم من فوق الأنقاض بشكل رسمي! فعند الرجوع بآلة الزمن قرابة قرن ونصف القرن إلى الوراء، وتحديداً إلى عام 1871م، تبرز واحدة من أكثر الوثائق الفكرية إثارة للجدل: رسالة الجنرال والمفكر الماسوني الأمريكي ألبيرت بايك الموجهة إلى السياسي الإيطالي جوزيبي مازيني. في تلك المراسلات التي تقع في قلب 'الجيو-سياسية الباطنية'، لم يكن بايك يتكهن بالمستقبل بروح غيبية، بل كان يضع ملامح 'مانيفستو' يؤسس لاستراتيجية قائمة على فكرة الفوضى التدميرية الخلاقة لإعادة صياغة العالم. وتكمن خطورة الأطروحة المنسوبة لبايك في رؤيته للحرب العالمية الثالثة؛ حيث رأى أنها لن تكون حرباً عادية، بل صداماً مصيرياً وحتمياً يتم تخليقه وإدارته بين 'الصهيونية السياسية' والعالم الإسلامي أجمع. الغاية من هذا الصدام وفقاً لأدبيات الفوضى الخلاقة القديمة، هي دفع جميع الأطراف المتنازعة إلى حالة من الإنهاك المستنزف للمقدرات البشرية والمادية والأخلاقية، حتى تصل المنطقة والشرق الأوسط تحديداً إلى حالة من الذوبان التام. هذه السيولة هي المختبر المثالي لفرض نظام عالمي جديد على أنقاض الدول والمجتمعات المنهكة. إنها عقيدة الفتن 'التدمير من أجل البناء' التي تحولت من فلسفة نظرية في القرن التاسع عشر، إلى استراتيجية للكيان الوظيفي المستزرع في قلب المنطقة". "لقد تلاقت نبوءة 'بايك' من غرفة المشرحة مع مشرط الجرّاح البريطاني-الأمريكي برنارد لويس في حقبة الثمانينات من القرن المنصرم. لويس لم يكن مجرد مستشرق عابر في أروقة جامعة برينستون، بل كان مستشاراً لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، جاء ليعيد صياغة فكرة 'ذوبان المنطقة' عبر مشروع الخرائط المبثوث شديد الخبث والخطورة، والذي أقره الكونغرس الأمريكي بالإجماع وبجلسة سرية عام 1983م. ولم تعد الفوضى مع لويس مجرد فكرة نظرية، بل أصبحت خرائط تفصيلية ذات غاية خبيثة لتفتيت العالم العربي والإسلامي من الداخل، عبر اللعب على أوتار الهويات الطائفية، والنعرات العرقية، والمذهبية. إن خطة لويس تقوم على تفكيك المفكك من 'سايكس بيكو' للدول الوطنية المركزية (من العراق والشام إلى مصر والخليج وشمال إفريقيا) وتحويلها إلى أشتات من الكانتونات الهشة والدويلات الطائفية المتناحرة: دويلة سنية، وأخرى شيعية، علوية، كردية، درزية، وقبطية، وهكذا دواليك. هذا الفكر الخبيث واضح المعالم؛ ففي اللحظة التي تخسر فيها العواصم العربية الكبرى مركزيتها وقوتها، وتتحول جغرافيتها إلى 'فسيفساء من الكيانات القزمية الضعيفة' التي تطلب الحماية، يصبح الكيان الصهيوني هو القوة الإقليمية المهيمنة التي تقود ما يُسمى زوراً وبهتاناً الشرق الأوسط الجديد". "إذن، فليست مؤامرة خرائط الاحتلال اليوم سوى قشرة ثمرة فاسدة لنصوص 'المشرحة' القديمة، تتقاطع فيها أوهام 'بايك' بخرائط واقع 'لويس'. لكن، وأمام هذا الهجوم الشرس لتحقيق ذلك بشكل عابر للقارات، يأتي الجواب حاسماً من فوق المنصات الدولية؛ إن الوعي السياسي والصلابة الدبلوماسية التي تجسدت في جلجلة موقف حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في الجمعية العامة للأمم المتحدة، تثبت للعالم أجمع أن هذا الحرم العربي ليس لوحة صماء برسم البيع أو التقطيع، وأن قدسية شعوب هذه المنطقة ودولها ليست مجرد أحجار شطرنج في غرف التآمر الدولي. إن إسقاط أوهام 'الشرق الأوسط الجديد' يبدأ أولاً من كسر معاول الهدم الداخلي، وتحصين الهوية بالوحدة الوطنية والخصوصية الإسلامية لكل دولة دون إثارة النعرات الطائفية والمذهبية التي أرادوا لنا التنازع فيما بيننا أو الذوبان في داهية الغزو الفكري المزمن. لقد مضى عهد 'سايكس بيكو'، ولن يمر زمن 'برنارد لويس'؛ فالخرائط التي تُكتب بالدم، تُمحى بالوعي والمقاومة والفعل الدبلوماسي الحازم، ليبقى الشرق الأوسط إسلامياً عربياً، عزيزاً، ومستعصياً على التفكيك".
156
| 24 مايو 2026
"لم يكن للحرب الحالية في منطقتنا اسم محدد من الجانب الأمريكي، فتارة تُسمى 'عملية الغضب الاقتصادي' وتارة 'حملة الضغط الأقصى'. وسط هذا اللهيب، سألني أحد الأقارب مؤخراً: 'متى تبدأ التهدئة؟'، فاختصرت الإجابة بقولي: 'عندما يلتقي الرئيس الأمريكي بنظيره الصيني!'، وهو ما حدث بالفعل الآن. لم تكن محادثات الرئيس الصيني 'شي جين بينغ' للرئيس 'دونالد ترامب' مجرد كلمات دبلوماسية، بل كانت تنبيهاً صارماً من فوق 'إيفرست' القمم العالمية حين قال له إن 'فخ ثوسيديس ليس حتمية تاريخية'، ناصحاً إياه بإنهاء هذه المهزلة الجيوسياسية التي تحبس أنفاس الأرض بين التهدئة أو الحرب العالمية. هذا الحديث الملتهب يفتح الباب على مصراعيه للتساؤل الأعمق: هل بات التاريخ يعيد نفسه؟". "منذ القرن الخامس قبل الميلاد، كان 'ثوسيديس' رائد عصره في التاريخ والقيادة العسكرية باليونان القديمة، وهناك أرّخ حرب 'البيلوبونيز' الضروس بين أثينا وسبارتا، والتي استمرت لقرابة سبعة وعشرين عاماً. وأعظم ما اشتُهر به هو صياغته لـ 'المدرسة الواقعية' في السياسة الدولية، أو بتعبير ثقافي آخر: 'فقه الواقع'. حيث أنشأ هذا العرّاب الروحي فقهاً دولياً للعلاقات بين الدول، يرى أنها لا تُحكم بالأخلاق ولا بالمبادئ، بل تحركها ثلاثة دوافع إنسانية ثابتة: المصلحة، والخوف، والشرف أو المكانة، والتي تترجمها الدول اليوم بـ 'السيادة'. من هنا، رأى ثوسيديس أن حقيقة نشوب الصراعات التي تدمر الحضارة البشرية لا تعود لخلافات لحظية؛ فالصعود المتنامي لقوة أثينا، والآثار المترتبة على هذا الصعود، أثارت الخوف والفزع في نفس القوة المسيطرة على العالم القديم آنذاك، وهي 'سبارتا'. هذا الجو النفسي والسياسي المعقد ألقى بظلاله من الظنون والحيرة حول حتمية المواجهة مع تطلع القوة الصاعدة لأخذ زمام الهيمنة، وهو ما بات يُعرف بـ 'فخ ثوسيديس'؛ الفخ الذي يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الذعر، وليس ضرورة الحرب، هو السبب الفتّاك للنزاعات الدولية". "إن فقه الواقع يلزم المشاهد المعاصر ليرى إعادة التاريخ نفسه بالحديث بلغتي قوتين عظميين، وهما الأمريكية والصينية. فغرف القرار المتعاقبة بواشنطن يتملكها فزع وجودي من لهيب التنين الصيني عبر تمكنه من بيادق شطرنج الاقتصاد العالمي؛ إذ لا ترى أمريكا في هذا العلو مجرد نمو اقتصادي، بل تراه نزاعاً مباشراً للسيادة القطبية على النظام العالمي ومصالحها الحيوية في هذا السياق. وفي المقابل، تتحرك بكين بدافعية الطموح من خلال 'الشرف والمكانة'، وترى أن القوانين الدولية الحالية ساسها الغرب عبر العقود السابقة في غياب الصين عن المشهد الدولي، وأن من حقها الطبيعي كقوة عظمى أن تضع قواعد اللعبة من جديد مع هذا الانهيار الحاصل في نظام الاقتصاد الدولي، والذي أنتج نزاعاً شرساً للهيمنة على سيادة العالم. هذا التنازع الصارخ بين قوة قائمة تدافع بشراسة عن عرشها، وقوة صاعدة تسعى لانتزاع مكانتها، حوّل الحرب التجارية والتكنولوجية الشرسة، وحملات الضغط الأقصى، إلى تجسيد حي ومرعب لفخ ثوسيديس في قرننا الحادي والعشرين". "هذا المخاض الدولي العسير له