رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(1) كانت الحياة تجري بشكلها الاعتيادي إلى أن ضجت قريتنا يومًا بزيارة الأمير عبد القادر. رأيته وأنا لا أكاد أصدق نفسي، أهذا هو المجاهد العظيم الذي يقاوم الاستعمار؟! تنتهي الزيارة، غير أنها تظل حاضرة دومًا في حياتي، وأنا الأمازيغية الجزائرية، التي سطرت سطرًا في التاريخ، سيذكرني به قومي دائمًا. أما عدوي الفرنسي فإنه قد عرفني أيضًا جيدًا. (2) في الشهر السابع لعام 1830، وفي آيت بو يوسف، تلك القرية الصغيرة الساكنة شمال شرق الجزائر، ولدت لشيخ الزاوية الرحمانية، ليصبح اسمي: «فاطمة بنت سيدي أحمد محمد»، ولأكبر في بيت تحفه أصوات القرآن وذكر الله، وفيه يعلمونني القراءة والكتابة، وفي الزاوية أبدأ حفظ آيات الله، وتعلم العلوم الشرعية. أكبر، أتأمل حال النسوة من حولي، كثير من الجهل، ومجتمع لا يمنح المرأة كل حقوقها التي تعلمتها في الزاوية. تنتابني حالة من التمرد، يمتد تمردي إلى رفض الزواج، رغم أني قد بلغت السادسة عشرة، إلى أن تقع المصيبة، ويتوفى والدي الحبيب، لم أملك حينها إلا أن أحبس نفسي في غرفتي، حتى أن أهل قريتي زعموا أن الأرواح تتلبسني. لاحقًا يتقدم أحد أقارب والدتي للزواج بي، يرغمني أخي سي الطيب على الأمر، أُزف بالقوة إلى زوجي، أدعي المرض وأتمنع عنه، فيعيدني إلى بيت أبي. تهفو روحي إلى التنسك والتصوف، يكثر الهمس في قريتنا الصغيرة، تحمل النظرات كثيرا مما لا يقال، أضيق بذلك كله، وأقرر الالتحاق بأخي الأكبر سيدي الطاهر في قريته سومر، وهناك أحظى بعطفه، وهو شيخ الطريقة الرحمانية في قريته، وقد كثر طلابه ومريدوه. أنتهز الفرصة وأهرع إلى اكتساب المزيد من المعارف والعلوم، فتدب في روحي السكينة، يقصدني الناس، يسألونني، وأجيبهم قدر ما أعرف، يطلقون عليَّ: «لالَّة فاطمة نسومر»، فنحن الأمازيغ نقول: لالَّة للسيدة الشريفة، ثم إننا عندما ننسب شخصًا لمكان نقدم حرف النون على المكان المنسوب إليه وهو سومر، فيصبح نسومر، وهكذا عرفت بـ: اللالة فاطمة نسومر. (3) الفرنسيون منزعجون جدا؛ لأن منطقة القبائل التي أنتمي إليها لم يصلها احتلالهم بسبب طبيعتها الجبلية الوعرة؛ فهي جزء من سلسلة جبال جرجرة الجزائرية، ينظر أهلها إلى الفرنسيين باحتقار، ولا يسمحون بدخولهم إليها أو التجارة معها، والأنكى أن بعض المجاهدين يختبئون هناك. هؤلاء الفرنسيون الذين وصلوا بلادي محتلين، في الخامس من نفس شهر ميلادي لنفس العام، وحينها اندلعت المقاومة هنا وهناك، يقودها في شرق البلاد الباي أحمد باي، وفي غربها الأمير عبد القادر. يقرر المحتل غزو منطقة القبائل مستغلاً سقوط مقاومة الأمير عبد القادر، يرسل رسالة إلى قادة القبائل يطلب إليهم الاستسلام ، وتسليم خليفة الأميرِ عبد القادر الذي يدعى «أحمد الطيب بن سالم»، يهددونهم بحرق قراهم ومحاصيلهم. يأتي الرد من قادة القبائل: «لقد طلبتم منا أن نطرد ابن سالم، فكيف نوافق على ذلك ونحن مسلمون؟ومن عاداتنا أن نتحدى النفي والتشريد والموت، ولا تظنوا أن إتلاف محاصيلنا يجعلنا ننخذل أمامكم؛ لأن هذه المحاصيل كثيرًا ما يقضي عليها الجراد، أو تجرفها السيول، وتلكَ الأشجار كثيرًا ما تموت، وما الرزق إلا من عند الله». تبدأ المعارك، وعلى الرغم من فرق القوة، لم تمل الكفة لطرف دون الآخر. (4) حينها رأيت ألا أكتفي بدروس العلم، وإنما أدعو الناس إلى المقاومة، أحدثهم عن الجهاد وفضله، يقع كلامي في قلوب الناس، يلتف حولي المناصرون. المعارك شرسة، الفرنسيون المحتلون يحققون بعض التقدم، والمقاومة تبذل أقصى ما لديها، وهناك على جبال جرجرة كان أحد المجاهدين يوجعهم ويؤلمهم بعملياته، إنه محمد الأمجد بن عبد المالك، أتواصل معه، نتفق على أشياء كثيرة، يخوض معركة حامية الوطيس للدفاع عن القرى، وأحشد أنا عددًا كبيرًا من النساء. لقد بت في قلب المعركة، مرتدية زيي الأمازيغي، الجبة والخمار بلونهما الأحمر الذي أحبه، حتى قال