رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

حكاية أول مصورة صحفية

(1) تجمع الأقدار المتشابهَيْن -أحيانًا؛ لينسجا حكايتهما الخاصة.هي يهودية من طبقة متوسطة، يسارية الهوى، تعيش في ألمانيا، تعتقلها السلطات ثم تُفرج عنها، تعيش ألمانيا أزمة اقتصادية طاحنة، تشهد صعود نجم هتلر، تقرر هي الهجرة إلى فرنسا.هو مثلها، يهودي، يعيش في بودابست، تسجنه السلطات ثم تُفرج عنه، يقرر الهجرة إلى ألمانيا؛ ليدرس فيها العلوم السياسية، فلما لم تساعده إمكاناته المالية، قرر العمل بالصحافة، فلما لم يستطع -بسبب اللغة- قرر العمل بالتصوير، باعتباره أقرب مجال إلى الصحافة، فلما علا نجم هتلر، قرر هو الآخر السفر إلى فرنسا. (2) يقضي صاحبنا -ويُدعى روبرت كابا- شهره الأول في باريس وهو يصارع الفقر والجوع، حتى يلتقي صديقًا يخبره أن شركة تأمين -سويسرية في باريس- ترغب في التعاقد مع مصور يلتقط صورة لفتاة بمواصفات جمالية معينة؛ لتكون الملصق الترويجي للشركة في شوارع باريس. يَخرج الفتى هائمًا في شوارع العاصمة الفرنسية بحثًا عن فتاة تطابق تلك المواصفات، يجلس في مقهى، يتأمل المارات، تخطف بصره فتاة بالمواصفات المطلوبة، يتقدم نحوها، يعرض عليها الصفقة. تتفحص الفتاة هيئة روبرت المزرية، وحذاءه القديم، يساورها الشك فيما يقول، تتردد في قبول دعوته، لكنها لا تستطيع الرفض؛ فهي وصديقة لها يسكنان معًا، يعانيان -أيضًا- من الفقر والجوع بسبب صعوبة الحصول على عمل في باريس. (3) في الموعد المحدد، تأتي الفتاة وبصحبتها صديقتها في السكن، صديقتها هي بطلة حكايتنا، تلك الفتاة التي هاجرت من ألمانيا إلى فرنسا وتدعى جيردا تارو.يبدأ صاحبنا في التقاط الصور للفتاة المطلوبة، تراقبه صاحبتنا وهو يؤدي عمله، تذهلها حرفيته، تبهرها صوره، تنعقد الصداقة بينهما وتتطور لتصبح عملاً مشتركًا، وحبًّا.تساعده هي في تسويق نفسه كمصور محترف، تعرض على وكالات بيع الصور إنتاجاته، تكذب وتخبرهم أن ملتقط الصور أمريكي يدعى روبرت كابا، تنجح خدعتها، وتبيع الصور بأضعاف ثمنها المعتاد بثلاث مرات، وكما غيرت اسمه، غيرت اسمها ليصبح «جيردا تارو». كانا يهدفان إلى تغيير أي دليل يشير إلى ديانتهما، في زمن صعود النازية وتوسعها في مطاردة اليهود، وبحلول خريف عام 1934، تصبح أمورهما المهنية والمادية في أفضل حال. (4) ترسل الفتاة لوالدتها رسالة: «حصلتُ على قَصة شعر قصيرة، وربطة عنق تُطوِّق رقبتي، أرتدي حذاءً لامعًا، أستيقظ في السابعة صباحًا، وأعود إلى المنزل في التاسعة مساء، ببساطة انتهت الحياة العبثية». يُرسل الفتى هو الآخر لوالدته رسالة:«عوضًا عن كونها فتاة جميلة للغاية، فهي ذكية جدًّا، لقد حققنا نتائج مذهلة، صرنا نبيع الصور أكثر بست مرات من ذي قبل». (5) بحلول عام 1936 تزداد الأحداث السياسية في العالم اشتعالاً، يطالب الزعيم السوفيتي ستالين كافة الحركات الشيوعية بترك الخلافات جانبًا، والتوحُّد خلف راية واحدة، يستيقظُ سكان باريس على مظاهرات الحركات الشيوعية تملأ شوارعها، يتلقَّى روبرت عرضًا من صحيفة مجرية للعمل مصورًا لكافة الأحداث السياسية التي تعصف بالعاصمة الفرنسية، يتجول صاحبنا كالقط بين الأحياء الباريسية، يصور كافة المظاهرات والاحتجاجات لكافة الأطياف الشيوعية والفاشية. في الثالث من مايو أيار يفوز حزب الجبهة الشعبية الشيوعي بالانتخابات في فرنسا، وكذلك في إسبانيا، لكن جيشها كان له رأي آخر، فبعدها بشهرين يتحرك الجنرال فرانكو من العاصمة الإسبانية مدريد إلى مدينة تطوان المغربية ليعلن سيطرته على الجيش الإسباني الموجود في المغرب، والذي يشكل المغاربة الجزء الأكبر من قوامه بعد تجنيدهم قسرًا، ثم يتحرك ليعلن سيطرته على جزر الكناري لتكون الخطوة التالية هي التوجه نحو مدريد لخلع حكومة الجبهة الشعبية المنتخبة والانقلاب عليها، ولتندلع حرب أهلية في إسبانيا، ويخرج الجميع في شوارع برشلونة يقطعون خطوطَ الترام وكابلات الهاتف، وتُغلَق المتاجر والأسواق، وتُطلى عربات الترام باللون الأسود. (6) يَتحرَّك بطلا حكايتنا صوب برشلونة؛ ليقوما بتغطية الأحداث، وما إنْ يصلا حتى يتلقيا عرضًا من مجلة في باريس تطلب صورًا للأحداث، تذهب تارو إلى مواقع القتال -لتكون أول امرأة في عالم الصحافة- لتلتقط الصور بنفسها برفقة فتاها، تنجح في الوصول إلى القيادة العسكرية للمقاومة في برشلونة، تلتقط صورًا لتدريبات المقاتلين، توثِّق أول مشاركة للمقاتلات النساء في صفوف المقاومة. يفرض الجنرال فرانكو حصارًا على برشلونة لمنع وصول أيِّ مؤن أو أغذية، لكن برشلونة تَرفض الاستسلام. صبيحة الخامس من سبتمبر أيلول من عام 1936 يتحرك جنود الجنرال فرانكو نحو قرية سيرو موريانو، يلتقط الشابان صور أهالي القرية المؤلمة وهم يفرون من جحيم القتال، فيما تتحرك طائرات ألمانية -بأوامر من هتلر- لدعم الجنرال فرانكو، ولتحتد المواجهات. يضطر الفتى للسفر سريعًا إلى باريس؛ لتجديد تعاقده مع المجلات هناك، أمَّا رفيقته فهي في مدينة فالينسيا؛ لتشهد أول هجوم عسكري على المدينة، وتصور الجرحى داخل المشفى، وتشهد الهجوم بنفسها، ثم ترسل الصور -عبر التليغراف- إلى رفيقها في باريس. (7) في يوليو تموز للعام التالي تتحرك تارو نحو مدينة برينيت لتصور القتال العنيف هناك برفقة مصور زميل لها، يقول لها وقد اشتدت المعارك علينا ألا نقترب، تصر على الاقتراب جدًّا من مواقع إطلاق النار. يشتد القتال والقصف بشكل مفاجئ، يسقط عدد من المقاتلين على يد القناصة، لتصبح تارو وزميلها في خطر محدق، تظل ممسكة بالكاميرا، تلتقط مزيدًا من الصور، ينجحان في الاختباء خلف ساتر، يُلطخان نفسيهما بالطين، يتخيَّران نقطة هروب، وينطلِقان جريًا منها. تركب تارو في سيارة برفقة زميلها، تحتفل -بسعادة بالغة- بأن لديها صورًا هامة توثِّق الأحداث، لكن القدَر كانت يده أسرع. تتحركُ دبابة فجأة نحو السيارة تدهسها، تسقط جيردا تارو قتيلة، لتصبح أول صحفية مصورة في التاريخ تقتلها الحرب.

843

| 26 يونيو 2023

لا تدفن بندقيتك أبدًا (1)