وطأته الشديدة على عالمنا العربي، ومنطقتنا الخليجية، ومضيق هرمز بالتحديد؛ الذي بدأنا نشهد اليوم أولى انفراجات أزمته مع بوادر فتحه، وبدايات التهدئة الحقيقية لهذا المشهد العصيب في منطقتنا والعالم. فبلداننا ليست مجرد مشاهد عابر في مسرح الأحداث، بل هي الساحة الأكثر تفاعلاً باهتزازات زلازل هذا الفخ الصاخب. فالشرق الأوسط، بممراته المائية الحيوية وثرواته من الطاقة، يقع في قلب خطوط الصدع لهذا التنافس القطبي؛ حيث تسعى واشنطن جاهدة للحفاظ على نفوذها الممتد منذ عقود لصد أي تمدد للخصوم، بينما تمد بكين خيوط طريق حريرها الاقتصادي والدبلوماسي لترسيخ أقدامها بخطى طموحة نحو النجوم. إن حملات 'الضغط الأقصى' والحروب المشتعلة في الإقليم لم تكن معزولة يوماً عن هذا الصراع الأكبر، بل هي نتاج مباشر لإعادة تموضع القوى الدولية. نحن نعيش في جغرافيا لا تملك ترف الحياد، وتجد دولنا نفسها مرغمة على السير فوق حبل مشدود على الجمر؛ حيث تتشابك المصالح الأمنية مع التطلعات الاقتصادية، مما يجعل أي اختلال في توازن القوى العالمي ارتداداً زلزالياً يصيب أمننا واستقرارنا في الصميم". "في النهاية، لا أحد يعلم النهاية إلا من بيده مقاليد النهاية. فتظل طبيعة الأحوال الجيوسياسية رهينة حكمة قادة العالم أو رعونتهم، ويبقى لقاء بكين الأخير بارقة أمل لكسر حدة هذا الصراع المرير. إن التاريخ لا يعيد نفسه بصورة كربونية كما يبدو، بل يمنح البشر فرصاً متكررة لتفادي حماقات الماضي عبر حرية الاختيار بين الحق والباطل؛ فهل ينجح زعيما أقوى قوتين على الأرض في تفكيك 'فخ ثوسيديس' والانتقال بالعالم من حافة الحرب العالمية إلى نافذة التهدئة والاستقرار؟ أم أن التدافع البشري سيمضي في طريقه المحتوم؟ إن الإجابة تطويها الأيام، لكن السنن الكونية تظل ثابتة لا تتغير، وتؤكد أن دوام الحال من المحال، قال تعالى: { وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ } آل عمران 140.
315
| 17 مايو 2026
عقد مجلس الشورى يوم الإثنين الفائت الموافق ٤ مايو ٢٠٢٦م جلسته الأسبوعية العادية في «قاعة تميم بن حمد» بمقر المجلس، برئاسة سعادة السيد حسن بن عبدالله الغانم، رئيس المجلس والتي كانت بعنوان «تعزيز التنشئة الوالدية والتماسك الأسري». والذي أشار إلى المتغيرات المتسارعة والتي يشهدها المجتمع، مما يضاعف حجم المسؤولية على جميع من في هذه الأرض، الأمر الذي يستدعي تضافر الجهود وتطوير الأدوات التشريعية والتربوية، بما يضمن استقرار الأسرة ويعزز قدرتها على القيام بدورها المحوري في تنشئة الأبناء وحمايتهم. كما بين سعادة الدكتور سلطان بن حسن الضابت الدوسري، رئيس لجنة الشؤون الاجتماعية والعمل والإسكان، خلال عرضه لما تضمنه التقرير، إلى أن اللجنة عقدت (12) اجتماعًا لدراسة الموضوع، تناولت خلالها أهمية تعزيز دور الوالدين في تنشئة الأبناء، والحد من الاعتماد المفرط على العمالة المنزلية، وترشيد استخدام التكنولوجيا لدى الأطفال، إلى جانب تعزيز المشاركة الأسرية في العملية التعليمية. من المفارقات العجيبة والتي شهدها التعليم في منطقتنا خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين (الثمانينيات والتسعينيات) كانت المناهج العربية تتميز بقوة المحتوى النظري؛ فبالرغم من «دسامة» المحتوى العلمي وقوته الأكاديمية في ذلك الوقت، إلا أن المخرجات لم تكن دائماً تتناسب مع هذا الزخم. كان الطالب «موسوعة متنقلة»، لكنه يفتقر لمهارات التفكير النقدي وحل المشكلات، وهي المهارات التي تميز المنهج الغربي. ولكن يُطرح اليوم تساؤل جوهري يمس عمق البناء المعرفي للطفل العربي: عن المدارس الخاصة: فهل هي جسور معرفية أم فخاخ لاغتراب الهوية؟ لماذا يبدو الطفل العربي في بيئته التعليمية الأصيلة «أكثر ذكاءً وقدرة تعبيرية» من نظيره الأجنبي عند سن السابعة؟ الإجابة لا تكمن في الجينات، بل في «المخزون اللغوي» الهائل الذي تمنحه اللغة العربية الفصحى. تشير الدراسات والمقارنات إلى أن الطفل العربي الذي ينشأ على قراءة القرآن الكريم والاطلاع على أمهات المتون كـ «ألفية ابن مالك»، يمتلك ثروة لغوية تتجاوز 70 ألف كلمة. وبالمقارنة، نجد أن اللغة الإنجليزية المستخدمة يومياً تدور في فلك 16 ألف كلمة. هذا الفارق الشاسع يمنح الطفل العربي قدرة فائقة على التعبير عن ذاته وفهم أعقد الظواهر المحيطة به، مما ينمي لديه ملكات ذهنية مبكرة. تُعاني المنظومات التعليمية في العديد من الدول العربية من فجوة عميقة تتمثل في «ركاكة المناهج» التي لا تزال رهينة الحفظ والتلقين، مقارنةً بالمناهج الغربية المستوردة التي تركز على مهارات التفكير النقدي والابتكار والتحليل. وبينما تعتمد المناهج المحلية على حشو المعلومات وتكديس الكم المعرفي دون مراعاة لآليات التطبيق العملي، تبرز أزمة «ندرة النوع» في مقابل «وفرة الطلب»؛ حيث يتزايد عدد الطلاب الباحثين عن تعليم عصري يؤهلهم لسوق العمل العالمي، بينما يظل العرض التعليمي المتاح قاصراً عن تلبية هذه التطلعات النوعية. هذا الاختلال بين المنهج التقليدي المتهالك والمتطلبات المعاصرة أدى إلى هجرة العقول نحو المدارس والجامعات الدولية، مما يعمق الفوارق الطبقية التعليمية ويجعل من إصلاح «المحتوى» لا «الأوعية» ضرورة حتمية للنهوض بالواقع العربي. في الثمانينيات والتسعينيات، كانت الأم هي المصدر الأساسي والوحيد تقريباً لتشكيل وعي الطفل. مع غياب «المنافسين» (مثل التكنولوجيا أو المناهج الأجنبية المكثفة أو العمالة المنزلية) جعل الهوية العربية تنتقل بسلاسة عبر اللغة، القصص، العادات، والدين. كان هناك «وحدة في المصدر التوجيهي»، مما خلق جيلاً متصالحاً مع هويته الوطنية. في تلك الحقبة، حتى لو عملت الأم، كان دور الجدة أو الخالة لا يزال قوياً. هذا «الفيض» في الرعاية الأسرية عوض النقص في النوعية التعليمية التي تحدثنا عنها سابقاً. الأسرة كانت تقوم بدور «المؤسسة الرديفة» للمدرسة، فكانت ترمم ما يفسده ضعف المناهج أو ركاكة الأسلوب التعليمي. اليوم، يواجه الطفل العربي «تغريباً» قسرياً منذ الرضاعة عبر الأجهزة الذكية أو المربيات الأجنبيات، وهو ما لم يكن موجوداً في تلك الحقبة. كانت الأم هي «الفلتر» الذي يمر عبره كل ما يدخل لعقل الطفل؛ لذا، حتى لو كان المنهج الدراسي ضعيفاً، كانت الهوية المستمدة من المنزل قوية بما يكفي لتشكيل شخصية متزنة. ونتيجة الفراغ الذي ملأه الغريب مع خروج الأم للعمل بشكل مكثف دون وجود «بدائل وطنية» (مثل حضانات بجودة عالية أو أنظمة عمل مرنة أو عائلة ممتدة تقوم دور الأم والأب)، حدث فراغ تربوي. هذا الفراغ لم يُترك هباءً، بل ملأه؛ العمالة المنزلية التي أدخلت لغات وثقافات مغايرة في قلب البيت العربي. بالإضافة للمناهج الدولية التي قدمت «الجودة التعليمية» لكن على حساب «الخصوصية الثقافية الإسلامية والوطنية». نحن اليوم نحاول استعادة ذلك التماسك الذي كان موجوداً «بالفطرة» في الماضي، لكن عبر «التشريعات» والسياسات المنظمة، لنجمع بين ضرورة التنمية الاقتصادية (عمل المرأة) وحتمية الاستقرار الأسري (الهوية).
