رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أديب وثلاث زوجات

(1) كما جرت العادة يدعو الأب إلى بيته وُجهاء القرية، يأتي كلُّ واحد منهم يحمل بين يديه جرَّة ذات بطن من صنع خزَّافي بلخاريا، يجلسون في وقارٍ ورزانةٍ في أنحاء البيت، وكأنَّ عليهم أن يقرِّروا مصير بلد بأكمله. يُولد الحكيم، فتسلِّمه أمه إلى واحد منهم، ذي رأس ولحية أبيضين كالثلج، تطلب منه أن يسمِّيه، يرفعه الشيخ عاليًا ويقول: «اسم البنت يجب أن يُشبه بريق النَّجمة أو لُطف الزهرة، واسم الرجل يجب أن يتجسَّد فيه صَليل السيوف وحِكمة الكُتب، لقد عرفت الكثير من الأسماء، وأنا أقرأ الكتب، لكنَّ كتبي وسيوفي تهمس لي الآن باسم: (رسول)». وهكذا يُطلق على الطفل اسم: «رسول»؛ تيمُّنًا باسم رسولنا صلى الله عليه وسلم، في أسرة كانت تتوارث تعلُّم اللغة العربيَّة وتلاوة القرآن الكريم. (2) كان ذلك في الثامن من سبتمبر (أيلول) عام 1923 عندما وُلد رسول حمزاتوف، في قرية «تسادا» الواقعة في داغستان، لأب كان يَنظُم الشعر باللغتين الآفارية والعربية. يبلغ الثانية والعشرين من عمره فيسافر إلى موسكو، ويلتحق بمعهد غوركي للأدب، ومعه القليل من كتبه باللغة الآفارية، ومبلغ زهيد من المال، يدرس اللغة الروسية، ومن خلالها يتعرَّف إلى الأدب العالمي عامَّة، وإلى الأدب الروسي على وجه الخصوص. ينضم بعد تخرُّجه إلى المعهد نفسه بوصفه مدرِّسًا للآداب، ثم يُعيَّن نائبًا بمجلس السوفيت الأعلى ورئيسًا لاتحاد كتَّاب داغستان. في رحلته الحياتية يُصدر أكثر من أربعين عملاً أدبيًّا أغلبها مكتوب باللغة الآفاريَّة، باستثناء دواوينه الثلاثة الأخيرة فهي باللغة الروسية. يحلو له أن يشبِّه مراحل شعره بثلاث زوجات: أما الأولى: فهي قاسية وعنيدة؛ وهي الحقبة الستالينية التي لم تعرف الرحمة، ورغم عناد هذه الزوجة وقسوتها، فقد كانت الحياة في كنفها آمنة ومهيبة. والثانية: جميلة وثملة بحريتها وانطلاقها. والثالثة: هي الزوجة المنشودة التي يبحث عنها الجميع، وهي عادلة وهادئة كما وصفها في قصيدة (الصندوق الأسود)، وفيها كل ما هو خفيٌّ ومثير في حياة الشاعر حمزاتوف. (3) أعرف أنه في أعماله يستدعي الحكمة، ويستخدم الفكاهة السوداء؛ لذا أعددت أسئلتي جيدًا، وأنا أتخيل أنني سألتقي به، وأستمد إجاباته من كتابه الشهير: «بلدي». - ما العملُ؟ كلَّما راقَتْ لي فكرةٌ خَشِيتُ ألا تكتملَ فَأُعْرِضَ عنها. إذا فكَّرْتَ فكأنكَ حَمَلْتَ. الطفلُ سيولَدُ حتمًا، عليكَ فقطْ أنْ تحمِلَهُ، كما تحملُ المرأةُ الجنينَ في أحشائِهَا، ثمَّ تَلِدُهُ بِعَرَقِ جبينِهَا وبالآلامِ. لا تُخبِّئْ أفكارَكَ؛ إذا خبَّأْتَهَا فستَنْسى فيما بعدُ أينَ وضَعْتَهَا. أليستَ هذهِ حالَ البخيلِ؛ ينسى أحيانًا المخبأَ الذي وضعَ فيهِ نقودَهُ فيخَسَرَهَا؟ - لكنْ هلْ يجوزُ للمرءِ أنْ يحمِلَ أفكارَ الآخرينَ؟ يجبُ أنْ يكونَ للإنسانِ مَوْقِدُهُ يُشعِلُ فيهِ النارَ بنفسهِ. المُمتَطِي جوادَ غيرِهِ سينزِلُ عنهُ طالَ الوقتُ أمْ قَصُرْ، وسيسَلِّمُهُ لصاحبِهِ. لا تُسرِجُوا أفكارَ الآخرينَ، بلِ ابْتكرُوا لأنفسِكُمْ أفكارًا خاصةً. - لكنَّنِي أشعرُ بالحرجِ أحيانًا؛ ذلكَ أنَّ بعضَ أفكارِي قدْ تَخُصُّ أمورًا صغيرةً جدًّا. الفرقُ بينَ الإنسانِ العظيمِ والإنسانِ التافهِ أنَّ التفاهةَ تستطيعُ أن ترى الأشياءَ والظواهرَ الكبيرةَ وَحدَهَا، ولا تلاحظُ أيَّ شَيْءٍ قريبٍ منها، أمَّا الإنسانُ العظيمُ فيستطيعُ أن يرَى ما هوَ كبيرٌ وما هوَ صغيرٌ على حدٍّ سواءٍ، ويستطيعُ أنْ يرى حتى في أصغرِ الأشياءِ أكبرَهَا ويُبرِزَهُ للناسِ. - وهلْ منْ حدٍّ للفكرةِ؟ لا تُمسِكْ حجرًا لا تستطيعُ رَفْعَهُ، ولا تَبلُغْ في سباحَتِكَ مكانًا لا تستطيعُ العودةَ منهُ، ولا تفتَحْ بابًا لا تستطيعُ بعدَ ذلكَ أنْ تَسُدَّهُ. - لكنْ ما رأيُكَ في أنني أُكثِرُ منْ خِيَاراتِي حتى أَنْتَخِبَ أفضلَهَا؟ كلَّما اتسعَ المُمكِنُ عَسُرَ الاختيارُ. - بعضُ أفكاري نِتاجُ عواطِف جَيَّاشَةٍ.. أتعتبر ذلك عيبًا؟ إنَّ العبقريةَ تتغذَّى بالعواطِفِ الإنسانيةِ القويةِ، منَ الْحبِّ والكُرْهِ؛ كالنارِ التي تتغذَّى بالحطبِ اليابِسِ، بِعِ الحقلَ والبيتَ وَافْقِدْ كلَّ ما تَملِكُ، لكنْ لا تَبِعِ الإنسانَ فيكَ ولا تَفْقِدْهُ. - غيرَ أنِّي سمعْتُ أنَّهُ يجبُ أنْ يكونَ للقلبِ حُدُودُهُ وقَانونُهُ؟ القلبُ لا يَعرفُ قانونًا، أو على الصحيحِ إنَّ للقلبِ قوانِينَهُ التي لا تُنَاسِبُ الناسَ جميعًا. وماذا إذا أصابني التردُّد؟ سَمِعَت منَ الْإمامِ شامل: مَنْ فَكَّرَ قَبْلَ المعركةِ في نَتَائِجِهَا فليسَ شُجَاعًا. الحياةُ لها حدودٌ، إِنَّهَا قصيرةٌ. أمَّا الأحلامُ فلا تَنتَهِي، تستطيعُ بمفتاحٍ صغيرٍ أنْ تفتحَ صُندُوقًا كبيرًا، اِسمَعْ: النارُ في صَدرِكَ يَجِبُ أنْ تُحافِظَ عليها تمامًا كما تحافِظُ على نفسِكَ مِنَ النَّارِ الخارِجيةِ. - قلتُ بفخرٍ: لا تُلْقِ هَمًّا، أنا أستطيعُ أنْ أُنْجزَ ما أُرِيدُ، أنا بِوُسعي أنْ.. قوةُ الثَّورِ لا تُعرَفُ بِخُوَارِهِ، بَلْ بِعَمَلِهْ. (4) في قصائده الأخيرة يعترف رسول حمزاتوف بذنوبه، ويسأل الله المغفرة، وقد أصابته في آخر حياته أمراض خطيرة جعلته طريح الفراش سنوات عديدة، وقد تحمَّلها بصبر، غير أنه لم يتمكَّن من تحمُّل غياب زوجته فاطمة التي كانت ملاذه في سنين الشيخوخة القاسية. يرحل الحكيم في 3 نوفمبر 2003 عن عمر يناهز الثمانين عامًا، بعد أن كان يردِّد: «حياتي مُسوَّدة، كنت أتمنى لو أن لديَّ الوقت لتصحيحها»، ويُدفن إلى جانب زوجته في مقبرة إسلاميَّة صغيرة في سفح جبل تاركي تاوو.