(1) أحيانًا لا خيار لك، لقد تحدَّد دربك مسبقًا، كأن تولد -مثلي- في قرية بوسنية صغيرة، في عائلة فقيرة جدًّا، جل أفرادها من المناضلين المؤمنين -إيمانًا راسخًا- بأن الخلاص في الشيوعية. اسمي ليبا راديتش، وليبا بلغتنا تعني: «الجميلة»، هل كان عليَّ أن أتوافق مع اسمي، وأعيش حياتي وأتمتع بها كفتاة جميلة، في واحدة من أجمل بلاد العالم؟! لكن من قال: إن الجمال يكمن في الشكل، ألا يكمن -أيضًا- في المبادئ؟ بل ألا يكمن في التضحية من أجلها ولو بحياتك؟! (2) وُلدت عام 1925، كبرت وأنهيت دراستي المدرسية في التمريض، كنت متفوقة، لكني في نفس الوقت مهتمة بالأدب، بيني وبينكم كنت قارئة نهمة تقرأ -بحماس شديد- كل الكتب المحظورة التي كان عمي الشيوعي يزودني بها، والنتيجة أني تشرَّبت مبادئ الشيوعية منذ طفولتي، وكنت من أوائل المشاركين في الحركة العمالية التقدمية، وفي رابطة الشبيبة الشيوعية في يوغسلافيا، بلادي التي قام الألمان النازيون بغزوها عام 1941؛ من أجل تأمين البلقان؛ استعدادًا لغزو الاتحاد السوفيتي. بالتأكيد سمعتم عن تيتو، زعيمنا الذي قاد المقاومة، وشن حرب عصابات ضد قوات المحور وعلى رأسها ألمانيا، لقد حقق نجاحات مذهلة، وحررت قواته مساحات شاسعة من يوغسلافيا المحتلة، وأوقع خسائر فادحة في صفوف الغزاة الألمان. (3) في ربيع عام 1942 تنجح قوات تيتو في إلحاق خسائر فادحة في صفوف الألمان، ولأن الحرب متقلبة، فإن الألمان -وبمساعدة المنظمة الكرواتية الفاشية أوستاشا- يشنون هجومًا معاكسًا، ونفقد حوالي سبعة آلاف من مقاتلينا، ويزج بالآلاف من المدنيين إلى معسكرات الاعتقال. ثم تقع معركة كوزارا الكُبرى، أي: في منطقتي، وفيها يُقتل والدي وواحد من أعمامي، ويُزج بشقيقي الوحيد ميلان -وهو طفل- إلى معسكر اعتقال لا يعود منه أبدًا، ينجو منا حوالي تسعمائة مقاتل فيؤسسون لواء كراينا الخامس. فيما تنتقل المجموعة الرئيسة مع جوزيف تيتو، من شرق البوسنة إلى غربها، أنضم أنا إلى قوات تيتو المعروفة باسم: الباراتيزان، أعمل في البداية ممرضة، ثم ألتحق بدورة لإعداد الشباب، وأصبح ناشطة ميدانية في رابطة الشبيبة الشيوعية، ويرسلونني -في نهاية مايو آيار عام 1942- إلى بعض القرى؛ لتجنيد أنصار جدد. أعمل بلا كلل، أنظم لقاءات شبابية في الريف، وأذهب إلى كبار السن أحدثهم عن الأخوة والوحدة، والنضال البطولي لجيش التحرير. تمتدحني قياداتي بسبب قدرتي ومهارتي في تنظيم الشباب في القرى، وشجاعتي في الأعمال القتالية، حتى أصبح بداية من يناير كانون الثاني لعام 1943 أحد أبرز منظمي أعمال المقاومة، وعمليات نقل الجرحى. بين العشرين من يناير كانون الثاني ومنتصف مارس لهذا العام تشن قوات المحور هجومًا كبيرًا ضد قواتنا، لكن تيتو ينجح في تنظيمنا، وننجح في شق طريقنا عبر نهر نيريتفا، وفي استرداد معظم الأراضي التي فقدناها رغم خسائرنا الكبيرة. أُصبح أحد أعضاء اللجنة المكلفة بإجلاء المدنيين والجرحى إلى المستشفى الميداني، ونقل المواد الغذائية والماشية من المنطقة التي هاجمها العدو، وقد كان إنقاذ الجرحى جزءًا أساسيًّا من إستراتيجية البارتيزان بعد أن تعهد تيتو بعدم ترك الجرحى في ساحة المعركة؛ باعتبار أن قوات المحور تعدم الجرحى بشكل روتيني. (4) فِي إحدى ليالي فبراير شباط، كانت قواتنا تعبر خطوط العدو، وكنت أسير خلفها عبر تلال الثلوج وبصحبة مائة وخمسين امرأة وطفلاً وشيخًا، فجأة تصل القوات الألمانية إلينا، تنصحني سيدة عجوز أن أخلع ملابسي القتالية لأبدو كامرأة ريفية، وأن أدفن بندقيتي، أرفض ذلك تمامًا، كيف لصاحب الأرض أن يدفن بندقيته؟! أصر على القتال، أصرخ في الناس: حاربوا بما تملكون، إياكم والاستسلام، تنفد ذخيرتي، وأقع في أسر الألمان. ينقلونني إلى قرية بوسانسكا كروبا، حيث مقر قيادة القوات الألمانية، وهناك أتعرض على مدى ثلاثة أيام للتعذيب، كانوا يضغطون بشدة وكنت أرفض بالشدة نفسها الإدلاء بأسماء الرفاق وأماكنهم. ييأسون مني، ييأسون من أن أخون، يُصدرون حكمًا بإعدامي في نهاية فبراير شباط عام 1943، بتهمة إطلاق النار على الجنود الألمان، وعمري حينها لم يتجاوز السبعة عشر عامًا. وفي الوقت المحدد لتنفيذ الحكم، أسير بهدوء وثقة بين الجنود الألمان، وقد قيدوا يديَّ من الخلف بسلك كهربائي، أصعد بالقوة إلى صندوق للذخيرة تحت شجرة أكاسيا، وقد علقوا بها حبل المشنقة. المشهد رهيب، أنا أمام اختيار واضح، حياتي أو الخيانة، يجددون عرضهم لي بالخيانة، أرفض، وأهتف في الجمع المحتشد لمشاهدة إعدامي: يحيا الثوار، يحيا الجيش الأحمر، يدفع الجندي المحتل صندوق الذخيرة بقدمه، يشتد وثاق الحبل حول رقبتي، يترك الألمان جسدي معلقًا على المشنقة لمدة أربعة أيام، قبل أن يدفن تحت الشجرة، يرسل قائدهم إلى قائده تقريرًا يقول فيه: إن فتاة العصابات -كما يحلو لكل محتل وصف المقاومة- أظهرت تحديًا غير مسبوق. (5) أموت، وتموت قصتي، وفي عام 1945، وبينما حرب تحرير يوغسلافيا من الاحتلال الألماني تجري على قدم وساق، يعثر مقاتلونا على صورتي في حقيبة جندي ألماني، كنت أقف متحدية، بينما يربط الجندي النازي حبل المشنقة حول رقبتي، لم يتعرف عليَّ أحد، لكن الصورة وضعت في متحف الثورة بمدينة موستار، بعد أن انتصر تيتو، وأصبح الحزب الشيوعي اليوغسلافي هو الحزب الحاكم في البلاد. تمر الأيام والسنون حتى يشاء القدر أن يتوقف جندي سابق عند متحف الثوار في مدينة موستار البوسنية، يشاهد صورة إعدامي، يتعرف عليَّ، وهو أحد أقرباء عمي، فيكشف عن شخصيتي. يهدون لاسمي وسام: بطل قومي، الذي يُعد ثاني أعلى وسام عسكري في البلاد، لأصبح أصغر فتاة تحصل على هذا الوسام، غير أن وسامي الأهم كان بندقيتي، التي لم أدفنها أبدًا.

1227

| 19 يونيو 2023

الحرب كتابة

(1) اسمي سيفتلانا أليكسفيتش، قبل أن يحدث ما سوف أخبركم به، كنت أعمل محررة صحفية في الصحف المحلية لمينسك، عاصمة روسيا البيضاء، الخاضعة للاتحاد السوفييتي. يوماً ما، وقد صحوت مبكرًا كعادتي، أحتسي قهوتي، وأتفحص الصحف اليومية، قبل أن أبدأ عملي، لكن في هذا اليوم -بالذات- لفت نظري عنوان رئيس يفيد بتكريم واحدة من أشهر المقاتلات الروسيات خلال الحرب العالمية الثانية، وتقليدها الأوسمة. أفهم أن الصورة المراد تسويقها هو أننا بلاد المساواة بين الرجال والنساء، حيث جُند مليون امرأة سوفييتية؛ للمشاركة في الحرب جنبًا إلى جنب مع الرجال، لكني أدرك أن هناك جانبًا مخفيًّا من الأمر، تحديدًا حول ما فعلته الحرب في الناس، بل في النساء اللاتي شاركن فيها، وكيف دمرت حيوات الكثير منهن، فلتكن تلك مهمتي إذن. (2) تشتعل الفكرة في رأسي، وحتى أكتسب مصداقيتي، سأتخلى عن خيالي، وسأنقل شهادات من شاركن في الحرب بأنفسهن، وسوف أبدأ بمن تربطني بهن علاقات اجتماعية، ألتقي بهن في منازلهن، أترك لهن أن يقلن كل ما لديهن، تدلني كل واحدة على الأخرى؛ حتى أستطيع جمع أكبر عدد من الشهادات. مع الحكاية الأولى يزداد يقيني بما أفعل، ألتقي بأخرى، فأجد لديها جديدًا، وهكذا واحدة إثر واحدة، كل واحدة منهن لديها الجديد، وكل واحدة منهن تدلني على الأخرى، لا أكتفي بمينسك مدينتي، بل أتنقل عبر المدن، في رحلة طويلة. أكتشف أن العامل المشترك بين الكثير من السيدات، هو أنهن عشن قبل الحرب حياة يائسة وبلا قيمة، وكانت الدعوة التي وُجهت إليهن من الدولة للمشاركة في الحرب بمثابة نداء جعلهن يشعرن بقيمة أنفسهن، حتى إن بعضهن تركن أطفالهن؛ للذهاب إلى الحرب، لكنهن حينما عدن أقررن بأن الأمور لم تكن كما تخيلن؛ فحياة الحرب لم تحمل لهن المجد الذي سمعن عنه من الحكومة، بل وجدن فيها جماجم محطمة وجثثًا تنزف، وأيامًا طويلة من الجوع والعطش. (3) كان عملاً مرهقًا للغاية، بدأتُ فيه عام 1970 وبقيت حتى بدايات الثمانينيات أسجل وأوثق شهادات 800 امرأة التقيت بهن في عدة مدن، واستقبلتُ كميات ضخمة من الرسائل إثر إعلانٍ نشرتُه في الصحف أطلب فيه شهادة مَن شاركن في الحرب، مما منحني الأمل في تقديم عمل سيغير الصورة النمطية عند السوفييت عن النساء وحياتهن في الحرب، وبحلول عام 1983 أنتهي من نسختي النهائية من الكتاب، تحت اسم: "ليس للحرب وجه أنثوي". أعرض عملي على الناشرين، يرفضون المخاطرة بإغضاب السلطات، حتى أعثر على ناشر يقبل بالنشر شرط حذف بعض الأجزاء، فيخرج الكتاب بصورة غير مرضية، ولا يحصد الكثير من الشهرة والانتشار. تعتبر السلطات السوفييتية أن الكتاب -وعلى الرغم من الاقتصاص الكبير في نصوصه، ومحاولة مراعاتي لمزاجية الحكومة- محرض على الدولة، ومشوِّه لصورة المرأة السوفييتية المناضلة، فتُصدر أمرًا بحظر نشره، وبعد عامين يُصدر جورباتشوف قرارًا بالموافقة على نشره تحت شروط مقيِّدة أفرغت الكتاب من الكثير من الشهادات. أقابل الرئيس السوفييتي خلال فترة الثمانينيات، وقد قرر السخرية مني بصورة فجة عند ذلك اللقاء، فقال لي: تبدين صغيرة للغاية وضئيلة الجسم، كيف تكتبين هذه الكتب الكبيرة؟ فقلت له: أنت أيضًا لا تبدو عملاقًا، لكنك تستطيع تدمير إمبراطورية. لم تمنعني هذه العقبات من أن أستمر، وفي عام 1985 أُصدر كتابي الثاني: "الشاهد الأخير"، أروي فيه حكايات من واقع حياة الأطفال السوفييت خلال الحرب العالمية الثانية، وما لاقوه من خوف وحياة قاسية بصحبة ذويهم داخل المعسكرات أو المدن أو حتى الملاجئ، لكن الحرب ضدي باتت مزعجة للغاية، فأقرر التوقف عن الكتابة عن الحرب. (4) حتى حل يوم من أيام عام 1986 كنت عائدة فيه إلى بيتي حين قابلتُ -بالصدفة- سيدة تلقت -لتوها- خبر عودة جثمان ابنها من الحرب في أفغانستان من الحكومة، فيما وصلتْ متأخرة -في نفس الوقت- الرسالة التي كان نجلها قد أرسلها، وهو يحكي فيها بتفاخر عن كونه جنديًّا مظليًّا في الجيش. ثم جاءت واقعة ثانية حينما كنتُ في محطة الحافلات لأجد ضابطًا في الجيش قد جلس بجوار جندي نحيل للغاية وبؤبؤ عينيه ظاهر بوضوح وبجوارهما سيدتان من العجائز، فسألتُ عن الوضع لتأتيني الإجابة أن الضابط يقوم بمهمة توصيل ذلك الجندي إلى أهله بعدما أصابه الجنون، فقد كان في أفغانستان يحاول الحفر في الأرض بأي شيء يجده سواء كان شوكة أو عصا؛ حتى يحفر نفقًا يهرب به من أفغانستان إلى روسيا من جديد. في الوقت نفسه بدأت تظهر أخبار في الصحف المحلية عن توابيت الزنك، تلك التي تعود فيها جثامين الجنود من الحرب في أفغانستان، حفزني ذلك للعودة إلى الكتابة عن الحرب، فأبدأ رحلة جديدة تستمر ثلاث سنوات أتنقل فيها بين أمهات الجنود وأسرهم؛ لأنقل عنهم الشهادات الخاصة بوقائع مشاركة أبنائهم في الحرب في أفغانستان. أسافر إلى العاصمة الأفغانية كابول وأقابل مستشارين عسكريين روسًا وممرضات وجنودًا، ثم أعود لألتقي العديد من الجنود الشباب العائدين من الحرب أو زوجاتهم أو أمهاتهم، ليصدر أخيرًا عام 1989 كتابي: "فتيان الزنك". (5) أحيا الآن في برلين بعدما رحلتُ عن مدينتي المحببة مينسك عاصمة روسيا البيضاء عام 2020 بعدما صار بقائي هناك مهددًا لحياتي بسبب رئيسها الديكتاتور، وأكتفي -بعد أربعين عامًا من الكتابة- بخمس كتب غيرت وجهة نظر العالم بأكمله عن الاتحاد السوفييتي الذي يعرفونه. لم أكترث للدعوة القضائية التي رُفعت ضدي عام 1992، مِن قِبَل بعض من حصلتُ على شهادتهم، بضغط من السلطات، ولم أكترث لفوزي بجائزة نوبل عام 2015، وإنما أكترث دائمًا لأمر الحرب وبشاعتها، وأُصر بالكتابة على حرب الحرب، تلك التي تفقدنا أحبابنا، بل تفقدنا -أحيانًا- أنفسنا.