549
| 10 مايو 2026
لطالما قُدمت براءة الاختراع للمبتكر العربي على أنها 'صك الأمان' ودرعه الحصين، لكن الواقع التقني المعقد اليوم يكشف زيف هذه الطمأنينة. ففي صراع القوى بين العقول المستقلة وتغول الشركات الكبرى، تحولت البراءة من حماية للمبدع إلى 'خارطة طريق' مجانية للمنافسين. فهل تمنحك براءة الاختراع حقاً حصرياً، أم أنها مجرد 'تذكرة دخول' خاسرة إلى أروقة محاكم لا تعترف إلا بصاحب النفس الأطول والميزانية الأضخم؟" إن الواقع العملي اليوم يكشف عن مفارقة صادمة؛ فبمجرد تسجيل براءة الاختراع، تتحول التفاصيل التقنية الدقيقة إلى مشاع عام، مما يفتح الباب للشركات المليارية لدراستها، والالتفاف عليها عبر تعديلات طفيفة، ثم طرحها في السوق بقوة إنتاجية لا يمكن للمخترع الفرد مجاراتها. هنا، تصبح براءة الاختراع مجرد "تذكرة دخول" إلى أروقة المحاكم، حيث لا ينتصر صاحب الحق دائماً، بل من يمتلك النفس الأطول والميزانية الأضخم لتحمل تكاليف التقاضي لسنوات، حتى يصبح صاحب البراءة مداناً حتى تثبت براءته.. وهذا إن حدث ذلك دون أن يفلس قبل أن يخسر قضيته! أمام هذا المشهد القاتم، برزت استراتيجية "السر التجاري" كبديل أكثر دهاءً وفعالية. فبدلاً من الثقة في حماية قانونية قد تكون وهمية، اختار كبار المبتكرين إبقاء اختراعاتهم داخل "صناديق سوداء". إن فلسفة الحماية هنا لا تعتمد على الأوراق الرسمية، بل على تعقيد التصنيع وصعوبة الهندسة العكسية، تماماً كما فعلت كبرى العلامات التجارية العالمية التي حافظت على تفوقها لعقود عبر الصمت لا عبر الصراخ في المحاكم. إن التاريخ لا يكذب الواقع، وعبر نهضة دول آسيا الكبرى تبرهن بشكل ساطع هذا التقدم؛ فاليابان في الخمسينيات والصين في السبعينيات لم تبنيا حصونهما الصناعية بالاكتفاء وراء سور براءات الاختراع، بل عبر مفهوم 'الهندسة العكسية' والتطوير الذكي. في تلك الحقب، كان الابتكار الآسيوي يعتمد على تفكيك أسرار التقنيات الغربية وإعادة صياغتها بلمسة محلية وأقل تكلفة، بعيداً عن قيود التسجيلات الرسمية الدولية غير الملزمة، والتي لا تعود على شعوبها بغير التكبّيل لعجلة النمو. لقد أدركت هذه القوى مبكراً أن 'براءة الاختراع' قد تكون قيداً يعيق اللحاق بالركب، فاستبدلوها بـ 'سر الصنعة' وسرعة التنفيذ، حتى تحولوا من مقلدين يخشون الملاحقة القانونية إلى عمالقة يضعون اليوم قواعد اللعبة التكنولوجية للعالم أجمع." أما في منطقتنا العربية، فما زلنا نحدق في براءة الاختراع كأنها 'شهادة تخرج' أو غاية في حد ذاتها، وليست وسيلة تجارية. يهرع المبتكر العربي لتوثيق فكرته في سجلات رسمية، غافلاً عن أن هذا التسجيل هو في الحقيقة كشف لجميع أوراقه الدفاعية أمام حيتان السوق الذين يمتلكون جيوشاً من المحامين والمهندسين القادرين على 'قضم' جوهر الابتكار دون كسر القانون. إن المأساة تكمن في أن المخترع العربي غالباً ما يمتلك 'الورقة' (البراءة) لكنه لا يمتلك 'المصنع' ولا 'النفس الطويل' للتقاضي، مما يجعل ابتكاره عرضة للاستباحة بمجرد خروجه من دائرة الكتمان إلى العلن. إن معضلة براءة الاختراع في العالم العربي ليست في نقص العقول، بل في الثقة المفرطة بنظام حماية صُمم أساساً لخدمة الأقوياء. لقد آن الأوان للمبتكر العربي أن يخرج من وهم 'الحماية الورقية' نحو استراتيجية 'الحماية الواقعية'؛ فالسر التجاري، والتعقيد التقني، وسرعة غزو السوق، هي الدروع الحقيقية في عصر لا يحترم إلا من يسبق الجميع بخطوة. إن البقاء اليوم ليس لمن يسجل اختراعه أولاً، بل لمن يتقن فن الاحتفاظ بـ 'صندوقه الأسود' مغلقاً حتى يصبح هو من يقود السوق، لا من يلاحق المقلدين في قاعات المحاكم.
381
| 02 مايو 2026
ليست السوق السوداء كما يتبين للقارئ الحبيب؛ أنها وكر يجتمع فيه اللصوص كمغارة علي بابا والأربعين حرامي ليبيعوا مسروقاتهم على أمثالهم من التجار اللصوص فقط! ولكنها عالم نظير للسوق المفتوح، بل هي من مظاهر الاقتصاد وحياة المجتمع في أي مكان. حيث يتبين فيها عجز قدرة المؤسسات النظامية عن تقديم حاجة الفرد من المعروض، وذلك عند فرض الظروف التي تقيدها المنظمات التي تحكم الفجوة الكبيرة بين العرض والطلب بشكل شاسع وضخم. ومن المسميات الأخرى لهذه السوق «اقتصاد الظل» و»السوق الخفي» الذي لا يلقي بالاً لحدود قانونية ولا قيود ضريبية محاسبية. فتحكم فجوة حجم الطلب على المعروض، فتصبح البكرة الوحيدة المحركة للبيع والشراء في عالم مواز بعيد عن سلطة الدولة. لا يحدث «اقتصاد الظل» فجأة، وإنما يباغت كالوحش على فريسته عبر استغلال الثغرات القانونية والتوتر السياسي. ولعل ما يحدث في مضيق هرمز حالياً مثال بارز؛ حيث تشير تقارير شهر ابريل الحالي إلى أن إيران تحصل رسوم عبور من الناقلات عبر المضيق، في ظاهرة بينة للسوق السوداء الدولية، وذلك لاستغلال وضع الحرب الحالي. حيث تنتعش تلك الأسواق السوداء في وضع الحروب. فلا قوانين يلتزم بها ولا أعراف تحترم. وصفتها ايران بأنها «رسوم خدمات وأمن»، بينما يراها المجتمع الدولي خارج إطار قانون البحار. وتتراوح تقديرات الرسوم؛ بين دولار واحد لكل برميل نفط، أو مبالغ مقطوعة قد تصل إلى 2 مليون دولار لكل ناقلة ضخمة. فهذه المبالغ تدر عوائد تجاوز 20 مليار دولار سنوياً في حال استمرار الملاحة على هذا المنوال. حيث تفرض واقعاً اقتصادياً موازياً؛ فالسفن التي ترفض الدفع أو تخضع للعقوبات تضطر لسلوك «طرق الظل»، والتبادل عبر وسطاء غير رسميين بعيداً عن النظام المصرفي التقليدي، مما يحول أحد أهم ممرات العالم إلى باب مغارة يباع ويشترى «بالخفاء» لتنتعش السوق السوداء للطاقة والعملات. عندما يتغول «الاقتصاد الخفي»، تصبح عملة الدولة هي الضحية الرئيسة في ساحة الحرب. ففي السوق السوداء، لا يتم تحديد سعر صرف العملة بناءً على مؤشرات التنمية والناتج