رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نشأ بطل قصتنا في بيئة ريفيّة قلّ أن تجد فيها من يجيد القراءة، لكن والده كان حريصاً على تعليمه وإخوته كلّ الحرص، فقد لاحظ تفوقه منذ صغره، فخصّه بالرعاية والاهتمام، وبفضله قرأ وهو في العاشرة من عمره لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم وطه حسين ويحيى حقّي وغيرهم، وبلغ من عشقه القراءة أنه كان يسافر من قريته في قلب ريف دمياط إلى أقرب مدينة لشراء الجرائد يومياً قاطعاً ساعتين ذهاباً وإياباً.
كان والده يدّخره للالتحاق بالأزهر الشريف، فاكتفى بإرساله إلى الكتّاب على أمل أن يلتحق بالأزهر في المرحلة الإعدادية مباشرة كما جرت العادة، لكن قلب الفتى كان معلّقاً بالمدرسة،
يقول: "كان قلبي يتمزّق عندما أرى زملاء الطفولة يتّجهون إلى المدرسة يومياً، أما أنا فأتجه إلى الكتّاب، كنت أنظر إلى المدرسة على أنها جنّة سحريّة أسطوريّة حرمت منها".
ظلّ 3 سنوات يلحّ على أبيه أن يتخلّى عن حلم الأزهر، ويوافق على التحاقه بالمدرسة كأصدقائه، فكان له ما أراد، والتحق بالصف الثالث مباشرة وهو في الـ9 من عمره، لكنّ وزارة التعليم اشترطت خضوعه لاختبار يثبت أهليته للالتحاق بالصف الثالث، فأجاب عن كل أسئلتهم في ثوان وأثار انبهار لجنة الامتحان.
في هذه السن المبكرة، وفي هذه المرحلة بالذات، وقع قلب الفتى في حب من أول نظرة مع "النحو"، لقد كان طالباً متفوقاً في جميع المواد، لكنه تميز بصورة خاصة في اللغة العربية والنحو تحديداً.
وفي أحد الأيام - إبّان عمله بالتدريس- فوجئ الرجل بزميلة في المدرسة التي يعمل بها تستنجد به قائلة "(الحقني) ابني منذ درّسته النحو وهو لا يفتح أي مادة أخرى، وهو شديد الضعف في اللغة الإنجليزية، لكنه يرفض أن يذاكر إلا النحو"، ولأن مستوى الأستاذ جيد في اللغة الإنجليزية كذلك، فقد تطوع بمساعدة ابنها، وبدأ يتردّد على منزله ليشرح له اللغة الإنجليزية نصف ساعة يومياً.
وبعد أيام عدّة فوجئ بالزميلة نفسها تستنجد به مجدداً "(الحقني) ابني منذ بدأت تشرح له اللغة الإنجليزية وهو لا يفتح أي مادة أخرى"، فاستقر في يقين الرجل أن السبب الوحيد لكراهية الطلاب النحو ونفورهم منه هو طريقة التدريس، فإذا أحب الطالب المادة تفوق فيها.
قرّر صاحبنا تبنّي رسالة (تيسير النحو على المتعلمين) وتفريغ حياته لهذه المهمة، مستغلاً في ذلك ما عرف عنه من مهارة في تحبيب هذه المادة إلى الطلاب.
وأول ما خطر بباله وقتئذ أن يبدأ بإنشاء موقع متخصص في النحو، فكان موقع (نحو دوت كوم) الذي بدأ عام 2005 كفكرة، ثم انبثقت عنها عشرات الإصدارات والتطبيقات والبرمجيّات التي عمل الرجل على إنجازها جميعاً بجهوده الخاصة.
يقول "كل إصدار استغرق مني سنوات لإعداده وبلورته وتجهيز مادته العلمية كاملة، ثم مراجعته، ثم التواصل لعشرات الساعات مع المبرمجين، ثم إدخال التعديلات والإضافات حتى يخرج التطبيق في صورته النهائية".
يحلّ عام 2011، ليتوقف الماضي في حياة الرجل، ويبدأ حاضر من الألم الممتد وإحساس الخذلان، يصاب بقرحة وريدية مزمنة في الساق، وبسبب المرض يتحول إلى شخص عاجز يعاني آلاماً مروّعة ليلاً ونهاراً، لا يخرج من منزله إلا نادراً، لصعوبة حركته من ناحية، وبسبب المعاناة التي يقضيها إنسان مثله في التنقل بين وسائل المواصلات العامة.
يُحال إلى التقاعد الإجباري من العمل بالتدريس بداعي العجز الطبي، فيصبح في ضائقة مالية شديدة تضطره إلى الاقتراض مراراً، بل يلجأ أحيانا إلى تأجيل العلاج لتلبية احتياجات أسرته، ويصبح في سباق محموم مع الزمن لإنجاز أكثر ما يمكن من مشروعات ومبادرات لتيسير النحو، تلك التي لا يكلّ ولا يملّ من إطلاقها.