825

| 12 يونيو 2023

حياة مزور وثائق.. شريف

(1) أدهشني أنني كنت أضع الثوب في حوض مليء بالماء الملوَّن، وما هي إلا دقائق حتى يتلوَّن، ويصبح الماء صافيًا. نعم لقد كان هذا مدهشًا لي، وأنا لم أبلغ بعدُ العاشرة من عمري، وقد وظَّفني عمي في مصبغة؛ لمساعدة عائلتي الروسية القادمة إلى فرنسا من الأرجنتين؛ هربًا من الفقر، وبحثًا عن العمل، ولم أكن أعلم أن هذا الأمر إنما هو فاتحة لي لعالم جديد مدهش. (2) يكتشف رئيسي في العمل موهبتي في التعامل مع الكيماويات وتركيباتها، يتحداني بأصعب البقع الصبغية لإزالتها، ودائمًا أنجح. لقد وجدت في الأمر شغفي، فلجأت إلى القراءة والاطلاع الكيميائي؛ لتعزيز موهبتي، وساعدني عمي على أن أُنشئ في بيته معملي الخاص للتجربة والتعلُّم. تمر الأيام، وتندلع الحرب العالمية الثانية، ويجد الفرنسيون الجيش النازي فوق رؤوسهم في كل مكان، بما فيه بيت عائلتي، تُقتل أمي على يد القوات النازية، وتنزح عائلتي إلى بيت أحد الأصدقاء. وما أن يمر عامان حتى أجد نفسي مع عائلتي في معسكر دانسي، الذي جُمِع فيه اليهود ونحن منهم، نقضي فيه ثلاثة أشهر، نعاني خلالها من الجوع والصقيع والتردِّي الصحي، وشاهدت كيف مات الكثير منا. تتدخل القنصلية الأرجنتينية في فرنسا، وتُنقذ عائلتي... يُفرج عنا، ويقرِّر والدي الانتقال إلى باريس، بل ويقرِّر أن نقتني هويات مزيفة غير هوياتنا اليهودية. وهنا بدأ كل شيء.. (3) يكُلِّفني بمقابلة الوسيط، والذي كان يُدعى: البطريق؛ لاستلام هويات الأسرة المزوَّرة منه، ولمَّا عرف هذا البطريق أنني أعمل متخصصًا في الصبغات بإحدى المصابغ، سألني في دهشة: أيعني هذا أنك تستطيع إزالة بقع الحبر؟! فلما أجبته أخبرني أن لديه نوعًا من الحبر يَستعصي على الجميع؛ حبر العلامة المائية الأزرق، فأريته معادلةً كيميائية يمكنها أن تُنجز المهمة، فعرض عليَّ الاشتراك معهم في تزوير الأوراق، وبالطبع لم أتردد. وفي مختبر التزوير هذا الذي التحقت به أكتشف -من أول وهلة- مشاكلهم وأعاونهم على حلها، ومن بينها النقص الشديد في الأوراق الرسمية الأصلية اللازمة لعملية التزوير، فاقترحت عليهم أن نقوم نحن بصناعتها، إضافة لماكينات الحبر واللحام وكل ما تتطلبه عملية التزوير، وكانت الماكينات كلها بدائية تعمل بالحركة الميكانيكية كدراجة هوائية. يُذاع صيتي في الأرجاء، أترأس قسم التزوير في المقاومة الفرنسية، فأزوِّر الوثائق لليهود في أماكن نفوذ النازيين، فأنقذ حوالي 14000 روح قبل إرسالها إلى المحرقة، وأمكث في عملي هذا دون مقابل حتى تضع الحرب أوزارها. لكني أتفطَّن إلى أمر لم أكن أنتبه إليه. (4) لقد ساعدت العديد من اليهود على الهجرة إلى فلسطين حقبة الانتداب البريطاني؛ ظنًّا مني أني أنقذ أرواحهم، لكن ما أن أُعلن عن تأسيس دولة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية حتى قررت التوقُّف، فلن أُنقذ ضحايا ليصبحوا هم الجناة. يتكرر الأمر مع القوات الفرنسية نفسها، التي ضمتني إلى صفوفها، لكني أغادرها مع اندلاع الحرب الهندوصينية الفرنسية؛ ففرنسا هذه المرة هي المحتل، بل قررت أن أواجه هذا البلد وأناضل ضده. إلى الجزائر إذن.. (5) أنضم إلى جبهة التحرير الوطني، وكما فعلتُ مع اليهود في فرنسا، أفعل مع المناضلين المطلوبين من قِبل الاحتلال الفرنسي، فأزوِّر أوراقًا ثبوتية للعديد من الجزائريين الملاحَقين خلال ثورتهم. أُمنح لقب: المجاهد، وفي الجزائر أتزوج وأُنجب، ولا يمنعني الأمر أن أواصل ما بدأته، أسافر وأغيب حتى تعتقد عائلتي أنني مت، والحقيقة أنني كنت أنقذ الناس من الموت. تنقَّلت بين بعض دول أمريكا اللاتينية والكاريبي، وفي إفريقيا بين: غينيا، وأنغولا، وجنوب إفريقيا، وفي أوروبا عشت -بعض الوقت- في إسبانيا وهي تعيش حقبة الديكتاتور الأشهر: فرانشيسكو فراكو، وفي اليونان إبَّان فترة المجلس العسكري اليوناني، ومنها إلى البرتغال حيث كان الديكتاتور أنطونيو سالازار، وحتى الولايات المتحدة العظمى لم تَسْلم من عملي في خدمة المجندين الرافضين لحرب فيتنام. (6) سارا هي أصغر أبنائي، ورغم أنني لم أمكث معها كثيرًا إلا أنها أصَّرت أن تحكي حكايتي، لِتُصدِر عام 2016م كتابًا عني بعنوان: "أدولفو كامنيسكي.. حياة مزوِّر وثائق". ذكرَتْ فيه أن أباها -الذي هو أنا- لم يتوقَّف حتى مماته عن تقديم العون للمساجين واللاجئين والنازحين والثوار في كل مكان، وأن العدالة أينما حلَّت كانت هي قضيته، وأينما ارتحلت رحل معها، وأن أوراقه السحرية طالت كل مكان، وكل هؤلاء الذين احتاجوا أوراقًا تغيِّر هويتهم وتُنقِذ رقابهم. تضيف ابنتي أنني خضت رحلة استمرت لنحو سبعة وعشرين عامًا، قبل أن أُتوفى في التاسع من يناير لعام 2023م، رحلة وضعتُ فيها رأسي على كفي، ولم أجد حيلة تحميني إلا التخفِّي وراء مهنة التصوير، والادعاء بأنني رسام؛ ليكون هناك سببٌ منطقيٌّ لوجود روائح الصبغات والكيماويات بمنزلي. تقول ابنتي سارا: طوال فترة طفولتي، عندما كانت صديقاتي تسمع قصص آبائهم الخرافية، كان والدي يقص لي قصصًا عن أبطال مغمورين بمبادئ صلبة، استطاعوا أن يصنعوا المعجزات دون أية حاجة لرفع السلاح أو وقوف الجيش معهم، ودون الحاجة لوجود أتباع أو مريدين، فقط كل ما كان يملكه هؤلاء الرجال وتلكم النسوة هي الشجاعة والإصرار، ولقد استوعبت لاحقًا أن والدي كان يقص عليَّ قصته هو.