المحلي، بل بناءً على المضاربات المتوحشة وحالة الذعر الجمعي للأفراد. هذا الارتفاع الجنوني في أسعار العملات الأجنبية خلف الأبواب المغلقة يؤدي مباشرة إلى «تسونامي» من الغلاء يضرب السلع الأساسية بما يسمى بالمصطلح الاقتصادي (التضخم)، مما ينقض على الطبقات المتوسطة والفقيرة. فهذه الأموال التي تُتداول في هذا السوق هي «ميتة» بالنسبة للدولة؛ فهي لا تدخل في ميزانيات التعليم أو الصحة، بل تذهب لتضخيم ثروات حفنة من المطففين الجشعين، والذين يقتاتون على فتات منافع تلك المصائب، محولين مدخرات عُمّر المواطنين إلى مجرد سراب لا أمل فيه أمام سطوة «الدولار الأسود». هذا «الوحش الأسود» ليس رقما اقتصادياً ينهش اقتصاد الدول فحسب، بل يعتبر مجردا من الأمور الأخلاقية كذلك، فيحول الوطن إلى واقع مرير نراه بوضوح في لبنان على سبيل المثال لا الحصر، حيث نهشت اسواق الظل جسد الدولة الاقتصادي حتى فقدت الليرة قيمتها تماماً بعد ان كانت لبنان في فترة سابقة تعتبر بنك الوطن العربي ويطلق عليها « سويسرا الوطن العربي»، وأصبح مصطلح «تجار الشنطة» ومنصات العملات المجهولين المتحكمين الحقيقيين في لقمة عيش المواطن، في مشهد يجسد الانهيار الكامل أمام العصابات المنظمة كلصوص علي باب والاربعين حرامي. وفي المقابل، نجد تجربة الدولة المصرية التي حاولت كسر مخالب هذا الوحش بالرغم من التجاذبات السياسية والآراء المختلفة في هذا النطاق؛ فالدولة لم تكتفِ بالمراقبة، بل شنت حرباً تشريعية وأمنية لتجفيف منابع «الدولار الأسود»، تزامنت مع قرارات نقدية جريئة لجذب السيولة إلى القنوات الشرعية (البنوك). ومنع العصابات المالية من استغلال قوت الشعب، ولكن العجيب في الأمر أنه يعتبر أمرا عرفيا متعارفا عليه في المجتمع المصري، والأدهى والأمر أنه يقاس عليه حيث يأتي الفرد البسيط ليسأل كم سعر الدولار في السوق السوداء؟! لتثبت أن المواجهة مع اقتصاد الظل هي معركة وجود وليست مجرد إجراءات إدارية. محاولة لترميم «الحصن المالي» ومنع المطففين من التلاعب بقوت الشعب، لتثبت أن المواجهة مع اقتصاد الظل هي معركة وجود أخلاقية بالدرجة الأولى وليست مجرد إجراءات إدارية مالية واقتصادية بحتة. تظل السوق السوداء وليدة استبداد قوانين اقتصادية كلية (دولية) وضعية عاجزة تؤثر على الاقتصاد الجزئي (المحلي) وهو الضحية في نهاية المطاف. فيكتفي القانون بعقاب المخالف، ويفرض الواقع السياسي القيود وفق فقه المصالح والمفاسد تحت مخرج باب فقه الضرورات تبيح المحرومات! وفي المقابل يقدم الشرع الحنيف العلاج عبر «اقتصاد قيمي» يُحرم الاحتكار والمضاربة الوهمية (الغرر). إن الحل يكمن في العودة لمنهج الإسلام الذي يربط السوق بالأخلاق؛ حيث لا تلاعب بالأقوات، ولا «تطفيف» في العملات، لتتحول المعاملات من «مغارة لصوص» إلى بركة تنفع الناس والوطن.
366
| 26 أبريل 2026
لا يُعد مصطلح «حاطب ليل» مجرد وصف عابر، بل هي استعارة استُخدمت لتشخيص آفة العشوائية في التلقي ونقل الحديث. يعود أصل الفكرة في التراث العربي إلى تلك الصورة الذهنية الصارخة لرجل يخرج في جوف الظلام الدامس ليجمع الحطب، وبسبب انعدام الرؤية وغياب النور، يشرع في لمّ كل ما تقع عليه يده بلهفة، فيضع في حزمته الغصن اليابس، والعوسج الشائك، والأخطر من ذلك كله: «الأفعى الرقطاء» التي تتوسد الشجر صيفاً وتتخفى فيه شتاءً، فتلدغه وهو يحسبها عوداً صلباً! وقد برع نقاد الأدب وعلماء الجرح والتعديل قديماً في إسقاط هذا الوصف على «الراوي الذي لا يثبت» أو «الكاتب الذي يجمع الغث والسمين» دون تمحيص. فكان يقال: «فلان حاطب ليل»، أي أنه يملأ جعبته الفكرية بكل ما يسمع أو يقرأ، دون أن يفرق بين الحقيقة التي تنفع، والإشاعة التي تقتل. ومن هنا، انتقل المصطلح من الغابة المظلمة إلى فضاءات الفكر والسياسة، ليصبح رمزاً لكل من تخلى عن «بصيرة النقد» واستسلم لعشوائية «الجمع». إن المتأمل في إيقاع العصر يدرك أننا نعيش «ليلاً حضارياً» طويلاً، لا بسبب غياب الشمس، بل بسبب كثافة الدخان المعلوماتي الذي حجب الرؤية. لقد فُرض علينا مبدأ «الحطابة» فرضاً؛ فالسرعة الجنونية التي يتطلبها العصر تجعل التأني والتدقيق ترفاً لا يملكه الكثيرون. إننا نعيش تحت ضغط «الآنية»؛ فالخبر يموت بعد دقائق، و» التريند « يختفي ليحل محله آخر. هذا الضغط ولّد حالة من «الاستلاب الفكري»، حيث يشعر الفرد أنه إذا لم يجمع كل ما يلقى في طريقه من أفكار وتصورات، فإنه سيُعزل خلف جدار الزمن. هنا، يصبح «حطب الليل» هو الزاد الوحيد للبقاء في دائرة الضوء، حتى وإن كان هذا الحطب مليئاً بالأفاعي. هذا الخلط العشوائي أدى إلى ما يسميه الفلاسفة بـ «العالم السائل»، حيث لا توجد عقيدة صلبة تصمد أمام موج التشكيك، وحيث تصبح الثوابت مجرد وجهات نظر قابلة للتفاوض، لأن «الحطاب» في عماية الليل لم يعد يفرق بين جذع الشجرة الراسخ وبين القش الذي تذروه الرياح. إن العقائد والثوابت ليست مجرد نصوص، بل هي «هوية». وحين نُجبر على التخلي عن «المصباح» (المنهج النقدي) لصالح «السرعة» (الحطابة العشوائية)، فإننا نفتح حصوننا الذهنية للاختراق. لقد باتت منظومتنا الأخلاقية والاجتماعية مهددة لأننا لم نعد نملك ترف «الفرز». نستهلك النمط المعيشي الغربي، والمنظور المادي للحياة، والسيولة الجندرية، وغيرها من «الأفاعي» التي تسللت إلى سلالنا بينما كنا نظن أننا نجمع حطباً لتدفئة عقولنا. هل نحن مجبرون؟ نعم، الضغط الخارجي هائل، لكن الاستسلام له خيار. إن صراعنا الحقيقي اليوم هو «صراع على البصيرة». إن استعادة الثوابت تبدأ من التوقف عن الهرولة، والاعتراف بأن «الجوع الفكري» خير من «التسمم المعلوماتي إن ما يحدث اليوم في عقولنا من تلاطم للأفكار وتداخل للثوابت، يشبه إلى حد بعيد تلك التوترات الجيوسياسية التي تخنق الشرايين الحيوية للعالم.