858

| 27 مارس 2023

المتمرد الرومانسي

(1) الصباح الباكر من الثالث والعشرين من آذار مارس لعام 1983. البناية رقم 14 بشارع حسن كيكيتش بالعاصمة سراييفو. تصعد قوات الأمن إلى الطابق الثالث وتطرق بقوة باب الشقة. يفتح الحكيم بابه مندهشا، فيتدفق عشرة من أفراد الشرطة السرية إلى الداخل. دقائق ويتحول المكان إلى فوضى عارمة وكأن المغول مروا من هنا. تصل ابنته في اللحظة المناسبة. يقتادونه إلى خارج البناية. عند الدور السفلي يتذكر فيصيح في ابنته أن يقوموا بطباعة كتابه كما كان مقررا. (2) هل تعرفون «المسرح الهمجي»؟ يتكون من طاولة يجلس عليها القضاة، وواحدة أخرى للمدعي العام، فوقهم صورة للزعيم اليوغسلافي «تيتو»، الراحل قبل فترة، الحي في نظرهم، وكأن الناس عادت إلى عبادة الأصنام. القاضي والمدعي العام والجميع مجرد ممثلين، يؤدون أدوارا رُسمت لهم من قبل، لن يستمع أحد منهم إلى الأدلة والبراهين المبرئة، لن يحاول أحد منهم فهم حقيقة الأمر، فالجميع لا يريد أن يتجاوز الدور الذي حدد له، والأحكام قد أعدت من قبل. في المواجهة صفان من 12 متهما ومتهمة واحدة، وشعور سائد بالكرامة، وكاميرات وسائل الإعلام وصحفييها، وجمهور مستأجر لحبك المشهد. يجلس الحكيم في سكينة، يبدو لأي مشاهد أنه زعيم هذه المجموعة المتهمة بتكدير الأمن العام، ومحاولة هدم يوغسلافيا، حليق الذقن، هادئ تماما كأنه يشاهد فيلما، وينتظر أن ينتهي ليعود إلى بيته، جاد جدا، يسرح قليلا، لا يبدو عليه أي مظهر للخوف، وكأنه كان يتمنى ما حدث لتكون فرصته ليقول للنظام وللناس ما يرغب في قوله. يحين دوره، فيتكلم بهدوء مدافعا، لا يظهر الغضب عليه، لا يعلو صوته، يشير إلى البند رقم كذا بالوثيقة كذا، معلنا أن ما كتبه هو رأيه كمثقف ومفكر يبحث في التاريخ، يبحث في حركة المجتمعات، يبحث في الفلسفة، يعلن أن من حقه أن يفكر وأن يتكلم وأن يكتب. يتابعه الحضور وكأنه يقود مناظرة ضد نظام الحكم، الذي يفهمه جيدا، ليس كقانوني فحسب، بل وكمثقف أيضا، يبنى مناظرته على الأسس الأيديولوجية للشيوعية، وبالأخص على التعامل الفعلي لنظام الحكم تجاه الذين كانوا يفكرون بطريقة مختلفة. يختتم مرافعته بجملته الشهيرة: «لقد منحت حبي بكامله للإسلام، ولم يبق شيء منه للنظام الحاكم». (3) الذين يعرفون علي عزت بيغوفيتش يعرفون أنه تمرد على رجال الدين، بل تمرد على الدين كله، ثم عاد إليه ولم يفقده أبدا، بعد أن قرأ تقريبا كل الأعمال الفلسفية الأوربية الهامة وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره. أيام التيه التي عاشها، عوضها بعشرات المقالات المذيلة بغير اسمه، ثم بكتابه الشهير «البيان الإسلامي»، «وهروبي إلى الحرية»، الذي خطه في سنوات السجن، لكن «الإسلام بين الشرق والغرب» هو أشهر كتبه على الإطلاق، وقد ترجم إلى لغات متعددة. لا جدوى من سجن مفكر، فأفكاره قادرة على الطيران في كل الأنحاء. (4) العشرون من آب أغسطس 1983. يوم النطق بالحكم. يطلب القاضي من الحضور الوقوف. يعلن أن العقوبة هي سجن الحكيم أربعة عشر عاما، وسجن رفاقه مددا متفاوتة. رأسه مرفوع، لكن قلبه يخفق بشدة. الكاميرات مسلطة تجاهه، تنتظر أن تسجل الصدمة على وجهه. لكن لا يفعل سوى تقليب بصره في سقف القاعة. ينظر إلى ابنتيه، يجدهما تبكيان، يتأثر كثيرا، فهو مفعم بعاطفته تجاه أولاده. الحكيم، المولود في الثامن من أغسطس لعام 1925، كانت له تجربة سابقة في السجن حين حكم عليه في مارس آذار لعام 1946 بثلاث سنوات لنشاطه الفكري، قضاها كاملة. يحكم عليه مجددا بالسجن 14 عاما، ثم لاحقا تخفض العقوبة إلى تسع سنوات، يرفض توقيع التماس بالعفو عنه، وفي 25 من نوفمبر تشرين الثاني لعام 1988، يوم العيد الوطني للبوسنة والهرسك يطلق سراحه بعفو من الدولة لم يطلبه. (5) يرسل من سجنه رسالة إلى ابنته ليلى: «أتعلمين، لقد أدركت فجأة حقيقة أنه لا يوجد هنا أطفال، وهنا يكمن الخراب الرئيسي فيه، إنني أحاول تعويض ذلك ولو جزئيا، بمشاهدة أفلام الأطفال في التلفاز، وبالتفكير الطويل في حفيداتي الثلاث الصغيرات، أو بالرجوع إلى أيام طفولتكم أنتم، إن روحي متعطشة لهذه المخلوقات الصغيرة، ويزيد الشوق لأنني محاط بكتل بشرية من المجرمين الذين يخرجون من جميع الاتجاهات، فلا تجدين مكانا تلجئين إليه هربا منهم ولو للحظة». لقد كان يشعر أنه مكلف بمهمة تاريخية، ومن الواضح أن هذه المهمة كانت تنتظره. وعندما خرج من السجن إلى الحكم، لم يفكر بالانتقام، ولا بإقالة رجال الأمن المسؤولين مباشرة عن حبسه واضطهاده، كان مغاليا في سعة صدره، حتى اعترض عليه رفاقه، لكن لم يصغ إليهم، وأصر على التمسك بمبادئه. كان يعي معنى الحرية، إذ عاش وناضل من أجلها، وعندما أتيحت له فرصة التحكم بها، منحها للآخرين بالكامل وبلا حدود.