819

| 05 يونيو 2023

تخسرك الجندية وتكسبك الحكاية

(1) غريبٌ أمر هؤلاء الراغبين في الذهاب إلى حيث تكون الحرب، إنها لم تُفرض عليهم، لكنهم - باختيارهم - يرغبون في الذهاب إلى هناك، ربما يتخيلون أنها مغامرة تدفع الأدرينالين إلى العروق، أو ربما لمتابعة حية لحدث تاريخي لا يتكرر، لكن المشكلة أن صاحبنا - وبعد أن حاز على الأدرينالين، وكاد أن يموت - قرَّر العودة مرة أخرى إلى الحرب، وإذا كان مراهقًا في الأولى، فإنه رجل ناضج في الأخيرة، لكننا نعذره؛ على الأقل قدَّم لنا ما يستحق. (2) يبلغ صاحبنا الأمريكي الثامنة عشرة من العمر في العام 1917، أي: العام الذي انضمت فيه بلاده إلى أُتون الحرب العالمية الأولى، وإذا كانت رغبته في المغامرة هي التي دفعته للتطوع مقاتلاً في صفوف جيش بلاده، بعد أن كان يعمل مراسلاً صحفيًّا، فإن الاختبار الطبي حال دون ذلك، ليغادر الوحدة العسكرية جارًّا أذيال الخيبة، فقلبه معلق بفكرة السفر إلى مناطق الحرب. يتوجَّه بعدها إلى هيئة الصليب الأحمر متطوعًا، يُعين كقائد سيارة إسعاف، ويُرسَل إلى ميلانو الإيطالية، وهناك تضرِب قذيفة سيارته، ويُصاب إصابة بالغة، "انفجر وميضٌ فجأة كما لو أن باب فرن انفتح ليخرج من خلفه اللهيب، كان لونه أبيض، ثم تحوَّل للأحمر". (3) يستيقظ في مشفاه، تتفتح عيناه على الممرضة بنت بلده أجنيس فون كروفسكي، ومثل الأفلام الأمريكية، يقع في حبها، وبعد عدة شهور تنتهي الحرب فينطلقا يقضيان وقتهما معًا هنا وهناك، ليبدو واضحًا أنهما على وشك الزواج. لكن الفتاة يصيبها القلق؛ فقد لاحظت أن فتاها يتغير بسرعة؛ فقد أصبح واثقًا في نفسه أكثر من اللازم، إلى الحد الذي بات مهتمًّا بنفسه بشدة، وغير مبال بالآخرين، يدفعها هذا الشعور إلى التردد في فكرة الارتباط به. ثم فجأة يخبرها ذات يوم أن عليه أن يرحل عائدًا لبلده؛ لزيارة والديه، تبلِّغه هي الأخرى أنها كذلك سترحل عن ميلانو، وقد كانت تلك لحظة فراق غريبة، فقد انتهت على إثرها قصة حبهما القصيرة، فلم يقابل أي منهما الآخر بعدها، ولم يتراسلا، وليَعلم لاحقًا أن فتاته قد وقعت في حب رجل آخر، وقررت أن تكمل حياتها معه، لتكون تلك تجربة قاسية أخرى بعد تجربة الحرب، فيقرر كتابة روايةٍ يستقي أحداثها من قصة حبه القصيرة مع أجنيس وتصدر الرواية باسم: "وداعًا للسلاح". (4) في سبتمبر/أيلول من عام 1922 كان صاحبنا موجودًا في العاصمة الفرنسية باريس حينما عَرض عليه محرر صحيفة تورنتو ستار القيام بتغطية صحفية من داخل جبهة الحرب التركية اليونانية، ليدخل جبهة حربية - لأول مرة - كمراسل صحفي. سجَّل مشاهداته في الحرب وهروب اللاجئين من كلٍّ من تركيا واليونان. ثم مضى وقت طويل - منذ تلك المعركة - حتى حلَّت الحرب الأهلية الإسبانية، وقد كان في تلك الفترة على موعد مع زواجه الثاني من الصحفية اللامعة مارثا جيلهورن صاحبة كتاب "وجه الحرب"، وقد كان اهتمامها الكبير بإسبانيا وشغفها بتغطية المواجهات هناك سببًا في جذبه إلى تلك النقطة من العالم. عاصر الرجل وزوجته بدايات الصراع في إسبانيا في فندق شبه سري في العاصمة مدريد، وأرسل كلٌّ منهما تغطية صحفية للجريدة التي يعمل بها حول الحصار الفاشي للحكومة الجمهورية الجديدة، والقصف العنيف للعاصمة، وشكَّل كلاهما معًا ثنائيًّا غاية في التميز من الناحية العاطفية والناحية الصحفية في قلب الحرب. سجَّل في ذاكرته ما يكفي من الأحداث والشخصيات التي شاهدها بعينه خلال الحرب، ليكتب لاحقًا رواية: "لمن تقرع الأجراس"، والتي تحكي عن شاب أمريكي قرَّر المشاركة مع المجموعات الإسبانية المسلحة التي تقاتل لإعلان الجمهورية في مواجهة الفاشية. يَخلق الرجل لنفسه شيئًا خاصًّا به في الكتابة؛ فهو مراسلٌ حربي ينقل ما يحدث في الواقع كما هو، عن طريق سرد الحكايات التي تجعل من معرفة الحقيقة أمرًا محببًا للقارئ. يتنقَّل بين جبهات مختلفة خلال الحرب العالمية الثانية، ويشهد حملة الإنزال في نورماندي، وقد بلغ من العمر الرابعة والأربعين عامًا. (5) لقد حقَّق إرنست هيمنجواي المولود في 21 يوليو/تموز عام 1899 أمنيته بالسفر إلى الحرب، ليس كجندي مقاتل، ولكن كصحفي حربي وروائي، وسوف تكافئه الأقدار بأن يُشارك في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ليستقي من أحداثهما روايات يسردها ببراعة شديدة، وتمنحه شهرة عالمية، فضلاً عن شغفه بتحويل تجارب حياته إلى مادة لمؤلفاته الروائية والقصصية، ومن هنا يمكن تفسير غزارة إنتاجاته. كان آخر عمل هام نُشر له خلال حياته هو: "الشيخ والبحر" في عام 1952، وهو رواية قصيرة عن صياد كوبي مسن، والتي كانت قصة رمزية تشير إلى كفاح الكاتب نفسه للحفاظ على فنه في مواجهة الشهرة والاهتمام. أصبح همنغواي شخصية مشهورة غطَّت الصحافة على نطاق واسع زيجاته الأربع، ومغامراته في صيد الطرائد الكبيرة وصيد الأسماك، ولكن على الرغم من شهرته، إلا أنه لم يُنتج عملاً أدبيًّا كبيرًا في العقد الذي سبق ظهور "الشيخ والبحر"؛ حصل الكتاب على جائزة بوليتزر عام 1953، وفاز بجائزة نوبل للآداب عام 1954، وتحول منزله في كوبا التي انتقل إليها إلى متحف يضم مقتنياته. صحيح أنه نجا من حادثتي تحطم طائرتين في أفريقيا عام 1953، لكنه أصبح قلقًا ومكتئبًا بشكل متزايد، لتكون سنواته الأخيرة هي الأكثر قسوة وصعوبة عليه؛ نتيجة كتلة من التراكمات الضخمة التي ضربت نفسيته، ليقرر الانتحار ويُنهي حياته التي وصفها بأنها صارت بائسة في 2 يوليو 1961، ببندقية في منزله، تمامًا كما فعل والده.

867

| 29 مايو 2023

سيرة الحرب (1)

قتلتني الحرب التي عشت بعدها (1) نحن في الشهر السادس لعام 1917، وها أنا أكمل الثامنة عشرة، جُلُّ أصدقائي ينضمون إلى القتال، جند في جيش الإمبراطورية الألمانية، أشاركهم -متحمسًا- تجربتهم في أول حرب عالمية، وحيث الوعد بأنها الحرب التي ستُنهي كل الحروب. يتم نقلنا إلى الجبهة الغربية، والحرب هناك بيننا -نحن الألمان- وبين الفرنسيين؛ من أجل كسب مساحة صغيرة من الأرض، تُسترد من الطرف الآخر بعد فترة وجيزة، فيبقى «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية». (2) أنسى ما أنسى، إلا اليوم الذي قتلت فيه إنسانًا وجهًا لوجه؛ ففي نهاية الشهر السابع تَشتعل جبهتنا الغربية، بتسارُع غير مُعتاد، وعلى مدى أسبوعين، يقصفنا ثلاثة آلاف مدفع بأربع ملايين ونصف مليون قذيفة، ونحن صامدون. يصبح الليل نهارًا بفعل الصواريخ التي تنير سماءه، هدير الدبابات لا يتوقف، القنابل تسقط على الخنادق كالمطر، الهواء محشوٌّ بالصراخ والصفير، الأشلاء تتطاير -ومثلها الشظايا- في كل مكان. فجأةً أسمع في خندقي وقْع أقدام، أُخرج الخنجر فأطعنه، يصرخ بشدة، لكنَّني أواصل الطعن، حتى أُصوِّب إليه في النهاية ضربة قوية فيهوي إلى الأرض، لقدْ طبَّقت مبدأ الحرب الدائم: «اُقتل أو تُقتل». لكنَّ الرجلَ لم يمت؛ فهو في النزع الأخير، يُحدِّق إليَّ بعينينِ مفعمتين بالرعب والهلع، الجثة ساكنة، لكن رغبة الفرار التي تنطق بها عيناه، يُخيل إليَّ أنها ستحمل الجثة حملاً وتفر بها ذعرًا من الموت، أي: مني. أقول له في نفسي: لمْ أُرد قتلك، لو أنك تقفز مجددًا إلى هنا فلن أفعلها ثانية، كل ما في الأمر أني كنت أفكِّر بقنبلتك اليدوية وأسلحتك، الآن أرى زوجتك ووجهك وما يجمعنا معًا، سامحني يا رفيقي! إذا رمينا هذه الأسلحة وخلعنا هذا اللباس العسكري، لأمكنك أن تكون أخي. (3) وكأنه انتقام إلهي، أُصاب لاحقًا بشظية قذيفة في ساقي اليسرى وذراعي اليُمنى ورقبتي، بمعجزة ينجح المسعفون في إنقاذي بعد أن رأيت الموت بعيني، يقومون بإجلائي إلى مستشفى عسكري بالداخل. المشهد يكاد يكون أكثر رعبًا من جبهات القتال؛ عنابر مملوءة بالمصابين، أنَّاتهم واهنة ومؤلمة، أطباء وممرضات يسابقون الموت، ينجحون في إنقاذ ساقي من البتر، لكن الألم ما يزال شديدًا. أغادر مشفاي بعد عدة شهور، تحسَّنت جراح جسدي، وجراح روحي لا تبرأ. تنتهي الحرب، أحاول تعويض ما فاتني في الدنيا، لكن الحرب تسيطر عليَّ، لماذا وصلنا إلى هذا الحد من الغباء حتى نقتل بعضنا بهذه الصورة؟! مِثلي مِثل الذين عادوا من المعارك، يحاولون -وبنمط من سُعار عيش متوحش- أن يعوِّضوا ما خسروه في السنين الأربع من الحرب، هؤلاء الناس لا يملكون شيئًا الآن، هذا الجيل بأكمله دُحر وهُزم في الحرب، حتى الذين نجوا من قذائفه. أتقلَّب في وظائف عدة، حتى أعمل محررًا، فتوقظ الوظيفة في نفسي حمى الكتابة التي بدأتها وعمري لا يتجاوز ستة عشر عامًا، مقالات وقصائد ورواية كنت قد بدأتها قبل الحرب. أذهب ضمن مهامي الوظيفية لتغطية نزال للملاكم ماكس شميلينغ، أسمع أحدهم يصرخ: «هيا يا ماكس، إنه يترنح، لكمة أخرى وسينتهي أمره»، أتمعن وجه الملاكم المترنح، تقفز في ذاكرتي عيون ذلك الفرنسي الذي قتلته، أعود إلى المنزل وقد اتخذت قراري بكتابة رواية أسجل فيها كل ما رأيت في الحرب. (4) أعيش الجحيم مرة أخرى، أتذكر على لسان بطل حكايتي ما عشته في الحرب، أفرغ من الكتابة، أبدأ محاولاتي لطباعتها، يرفض رئيس التحرير ذلك؛ متعللاً بأن الناس بعد الحرب لا تريد الحديث عنها، وبعد جدال بين أصحاب الأمر يتقرر نشرها في حلقات بجريدة: «فويس». وبالفعل -وفي العاشر من أكتوبر (تشرين الثاني) عام 1928- تُنشر الحلقة الأولى من روايتي، وما أن تصدر الحلقة الثانية حتى يتجاوز توزيع الصحيفة مائة ألف نسخة، فيقرر المسؤولون وقف النشر وطبع الرواية كاملة. تصل مبيعات روايتي -بعد عدة سنوات- إلى ما يزيد عن ثلاثين مليون نسخة، وتكون أول رواية تُطبع على طريقة برايل لفاقدي البصر، وتتحول إلى فيلم سينمائي يحصد جوائزه في هوليود. تغضب ألمانيا الهتلرية، وتمنع عرض الفيلم، وتمنع الرواية من التداول، وتسحب الجنسية مني، وتقتل شقيقتي، وأُصبح هدفًا للعنصريين، فأقرر السفر إلى سويسرا، أتابع من هناك ما حدث في إحدى ميادين برلين؛ حيث حُشدت جموع من الشباب؛ ليقوموا بإضرام النيران في الكتب الممنوعة التي يعتقدون أنها ضد نازيتهم، وبالتأكيد فإن روايتي من ضمنها. يزداد تشبثي بموقفي، وإصراري على إعلان الحرب على الحروب، كارهًا تجربتي في الحرب العالمية الأولى، التي جُمع لها أكثر من سبعين مليون عسكري، لقي فيها أكثر من تسعة ملايين مقاتل، وسبعة ملايين مدني مصرعهم، فضلاً عن عشرات الملايين الذين ماتوا من جراء انتشار الأوبئة. تمر الأيام والسنون، ويتغير كل شيء، وتظل روايتي جاذبة لمحاربي الحروب، ويُعاد إنتاجها كفيلم سينمائي يحصد -بدوره- العديد من جوائز الأوسكار. (5) نسيت أن أخبركم، أنا إيريك ريمارك، صاحب رواية: «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية». في 25 من الشهر التاسع لعام 1970 ستكتب الصحف أنني توفيت عن عمر يناهز 72 عامًا، وأن روايتي: «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»، هي الرواية الألمانية الأكثر مبيعًا، وأنه تم تحويلها إلى فيلم سينمائي ثلاث مرات: عام 1930، وعام 1979، وأخيرًا عام 2022، لينال صانعوها العديد من جوائز الأوسكار. وستكون فرصة لتذكِّر الصحف قرَّاءها بأني ولدت في منتصف عام 1898، لعائلة من الطبقة العاملة، في مدينة أوسنابروك الألمانية، والدي كان عامل تجليد كتب، ولأن والدتي كانت تعاني من السل، قرَّر جدي أن يستضيفني، وهو الرجل المختلف عن والدي، المحب للمغامرات، فأحببته، وأحببت المغامرات، وروايتي واحدة منها. تلك الرواية التي كنت بطلها، بطلها الذي عاش بعد الحرب، لكنه مات في الرواية، ربما أردت أن أقول: إن الحرب تقتل الجميع، حتى الذين يعيشون بعدها.