ينام 5 ساعات على الأكثر، وهي أقصى مدة تمنحه إياها الحقنة المسكّنة التي لا ينام من دونها منذ 4 سنوات، ثم يمضي بضع ساعات أخرى في أعمال إضافية من أجل مصدر آخر للدخل بجوار معاشه الهزيل، مثل التدقيق اللغوي، أو إعطاء بعض دروس النحو في منزله، ومن ثمّ يقضي 15 ساعة على الأقل في العمل على مواقعه وإصداراته، تمضي الساعات وهو جالس على مكتبه يعمل ولا يتوقف إلا للصلاة جالساً وتناول الطعام.
الرجل لا يتوقف عن العطاء حتى في أحلك لحظاته، يدفعه شغفه دفعاً إلى إنجاز ما يمكن إنجازه، تتملك أحلامه اللغةُ العربية، وعندما كان يعمل على تطبيق جديد للإملاء، كان التفكير في التطبيق يسيطر على عقله، لدرجة أنه حتى في اللحظات التي كان يغفو فيها فإن كل أحلامه كانت تدور حول هذا التطبيق وإمكانية تطويره.
"أنا في الحقيقة كمن يسير على الحبل، وسيقع في أي لحظة، وكذلك تلك المواقع ستتوقف في أي لحظة، وستندثر تجربتي المتفرّدة ويطويها النسيان، سيموت كل شيء بموتي".
وعندما يحين موعد استيقاظه وقبل أن تضع ابنته الحذاء في قدمه عند نزوله من السرير، إذ لا يقوى على ارتدائه بنفسه، كان يطلب منها ورقة وقلماً بسرعة ليخط ما خطر بباله طوال الليل من أفكار قبل أن ينساها.
يعتمد الرجل في تمويل التطبيقات والمبادرات المختلفة على الاستدانة أو دعم المهتمّين بالنحو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويمر في سبيل ذلك بمحنة مادية قاسية عليه وعلى أسرته التي تضمّ زوجته و4 أبناء، لكن هذه المعاناة اليومية ليست ما يشغل باله، فقد يئس من توفير تكاليف العلاج، أو حتى تأمين حياة كريمة لأولاده، كما تعوّد العمل تحت وطأة آلام المرض المبرحة منذ سنوات، وإنما يشغله مصير تجربته.
يقول: "أنا في الحقيقة كمن يسير على الحبل، وسيقع في أي لحظة، وكذلك تلك المواقع ستتوقف في أي لحظة، وستندثر تجربتي المتفرّدة ويطويها النسيان، سيموت كل شيء بموتي".
أتفحص المواقع التي عمل عليها لسنوات، وأهمها موقع النحو الذي يقدم مقاطع مصورة تعليمية وكتبا مجانية ومسابقات وألعاباً وشروحاً في النحو، هو وغيره مهدد بالتوقف، فقد كان أحد المسهمين يتبرع بالتكلفة السنوية لاستضافة المواقع وتجديد الـdomain، لكن ظروفه لن تمكّنه من الإسهام مجدداً، مما يجعل استمرار هذه المواقع في مهبّ الريح، ما لم يعثر على مموّل آخر.
أدرك أن مشكلاته لا تتوقف عند هذا الحد، فبعد أن أنهى العمل على لعبة نحوية جديدة لنظام الأندرويد، لم يستطع الوفاء بمستحقات المبرمج، وأصبحت اللعبة رهينة حتى يتسلّم المبرمج كامل أجره، أما تطبيق الإملاء الذي حرمه النوم أيامًا، فما زال يدين بجزء من تكاليفه للمبرمج الذي قام بتطويره.
وهذا هو حاله منذ سنوات، يعمل بحماسة على إصدار معين، وعندما يبلغ خطوة تسلّم العمل ونشره ودفع مستحقّات المبرمجين "يبدأ كابوس اليأس" كما يقول، حينئذ يعلن على مواقع التواصل الاجتماعي حاجته إلى مموّل لإصدار تطبيق معين، يعيد النشر مرات ومرات، أحياناً يجد مموّلا أو من يسهم بجزء، وغالباً لا يجد إلا خيبة الأمل.
هل تعرفون ماذا أفعل الآن؟ أعيد ترتيب ذاكرتي وتنظيفها، أمحو منها كل أصحاب الطاقات السلبية، كل الشكّائين، كل المتشائمين، وأثبت فيها هؤلاء البسطاء ذوي المبادرات الإيجابية، الذين يصرّون على الإنجاز مهما كانت الظروف، الذين يضيفون إلى رصيدهم كل يوم عملاً جديداً، حتى وإن كان بسيطاً، افعلوا مثلي واحفظوا أسماءهم، ومنهم هذا الرجل "يسري السلال".
الجزيرة نت
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5730
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5520
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1749
| 13 مايو 2026