1128

| 20 مارس 2023

القبطي الحكيم (1)

الرابع عشر من يوليو / تموز لعام 1099. المشهد مخيف. الصليبيون الرومان الكاثوليك يحاصرون القدس، المدينة التي يتعايش بها المسلمون والمسيحيون في سلام، الحصون والأبراج جاهزة لحرب ستبدأ فجرًا، غير أن الناس في ذعر، كثيرون يستعدون للهرب، وآخرون يقررون البقاء للقتال دفاعًا عن المدينة، مدركين أنهم سيموتون على الأرجح. رجل عُرِفَ بين أهل المدينة بأنه القبطي الحكيم، يطلب من الجميع القدوم إلى الساحة العامَّة، ينوي أن يلقنهم حكمة الحياة وهم يستعدون للموت، معتقدًا أن ما في جعبته سوف يساعد أهل المدينة في تقبل حقيقة الحرب وأيامها القاسية. يجتمع الناس، الصغار والكبار، حتى الشيوخ والقساوسة والكهان، فعند الموت يعود الإنسان إلى أصله بعيدًا عن كل اللافتات، يعظهم القبطي، ويرد على تساؤلاتهم حول الحرب، والهزيمة، والنضال، والتغيير، والولاء، والوحدة، وفي النهاية تأخذ أسئلتهم مجرى مختلفًا، فيسألون عن الجمال، والأناقة، والحب، والحكيم يبدي رأيه في كل أمر، طالبًا منهم تدوين ما يقول. (2) تمر سنوات طويلة، ثم في عام 1945، وفي قرية قريبة من محافظة قنا بصعيد مصر، وبينما يبحث أخوان عن مكان يرتاحان فيه، يعثران في كهفهما على جرة بها مجموعة من البرديات العتيقة، فيقرران بيعها في سوق التحف بعيدًا عن أعين الحكومة، ويصل بعضها إلى المتحف القبطي في القاهرة، وقد سميت البرديات المكتوبة بـ(مخطوطات نجع حمادي)، نسبة لأقرب منطقة معروفة للكهف الذي وُجِدَت فيه. في عام 1974، يكتشف عالم الآثار السير والتر ويلكنسون مخطوطة أخرى، هذه المرة مكتوبة باللغات العربية والعبرية واللاتينية. سنوات قليلة تمر ويلتقي الروائيُّ البرازيلي الشهير باولو كويلو ابنَ السير والتر، تحديدًا في كريسماس عام 1982 بمنطقة ويلز ببريطانيا، لكن الحديث بينهما يعبر سريعًا على أمر المخطوطات التي اكتشفها والده، تلك التي يقرر الابن لاحقًا إرسالها إلى الروائي في 30 نوفمبر 2011، ليحولها الأخير إلى روايته الشهيرة «مخطوطة وجدت في عكرا». قيل الكثير عن صحة المخطوطات، لكن ما نسب للحكيم القبطي جدير بالتفكير والاعتبار، لذا اعتبرت نفسي محاورًا له، أسأله، وأتحصل على إجاباته من النص الذي نقله وكتبه باولو كويلو في روايته الشهيرة. (3) سألتُ الحكيمَ: لماذا نخاف منَ التغييرِ؟ أجاب: لاعتقادِنَا أننا نعرفُ عالمَنَا بعدَ الكثيرِ منَ الجهدِ والتضحيةِ، ومعَ أنَّ هذا العالمَ قد لا يكونُ أفضلَ العوالمِ، ومع أنَّنا قد لا نكونُ راضينَ تمامًا بهِ، فهو على الأقلِّ لنْ يُقدِّمَ لنا أيَّ مفاجآتٍ مزعِجةٍ. قلتُ: وربَّمَا لأنَّ الناسَ تحبُ السيرَ في طريقٍ معتادٍ مستقيمٍ رتيبٍ. قال: خطأٌ، لأنَّ الدربَ المستقيمَ هو دربُ الطبيعةِ المتغيرةِ أبدًا ككثبانِ الرملِ في الصحراءِ. الطبيعةُ تقولُ لنا: تَغَيَّروا! -لكنْ سيِّدي إنّها مهمةٌ شاقةٌ للراغبينَ في التغييرِ. =نعمْ! هم يواجهونَ قِيَمَهُمْ وأحكامَهُمْ المسبقةَ، يُنصِتونَ إلى نصيحةِ محبِّيهِمْ الذين يقولون: لمَ تفعلُ هذا؟ لديكَ كلُّ ما تحتاجُ إليه: حبُّ والديْكَ وزوجتِكَ وأولادِك، والعملُ الذي استغرقْتَ دهرًا للحصولِ عليْهِ، لا تجازِفْ في أنْ تتحوَّلَ إلى غريبٍ في أرضِ الغُرَبَاء. أتعتقد أنهم يجازفون؟ سألت فأجاب: إنَّهُمْ يجازِفُونَ في اتخاذِ الخطوةِ الأولى، تارةً بداعي الفضولِ، وتارةً بداعي الطموحِ، ولكنَّهُمْ في العمومِ يَخْطُونَها لشعورِهِمْ بشوقٍ جامحٍ إلى المغامرةِ. وعندَ كلِ منعَطَفٍ على الدّربِ، ينتَابُهُمْ الخوفُ أكثرَ فأكثرَ، ومعَ ذلكَ وفي الوقتِ نفسِهِ يُفاجِئونَ أنفسَهُمْ أنهم أقْوَى وأسْعَدُ. يواصل: الفرحُ إحدى البركاتِ الأساسيةِ التي يُنعِمُ بِها علينَا القَدِيرُ، إذا كنَّا سعداءَ فهذا يَعْني أنَّنا على الدربِ الصحيحِ.. وهَكَذَا يَذْوي الخوفُ تدريجيًّا. ألا نخشى أن يُبْعِدَنا التغييرُ عنِ الحَقِيقَةِ؟ سألتُهُ مرة أخرى فأجابَ: تُعَلِّمُ الأديانُ أنَّ الإيمانَ والتحوُّلَ هُمَا السبيلُ الوحيدُ للاقترابِ منَ الإِلَهِ. وعندمَا يبدُو كلُّ شيءٍ حالِكًا، ونشعُرُ بالوحدةِ والعجْزِ، لن ننظُرَ إلى الخلفِ خَشيةَ أنْ نَرَى التغيُّراتِ التي طرأتْ علَى روحِنَا، بلْ سننظُر إلى الأمَامِ. لنْ نَخْشَى مَا سيحدثُ في الغدِ لأنَّ عينًا ساهرةً كانتْ تحرُسُنَا أمسِ. وسيجانِبُنَا ذاكَ الحضورُ الإلهيُّ نفسُهُ إلى الأبِدِ. سنَمْضِي أبعدَ ممَّا نعتقدُ، سنبحثُ عنِ المكانِ الذي فيهِ تولَدُ نجمةُ الصبحِ، وسنتفَاجَأُ لدى وصولِنَا بأنَّ الأمرَ كانَ أسهلَ ممَّا تصوَّرْنَا. (4) في هذه الرواية أو هذا المخطوط الكثير من الحكم، ولعل أعظمها في نظري تعريفه للفرق بين الهزيمة والفشل: «تحل بنا الهزيمة عندما نفشل في الحصول على أمر نريده بشدة، أما الفشل فيمنعنا من أن نحلم، تنتهي الهزيمة متى خضنا معركة أخرى، أما الفشل فلا منتهى له، هو خيار نتخذه مدى الحياة». لكن الرائع قوله: إلى من يعتقدون أن في المغامرات مخاطرة، أقول: جربوا الرتابة فهي ستقتلكم أسرع. (5) أنهيت الرواية، أو قل: سلسلة الحكم التي وردت بها عن الحياة، مؤمنًا بأن التغيير نعمة يرزقها الخالق من يشاء، شريطة أن نسعى إليه، شرط آخر ألا يكون التغيير هو المراد في حد ذاته، وإنما خطوة إلى حياة أفضل.