873

| 22 مايو 2023

المَسْلَخ رقم خمسة

(1) «إياك أن تضع قدما في مهنتك والأخرى في حلمك، امض قدما واترك كل شيء، أو هب نفسك صاغرا لهذه الحياة». رغم رغبته في الصحافة والأدب، يضطر صاحبنا إلى الالتحاق بكلية الكيمياء، تحت ضغط والده المهندس المشهور، ولأنه لم يعر الدراسة في الكلية اهتمامه -منفقا معظم وقته عاملا في صحيفة الجامعة- فقد فصل من كليته، في وقت كانت أسرته تعاني أزمة مالية شديدة؛ نتيجة الكساد العظيم الذي أصاب البلاد، فيقرر هذا الشاب الأمريكي أن يتطوع في الجيش، ويلتحق بالجبهات. يعود يوما لقضاء عطلة عيد الأم، ليجد والدته قد انتحرت في الليلة السابقة، بعد أن أصابها الاكتئاب الشديد. في ألمانيا -وبعد ثلاثة شهور من هذه المأساة- يقع في أسر القوات الألمانية، ولشدة سوء حظه يهاجم سلاح الجو الملكي البريطاني القطار الذي يقله مع الجنود الأسرى الآخرين، عن طريق الخطأ؛ إذ لم يحمل القطار علامة الصليب الأحمر المميزة لقطارات الأسرى، مما أسفر عن مقتل 150 منهم، أما هو فينجو، ويصل معسكر الأسرى في مدينة درسدن الألمانية، حيث الشتاء الأسوأ هذا العام، الذي يحول دون وصول مساعدات الصليب الأحمر، لتزداد معاناتهم في معسكرهم الذي يطلق عليه: مسلخ رقم خمسة، وهو جزء من مسلخ مركزي كبير في المدينة حيث يتم ذبح الحيوانات ومعالجتها للاستهلاك البشري. (2) «عندما ذهبت إلى الحرب في الحرب العالمية الثانية، كان لدينا تخوفان: الأول: أننا سنقتل. والآخر: هو أننا قد نضطر إلى قتل شخص ما. والآن أصبح القتل كالمرح لا أكثر». درسدن أجمل وأرقى مدينة رآها على الاطلاق في رأيه الشخصي، لكن في صباح 13 فبراير 1945، ستفقد جمالها بعد شن القوات الأمريكية البريطانية هجوما ضاريا على المدينة، لتسقط الغارة التي قوامها 800 قاذفة نحو 2700 طن من المتفجرات والمواد الحارقة عليها، لتبيد على مدار يومين قرابة ثلاثين ألفا من المواطنين الألمان العزل، أما هو فقد نجا مرة أخرى. يأتي هذا الهجوم بعد أقل من شهر من مقتل قرابة عشرين ألف جندي أمريكي على يد القوات الألمانية في معركة بولج، وبعد ثلاثة أسابيع من اكتشاف الفظائع التي ارتكبتها القوات النازية في أوشفيتز، ومع محاولة قوات الحلفاء دفع ألمانيا للاستسلام. تنتهي الغارة ويصبح على صاحبنا ورفاقه أن يخرجوا آلاف الجثث وفتات البشر من تحت الأنقاض والمباني والساحات العامة. (3) «كنا نسير كل يوم إلى المدينة ونحفر في الأقبية والملاجئ؛ لإخراج الجثث كتدبير صحي. عندما ذهبنا إليهم بدا ما كان في السابق قبوا عاديا كما لو أنه عربة ترام مليئة بالأشخاص الذين عانوا -جميعا في نفس الوقت- من قصور القلب. مجرد أشخاص جالسين هناك على مقاعدهم هناك، كلهم موتى». «ذهبنا للعمل مطوقين بالجنود الألمان. لم يمكن للمدنيين رؤية ما كنا نفعل. في البداية لم تنبعث منها أي رائحة كريهة؛ كانوا كأنهم في متاحف الشمع، ولكن بعد أيام من تراكم الجثث فوق بعضها بدأت بالتعفن والتحلل، وكانت الرائحة أشبه بمزيج من رائحة الورود وغاز الخردل». «وهنا وجد الألمان حلا مبتكرا للتعامل مع هذا العمل الكريه؛ فالحاجة أم الاختراع؛ لن يستخرج المزيد من الجثث؛ كنا نقتحم المأوى، ونجمع الأشياء الثمينة من أحضان وجيوب الناس دون محاولة تحديد هويتهم، ونسلم تلك الأشياء الثمينة إلى الحراس، ثم يأتي الجنود ومعهم قاذف اللهب ويقفون في الباب ويحرقون الجثث الموجودة بالداخل». «إن الدمار الذي لحق بدرسدن كانت تجربتي الأولى مع الخراب المذهب للعقول. أن تحرق مدينة عامرة وزاهرة بأكملها على هذا الوجه، كنت مأخوذا بالخراب، هذا الخراب المريع وحماقة الحرب». (4) «كل شخص لديه شيء يمكنه القيام به بسهولة، ولا يمكنه تخيل سبب وجود الكثير من المتاعب لدى الآخرين في القيام به». يبدو أن هذه الأحداث الجسام التي مرت به خلقت منه كاتبا بارعا، أو قل: هو استغلها ليعبر عما به، وعن مواقفه في الحياة؛ فقد اغتنم الفرص أينما لاحت له، واستفاد منها قدر استطاعته، سواء كان ذلك في البحث، أو وضع الخطوط العريضة، أو الكتابة، أو التواصل. ومع عام 1950 يبدأ مسيرته المهنية الأدبية، ليصدر لاحقا أولى رواياته: «بيانو ميكانيكي»، لكن أهم ما كتب هو «المسلخ رقم خمسة»، وفيه عبر عن مشاعره المناهضة للحرب، ليحظى بعدها بالشهرة والاعتراف العالمي به كاتبا لامعا، ويحصل على العديد من الجوائز والأوسمة، وينشر عدة مقالات عن سيرته الذاتية ومجموعات قصصية، مثل: مصير أسوأ من الموت (1991)، ورجل بلا وطن (2005). تزوج مرتين، وأنجب ثلاثة أطفال، وتبنى أربعة آخرين، وحين سئل عن براعته أرجع الفضل إلى (إيدا يونغ) طاهية ومدبرة منزل عائلته التي تنحدر من أصل إفريقي، قال: إنها «أعطته تعليمات وإرشادات أخلاقية رفيعة، وكانت لطيفة للغاية معه»، ووصفها بأنها «إنسانة وحكيمة»، وأضاف: إن «جوانب الرأفة والتسامح في معتقداته» كانت نابعة منها. وربما هذا الذي جعله يمقت الحرب وشناعتها وما تخلفت عنه. (5) «الفن ليس وسيلة لكسب العيش، بل الطريقة الأكثر إنسانية لجعل الحياة أكثر احتمالا. إن ممارسة الفن -دون النظر في مدى براعتك جيدا كنت أم سيئا- هو السبيل الأمثل لإنعاش روحك والسمو بها». ولد كورت فونيغوت في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 1922، وتوفي في أبريل/ نيسان 2007 في نيويورك. يتضمن إرثه الأدبي 14 رواية، وأكثر من 50 قصة، بالإضافة إلى مقالات، وبضع مسرحيات وسيناريوهات، بين الكوميديا السوداء والخيال العلمي. صدرت روايته «المسلخ رقم خمسة» عام 1969، لتكون واحدة من أهم الأعمال الأدبية الأمريكية في القرن العشرين. ومن بين أهم أعماله الروائية -أيضا: «صفارات الإنذار التيتانية»، «أم الظلام»، «مهد القطة»، و»إفطار الأبطال». ما أحلى أن يفعل المرء ما يحب!