369
| 19 أبريل 2026
بين أساطير الآلهة القديمة وحكايات الملوك القدام، يبرز اسم «هرمز» كواحد من اساطير الأسماء التي عرفتها الممرات المائية في التاريخ. فمن هو «أهورامزدا» إله الحكمة في بلاد فارس، إلى صدى المعارك الفاصلة بين القادة، لم يكن هرمز مجرد اسم لمضيق أو جزيرة، بل كان عنواناً لحضارة ربطت الشرق بالغرب، وصاغت بعبق بخورها وتجارتها ملامح العالم القديم. يرى بعض المؤرخين مثل «خداداد رضاخاني» أن التسمية تعود لترجمة محلية هي «هُرموز» وتعني «مكان التمور» نظراً لكثرة أشجار النخيل في المنطقة. كما تربطه بعض المصادر بالقائد الساساني الذي واجهه خالد بن الوليد في معركة «ذات السلاسل» وقتله فيها. اليوم، لا يكاد يخلو تحليل سياسي أو اقتصادي من ذكر هذا المضيق، الذي تحول من «مكان للتمور» بحسب تسميته المحلية القديمة، إلى أخطر شريان حيوي يضخ الحياة في شرايين الاقتصاد العالمي. جغرافياً، يتخذ المضيق شكلاً منحنياً يشبه رقم ٧، ويمتد بطول يصل إلى ١٦٠ كيلومتراً، بينما يضيق في أضيق نقطة له ليصل عرضه إلى حوالي ٣٤ كيلومتراً فقط. تتقاسم السيادة عليه دولتان رئيسيتان؛ حيث تقع سواحله الشمالية تحت سيادة إيران، بينما تطل سلطنة عمان عليه من جهة الجنوب عبر شبه جزيرة مسندم. وتكمن الأهمية الاستراتيجية في أرقامه المذهلة؛ إذ يتدفق عبره حوالي ٢١ مليون برميل نفط يومياً، ما يمثل ٢٠% من استهلاك السوائل البترولية العالمي، بالإضافة إلى خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم. إلا أن هذا الثقل الاقتصادي يواجه اليوم تحديات جيوسياسية معقدة في ظل «الهدنة الهشة» التي أعقبت التوترات العسكرية الأخيرة. فالمشكلة الكبرى تكمن في كون الهدنة الحالية تكتيكية وليست استراتيجية؛ حيث لا تزال إيران تفرض سيطرة عسكرية مشددة وتُلوح بإغلاق المضيق مجدداً. هذا الواقع فرض « تسييساً « للممر المائي، تمثل في محاولات فرض نظام ملاحي خاص وتفتيش السفن، مما يهدد استقرار السيادة البحرية ويخلق حالة تأهب دائم للقوى الدولية لتأمين حرية الملاحة. اقتصادياً، تسببت هذه الاضطرابات في صدمة عرض تاريخية، أدت لارتفاع تكاليف الشحن بنسبة ٢٥% وطول مدة الرحلات البحرية. ورغم استقرار أسعار النفط مؤقتاً، إلا أن الثقة الاستثمارية في المنطقة لا تزال مهتزة. وهنا برزت الحكمة السياسية والاقتصادية لدول الخليج العربي، التي تبنت استراتيجية «صفر مشاكل» والوقوف على مسافة واحدة من أطراف النزاع، إدراكاً منها بأن الانجرار للحرب سيعني دمار خطط التنمية في المنطقة. ولأن الارتهان لممر مائي واحد يمثل مخاطرة وجودية، بدأت دول الخليج في صياغة مخرج استراتيجي يعتمد على «الاستقلال الدفاعي والبدائل اللوجستية». هذا المخرج لا يعتمد على الدول الكبرى فحسب، بل على تعزيز التحالفات البينية وكسر «حصرية المضيق» عبر التوسع في أنابيب النفط والسكك الحديدية التي تربط حقول الإنتاج بموانئ خارج الخليج، مثل الفجيرة والدقم وصحار، وصولاً إلى موانئ البحر الأحمر. هذا التحول يُفرغ سلاح «إغلاق المضيق» من قيمته الاستراتيجية والضغط الابتزازي على المدى الطويل. إن إدارة هذه الأزمات تسلط الضوء على طبيعة «مجلس التعاون الخليجي»، الذي أثبت مرونة عالية كتكتل تنسيقي يحترم السيادة الوطنية للدول الأعضاء. ورغم تعثر مشاريع اندماجية كبرى مثل «العملة الموحدة» لأسباب سيادية واقتصادية وتقنية، إلا أن المجلس نجح في تحقيق «تكامل وظيفي» في ملفات الأمن والطاقة والربط الكهربائي، مما منحه القدرة على مواجهة التهديدات الوجودية ككتلة واحدة متماسكة. ختاماً، يظل «هرمز» أكثر من مجرد مضيق جغرافي؛ إنه الاختبار الحقيقي لصراع الإرادات بين القوى العالمية وتطلعات الاستقرار الإقليمي. وبينما تظل الروايات حول تسميته جسراً يربط الماضي بالحاضر، تبقى الحكمة الخليجية في إدارة هذه الأزمات هي الضمانة الوحيدة لمنع تحول هذا الممر المائي من شريان للحياة والتجارة إلى ساحة للصراعات الصفرية. إن الحفاظ على تدفق الطاقة عبر هذه البوابة الضيقة ليس مصلحة اقتصادية فحسب، بل هو ضرورة وجودية للأمن والسلم الدوليين في عالم لا يحتمل المزيد من الهزات. حيث يتحتم التفكير الجدي من دول مجلس التعاون الخليجي في التقدم الى الأمام عبر التنفيذ الفعلي لاتحاد دول المجلس في اتحاد فدرالي على مستوى وزراء الدفاع والخارجية على الأقل.
1287
| 12 أبريل 2026
في مقال سابق أحبائي القراء كتبت عن موت الحكمة من هذا العالم، وتاريخ البشرية فيه لحظات فارقة، لم تُصنع بطلقات الرصاص أو بخطب رنانة، بل صُنعت بـ «صمت شجاع» وقدرة فائقة على لجم الغريزة أمام الآلة. لعل القصة الأكثر حبساً للأنفاس في عصرنا الحديث هي قصة الضابط السوفيتي «ستانيسلاف بتروف»، الرجل الذي وقف وحيداً في مواجهة شاشة رادار تصرخ بالخطر، ليقرر بقلبه وعقله أن العالم لا يجب أن ينتهي الليلة! إنه الرجل الذي أنقذ العالم بـ «لا»: ذكرى ستانيسلاف بتروف والدراما النووية الصامتة. في ليلة من ليالي العالم المظلم الذي نعيش فيه كنا على وشك السقوط في الهاوية. في ٢٦ سبتمبر ١٩٨٣م كانت الأجواء السياسية بين القطبين في ذلك الوقت (الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة) قد وصلت إلى نقطة الغليان. بعد أسابيع قليلة من إسقاط الاتحاد السوفيتي لطائرة ركاب كورية، كان الجميع يضع يده على «الزناد النووي». وفي مركز القيادة السري «سيربوخوف-15» بالقرب من موسكو، كان بتروف يراقب نظام الإنذار المبكر عبر الأقمار الصناعية. فجأة، انطلقت صفارات الإنذار: حيث كان الرادار يشير إلى انطلاق صاروخ باليستي واحد من الولايات المتحدة. ومن ثم تبعه الثاني، فالثالث، حتى وصل العدد إلى خمسة صواريخ! كان البروتوكول العسكري السوفيتي حينها صارماً ومحدداً بالإبلاغ فوراً للقيادة العليا لشن ضربة انتقامية شاملة. لو مرّر بتروف هذا التنبيه، لكان الرد النووي السوفيتي قد انطلق قبل أن تصل الصواريخ المزعومة، ولأصبحت مدن العالم رماداً في غضون دقائق. ولكن في لحظة رهان العقل ضد صرخة الآلة، تساءل بتروف لماذا لا اضغط على الزر؟ ولماذا لا أرفع الهاتف لأخبر الكرملين؟ لقد استند بتروف إلى منطق بشري بسيط وسط هذا الجنون التكنولوجي حيث مناسبة الوقت ومحدودية الهجوم: وتساءل “لماذا تبدأ أمريكا حرباً نووية بخمسة صواريخ فقط؟». الهجوم الأول المنطقي يجب أن يكون بآلاف الصواريخ لشل قدرات العدو تماماً. وبناء على عدم موثوقية الحدث الحاصل: كان يشك في دقة النظام الراداري السوفيتي الجديد (نظام «أوكو»). بتروف قرر اعتبار ما يراه «خطأً فنياً» وليس هجوماً حقيقياً، انتظر الدقائق القاتلة التي يستغرقها الصاروخ ليصل، ولم يحدث شيء. لقد كان محقاً، حيث كان العدو المزعوم هو الشمس، حيث كشفت التحقيقات لاحقاً أن ما رصده الرادار لم يكن صواريخ «مينوتو مان» الأمريكية، بل كان مجرد انعكاس لأشعة الشمس على قمم السحب فوق ولاية مونتانا الأمريكية، تسبب هذا الانعكاس في خداع الحساسات الضوئية للقمر الصناعي، ليرسم على شاشة بتروف سيناريو نهاية العالم. من المفارقة المؤلمة أن هذا البطل المنسي في طيات البيروقراطية لم يُكرم وقتها كبطل، بل على العكس من ذلك، حيث تم استجوابه وتوبيخه لأنه لم يملأ السجلات الورقية بدقة أثناء الأزمة، وتم تهميشه مهنياً لأن إنجازه كان «إثبات فشل النظام التقني السوفيتي». ورحل بتروف عن عالمنا في عام 2017، بعد أن عاش حياة بسيطة في شقة متواضعة، دون أن يعرف جيرانه أن هذا العجوز الهادئ هو السبب في أنهم- ونحن جميعاً- لا نزال على قيد الحياة في هذا العالم. فالدرس المستفاد من شجاعة التفكير أن قصة بتروف تذكرنا بأن القرار البشري هو خط الدفاع الأخير في عصرنا الحالي، حيث تتسارع تقنيات الذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التحكم، تبرز قيمة «العنصر البشري» ليس في قدرته على التنفيذ، بل في قدرته على الشك ورفض الانصياع للآلة عندما يغيب المنطق. «أنا لم أكن بطلاً، كنت فقط في المكان المناسب في الوقت المناسب»- ستانيسلاف بتروف قد أنقذنا «بتروف» مرة واحدة بأشجع كلمة «لا» في التاريخ، والدرس الحقيقي هو ألا نضع أنفسنا في موقف نحتاج فيه إلى «معجزة» بشرية أخرى أمام آلة لا تخطئ فقط، بل لا تتردد. الحمد لله الحافظ لهذا العالم من كل سوء قال تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ}. الرعد ١١
672
| 05 أبريل 2026
صدمة سوق الطاقة شهدت كيف تُدار الأزمات الكبرى في «حيّنا» الخليجي، حيث تجمع بين العمق القانوني والنظرة الاستراتيجية. إن القوة القاهرة في موازين الطاقة بينت «دوام الحال من المحال» عندما تخرس العقود وتتكلم الأقدار في دهاليز السياسة والاقتصاد، تُبنى الإمبراطوريات على العقود والالتزامات، لكن التاريخ يعلمنا أن «الورق» مهما بلغت قوته، قد ينحني أمام عواصف لا يد للبشر فيها. نحن في منطقة الخليج العربي، التي تمثل شريان الحياة الطاقي للعالم، لسنا ببعيدين عن مصطلح «القوة القاهرة»، ذلك الملاذ القانوني الذي يظهر فجأة ليغير قواعد اللعبة بين المنتجين والمستهلكين. ما هي القوة القاهرة؟ في العرف القانوني والتجاري، القوة القاهرة هي حدث استثنائي، خارجي، وغير متوقع، يجعل من المستحيل على أحد أطراف العقد تنفيذ التزاماته. هي ليست مجرد «صعوبة» في التنفيذ، بل هي عجز مطلق ناتج عن ظروف تتجاوز سيادة الدولة أو إرادة الشركة. لكي يُعتد بها في محاكم التحكيم الدولية، يجب أن تتوفر فيها ثلاثة شروط: ١) عدم إمكانية التوقع: ألا يكون الطرفان قد توقعا حدوثها عند توقيع العقد. ٢) الخارجية: أن يكون السبب نابعاً من ظروف خارجية (كوارث طبيعية، حروب، أوبئة. ٣) الاستحالة: أن تؤدي فعلياً إلى شلل القدرة على الوفاء بالوعد التعاقدي. لم تكن مؤسسات الطاقة الخليجية بمنأى عن استخدام هذا الحق القانوني لحماية مصالحها ومصالح شركائها في لحظات التأزم. ولعل التاريخ القريب والبعيد يزخر بأمثلة حية: مثال أزمة جائحة كورونا (٢٠٢٠م): لعلها المثال الأبرز في عصرنا الحديث، حيث شهدنا تراجعاً حاداً في الطلب العالمي، مما دفع شركات كبرى في المنطقة، وخاصة في قطاع الغاز الطبيعي المسال، إلى التلويح ببنود القوة القاهرة نتيجة تعطل الموانئ في الدول المستوردة كالصين والهند، أو بسبب الإغلاقات التي منعت أطقم العمل من تشغيل المنصات بكامل طاقتها. وفي أحداث عام ١٩٧٣ تم حظر النفط رغم صبغتها السياسية المشرفة، إلا أنها مثلت في جوهرها حالة «قوة قاهرة» جيوسياسية، حيث أعيدت صياغة المفاهيم القانونية لكيفية توريد الطاقة في ظل النزاعات المسلحة الكبرى حول العالم. كما شهدت بعض المنشآت النفطية في الخليج حوادث تقنية كبرى أو حرائق ناتجة عن صواعق أو أعطال غير مسبوقة، مما أجبر المؤسسات الوطنية على إعلان القوة القاهرة لتجنب الغرامات المالية الضخمة نتيجة تأخر الشحنات. هناك حكم وفوائد ما وراء هذه الأزمات، قد يرى البعض في القوة القاهرة مجرد «مخرج طوارئ» للتهرب من الالتزامات، لكن الحكمة منها أعمق بكثير، وتتجلى فوائدها في الآتي: لولا هذا البند، لانهارت كبرى شركات الطاقة تحت وطأة التعويضات المليارية في حالات الكوارث التي لا يد لها فيها. إن مبدأ القوة القاهرة تمنح المؤسسة «نفساً» لإعادة ترتيب أوراقها دون نزيف مالي. كما إنها تعيد التوازن للعدالة التعاقدية، حيث من غير المنصف إجبار شركة على دفع غرامات تأخير لأن زلزالاً دمر ميناء التصدير، أو لأن وباءً عالمياً عطل سلاسل الإمداد. هذا البند يجسد روح الإنصاف في القانون التجاري الدولي. دفع تكرار هذه الحالات مؤسسات الطاقة الخليجية (مثل قطر للطاقة أو أرامكو) إلى تطوير أنظمة تنبؤ متطورة واستثمارات ضخمة في «الأمن السيبراني» و»الاستجابة للأزمات»، لتقليل الاعتماد على هذا البند وحصر استخدامه في أضيق الحدود. إن إعلان القوة القاهرة بوضوح وشفافية يبني جسور الثقة مع العملاء الدوليين ويعزز الثقة مع الشركاء كافة، لأنه يعطي صورة للمؤسسة بأنها تلتزم بالوضوح القانوني بدلاً من المناورة، مما يسهل المفاوضات اللاحقة لإعادة جدولة الشحنات. وفي الختام، فإن «القوة القاهرة» في عالم الطاقة ليست اعترافاً بالضعف، بل هي أداة قانونية ذكية لضمان استدامة الأعمال في عالم مضطرب. ونحن في قطر والخليج، أثبتنا للعالم أننا ندير هذه الأزمات بعقلية الدولة المسؤولة التي تحترم القانون الدولي، وتعرف متى ترفع راية «الظرف القاهر» لحماية ثروات شعوبها ومستقبل أجيالها.