1188

| 13 مارس 2023

ماذا فعلت اللغة العربية بهذا الرجل؟

نشأ بطل قصتنا في بيئة ريفيّة قلّ أن تجد فيها من يجيد القراءة، لكن والده كان حريصاً على تعليمه وإخوته كلّ الحرص، فقد لاحظ تفوقه منذ صغره، فخصّه بالرعاية والاهتمام، وبفضله قرأ وهو في العاشرة من عمره لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم وطه حسين ويحيى حقّي وغيرهم، وبلغ من عشقه القراءة أنه كان يسافر من قريته في قلب ريف دمياط إلى أقرب مدينة لشراء الجرائد يومياً قاطعاً ساعتين ذهاباً وإياباً. كان والده يدّخره للالتحاق بالأزهر الشريف، فاكتفى بإرساله إلى الكتّاب على أمل أن يلتحق بالأزهر في المرحلة الإعدادية مباشرة كما جرت العادة، لكن قلب الفتى كان معلّقاً بالمدرسة، يقول: "كان قلبي يتمزّق عندما أرى زملاء الطفولة يتّجهون إلى المدرسة يومياً، أما أنا فأتجه إلى الكتّاب، كنت أنظر إلى المدرسة على أنها جنّة سحريّة أسطوريّة حرمت منها". ظلّ 3 سنوات يلحّ على أبيه أن يتخلّى عن حلم الأزهر، ويوافق على التحاقه بالمدرسة كأصدقائه، فكان له ما أراد، والتحق بالصف الثالث مباشرة وهو في الـ9 من عمره، لكنّ وزارة التعليم اشترطت خضوعه لاختبار يثبت أهليته للالتحاق بالصف الثالث، فأجاب عن كل أسئلتهم في ثوان وأثار انبهار لجنة الامتحان. في هذه السن المبكرة، وفي هذه المرحلة بالذات، وقع قلب الفتى في حب من أول نظرة مع "النحو"، لقد كان طالباً متفوقاً في جميع المواد، لكنه تميز بصورة خاصة في اللغة العربية والنحو تحديداً. وفي أحد الأيام - إبّان عمله بالتدريس- فوجئ الرجل بزميلة في المدرسة التي يعمل بها تستنجد به قائلة "(الحقني) ابني منذ درّسته النحو وهو لا يفتح أي مادة أخرى، وهو شديد الضعف في اللغة الإنجليزية، لكنه يرفض أن يذاكر إلا النحو"، ولأن مستوى الأستاذ جيد في اللغة الإنجليزية كذلك، فقد تطوع بمساعدة ابنها، وبدأ يتردّد على منزله ليشرح له اللغة الإنجليزية نصف ساعة يومياً. وبعد أيام عدّة فوجئ بالزميلة نفسها تستنجد به مجدداً "(الحقني) ابني منذ بدأت تشرح له اللغة الإنجليزية وهو لا يفتح أي مادة أخرى"، فاستقر في يقين الرجل أن السبب الوحيد لكراهية الطلاب النحو ونفورهم منه هو طريقة التدريس، فإذا أحب الطالب المادة تفوق فيها. قرّر صاحبنا تبنّي رسالة (تيسير النحو على المتعلمين) وتفريغ حياته لهذه المهمة، مستغلاً في ذلك ما عرف عنه من مهارة في تحبيب هذه المادة إلى الطلاب. وأول ما خطر بباله وقتئذ أن يبدأ بإنشاء موقع متخصص في النحو، فكان موقع (نحو دوت كوم) الذي بدأ عام 2005 كفكرة، ثم انبثقت عنها عشرات الإصدارات والتطبيقات والبرمجيّات التي عمل الرجل على إنجازها جميعاً بجهوده الخاصة. يقول "كل إصدار استغرق مني سنوات لإعداده وبلورته وتجهيز مادته العلمية كاملة، ثم مراجعته، ثم التواصل لعشرات الساعات مع المبرمجين، ثم إدخال التعديلات والإضافات حتى يخرج التطبيق في صورته النهائية". يحلّ عام 2011، ليتوقف الماضي في حياة الرجل، ويبدأ حاضر من الألم الممتد وإحساس الخذلان، يصاب بقرحة وريدية مزمنة في الساق، وبسبب المرض يتحول إلى شخص عاجز يعاني آلاماً مروّعة ليلاً ونهاراً، لا يخرج من منزله إلا نادراً، لصعوبة حركته من ناحية، وبسبب المعاناة التي يقضيها إنسان مثله في التنقل بين وسائل المواصلات العامة. يُحال إلى التقاعد الإجباري من العمل بالتدريس بداعي العجز الطبي، فيصبح في ضائقة مالية شديدة تضطره إلى الاقتراض مراراً، بل يلجأ أحيانا إلى تأجيل العلاج لتلبية احتياجات أسرته، ويصبح في سباق محموم مع الزمن