1191

| 08 مايو 2023

إنِّي أَتَّهِم

(1) صورة اُلتقطت في تشيلي في أوائل عام 1949 تُظهر عالم طيور قوي البنية ملتح مع رجلين آخرين، يمتطي الثلاثة خيولاً وخلفهم تضاريس جبلية وعرة، وتحت خيولهم شظايا صخور تجعل الطريق صعبًا. على حصان أسود في أقصى اليسار الشيوعي خورخي بيليه، وعلى الحصان الأبيض إلى اليمين يوجد فيكتور بيانكي مفتش الأراضي بوزارة الداخلية. أما رجل المنتصف الملتحي، فهو يرتدي قبعة سوداء مع شريط حريري وحافة واسعة بما يكفي لتظليل عينيه، يدَّعي أنه عالم الطيور، وأن اسمه أنطونيو رويز، لكننا سنعرف لاحقًا أنه بابلو نيرودا. (2) يبدأ كل شيء في يناير 1949، حين يزور مبعوث هاري ترومان -الرئيس الثالث والثلاثين للولايات المتحدة الأمريكية- رئيس تشيلي غونزاليس فيديلا، ويحاول إقناعه بخطورة الإفراط في اليسارية على مستقبل بلاده، ويبدو أن الأخير اقتنع بما يكفي لأن يباشر في حظر الشيوعية بدموية وعنف شديدين. لا يحتمل صاحبنا -وهو واحد من أشهر شعراء العالم، وشيوعي عضو بمجلس شيوخ بلاده- ما وقع في حادثة إضراب عمال المناجم الشيوعيين من قمع دامٍ، أسفر عن اقتيادهم إلى معسكرات اعتقال سيئة السمعة. في خطابٍ بِاسْم: "أنا أتهم" يتلو نيرودا أسماء عمال المناجم الستمائة الذين تم سجنهم في معسكر الاعتقال واحدًا واحدًا، ويندِّد بممارسات الحكومة الفاشية، فيَصدر على إثرها أمر بالقبض عليه. (3) تبدأ شرطة التحقيق تفتيش منازل أصدقاء الشاعر المناضل ومعارفه والمتعاطفين معه، فيختبئ عند أحد المقاتلين الشيوعيين، والذي بدوره يتواصل مع رجل إسباني يدعى فيكتور باي ويخبره بالأمر. يتقدم الإسباني فيكتور المشهد، ويأخذهما إلى شقته، معتبرًا سلامة الشاعر وزوجته مسؤوليته الكبرى؛ في مقامه عند فيكتور، يتصفح نيرودا أطلس تشيلي، يتعرف منه على أسماء الغابات والأنهار والجبال والتي -لاحقًا- سيستخدمها في أشعاره وكتابه الذي سيقوم بنشره، وبجانب هذا، فقد راح يستغل فترة عزله في كتابة أبيات صغيرة مقفاة تلمز شخصيات مرموقة في النظام التشيلي، ويقوم فيكتور بنسخها على آلته الكاتبة في اثنتي عشرة نسخة لتصنع هذه الوريقات تأثيرًا عظيمًا؛ إذ كانت طريقة جسورة وغير مألوفة في ممارسة السياسة. (4) ومع تضييق الخناق -وبعد ثلاث محاولات فاشلة لتهريبه من البلاد- يستعين فيكتور بصديق يُدعى خورخي بيليه باستياس يتسم بالشجاعة والنبل والموهبة الفذَّة، وكان في ذلك الوقت رئيسًا ومديرًا لمنشرة خشب في جنوب تشيلي على الحدود مع الأرجنتين. وفي زياراته إلى سانتياغو لتدبُّر بعض الشؤون الفنية حول مناشر الخشب، يخبر فيكتور أن صديقًا شيوعيًّا يقيم لديه، ويريد مساعدته على الهرب؛ ليتحرر من احتمالية تعرُّضه للاعتقال، ويتفقا على التخطيط لخروجه بالتفصيل مستعينين بتلك المنشرة. وعندما أتى بيليه متخفيًا إلى بيت صديقه؛ ليصطحب الهارب المطارد يكتشف أنه بابلو نيرودا الشاعر المناضل المشهور. (5) يتحرك الجمع في إحدى الصباحات في سيارتين، في إحداهما بيليه مع نيرودا والدكتور راؤول بولنز -شرطي طبيب وصديق لنيرودا- والذي بحوزته أوراق اعتمادية استخدموها في عبور نقطة تفتيش للشرطة كانت على بُعد 80 كيلومترًا من جنوب سانتياغو، وعبروا بسلام دون مشاكل. يعود الدكتور بولنز وفيكتور بعدها إلى سانتياغو. بينما يصطحب بيليه الشاعر إلى منزله حيث من المفترض أن يُقيما لمدة أسبوع للراحة، ثم يمتطيا بغالًا إلى الجانب الأرجنتيني حيث قرية سان مارتن دي لوس أنديس، إلا أن زيارة مفاجئة تطرق الأبواب. فبينما نيرودا يقيم مع بيليه في منزله، يعلن خوسيه رودريغز عن قدومه، وهو مالك الأرض والمزرعة ومنشرة الخشب، وهو كذلك تاجر ورجل أعمال مرموق، وفوق ذلك، فهو من الدائرة المقربة لغابريل غونزاليس، الرئيس التشيلي آنذاك، والذي كان يرغب بشدة في النيل من نيرودا، مذعورًا، لا يجد بيليه مفرًّا إلا أن يُرسل نيرودا ليقيم في منزل أحد الفلاحين العاملين في المزرعة؛ ولسوء حظِّهما، وعلى عكس ما هو معتاد من زيارة رودريغز للمزرعة -والتي عادةً تستمر يومًا واحدًا فقط- فقد اعتزم هذه المرة أن يبقى لعدة أيام؛ نظرًا لسوء الأحوال الجوية والعواصف الضاربة التي سدَّت الطرق. وهكذا لا يبقى أمام بيليه سوى أن يعترف لرودريغز بأن نيرودا -العدو اللدود لصديقه رئيس البلاد، هو في حقيقة الأمر- هناك في مكان ما في مزرعته. وبنبلٍ وجسارة شديدين، يطلب رودريغز من بيليه أن يصحبه فورًا إلى منزل المُزارع الذي ينزل نيرودا لديه. وهناك يصيران صديقين حميمين. يبقى الثلاثة معًا في المنزل حتى تهدأ العاصفة. يتحرَّك نيرودا وبيليه إلى الجانب الأرجنتيني، بينما عاد رودريغز لاحقًا لسانتياغو، ولم يُخبر بما رأى. لكن يبدو أن الأمطار قد سدَّت عليهم الطرق، ولم يبق لهم طريق للفرار سوى عبر أخطر ممر للمهربين في جبال الأنديز. وهناك يلتقي الشاعر بمجموعة من المهربين وقطَّاع الطرق. لاحقًا يحكي نيرودا عن هذا النوع من التضامن والتكاتف الذي رآه في هذه العصبة المكوَّنة من رجال بائسين يحمي بعضهم الآخر. تجتمع مناجلهم ومعاولهم على شق طريقٍ واعرٍ غائر، ويتشاركون الطعام والقصص والتحمم في عين الماء الساخن. (5) يستقلا سيارة إلى بوينس آيريس، وهناك يتخلى نيرودا عن الاسم المستعار لعالم الطيور أنطونيو، ويستعير جواز سفر من ميجيل أنجيل أستورياس الحائز على جائزة نوبل في غواتيمالا، والذي كان نيرودا يشبهه بشكل طفيف، ويستقل أول طائرة محلِّقة إلى فرنسا. وبينما كان يعبر المحيط في أوائل عام 1949 متجهًا إلى باريس، تكتشف الشبكة التي قامت بتهريبه من وطنه لوحات طباعة لم يتم استخدامها لمدة 15 عامًا، فقاموا بطباعة طبعة محدودة من كتابه الذي انتهى من كتابته لتوه، وكان يحمل أوراقه معه طوال هذه الرحلة الشاقة. هذا الكتاب يُعتبر تحفة نيرودا الكبرى، والأشد معاداة للإمبريالية، والأكثر محاكاة للشاعر الأمريكي ويتمانسك، ويعد تأريخًا شعريًّا شاملاً لأمريكا اللاتينية يُروى بألسن المظلومين. (6) من فرنسا يسافر إلى إيطاليا ليجتمع بزوجته، لكن الشرطة الإيطالية تعتقله وتأمره بالمغادرة، لكنَّ حشودًا من محبيه يتظاهرون، وفي صباح اليوم التالي تنشر الصحف الإيطالية أن السلطات لم تجد مبررًا كافيًا لطرده. في الحقيقة كان المتظاهرون يقاتلون ضد فكرة أن تقوم الحكومة بطرد كاتب لم يرتكب مخالفة في إيطاليا، ومضطهد من قِبَل الحكومة الاستبدادية في بلاده. في الحقيقة كانت معركة ضد الظلم. ضد الطغاة أينما كانوا.

1179

| 01 مايو 2023

الحياة في دوائر

( 1 ) أسفل تل سان كريستوبال، وفي بيت أنيق تُغَشِّيه عروق التوت، ويُسمع فيه صوت هدير الماء القادم من قناة مجاورة، هناك في العاصمة التشيلية سانتياغو يجلس شاعر فائق الرومانسية اسمه: بابلو نيرودا. قبالته تجلس هي، صحفية تراوح الثلاثين من عمرها، وما أن ينتهيا من وجبة الطعام، حتى تتأهب لمحاورته. «يستحيل أن أسمح لكِ بمحاورتي، أنتِ أسوأ صحفية على وجه الأرض، تكذبين طوال الوقت، لا يمكنك أن تقولي الحقيقة. أنتِ تضعين نفسك دائمًا وسط كل شيء. لا يمكنكِ أن تكوني موضوعية. أنا واثق بأنه إذا لم يكن لديَّ ما أقوله فسوف تختلقين قصة ما. أأخبرك أمرًا؟ لماذا لا تتجهين إلى كتابة الأدب؛ إذ تصبح تلك العيوب كلُّها مميزات وفضائل؟» أما هي فكأن مطرقة أصابت رأسها. أما هو فقد توفي بعد هذا اللقاء بعدة أسابيع. أما بلدهما فيشهد عام 1973 انقلابًا عسكريًّا على يد بينو تشيه، ضدَّ حكم اليساري سلفادور ألليندي ابن عم والدها. ثم بعد عدة محاولات للتشبُّث بالوطنِ ورفضِ مغادرته، وجدت نفسها مجبرة على الرحيل، فكانت وجهة المنفى فنزويلا. (2) «لم يكن بوسعي اصطحاب الكثير؛ حقيبة صغيرة اعتنقت بداخلها ما تبقَّى لي من ثياب، صور عائلتي، حقيبة أخرى متسخة من حديقتي، ونسخة عتيقة من أشعار باولو نيرودا. وفي نيتي أنِّي أحزم قطعةً من تشيلي، وكان نيرودا تحفةً أخرى من هذه التحف، وحلمًا آخر تشظَّى ذلك الصباح». (3) تعيش المنفى في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، تلتحق بمدرسة كمعلمة. مهنة جديدة بالنسبة لها. في قاعة درسها ما يربو على خمسة عشر طفلاً، كأنهم شياطين، ضجيج وصراخ ومقاعد تطير في الهواء، تكاد أن تبكي، إلى أن تدخل الفصل سيدة بدينة، بيدها مكنسة ودلو، سرعان ما تخلت عنهما، وراحت تحكي للأولاد قصة، وكأنها لحظة سحرية، فقد ساد الهدوء فجأة، وراح التلاميذ ينصتون لها، وكأن على رؤوسهم الطير، ويبدو أن صاحبتنا المعلمة الجديدة اعتبرت الأمر كأنه إشارة لها أن.. تحكي الحكاية. (4) في كاراكاس -أيضًا- تتلقى مكالمة من عائلتها يخبرونها أن جدها البالغ زهاء مائة عام يحتضر، تستجمع نفسها لتكتب له رسالة؛ أملاً أن تبقيه -هو أو روحه على الأقل- على قيد الحياة، لاحقًا تصبح هذه الرسالة كبذرة لأول رواية لها، تصدر عام 1983، وتمنحها اسم: «بيت الأرواح» الذي كانت تنتوي به طرد أشباح ديكتاتورية بينو تشيه. فرِحة ونادمة في ذات الوقت من أن إطلاق روايتها الأولى قد استغرق كل هذه السنين، منذ نصيحة نيرودا لها. وهكذا استطاعت أن تكتشف صوتها الخاص كروائية في الأربعين من عمرها، لتبدأ مهمتها الأصعب من خلال كتابة روايتها الثانية: «الحب والظلال». وقد وضعت في اعتبارها ما ذكرته لها وكيلتها الأدبية: «الجميع بإمكانه تأليف كتاب أول جيد؛ لأنهم يضعون فيه كلَّ ما في حوزتهم، ماضيهم وذكرياتهم وتوقعاتهم. الكاتب الحقيقي يُثبت نفسه في الكتاب الثاني». تُصدر كتابها الثاني والثالث إلى السابع والعشرين. (5) كثرٌ يتلقون الصدمات فينهارون. كثرٌ يسمعون النصيحة فلا يكترثون. كثرٌ تمر بهم الإشارات فلا يفهمون. كثرٌ يئدون أحلامهم إذا ما كبروا. كثرٌ يعجزون عن اكتشاف صوتهم الخاص. إيزابيل ألليندي لم تفعل ذلك. (6) «نحن لا نعيش الحياة في خط مستقيم،‏ بل نعيش الحياة في دوائر، نعتقد أن السنين تُبعدنا عن الشيء، ثم نتفاجأ بأننا كنا في رحلة طويلة للعودة إليه». «لستُ أدري في أي منعطف على الطريق أضعت الشخص الذي كُنته فيما مضى». «ليس من الحكمة الوثوق بالعقل وبحواسنا المحدودة فقط لفهم الحياة، هناك أدوات أخرى للإدراك، كـ: الغريزة والخيال والأحلام والعواطف والحدس». «جميعنا لدينا في داخلنا احتياطي مؤكَّد من العزيمة يتكشَّف عندما تُخضعنا الحياة لمحنها». «لا أحد يمنحنا شيئًا، بل إن الأشياء تُؤخَذ عَنوة. ولو سهوت، انتُزِعَت من بين يدَيْك انتزاعًا». «أكتبُ لأجلو الأسرار القديمة في طفولتي، ولتحديد هُويتي، ولأخلق أسطورتي الخاصة». «أعتقد أنه يمكن تجربة الحبِّ والفرح في أي عمر؛ لقد أتممت الثمانين، ولا زال لديَّ نفس القدْر من الطاقة والفضول الذي كان لديَّ قبل ثلاثين سنة». (7) إيزابيل ألليندي واحدة من أبرز كاتبات أمريكا اللاتينية، بل ومن أكثر الكتَّاب قراءةً في العالم، وهي من الأسماء التي تمَّ ترشيحها لأكثر من مرة لنيل جائزة نوبل. تُرجمت أعمالها إلى 42 لغة عالمية، وبيع منها أكثر من 75 مليون نسخة، كما نالت أكثر من 60 جائزة في 15 دولة. الحمد لله أنها أنصتت لنصيحة من صدمها.