615
| 29 مارس 2026
كل عام وأنتم بخير أعزائي القراء بمناسبة عيد الفطر المبارك. في أروقة الحياة اليومية، وفي عمق الصراعات الصغيرة بين الأفراد، تبرز مغالطة "الدفاع عن النفس" كأحد أخطر أدوات التلاعب النفسي. إنها اللحظة التي يقرر فيها الفرد أن يمارس التنمر الصريح، ثم يغلفه برداء المظلومية، مدعياً أنه مجرد "رد فعل" لحماية كيانه. هنا، لا يعود الدفاع عن النفس درعاً قانونياً، بل يصبح خنجراً مسموماً يُغرس في صدر الآخر تحت مسمى "الحق في الوجود". تبدأ هذه المغالطة من عقدة الاستهداف. لا يولد "المتنمر " من فراغ، بل تبدأ حكايته من نعومة أظفاره في أروقة المدارس. هناك، يكتشف بعض الأطفال "الخلطة السحرية" للسيطرة: ارتكاب فعل عدواني، ثم الصراخ أولاً كضحية، بمبدأ" ضربني وبكى وسبقني واشتكى". إن الأفراد الذين يتبنون هذا الفكر يعيشون حالة من "البارانويا" المزمنة؛ فهم يرون في نقد تصرفاتهم "عداءً شخصياً"، على هذا المستوى، فيتحول "التنمر" إلى إستراتيجية ذكية. المعتدي هنا لا يهاجم بوضوح، بل يهاجم "دفاعاً عن كرامة متخيلة". إذا انتقدت سلوكاً ظالماً لشخص يستغل خلفيته العرقية أو الدينية، فإنه يسارع لوصمك بالعنصرية. هو يعلم يقيناً أن المجتمع الحديث الغربي يرتعد من تهم مثل "معاداة السامية" أو "العنصرية العرقية"، فيستغل هذه الحساسية الأخلاقية ليحول ضحيته إلى متهم. هذا النوع من "التنمر الأخلاقي" هو أقذع أنواع الظلم، لأنه يسرق من الضحية الحقيقية لسانها وقدرتها على الاحتجاج أو التظلم. إن النضج الإنساني يبدأ حين يدرك الفرد أن دفاعه عن نفسه لا يمنحه الحق في دهس كرامة الآخرين. إن استدعاء التهم المعلبة مثل في النزاعات الفردية لتبرير سوء الخلق، هو إهانة للقضايا العادلة نفسها. الدفاع الحقيقي عن النفس يكون بالترفع عن الدنايا، لا بالتحول إلى نسخة مشوهة من "العدو" الذي ندعي محاربته. في عالم السياسة والصراع الدولي، لم تعد الحروب تُخاض بالرصاص وحده، بل بمنظومة "المصطلحات" التي يُعاد تدويرها لتبرير التجاوزات. تبرز هنا مغالطة فجة نراها تتكرر في خطابات القوى الإقليمية والدولية؛ وهي استخدام "الدفاع عن النفس" ليس كدرع، بل كغطاء لممارسة التنمر السياسي والعنصرية الممنهجة. هذه المغالطة تقوم على قلب الطاولة: المعتدي يرتدي ثوب الضحية، والضحية تُصم بـ "العداء" المسبق لتجريدها من حق المقاومة. تبدأ القصة من "فكرة التنمر" على مستوى الدولة. فالدولة المتنمرة هي التي تمتلك القوة الغاشمة وتحاول فرض أجندتها عبر وصم كل من يعارضها بأنه تهديد لوجودها. هنا يتحول "الدفاع عن النفس" من رد فعل قانوني على اعتداء مادي، إلى إستراتيجية استباقية لقمع الآخر. هذا التنمر يتغذى على ازدواجية المعايير، تحرمه على غيرها تحت ذريعة "الأمن القومي". تتجلى هذه المغالطة بوضوح عند استدعاء تهمة "معاداة السامية" في غير سياقها التاريخي أو الأخلاقي. نجد أن "العدو" الصهيوني غالباً ما يوظف هذا المصطلح ليكون جداراً نارياً يحجب أي نقد لسياسات الاستيطان أو التنكيل بالشعب الفلسطيني. وعلى الجانب الآخر من المشهد الإقليمي، نجد "عداء الفرس" (أو الفوبيا الفارسية) الذي يُستخدم أحياناً كأداة عنصرية مضادة. ففي الصراع مع المشروع الإيراني، يسقط البعض في فخ العنصرية الطائفية المبطنة بغلاف العرقية بدلاً من نقد التمدد السياسي. هذا العداء العنصري يمنح النظام في طهران "الذريعة الذهبية" لتقديم نفسه كمدافع عن كيان طائفته وقوميته على أنه مستهدف، مما يخلط الأوراق بين حق الشعوب في رفض التدخلات السياسية وبين الانزلاق إلى خطاب الكراهية العرقي. في كلتا الحالتين، يستفيد "العدو" من عنصرية خصمه ليثبت سردية "الدفاع عن النفس" أمام شعبه والعالم. وبين هذا وذاك، تبرز محاولات محمومة لجر دول الخليج العربي إلى "حرب بالوكالة" من قبل الدول الكبرى المهيمنة في هذا العالم. ليصبح صراعا إقليميا شاملا، حربٌ صُممت لتكون وقوداً لمصالح الآخرين، في حربٌ "لا ناقة للخليج فيها ولا جمل". ثمة خطأ إستراتيجي قاتل يرتكب؛ وهو الاعتقاد بأن صمت الطرف الآخر هو صمت العاجز. هنا تبرز الحكمة العربية الخالدة: "اتقِ شر الحليم إذا غضب". إن هذه الغضبة ليست مجرد انفعال عابر، بل هي "لحظة الحقيقة" التي تنهار عندها كل التبريرات الواهية بـ "الدفاع عن النفس". ختاماً. إن دول الخليج، التي طالما مدت يد البناء والحوار، تجد نفسها الآن محاصرة بخطاب "الضحية المعتدية". فعندما تدافع هذه الدول عن أمنها القومي ضد تمدد الأطماع الخارجية، يسارع الطرف الآخر لرفع قميص "العنصرية العرقية" أو "الاستهداف الطائفي"، مدعياً أنه في حالة "دفاع عن النفس". هذا النوع من الاستقواء بالمصطلحات يهدف إلى "تحجيم" الدور الخليجي وإحراجه دولياً. ختاماً، إن الرسالة الموجهة لكل من يتستر خلف مغالطة "الدفاع عن النفس" للنيل من دول الخليج هي: لا تراهنوا على نفاد الصبر، فخلف هذا الهدوء الخليجي تكمن إرادة صلبة تعرف كيف تفرق بين "الجوار الأخوي" وبين "التنمر المغلف بالشعارات".
363
| 22 مارس 2026
نحمد الله حمداً كثيراً على توفيقه وامتنانه، إذ وفق دولتنا الحبيبة في وجه الخطر بعد الله وبيد رجال قواتنا المسلحة سدد الله خطاهم ورميهم. يُعتبر النموذج القطري في إدارة الأزمات «أطروحة» متكاملة في الاقتصاد المرن، حيث تحول من رد الفعل التقليدي إلى «الاستباقية الهيكلية». سألني أكثر من شخص عن زمن انتهاء الحرب؟ فكانت الإجابة واحدة أنه لا أحد تحديداً يعرف الإجابة على هكذا سؤال! حيث إن السؤال خطأ؛ لأن الإجابة مبنية على التكهنات، والغيب لا يعلمه إلا الله. وأن الوحيدين الأجدر بالسؤال هم أطراف الصراع وليست دولة عربية واحدة طرف فيه. وبناءً على اعتياد الدروس المستفادة من أزمة الحصار وجائحة كورونا، فإن الثقة بحمد الله في الدولة متناهية النظير بفضل الله وقيادتنا الرشيدة حفظها الله تعالى. فمن خلال العمل عبر التوجهات الاستراتيجية الحالية لعام 2025-2026، والتي يمكن تلخيص النموذج المثالي لمجابهة أزمات الحرب والاضطرابات الإقليمية. عبر «استراتيجية الصمود» (NDS3) - في سياقها الخليجي المحدث لعام 2026 - الركيزة الثالثة للتحول الوطني، حيث تهدف إلى بناء حصانة سيادية شاملة عبر ثلاثة مسارات رئيسة؛ تسريع «إلغاء الدولرة» الجزئي وتوسيع سلة الاحتياطيات بالذهب والعملات الرقمية السيادية لحماية الأصول من العقوبات الدولية. توطين صناعة الدرونات والذكاء الاصطناعي الدفاعي لرفع تكلفة أي عدوان خارجي (الردع غير المتماثل). تأمين سلاسل إمداد الغذاء والطاقة بعيداً عن الممرات المائية المهددة. إنها استراتيجية تنقل المنطقة من «الارتهان للحماية الأجنبية» إلى «الاعتماد الذاتي الاستراتيجي»، مما يحول الخليج إلى قطب دولي عصي على الاختراق. تعيش منطقة الخليج العربي حالياً في قلب «عاصفة كاملة» من التحولات الاقتصادية التي أعادت صياغة العلاقة التقليدية بين الأصول السيادية. لفهم وضع المنطقة اليوم، يجب ألا ننظر إلى النفط كسلعة فحسب، بل كجسر يربط بين العملة الاحتياطية العالمية (الدولار) والملاذ الآمن التاريخي هو (الذهب). كانت العلاقة بين الدولار والذهب عكسية، لكن عام 2026 كسر هذه القاعدة جزئياً. شهدنا صعوداً متزامناً للدولار (كملاذ آمن نقدياً) والذهب (الذي تخطى 5400 دولار للأونصة). بالنسبة للخليج، المرتبط غالبيته بالدولار، فإن قوة «الأخضر» تمنح القوة الشرائية لوارداتها، لكنها تزيد من تكلفة الإنتاج غير النفطي. أما الذهب، فقد أصبح المحور الجديد لسياسات البنوك المركزية الخليجية. هناك توجه واضح نحو تنويع الاحتياطيات بعيداً عن السندات الأمريكية، حيث تزايدت وتيرة شراء الذهب لتقليل الاعتماد على «سلاح الدولار» في ظل العقوبات الدولية المتزايدة والتقلبات السياسية في إدارة واشنطن. المسألة الأكثر حساسية للطالب المتقدم في الاقتصاد هي مستقبل البترو دولار. حيث نلاحظ في أحداث 2026 نمواً في صفقات الطاقة المقومة باليوان الصيني أو العملات المحلية ضمن تكتل «بريكس+» الذي أصبحت دول خليجية فاعلة فيه. هذا لا يعني انهيار الدولار، بل يعني «التعددية القطبية النقدية». منطقة الخليج لم تعد مجرد مورد للنفط بالدولار، بل أصبحت لاعباً موازناً يستخدم الذهب كغطاء استراتيجي والنفط كأداة ضغط سياسي، مع الحفاظ على استقرار العملة عبر الربط بالدولار لضمان الثقة المالية. إن الوضع في الخليج العربي اليوم يعتمد على قدرته على إدارة هذا المثلث: استغلال عوائد النفط المرتفعة، التحوط بالذهب ضد المخاطر الجيو سياسية، ولكن يبقى التحدي في القدرة على المناورة الهادئة في مساحة «إلغاء الدولرة» دون الصدام مع النظام المالي العالمي. إن مواجهة الهيمنة في المنطقة، تتطلب منا الانتقال من لغة «العواطف» إلى لغة «المصالح والقدرات». فالمواجهة الحالية لم تعد تقتصر على الصدام العسكري المباشر، بل تمتد لتشمل حرب الاستنزاف الاقتصادي . مواجهة الهيمنة تتطلب خلق «كتلة جغرافية» مترابطة. فيجب على المشاريع أن تربط بجهات أخرى كآسيا وأوروبا عبر المنطقة (سواء عبر السكك الحديدية أو خطوط الأنابيب) تجعل استقرار المنطقة مصلحة دولية (للصين وأوروبا) وليس فقط مصلحة أمريكية، مما يحد من قدرة واشنطن أو تل أبيب على القيام بتحركات عسكرية أحادية قد تضر بمصالح القوى العظمى الأخرى. فالمواجهة اليوم ليست «انتحارية» بل هي حتمية، ويجب أن تكون مواجهة ذكية تعتمد على رفع تكلفة الهيمنة بالنسبة للولايات المتحدة، وجعل التحالف مع دول المنطقة «شراكة بين أنداد» وليس «تبعية لمركز» خصوصاً بعد قرار الحرب الأحادي { قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } التوبة ٥١.