لإنجاز أكثر ما يمكن من مشروعات ومبادرات لتيسير النحو، تلك التي لا يكلّ ولا يملّ من إطلاقها. ينام 5 ساعات على الأكثر، وهي أقصى مدة تمنحه إياها الحقنة المسكّنة التي لا ينام من دونها منذ 4 سنوات، ثم يمضي بضع ساعات أخرى في أعمال إضافية من أجل مصدر آخر للدخل بجوار معاشه الهزيل، مثل التدقيق اللغوي، أو إعطاء بعض دروس النحو في منزله، ومن ثمّ يقضي 15 ساعة على الأقل في العمل على مواقعه وإصداراته، تمضي الساعات وهو جالس على مكتبه يعمل ولا يتوقف إلا للصلاة جالساً وتناول الطعام. الرجل لا يتوقف عن العطاء حتى في أحلك لحظاته، يدفعه شغفه دفعاً إلى إنجاز ما يمكن إنجازه، تتملك أحلامه اللغةُ العربية، وعندما كان يعمل على تطبيق جديد للإملاء، كان التفكير في التطبيق يسيطر على عقله، لدرجة أنه حتى في اللحظات التي كان يغفو فيها فإن كل أحلامه كانت تدور حول هذا التطبيق وإمكانية تطويره. "أنا في الحقيقة كمن يسير على الحبل، وسيقع في أي لحظة، وكذلك تلك المواقع ستتوقف في أي لحظة، وستندثر تجربتي المتفرّدة ويطويها النسيان، سيموت كل شيء بموتي". وعندما يحين موعد استيقاظه وقبل أن تضع ابنته الحذاء في قدمه عند نزوله من السرير، إذ لا يقوى على ارتدائه بنفسه، كان يطلب منها ورقة وقلماً بسرعة ليخط ما خطر بباله طوال الليل من أفكار قبل أن ينساها. يعتمد الرجل في تمويل التطبيقات والمبادرات المختلفة على الاستدانة أو دعم المهتمّين بالنحو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويمر في سبيل ذلك بمحنة مادية قاسية عليه وعلى أسرته التي تضمّ زوجته و4 أبناء، لكن هذه المعاناة اليومية ليست ما يشغل باله، فقد يئس من توفير تكاليف العلاج، أو حتى تأمين حياة كريمة لأولاده، كما تعوّد العمل تحت وطأة آلام المرض المبرحة منذ سنوات، وإنما يشغله مصير تجربته. يقول: "أنا في الحقيقة كمن يسير على الحبل، وسيقع في أي لحظة، وكذلك تلك المواقع ستتوقف في أي لحظة، وستندثر تجربتي المتفرّدة ويطويها النسيان، سيموت كل شيء بموتي". أتفحص المواقع التي عمل عليها لسنوات، وأهمها موقع النحو الذي يقدم مقاطع مصورة تعليمية وكتبا مجانية ومسابقات وألعاباً وشروحاً في النحو، هو وغيره مهدد بالتوقف، فقد كان أحد المسهمين يتبرع بالتكلفة السنوية لاستضافة المواقع وتجديد الـdomain، لكن ظروفه لن تمكّنه من الإسهام مجدداً، مما يجعل استمرار هذه المواقع في مهبّ الريح، ما لم يعثر على مموّل آخر. أدرك أن مشكلاته لا تتوقف عند هذا الحد، فبعد أن أنهى العمل على لعبة نحوية جديدة لنظام الأندرويد، لم يستطع الوفاء بمستحقات المبرمج، وأصبحت اللعبة رهينة حتى يتسلّم المبرمج كامل أجره، أما تطبيق الإملاء الذي حرمه النوم أيامًا، فما زال يدين بجزء من تكاليفه للمبرمج الذي قام بتطويره. وهذا هو حاله منذ سنوات، يعمل بحماسة على إصدار معين، وعندما يبلغ خطوة تسلّم العمل ونشره ودفع مستحقّات المبرمجين "يبدأ كابوس اليأس" كما يقول، حينئذ يعلن على مواقع التواصل الاجتماعي حاجته إلى مموّل لإصدار تطبيق معين، يعيد النشر مرات ومرات، أحياناً يجد مموّلا أو من يسهم بجزء، وغالباً لا يجد إلا خيبة الأمل. هل تعرفون ماذا أفعل الآن؟ أعيد ترتيب ذاكرتي وتنظيفها، أمحو منها كل أصحاب الطاقات السلبية، كل الشكّائين، كل المتشائمين، وأثبت فيها هؤلاء البسطاء ذوي المبادرات الإيجابية، الذين يصرّون على الإنجاز مهما كانت الظروف، الذين يضيفون إلى رصيدهم كل يوم عملاً جديداً، حتى وإن كان بسيطاً، افعلوا مثلي واحفظوا أسماءهم، ومنهم هذا الرجل "يسري السلال". الجزيرة نت