1308

| 24 أبريل 2023

فن الموت!

(1) كان ذلك صباح يوم الحادي عشر من فبراير (شباط) لعام 1963. تنهض في السابعة صباحًا من نومها الذي لا نعرف هل نالت حظًّا منه تلك الليلة أم لا، تعمد إلى المطبخ، تحضِّر بضع شرائح خبز وحليب وزبد، تصعد إلى غرفة صغيريها، تترك الطعام بجوارهما، وتحضِّر بطانيات إضافية إلى غرفتهما؛ إذ إن الطقس في ذلك اليوم كان شديد البرودة. ورغم ذلك تفتح النافذة على آخرها، تغادر الغرفة، وتغلق الباب من ورائها، ولمزيد من الحرص، تُحكم سدَّ حواف باب الغرفة بشريط لاصق، تترك ورقة صغيرة في عربة الأطفال تتضمن طلبًا مهذبًا بالأحرف الكبيرة، ترجو فيها الاتصال بالطبيب الذي كتب لها وصفة المهدئات. تعود إلى المطبخ، تحديدًا إلى الموقد وتشغِّل الغاز، تفتح الفرن، وبهدوء تقحم رأسها بداخله في استسلام تام؛ ليغزو أول أكسيد الكربون رئتيها ببطء وقسوة، وسرعان ما تلفظ آخر زفراتها وتموت. (2) كل مرة أقرأ حكايتها، أكسب حكمة ما، هذه المرة تخيلت أنها تحذِّرني من الوقوع في فخ البحث عن الكمال، وأنَّ على المرء ألا يطلب كل شيء، وأنه مطالب دومًا أن يختار، وأن الاختيار ربما هو أصعب ما يواجه الإنسان منَّا في الحياة. كَتبتْ تحت عنوان: «الناقوس الزجاجي» ملخصًا لتجربتها في هذه الدنيا التي لم تتجاوز ثلاثين عامًا: «رأيت حياتي تتكشف أمامي مثل أغصان شجرة التين الخضراء، عند طرف كل فرع ثمرة تين أرجوانية تلوح لي وتناديني وتعدني بمستقبل واعد، إحدى حبات التين تمثل زوجًا وبيتًا سعيدًا وأطفالاً، وحبة أخرى كانت تمثل شاعرة مشهورة، والثالثة معلمة لامعة، وأخرى وأخرى، حبات لم أستطع عدها، وفي النهاية وجدت نفسي أتضور جوعًا، فقط لأنني لم أستطع تحديد الحبة التي أريد اختيارها، كنت أرغب فيهم جميعًا، واختيار واحدة فقط يعني خسارة كل الآخرين». (3) على عكس ما يعتقد الناس، ليس سهلاً أبدًا أن تكون موهوبًا، أن تعمل بنصيحة أمك - وأنت طفل - فتكتب مذكراتك اليومية، وأن يكون ذلك في المستقبل القريب فاتحة لك في عالم الأدب والشعر، وأن تبلغ التاسعة من عمرك فتجد من حولك يندهشون مما تكتب، ويقومون بنشره؛ المدرسة، وحتى بعض الصحف المحلية. ليس سهلاً أبدًا أن تكون في عالمنا هذا امرأة ذكية وشجاعة وعصامية، تكره القيود، وتقدِّس الحرية، ومهمومة بالكمال.تخوض في الحياة بقسوة، تتدرج في سلَّم الشهرة، تكتب، وتكتب، وتحتل مكانتك الأدبية بجدارة، وأنت ما زلت شابة. (4) تستطيع أن تصنع نفسك، فتحصنها جيدًا ضد صواريخ الحياة، تبني طبقة عازلة تحميك من ضجيج العالم، تزينها من الخارج، وتنظم سكانها من الداخل. نعم تستطيع أن تصنع نفسك، أن تتحكم فيها، لكن لا تستطيع أن تفعل ذلك مع الحياة، لا تستطيع أن تمنع الموت أن يختار أباك، حبك الأول، وأنت في الثامنة من عمرك، فتلوم أمك وكأنها المسؤولة، وتقضي ما تبقَّى من حياتك القصيرة تبحث عن هذا الأب الضائع. وأن تعاني من الكآبة والانهيار العصبي، ويدخلوك المصحَّات العقلية، ويعالجوك بالصدمات الكهربائية. ورغم ذلك تزداد شهرتك، بل تستغل أزمتك فتكتب روايتك الوحيدة: Bell Jar، معتمدًا على أحداث حياتك العاصفة، كأنك ما زلت تعمل بنصيحة أمك في كتابة مذكراتك، فضلاً عن الشعر الذي سيجمعونه بعد رحيلك، ويهدونك جائزة بوليتزر كأول شخص ينالها بعد وفاته. وإن كان ذلك كله يحتمل، فإن الخيانة لا تحتمل أبدًا من شريك الحياة الذي أنجبت منه طفليك، هذا الذي طالما اعتبرته أعظم شاعر بريطاني، فضلاً عن أنه أعظم رجل على الإطلاق. (5) «ما الذي كنت أنتظره من امرأة عضَّتني في أول لقاء لنا، بدل أن تقبِّلني». «من عرفها ظاهريًّا لم يكن ليتكهَّن أبدًا بأنها تخفي داخلها مقاتلة شرسة، وأنها أكثر بكثير من فتاة أنيقة ترفع شعرها ذيل حصان، أو من تلك الصبية التي توحي بها لأول مرة، كانت أكثر تعقيدًا من ذلك». هذا ما دافع به عن نفسه الإنجليزي الشهير تيد هيوز، وكأنه ينفي أن يكون هو سبب انتحارها بعد أن التقيا وكانت طالبة بعد، ووقعا في الغرام وتزوجا عام 1956، ورزقا بطفلين فريدا ونيكولاس. تيد هيوز الذي يُعد كأحد أفضل شعراء جيله، وأحد أعظم الكتَّاب في القرن العشرين، تركها بعد ست سنوات لأجل امرأة أخرى، وبذلك أصبح هو الرجل المتهم الملعون، خصوصًا وأن امرأته الثانية -آسيا فيفل- انتحرت عام 1969 بالطريقة نفسها، أي: بالغاز، منهية - أيضًا- حياة ابنتهما شورا، ذات الأربع سنوات. في رواية بعنوان: «أنت قلت»، تحكي الكاتبة الهولندية كونى بالمن قصة هذين الحبيبين الشهيرين، منذ التقيا طالبيْن؛ لتكون المرة الأولى التي تسرد الحكاية من وجهة نظر هيوز الذي توفي عام 1998، والذي ظلَّ صامتًا خلال 36 عامًا منذ حادثة الانتحار، وكأنها تمنحه فرصة أخيرة للدفاع عن نفسه. (6) في دفتر يومياتها كتبت في يوليو عام 1950: «لن أكون سعيدة أبدًا ربما، لكني الليلة راضية، لا شيء سوى منزل فارغ، إرهاق غامض دافئ من يومٍ قضيته في زرع براعم الفراولة في الشمس، قدح من لبن حلو بارد، وصحن من حبوب العنب المغمورة بالقشطة، أدرك الآن كيف يعيش الناس من دون كُتب، من دون مدرسة، حين يكون المرء تعبًا في نهاية اليوم عليه بالنوم، فيواصل العيش قريبًا من الأرض، في أوقاتٍ كهذه أكون حمقاء لو طلبت المزيد».مصابة دومًا بالاكتئاب، حزينة على خساراتها في الحياة، وعلى عوائق تمنعها من تحقيق أحلامها بالكمال.«حررني من الطهي ثلاث مرات في اليوم، حررني من قفص الروتين والعادة الذي لا يرحم، أحب الحرية، وأكره كل القيود، أنا قوية، أعتقد أنني أود أن أُطلق على نفسي اسم: الفتاة التي أرادت أن تكون الإله». (7) في بوسطن ولدت سيلفيا بلاث في 27 من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1932، وتُوفيت منتحرة عام 1963، بعد وفاتها كُرِّمت كثيرًا، وأثارت من الجدل الكثير، لكن من المؤكد أن هذه الشاعرة والأديبة الأمريكية، كانت صادقة تمامًا حين كَتبت: الموتُ فنٌّ، ككل شيء آخر، وإني أتقنه تمامًا.

1056

| 17 أبريل 2023

صندوق بريد - 1

من أين نبدأ تقول الرسالة: لأسباب يطول شرحها فُصِلت من كليتي، وخرجت إلى الحياة، حاولت وحاولت، لكن للأسف، تجاوزت الأربعين من عمري، ولم أحقق شيئا ذا أهمية، حزين على حالي، نادم على ما ضاع، خائف مما هو قادم، تعتريني رغبة دائمة في أن أبدأ من جديد، لكن هناك ما يشدني إلى الخلف، فماذا أفعل؟ السلام عليكم! كلما حاولت الإجابة عن هذه الرسالة لا أجد إلا لغة الأرقام. عمرك حوالي الأربعين، وقد تعيش إلى ما بين السبعين والثمانين، أي أنك تقريبا في منتصف عمرك، فهل تريد أن تعيش نصف عمرك الآخر، نادما ويائسا وحزينا، هل تعتقد أن هذا منطق مقبول؟ أنت تعيش الآن الندم على اللحظة الفائتة، لكنك، إن لم تفعل شيئا، ستعيش الندم مجددا على اللحظة الحاضرة، التي تضيعها في الندم. ما هو النجاح الذي تسعى إليه، إن كل تصوراتنا عن النجاح تقليدية كلاسيكية، فنفترض أن النجاح يبدأ من نقطة محددة، ليصل إلى نقطة محددة، وفق مسار اعتاده المجتمع. على سبيل المثال، تبدأ الدراسة المتوسطة، فالدراسة العليا ثم تلتحق بوظيفة وتتدرج فيها، وهكذا تصبح في نظر المجتمع ناجحا، فإذا لم تلتزم بهذا المسار، وهذا المعيار للنجاح فأنت في نظر المجتمع فاشل. تقييمنا للنجاح مرتبط بتقييم الناس، فنرى ما يراه الناس، ونفعل ما يرغبون منا أن نفعله، ونضيع حياتنا في ذلك. لماذا لا يصنع المرء منا عالمه الخاص بنفسه، يحدد فيه قواعده، ونوع النجاح الذي يرغب به، لا الذي يرغب به من حولنا، النجاح الذي يناسب قدراتنا، ويتجنب نقاط ضعفنا. الذي يناسبك، لا يناسب غيرك، والذي يناسب غيرك لا يناسبك، فلا تفرض مقاييسه عليك، ولا تفرض مقاييسك عليه. نعم تستطيع دائما أن تبدأ من جديد، وهو أمر ليس سهلا، ستهجم عليك مشاعر سلبية، من يأس وإحباط، مثل طفل يحاول أن يقف فيقع، هذه مشاعر طبيعية، لكن لا تستسلم لها، الاستسلام هو الأمر غير الطبيعي. أتعرف أن الفارق بين الناجح والفاشل، هو أن الأخير استسلم لمثل هذه المشاعر، فيما الأول لم يفعل، بمعنى أن الاثنين تعرضا لنفس المشاعر، ونفس الإحباطات، ونفس العوائق ربما، لكن الناجح استمر، غير مكترث بذلك، غير معلن لاستسلامه. حتى تبدأ من جديد، يجب أن تتسلح بما يكفي لخوض معركتك. ثق بنفسك وبقدراتك، وسر بخطوات ثابتة، ولا تتلفت أو تلتفت إلى الخلف، فقط انظر إلى الأمام، مؤمنا بأن لك مهمة ودورا في الحياة عليك أن تؤديه. لم يخلقنا الله عز وجل عبثا، حاشاه، لكل إنسان منا قدراته التي عليه أن يكتشفها، ودوره في الحياة الذي عليه أن يؤديه. خض في الأمر وعش في الحاضر وكأنك ولدت من جديد. لا تكترث لفكرة العمر، تستطيع أن تبدأ من أي عمر، على أن تنتبه لما يناسب عمرك، وهذا كلام عملي وصحيح، لكنه ليس سهلا، ويحتاج إلى إرادة وحسن تخطيط حتى يتحول إلى واقع. ومن المهم ألا تقارن نفسك بالآخرين، فلكل ظروفه وأحواله، وإن لم تعرف من أين تبدأ، ابدأ من أي نقطة تراها أنها الأفضل، حتى ولو كنت غير متأكد، ابدأ، ثم صَحِّح مسارك.