363
| 15 مارس 2026
في قلب آسيا الوسطى، وبينما كانت الخرائط القديمة تفخر بمساحات زرقاء شاسعة تُصنَّف كرابع أكبر بحيرة في العالم، يقف اليوم شاهد عيانٍ صامت على واحدة من أبشع الجرائم البيئية التي ارتكبتها يد الإنسان: بحر آرال. لم يكن جفاف هذا البحر قضاءً وقدراً، بل كان «اغتيالاً مع سبق الإصرار والترصد» تحت مسمى «التنمية والمشاريع الكبرى». بدأت الحكاية في ستينيات القرن الماضي، حين قرر مهندسو الاتحاد السوفيتي تحويل مسار نهري «آمو داريا» و»سير داريا» لري حقول القطن في الصحاري القاحلة. كانت الفكرة تبدو عبقرية على الورق؛ تحويل الذهب الأبيض إلى عملة صعبة. لكن الثمن كان باهظاً إلى حد الجنون. لقد استبدل الإنسان نظاماً بيئياً متكاملاً، كان يؤمن الغذاء والمناخ المعتدل للملايين، بقميص قطني زائل. إن العبرة التي تجمعنا «بآرال» تتجاوز حدود الجغرافيا. إنها تذكير صارخ بأن الطبيعة ليست مورداً قابلاً للاستنزاف اللامتناهي، بل هي شريك إذا ما غُدر به، كان انتقامه صامتاً ومميتاً. اليوم، في المكان الذي كانت ترسو فيه السفن المحملة بالأسماك، تقبع هياكل معدنية صدئة في وسط صحراء ملحية تُسمى «آرالكوم». هذه السفن الجاثمة في الرمل ليست مجرد حطام، بل هي شواهد قبور لغرور الإنسان الذي ظن أنه أقوى من توازن الأرض. إن فساد الإنسان هنا لم يتجلَّ في الرشاوى أو المحسوبية فحسب، بل في الفساد الفكري الذي يقدّم الربح السريع والقصير الأمد على ديمومة الحياة. لقد تسبب جفاف «آرال» في عواصف ملحية سامة تفتك برئات السكان، ودمّر اقتصاداً محلياً كاملاً، وغيّر مناخ المنطقة ليصبح أكثر قسوة. إن ما حدث «لآرال» هو صرخة تحذير لكل من يعتقد أن التحكم في الطبيعة هو قمة النجاح. الحقيقة أننا لا نملك الأرض، بل نحن أمانة لديها. وإذا لم نتعلم من مقبرة السفن هذه، فإننا سنستمر في حفر قبورنا بأيدينا، مدفوعين بجشع يرتدي قناع التطوير. وفي سياق الحديث عن التحديات الوجودية التي تواجه المنطقة، لا يمكن إغفال التحذيرات التي أطلقها معالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء خلال لقاءات إعلامية بارزة، منها ما نُقل عبر حوارات مع صحفيين دوليين مثل «تشارلي روز» أو في منتديات السياسة الخارجية، حيث سُلط الضوء على مفاعل بوشهر كقنبلة موقوتة تهدد أمن الخليج. تكمن الخطورة، كما أوضح معاليه، في القرب الجغرافي للمفاعل من سواحل الخليج، مما يجعل أي تسرب إشعاعي -سواء كان نتاج خطأ بشري أو كارثة طبيعية- تهديداً مباشراً لمصادر تحلية المياه التي تعتمد عليها دول المنطقة كلياً. إن الفساد الحقيقي هنا يتمثل في تغليب الأجندات السياسية على معايير السلامة البيئية المشتركة؛ فالتلوث لا يعترف بالحدود، وكارثة بوشهر -إن وقعت- ستكون بمثابة «آرال» جديدة لكن بنكهة نووية، تقضي على سبل الحياة في مياهنا وتجعل من الخليج منطقة غير قابلة للسكن، مما يستوجب شفافية دولية وضمانات صارمة لحماية هذا الشريان الحيوي. في الختام، تتجلى الحكمة الحقيقية في النموذج القيادي لدول مجلس التعاون الخليجي، والتي أدركت مبكراً أن مواجهة المخاطر الوجودية-سواء كانت بيئية كاندثار البحار أو نووية كتهديدات المفاعلات الجوارية-تتطلب حكامةً شاملة ترتكز على وحدة المصير. حيث أثبتت دول الخليج رصانة استثنائية في توحيد خطابها الدبلوماسي، مطالبةً بضمانات دولية وشفافية مطلقة لحماية أمنها القومي، معتبرة أن استقرار المنطقة كل لا يتجزأ. أما اقتصادياً، فقد استثمرت هذه الدول مليارات الدولارات في تنويع مصادر الطاقة والأمن الغذائي وتحلية المياه بتقنيات مستدامة، لتأمين مستقبل أجيالها بعيداً عن تقلبات الأزمات الجيوسياسية. ومن الناحية الاجتماعية، فإن نجاحات الحكمة الخليجية في تعزيز الوعي الشعبي والتماسك الداخلي، مؤكدة أن المواطن هو حجر الزاوية في مواجهة الأزمات. إن هذه الوحدة الخليجية ليست مجرد تحالف عابر، بل هي سدٌ منيع ضد فساد التخطيط الخارجي، ورؤية حكيمة توازن بين طموح التنمية وضرورة البقاء، لتظل منطقة الخليج واحة أمان في عالم تتقاذفه أمواج التهور واللامبالاة البيئية من حولنا. اللهم احفظ المدافعين المرابطين عن وطننا وسائر بلاد المسلمين.
447
| 08 مارس 2026
مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات...
1446
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من...
1293
| 19 مايو 2026
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات...
1263
| 23 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ...
1110
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا...
1077
| 21 مايو 2026
أصبح توجُّه المشرع القطري خلال العشرية الأخيرة يرتكز...
705
| 20 مايو 2026
أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...
627
| 20 مايو 2026
خير استفتاح واستدلال لهذا المقال هو الحديث الشريف...
615
| 18 مايو 2026
يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي،...
558
| 19 مايو 2026
منذ بدايات انتشار الإنترنت في العالم العربي، استُخدمت...
546
| 18 مايو 2026
في قلب الدوحة الآن، حيث يبرز معرض الدوحة...
540
| 19 مايو 2026
ليست كلُّ الأيام سواء، فبعضُ الأزمنة يفتح الله...
528
| 22 مايو 2026
مساحة إعلانية