1661

| 20 فبراير 2021

لن تكون شريراً حتى تفتقر إلى الفكرة والهدف

حنا أرندت تكره وصفها بالفيلسوفة، رغم أنها كذلك. يهوديةٌ هربت من النازية ووجدت في الولايات المتحدة ملجأً لها، وقد قرأت أن مجلة النيويوركر الأمريكية قد فوضتها عام 1961 لتقوم بتغطية محاكمة أدولف آيخمان، ضابط وحدات النخبة النازية (إس إس) الذي شارك في جرائم الهولوكوست. تقول الحكاية إن أرندت أرادت أن تعرف كيف لشخص أن يرتكب مثل هذه الشرور، فلا يمكن لأحد المشاركة في محرقة كهذه إلا إذا كان شخصا شريرًا معتلًا اجتماعيا، إلا أنها - وحسب قولها- فوجئت بأن الرجل عادي جداً، تقليدي للغاية، ويفتقر إلى الخيال، واكتشفت أنه لم يكن شيطانيًا ولا وحشيًا، ولم تظهر أي علامة لديه على وجود قناعات أيديولوجية راسخة. أرندت أرجعت فساد الرجل الأخلاقي بل وحتى رغبته القوية في ارتكاب الجرائم إلى انعدام اكتراثه وغياب الفكر عن عقله، وهي ترى أن عدم القدرة على التوقف والتفكير هو ما أتاح لآيخمان المشاركة في هذا القتل الجماعي. وفق هذا الرأي؛ هل يمكن للواحد منا أن يكون في خطر حقيقي إذا كان عادياً وتقليدياً، فاقداً للخيال، غير مكترث، لا فكرة يعتنقها؟ سيختلف كثر حول الإجابة، لكني نعم أرى ثمة خطراً حقيقياً يهدد أي إنسان يفتقد هذه الصفات مجتمعة، ويتناسب حجم الخطر الذي يهدده مع عدد تلك الصفات التي يفتقدها. أعترف بأنني توقفت كثيراً عند كلام أرندت واصفة الجاني بأنه يفتقد القدرة على "التوقف والتفكير". مصدر عجبي ربما صادر من أننا نعيش ظاهرة Overthinking، أو التفكير الزائد، أي أن أكثرنا يشتكي أنه يعاني في هذا الزمن كثرة التفكير لا قلّته. لكن الأمر ليس في التفكير في حد ذاته، بل في أن تكون لديك فكرة، والفكرة المقصودة ليست أيديولوجية حزبية ضيقة تصبغ بها حياتك كلها، بل تلك الرؤية نحو الوجود وموقعك فيه، نظرتك إلى الدنيا وما تمثله لك، تصورك عن حياتك ومغزاها وهدفها. الفكرة يا صديقي أشبه بالبوصلة التي تدلك على الاتجاه الصحيح لك، تظل ترشدك إلى الطريق طوال حياتك، هي كالميزان الذي تزن وتقدر به كل ما يمر بك لتتخذ القرار الذي يناسبك، لن تعرف صواب قرارك من خطئه إن لم تكن لديك فكرة ثابتة تتكئ عليها. نعم قد تتطور فكرتك، بل قد تتخلى عنها قفزاً إلى فكرة أخرى، إلا أنه من المهم أن تظل لديك في النهاية فكرة، فمن دونها سوف تختلط الألوان لديك وتتشابه الطرق. الفكرة هي التي تنقذك من الهوى ومن التيه، وترسم لك الاتجاهات، وتعينك عند الاختيار عندما تتعدد الاختيارات، بها تكتشف الأفق، وبها تحدد الهدف. حياتك متصلة، وليست جُزُراً منعزلة، الفكرة تضمن لك حياة متجانسة، لا تناقض فيها، لن تأخذ كل يوم قراراً مختلفاً ومتناقضاً عما اتخذته بالأمس، ستكون قراراتك متآلفة. وإذا كانت لديك فكرة فستكون مكترثاً، لأنك ستهتم بنصرتها، بتنميتها، بإقناع الآخرين بها، بحمايتها، بضمان سلامتها. لذا فمن الخطر ألا تكون لديك فكرة. إنّ القدرة على التخيّل أهم بكثير من المعرفة، هذا القول ليس صادراً عن شخص مزاجي ولا فنان بوهيمي، بل عن صديقنا آينشتاين، إنه يتحدث عن قوة التخيل وما يحدثه ذلك في حياة المرء. الخيال ضروري لأن تعيش يومك، لأن ترسم معالم غدك، لأن تتخلص من ألم الحاضر، لأن تتجاوز الواقع لا هروباً منه بل سعياً إلى واقع أفضل. الكاتب الإنجليزي كولن ويلسون قال ذلك، قال إن الخيال الجيد لا يُستخدم للهروب من الواقع بل لخلقه. الخيال نوع من التمرد، نوع من رفض ما فُرض علينا في حياتنا، نوع من الحرية بعيداً عن كل القيود التي تأسر حركتنا اليومية، خطوة أولى نحو الابتكار، نحو إيجاد بدائل، نحو السعادة، نوع من الانطلاق إلى عالم مأمول، وكيف تنطلق وأنت لا أجنحة لك؟ محمد علي كلاي قال قولاً جميلاً: من لا خيال له فليست لديه أجنحة. لذا فمن الخطر ألا يكون لديك خيال. إذا كانت لديك الفكرة والخيال -وبالطبع الإرادة- فقد نجوت من خطر أن تكون عادياً، ولكن فلنسأل أنفسنا مرة أخرى: هل أن تكون عادياً خطر؟ أن تكون عادياً في نظري يعني أن تقبل بالواقع المفروض عليك ولا تحاول تغييره، أن توافق على نصف حياة، أن تعلن استسلامك لكل ما ومَن يحيط بك، أن تقبل بانكسار حُلمك عند أول مواجهة، أن ترضى بحياة رتيبة أملاً بالهروب من المشكلات والتحديات، سعياً إلى الراحة، متناسياً أن الحياة ترسل إلى العاديين أيضاً المشكلات والتحديات حتى عقر دارهم. ألا تكون عادياً لا يعني بالضرورة أن تكون ثرياً، أو مشهوراً، أو نجماً، أو فيلسوفاً، لكنك ستكون عظيماً عندما تحدد هدفك الملائم لقدراتك وتعمل على تنفيذه مهما واجهت من صعاب، لتعيش الحياة التي تريدها أنت، لا تلك التي فُرضت عليك. ستكون عظيماً عندما تطور نفسك كما تطور تقنياتك، عندما تستثمر في نفسك كما تستثمر في أموالك. ستكون عظيماً عندما تتحمل المسؤولية وتتخذ قرارك وتواجه أخطاءك، عندما تدرك أن عدم اتخاذك قراراً هو في حد ذاته أخطر قرار، وأن الوقت المثالي لا يُنتظر بل تصنعه أنت. ستكون عظيماً عندما تكون متميزاً في عملك، متفرداً فيه، بغض النظر عن نوع هذا العمل ومستواه. ستكون عظيماً عندما ترفض السكون وتقبل بالمغامرة سعياً وراء أحلامك. الجزيرة نت