744

| 10 أبريل 2023

من كسر الأجنحة؟

(1) يُحكم على الأب بالسجن، تبيع الأسرة ما تملك من متاع وأوانٍ متهالكة؛ حتى توفر ما يمكنها من نفقات السفر؛ لتحل في واحدة من أقدم وأضيق الأحياء في البلد الجديد، والمسمى بـ: حيِّ الصينيين. تمر الأيام، والأم والأخت تمران على البيوت، تعملان وتخيطان الثياب، بينما يفتتح أخو الحكيم متجرًا صغيرًا، أما الحكيم نفسه - ذلك الفتى الصغير - فإنه يُسجل في صفوف المهاجرين؛ ليتعلم الإنجليزية، وهناك يُظهر اهتمامًا ملحوظًا بالرسم، ويتردد على مؤسسة خيرية ملقيا دروسًا في هذا الفن، تلفت موهبته الفذة أنظار روادها، والسيدة المرموقة جيسي ذات النفوذ ليست استثناء، تعرفه بدورها على مدير لدار للنشر، والذي قدمه هو الآخر إلى أصدقائه. يقع الفتى الغرُّ فريسة لزوجة أحد التجار الكبار، تبلغ من العمر ضعف عمره المراهق الجموح، يثير حفيظة أسرته الشرقية هذا الانفتاح والتردد المتكرر على تلك الأوساط المرموقة، خصوصا مع تراجع اهتمام الفتى بالتصوير وتلقي العلم الذي لأجله يطرقون الأبواب ويخيطون الثياب ويتكففون ما يسد جوعهم. ولربما خشيت «كاملة» الأم المحافظة أن تنجرف قدما صغيرها إلى الثقافة المغايرة ويتجاهل تراثه العربي ويهمل لغته، فتقرر العودة إلى بلادها؛ ليداوم الفتى في مدرسة مسيحية؛ ليدرس هناك العربية، ويتعرف على كوكبة من المبدعين والأدباء والفنانين. (2) في أحد الصباحات الخريفية من عام 1898، يسير صاحبنا من قريته قاصدًا مدرسته في بيروت، تقع عيناه على فتاة لا يعرف أنه سيخلد حكايتهما لاحقًا في واحد من أشهر كتبه، والذي سيحصد له شهرة منقطعة النظير. إنها «حلا»؛ الحسناء اللبنانية ابنة الشيخ طنُّوس ذات السبعة عشر عامًا سليلة الأسرة الثرية، يخفق قلب الفتى البكر لها، يتطور ما بينهما، وتستضيفه تكرارًا في بيت عائلتها الفخم. لا تسير الأمور على خير أو بالرومانسية التي يتمناها الحبيبان؛ إذ يكتشف أخوها مقابلاتهما في المنزل، فيمنعها من رؤيته، ويبلغ الفتى رفض العائلة الاقطاعية له، واستحالة علاقته بابنتهم. هي تنسل من عائلة متيسرة ذات نسب وحشم، بينما والد الفتى كان راعيًا للماشية، فقد عمله؛ لانشغاله بالقمار ومعاقرته الخمر وغرقه بالديون، وأُلقي -لاحقًا- بالسجن. وبينما تربت هي في أسرة موسرة يخدمها الخدم، نشأ هو في فاقة وحول نوبات وعربدة أبيه السكير، ورغم الرفض، لم يتوقف العاشقان الصغيران عن اللقاء في غابة أحد الأديرة. لم يكن الفارق بينهما بسيطًا؛ ففي هذه الحقبة بالذات -التي يلفظ القرن التاسع عشر فيها أنفاسه- تشهد البلاد ظلامًا وحرمانًا عظيمين؛ فقد كانت البيئة الاجتماعية حينها تقر تمايزًا طبقيًّا، وتعتمد إقطاعية ضارية زادت الفقير فقرًا والثري ثراء، هذا بالطبع وما تبعه من تعصب طائفي، فيما هما لا يعنيان سوى بحبهما الوليد، ولا يحسبان لشيء حسبة. (3) مرَّرت هذه البيئة السامة المظالم واحدة تلو الأخرى، ولم تكن لترأف بقلب صاحبنا، الذي يواجه الآن نوعًا مختلفًا جديدًا من الظلم الذي يعرفه ويعتاده ووُلِد فيه. ظلم سلبه حبَّه الصغير، وشحن ثورته على المظالم الانسانية والتمايز الطبقي؛ لتشكل مسار حياته منذ تلك اللحظة وحتى يموت. أسابيع قليلة مرت منذ أن رفضته الأسرة الموسرة لفقره وردته عن الأبواب. يلتقي الفتى محبوبته ويبث إليها ما يلقى، وتنتهي أفكاره اليائسة بأن يهربا معًا، كأنما يتعلق بآخر أمل، لعل هناك أرضًا ما قد تسعهما دون اعتبارات المادة. «إذا قطفت ثمرة نيئة من شجرة، فسوف تؤذي كلا من الثمرة والشجرة» بتلك الكلمات ترده حلا، وينكسر قلب صاحبنا، وتدفن الحكاية في أولها. (4) كانت تناديه أمُّه: «ملاكي». وسأَلَتْه يومًا: أين جوانحك؟ قال: جوانحي منكسرة! (5) العام 1912، هو العام العاشر منذ انكسار فؤاد صاحبنا، لكنه العام الذي يُطلق فيه للنور روايته الكبرى: «الأجنحة المتكسرة» لتكون من أشهر كتبه بالعربية وأذيعها صيتًا. يستوحي حكايتها من قصته مع حبيبته القديمة حلا، لكن اليوم يمنحها اسم: «سلمى كرامة»، ويكون هو بطلها، كأنما يعيش ذات السرد مرتين. (6) «في تلك السنة ولدتُ ثانية، والمرء إن لم تحبل به الكآبة ويتمخض به اليأس، وتضعه المحبة في مهد الأحلام، تظل حياته كصفحة خالية بيضاء في كتاب الكيان». «في تلك السنة شاهدت ملائكة السماء تنظر إليَّ من وراء أجفان امرأة جميلة، وفيها رأيت أبالسة الجحيم يضجون ويتراكضون في صدر رجل مجرم، ومن لا يشاهد الملائكة والشياطين في محاسن الحياة ومكروهاتها يظل قلبه بعيدًا عن المعرفة، ونفسه فارغة من العواطف». «إن المحبة الحقيقية هي ابنة التفاهم الروحي، وإن لم يتم هذا التفاهم بلحظة واحدة، لا يتم بعام ولا بجيل كامل». «المحبة هي الحرية الوحيدة في هذا العالم؛ لأنها ترفع النفس إلى مقام سامٍ لا تبلغه شرائع البشر وتقاليدهم، ولا تسود عليه نواميس الطبيعة وأحكامها». «أيُّ فتى لا يذكر الصبيَّة الأولى التي أبدلت غفلة شبيبته بيقظة هائلة بلطفها، جارحة بعذوبتها، فتَّاكة بحلاوتها». ليكن وداعنا هائلاً عظيمًا مثل حُبِنا. (7) ظلَّت «حلا» تحتفظ بتذكارات فتاها إلى آخر أيام حياتها، كأعز أثر من أعز حبيب، وآثرت أن تظل عانسًا، إلى أن تتوفى عمياء في منتصف عام 1955، فيما لا يزال حبها لجبران مشتعلاً في قلبها. أما فتاها الحكيم، جبران خليل جبران، الكاتب والشاعر والرسام، فقد عده العالم رائدًا من رواد النهضة العربية، أثرى الأدب بمؤلفاته وقيمه التي أثرت بملايين الأشخاص حول العالم.

1062

| 03 أبريل 2023

إحياء مبدأ مونرو.. تخلٍّ عن الهيمنة أم حفاظ عليها ؟
إحياء مبدأ مونرو.. تخلٍّ عن الهيمنة أم حفاظ عليها ؟

في ديسمبر 2025، أصدرت إدارة ترامب وثيقة الأمن...

1557

| 04 يونيو 2026

«مرثية» وداعية.. في رحيل العطية.. "بوحمد".. عنوان النزاهة.. ورمز الشفافية
«مرثية» وداعية.. في رحيل العطية.. "بوحمد".. عنوان النزاهة.. ورمز الشفافية

.اسمه ارتبط بالتحول التاريخي الإيجابي القطري في مجال...

1440

| 04 يونيو 2026

الحج بين روح العبادة وضجيج المظاهر!
الحج بين روح العبادة وضجيج المظاهر!

• انقضى موسم الحج لهذا العام، ونجحت المملكة...

1317

| 03 يونيو 2026

من استبد برأيه هلك
من استبد برأيه هلك

ما أهلك فرعون سوى عقله المتحجر المتصلب، وبالمثل...

885

| 04 يونيو 2026

كيف نقلل أهمية مضيق هرمز؟
كيف نقلل أهمية مضيق هرمز؟

السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد...

810

| 07 يونيو 2026

بين جيل الشاشات وجيل الذكريات.. من صنع الفجوة؟
بين جيل الشاشات وجيل الذكريات.. من صنع الفجوة؟

في كل بيت تقريبًا، مشهد متكرر لحوار صامت...

711

| 07 يونيو 2026

رثاء في أخي عبدالعزيز
رثاء في أخي عبدالعزيز

أكثر من ستة أشهرٍ مضت يا أخي وما...

702

| 07 يونيو 2026

لا تُضيعوا الصلاة حتى لا تَضيعوا
لا تُضيعوا الصلاة حتى لا تَضيعوا

لقد أضاع الكثيرون طريق المساجد وأصبح العزوف عن...

657

| 08 يونيو 2026

من بناء القدرات إلى بناء القواعد.. ملامح السيادة التقنية
من بناء القدرات إلى بناء القواعد.. ملامح السيادة التقنية

لا تُبنى التحولات الكبرى بالتكنولوجيا وحدها، بل بالقواعد...

615

| 03 يونيو 2026

حين يتكلم الصمت.. تصل الطفولة إلى العالم
حين يتكلم الصمت.. تصل الطفولة إلى العالم

في لحظة ما، لا تعود الطفولة مجرد مرحلة...

603

| 07 يونيو 2026

طالت وتشمخت!
طالت وتشمخت!

يحمل العالم الافتراضي في مواقع التواصل الاجتماعي الكثير...

582

| 07 يونيو 2026

من ثقافة التدشين إلى ثقافة الأثر
من ثقافة التدشين إلى ثقافة الأثر

قد تنتهي حفلات التدشين، وتنطفئ الأضواء، وتُطوى منصات...

570

| 07 يونيو 2026

أخبار محلية