رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

423

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

من رسائل “ألبرت بيك" إلى خرائط "برنارد لويس“

24 مايو 2026 , 12:28ص

كل عام وأنتم بخير أعزائي القراء.

حين وقف حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، كالجبل الأشم على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، ليفكك بصرامة سياسية ودبلوماسية أوهام مشاريع "الشرق الأوسط الجديد" التي حاولت تل أبيب الترويج لها عبر خرائط إقصائية تسلب الحقوق الفلسطينية وتفرض منطق القوة الغاشمة، لم يكن سموه يعلق على مجرد غطرسة سياسية عابرة. لقد كان الخطاب بمثابة تعرية واعية لأوراق التوت وجذور أيديولوجية غائرة في عمق التاريخ الاحتلالي. إن هذه الخرائط المزعومة اليوم في ردهات الأمم المتحدة ليست وليدة اللحظة، بل هي النتيجة الحتمية لتقاطع استراتيجي مخيف بين خطين: خط فكري باطني صِيغت ملامحه في رسائل الجنرال الأمريكي ألبيرت بايك في القرن التاسع عشر، ومنهجية أكاديمية رُسمت خرائطها بأقلام المستشرق البريطاني-الأمريكي برنارد لويس في أواخر القرن العشرين؛ خطان يلتقيان اليوم عند هدف أوحد: تفكيك الدول العربية المركزية، وتحويل المنطقة إلى كانتونات ومقاطعات ممزقة تخضع لهيمنة الكيان الصهيوني.

على الإنسان العربي إدراك الخطر المحدق به، وذلك من خلال الخرائط التي يُسدل عنها الستار اليوم من فوق الأنقاض بشكل رسمي! فعند الرجوع بآلة الزمن قرابة قرن ونصف القرن إلى الوراء، وتحديداً إلى عام 1871م، تبرز واحدة من أكثر الوثائق الفكرية إثارة للجدل: رسالة الجنرال والمفكر الماسوني الأمريكي ألبيرت بايك الموجهة إلى السياسي الإيطالي جوزيبي مازيني. في تلك المراسلات التي تقع في قلب 'الجيو-سياسية الباطنية'، لم يكن بايك يتكهن بالمستقبل بروح غيبية، بل كان يضع ملامح 'مانيفستو' يؤسس لاستراتيجية قائمة على فكرة الفوضى التدميرية الخلاقة لإعادة صياغة العالم. وتكمن خطورة الأطروحة المنسوبة لبايك في رؤيته للحرب العالمية الثالثة؛ حيث رأى أنها لن تكون حرباً عادية، بل صداماً مصيرياً وحتمياً يتم تخليقه وإدارته بين 'الصهيونية السياسية' والعالم الإسلامي أجمع. الغاية من هذا الصدام وفقاً لأدبيات الفوضى الخلاقة القديمة، هي دفع جميع الأطراف المتنازعة إلى حالة من الإنهاك المستنزف للمقدرات البشرية والمادية والأخلاقية، حتى تصل المنطقة والشرق الأوسط تحديداً إلى حالة من الذوبان التام. هذه السيولة هي المختبر المثالي لفرض نظام عالمي جديد على أنقاض الدول والمجتمعات المنهكة. إنها عقيدة الفتن 'التدمير من أجل البناء' التي تحولت من فلسفة نظرية في القرن التاسع عشر، إلى استراتيجية للكيان الوظيفي المستزرع في قلب المنطقة".

"لقد تلاقت نبوءة 'بايك' من غرفة المشرحة مع مشرط الجرّاح البريطاني-الأمريكي برنارد لويس في حقبة الثمانينات من القرن المنصرم. لويس لم يكن مجرد مستشرق عابر في أروقة جامعة برينستون، بل كان مستشاراً لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، جاء ليعيد صياغة فكرة 'ذوبان المنطقة' عبر مشروع الخرائط المبثوث شديد الخبث والخطورة، والذي أقره الكونغرس الأمريكي بالإجماع وبجلسة سرية عام 1983م. ولم تعد الفوضى مع لويس مجرد فكرة نظرية، بل أصبحت خرائط تفصيلية ذات غاية خبيثة لتفتيت العالم العربي والإسلامي من الداخل، عبر اللعب على أوتار الهويات الطائفية، والنعرات العرقية، والمذهبية. إن خطة لويس تقوم على تفكيك المفكك من 'سايكس بيكو' للدول الوطنية المركزية (من العراق والشام إلى مصر والخليج وشمال إفريقيا) وتحويلها إلى أشتات من الكانتونات الهشة والدويلات الطائفية المتناحرة: دويلة سنية، وأخرى شيعية، علوية، كردية، درزية، وقبطية، وهكذا دواليك. هذا الفكر الخبيث واضح المعالم؛ ففي اللحظة التي تخسر فيها العواصم العربية الكبرى مركزيتها وقوتها، وتتحول جغرافيتها إلى 'فسيفساء من الكيانات القزمية الضعيفة' التي تطلب الحماية، يصبح الكيان الصهيوني هو القوة الإقليمية المهيمنة التي تقود ما يُسمى زوراً وبهتاناً الشرق الأوسط الجديد".

"إذن، فليست مؤامرة خرائط الاحتلال اليوم سوى قشرة ثمرة فاسدة لنصوص 'المشرحة' القديمة، تتقاطع فيها أوهام 'بايك' بخرائط واقع 'لويس'. لكن، وأمام هذا الهجوم الشرس لتحقيق ذلك بشكل عابر للقارات، يأتي الجواب حاسماً من فوق المنصات الدولية؛ إن الوعي السياسي والصلابة الدبلوماسية التي تجسدت في جلجلة موقف حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في الجمعية العامة للأمم المتحدة، تثبت للعالم أجمع أن هذا الحرم العربي ليس لوحة صماء برسم البيع أو التقطيع، وأن قدسية شعوب هذه المنطقة ودولها ليست مجرد أحجار شطرنج في غرف التآمر الدولي. إن إسقاط أوهام 'الشرق الأوسط الجديد' يبدأ أولاً من كسر معاول الهدم الداخلي، وتحصين الهوية بالوحدة الوطنية والخصوصية الإسلامية لكل دولة دون إثارة النعرات الطائفية والمذهبية التي أرادوا لنا التنازع فيما بيننا أو الذوبان في داهية الغزو الفكري المزمن. لقد مضى عهد 'سايكس بيكو'، ولن يمر زمن 'برنارد لويس'؛ فالخرائط التي تُكتب بالدم، تُمحى بالوعي والمقاومة والفعل الدبلوماسي الحازم، ليبقى الشرق الأوسط إسلامياً عربياً، عزيزاً، ومستعصياً على التفكيك".

مساحة إعلانية