1495

| 31 مايو 2020

من منا سينجو؟

أيها "الكورونا" سوف ننجو وننقذ أرواحنا ونصبح مختلفين وسوف نتغير للأفضل كثيراً بدأ وقت العمل الصعب الذي وحده سيميِّز بين الخبيث والطيب ممَ تشكو؟ كان نشيطاً جداً ومتحمساً دائماً، يحب الحياة بكل حواسِّه، ويعمل بجدٍّ بكل طاقته؛ لذا كان مشهده مؤلماً وقد لفَّ الأطباء جسمه النحيل كله بالأربطة بعد أن غمروه بالدهانات الطبية، فلما اشتد المرض على صديقي المصور الفنان، الذي شاركني شطراً من رحلاتي الصعبة؛ قال لأصدقائه الحاضرين: افعلوا أي شيء! المهم ألا أموت، حتى لو اضطررت لأن أعيش على هذه الصورة. للأسف؛ لم أكن حاضراً هذا الموقف، لكنه ظل في مخيلتي هذه السنين كلها، فكلنا هذا الشاب الفتيُّ رحمه الله، نشتكي ونتبرم في حياتنا اليومية ألف مرة، من دراستنا، من رئيسنا في العمل، من شريكنا في الحياة، من قلة المال، من كل شيء وأي شيء، من قائمة لا تنتهي. فإذا ما داهمنا خطب وانقلبت أحوالنا رأساً على عقب، وشعرنا بأننا على وشك أن نفقد حياتنا؛ دعَونا الله أن ينجينا، حتى وإن كان الثمن هو أن نبقى على تلك الحال التي كنا نشتكي منها، لقد بات كل ما نريده أن نبقى على قيد الحياة. ما معنى النجاة؟ عندما تخوض معركة - سواء أفرضت عليك أم أنك اخترتها - فيجب أن تكون موقناً بأنك حتى وإن فزت فسوف تخسر شيئاً ما، جرحاً هنا، أو خدشاً هناك، وربما أهونها ملابسك الممزقة. لذا؛ فإن العبرة ليست بالنجاة بمعنى تجاوز الخطر، ولكن العبرة بماذا ستخسره إن فزت في المعركة، العبرة بهذا الشخص الذي سيكون بعد النجاة، من هو؟ وكيف هو؟ مرة أخرى؛ بمعنى هل خسارته محصورة في أشياء هامشية: "جرح هنا أو خدش هناك"؟ أم أن خسارته فيما هو أثمن وأهم؟ الإجابة الآن سهلة؛ ستقول ليس مهماً ماذا سأخسر ومن سأكون، المهم أن أعبر الأزمة، أن أتجاوزها، بعدها أقبل أن أكون على أي شاكلة، لكن بعد أن يحدث ذلك، وبعد أن تنجو، وبعد أن تتخلص من هذه الضغوط التي أثقلت كاهلك، وحرمتك الرقاد؛ سيكون لك رأي آخر. لطالما أدهشني قول الله لفرعون وكأنه عز وجل يتهكم منه: "فاليومَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ"؛ فأيُّ نجاة وقد مات؟ وما قيمة نجاة البدن وقد هلكت الروح؟ نفس الأمر في كل معركة، أي نجاة إذا هلكت الروح بصورة أو بأخرى؟ ما الفائدة في أن تنجو ببدنك وتفقد أهم شيء؟ ما الخسائر التي لا تُحتمل؟ أن تفقد شجاعتك، أن ينتابك الهلع ويتحكم في كل تصرفاتك، صحيحٌ أن الخوف والقلق مشاعر طبيعية، لا يمكن أن تتجاوزها، لكن المبالغة فيها أمر غير طبيعي، وستشعر بعواقب ذلك بعد نجاتك. فإذا فقدت شجاعتك فلن يكون بوسعك أن تفخر بنفسك بعد المعركة، ستَكره حتى أن تتأمل وجهك في المرآة، لن تستطيع أن تنظر في عينيْ امرأتك، في عيون أطفالك، لن تستطيع أن تجلس وتحكي لأحفادك كيف كنت شجاعاً صابراً مؤمناً وأنت في أشد أهوال المعركة، فالحقيقة أنك كنت جباناً، مصاباً بالهلع. الخسارة التي لا تُحتمل أن تفقد أخلاقك وقيمك، فتشمت في خصمك وقد أصيب بالداء، تسخر منه، تشهِّر به، وتعايره في المعركة التي ساوى فيها عدوكما بين الفقير والغني والحاكم والمحكوم. الخسارة أنك تمرّ بالمعركة ولم تتطهر، أنك خرجت منها تحمل نفس الآفات التي كنت تحملها قبلها، الخسارة التي لا تحتمل أن النار لم تطهرك، فما زلت أنت كما أنت، وكما كنت قبل المعركة، بنفس عيوبك ونواقصك، ما زلت تسخر من الآخر وتعاديه، المختلف عنك معتقداً أو لوناً أو فكراً أو حتى مالاً. الخسارة أن تمرض روحك، العدو يستهدف جسدك، فإذا بك تسلمه روحك، فتصبح ضعيفاً منهزماً، فتخرج من المعركة بجسد صحيح، وروح معلولة. هذه خسائر لا تُحتمل. كيف السبيل إلى النجاة؟ كنت أجلس مرة في أحد مقاهي سراييفو حين لاح لي خاطر؛ ماذا لو كنت قد عرفت أنني لن أموت في هذه الحرب التي عاصرتها قبل ما يزيد على ربع قرن، وأنني سأعيش، وسأجلس أحتسي الشاي والقهوة في هذا المكان، أتأمل في المارِّين، وأستمتع بما حولي من حُسن؟ ماذا كان سيتغير من سلوكي حينها لو كنت أعلم ذلك؟. أظن أنني لو كنت موقناً بذلك لكنت اتخذت قراراتي بهدوء، وبراحة بال، فلا أنفعل على مَنْ حولي، ولا أعيش حالة الاضطراب، ولكنت تعاملت مع ما يجري باعتبار أنه "حتى هذا المرض سيمرّ"، لسيَّرْتُ حياتي قدر المستطاع كما اعتدت أن أسيِّرها. لذا؛ فإن الحكمة كلها هي أن تتمكن من أن تتعامل الآن وكأنك بلا شك ستنجو. لا بأس في بعض القرارات القاسية؛ اعزل جسدك قدر ما استطعت، وتأقلم مع العزل ولا تشتكي منه كثيراً، انتهزها فرصةً، صِلْ ما انقطع سابقاً، لكن المهم أن تُبقي روحك حرة منطلقة، غير معزولة، واعلم أن الخيال نعمة من نعم الله، أطلقه هو الآخر، حتى يحلق بعيداً كما شئت، عِشْ هناك، وإن كنت هنا. امزح كلما استطعت، ليس استهتاراً بالمصيبة، وليس استخفافاً بالآخرين، ولكن تهويناً على نفسك، وثقةً بها، وبمن سينجيك. العاصفة.. هل من فوائد؟ يقول الروائي الياباني هاروكي موراكامي في روايته الشهيرة "كافكا على الشاطئ": في لحظة انتهاء العاصفة لن تتذكر كيف نجوت منها، لن تتذكر كيف تدبرت أمرك لتنجو، ولن تدرك هل انتهت العاصفة أم لا. ستكون متيقناً من أمرٍ واحدٍ فقط: حين تخرج من العاصفة لن تكون الشخص نفسه الذي دخلها، ولهذا السبب وحده كانت العاصفة. أيها "الكورونا" فلتُخرِج أفضل ما فينا، ولتمحُ عاصفتك أسوأ ما بنا، ولتعلِّمنا كيف نتجاوز في حياتنا عن معارك جانبية لا طائل منها، وندفع بطاقتِنا في معركتنا الرئيسية في الحياة. أيها "الكورونا" سوف ننجو، سننقذ أرواحنا، سوف نصبح أشخاصاً مختلفين، سوف نتغير للأفضل كثيراً، وعندها نصبح جديرين بالحياة، سنعمل بنصيحة جلال الدين الرومي: "عندما تتخطى مرحلة صعبة من حياتك أكمل الحياة كناجٍ، وليس كضحية". انتهى الآن وقت الكلام السهل، وبدأ وقت العمل الصعب الذي وحده سيميِّز بين الخبيث والطيب. المصدر : الجزيرة

1876

| 20 مارس 2020

alsharq
من المسؤول؟ (3)

بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا...

4434

| 06 مايو 2026

alsharq
لماذا ستخرج قطر من هذه المرحلة أقوى؟

تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية...

4155

| 04 مايو 2026

alsharq
حرية الصحافة بهامش الأمان.. لا بعدد ما يُنشر

في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر...

2067

| 07 مايو 2026

alsharq
هل تعيش بقيمة مستأجرة؟

كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم...

1347

| 05 مايو 2026

alsharq
حين ينكسر الزجاج.. من علمنا أن القرب يعني الأمان؟

ليس أخطر ما في الزجاج أنه ينكسر، بل...

861

| 03 مايو 2026

alsharq
"شبعانون" أم "متخمون"؟.. حين سرقت "الوفرة" طعم السعادة

لو عاد الزمن بأحد أجدادنا، ودخل بيوتنا اليوم،...

741

| 05 مايو 2026

alsharq
حديث غزة!!

شاهدت منذ أسابيع معرضا رائعا للفنان عبد الرازق...

732

| 07 مايو 2026

alsharq
وقف سرديات الفرقة

تُعد وسائل التواصل الاجتماعي فضاءات رقمية ذات حدين...

714

| 07 مايو 2026

alsharq
اكتب وصيتك قبل أن يأتي أجلك

منذ أن خلق الله الإنسان وهو يعيش بين...

663

| 08 مايو 2026

alsharq
العلاقات التركية - الباكستانية في وقت التحولات

تعود العلاقات بين تركيا وباكستان إلى القرن السادس...

540

| 03 مايو 2026

alsharq
امتحانات العطلة الأسبوعية.. أزمة إدارية

يبرز تساؤل جوهري حول لجوء بعض المؤسسات التعليمية...

534

| 04 مايو 2026

alsharq
كيفية قراءة السياسة الأمريكية

منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في...

513

| 07 مايو 2026

أخبار محلية