الناس عني: العالمة المتصوفة، تحولت إلى مجاهدة. تستمر المعارك بضراوة، يلتقي الطرفان في وادي سيباو، حيث يُظهر المجاهدون شجاعة نادرة، وفجأة يسقط الشريف محمد الأمجد بن عبد المالك أرضًا بطلق ناري، يقترب جندي فرنسي لأسره، لكني - بفضل الله - أنهي حياته، وأنجح في منع أسر القائد، ويكر المجاهدون عليهم. لم يستطع قائدهم الجنرال الفرنسي رندون تجرع الهزيمة، يقود قواته إلى منطقة «واضية»، لكنَّ جزائريًّا ممن باع نفسه يُدعى: باش آغا الجودي، يساعد الفرنسيين ويقاتل معهم، أنجح في قتله، يخسر الفرنسيون مخلفين وراءهم ثمانمائة قتيل منهم خمسة وعشرون ضابطًا. (5) أواصل مع قواتي الإغارة على معسكرات الجيش الفرنسي تصل قوات إضافية لدعم المحتل، ليصل عددهم إلى خمسة وأربعين ألف مقاتل، وتصبح قوات الاحتلال أكثر عنفًا، تستهدف المدنيين، تحرق قراهم وتقتل عائلات بكافة أفرادها. يتحركون ناحية قرية «آيت تسوراغ»، أوقع بهم خسائر كبيرة. ولأني أدرك أن المعركة غير متكافئة بالمرة، وأن قواتي أقرب للخسارة أَطرح الهدنة والتفاوض، ويوافق الفرنسيون ليقود المفاوضات من جانبنا أخي سي الطاهر، ومن جانبهم الجنرال رندون. لكنها الخيانة، يتظاهر رندون بالموافقة على طلبات أخي، ثم يلقي القبض عليهم جميعًا، ويأمر قواته بمحاصرة ملجئي، ويأسرونني مع عدد من النساء، وأُقاد معتقلة إلى منطقة بني سليمان، وأقضي سنوات اعتقالي الطويلة في القراءة والتعبد، بينما روحي كما هي طليقة متمردة على الباطل. أُصاب بمرض عضال، يشل حركة نصفي، ليتوفاني الله في الشهر التاسع من عام 1863 مريضة وأسيرة، وأنا ابنة ثلاثة وثلاثين عامًا لتنتهي رحلتي مع العلم والتعبد والجهاد. تحصل بلادي على استقلالها بعد زهاء قرن من وفاتي، وأنال التكريم من شعبي.
2250
| 18 سبتمبر 2023
(1) صحيح أنهم كشفوا سري في نهاية الأمر، لكن ذلك على الأقل وقع متأخرًا، بعد ما يقرب من ثلاثة وثمانين عامًا، عشتها بينهم، بل في بيوتهم، دون أن يعرفوا حقيقتي. (2) عام 1926، أولد في مدينة نيو يورك، «فيفيان ماير» هو اسمي الذي سماني به والداي، أبي من النمسا، وأمي فرنسية تنقَّلت معها بين أمريكا وفرنسا، وعشت لفترة في قرية «سانت بونيه» عند جبال الألب، وعندما بلغت الخامسة والعشرين قررت الاعتماد على نفسي، وأن أنطلق. عام 2009، تحديدًا في اليوم الواحد والعشرين من شهره الرابع، أغادر دنياكم، بعد أن سقطت في نهاية العام الذي سبقه عن كرسي خشبي اعتدت الجلوس عليه في حديقة عامة، ليرتطم رأسي بالجليد الصلب، فينقلونني إلى مستشفى، ومِن ثَم إلى دار المسنين، في أطراف شيكاغو. بين هذين التاريخين كانت حياتي الحافلة، التي لم يعرفها أحد أبدًا، حتى جاء يوم قبل وفاتي بعامين ذهب فيه شاب ثلاثيني اسمه: «جون مالوف» إلى مزاد بحثًا عمَّا يفيده لكتاب كان يعده عن تاريخ المنطقة التي يقطنها في شيكاغو. يدفع مبلغ 380 دولارًا ثمنًا لصندوقي، يعود به إلى بيته، يفتحه بكل شغف ليجد فيه نحو 40 ألف صورة «نيجاتيف» بالأسود والأبيض وغير مظهَّرة، يصاب بالإحباط، فلم يكن هذا مراده. ينحِّي صندوقي جانبًا، لكن الفضول يدفعه لاحقًا إلى فتحه من جديد، ونشر بعض صوره على مدونته، لتُستقبل بحفاوة وإعجاب، فيقرر البحث عني، صانعة هذه الصور، ليجد نعيًا لي خُتم بعبارة: توفيت بهدوء. يتتبع العنوان المنشور، ليخبروه أنهم بصدد التخلص من جميع صناديقي، فيقرر الاستحواذ عليها كلها، ليجد فيها أكثر من 150 ألف صورة موزعة في صناديقي الأخرى، ووصية كنت قد كتبتها بخط يدي أوصي فيها من سيتولى تحميض وطبع الصور التي تركتها بضرورة إتقان العمل. سوف يبذل الشاب جهدًا كبيرًا حتى يكتشف أن جميعها التقطت ما بين عامي 1950 و1970 في شيكاغو ونيويورك، والعديد من عواصم ومدن العالم العديدة التي سافرت إليها، وسيعرف أني التقطتها بكاميرا ألمانية الصنع من نوع «رولفلكس»، وأن هذه الصورة تنتمي إلى فن «تصوير الشارع»، أي كل ما يمكن أن تلتقطه عيناك في الشارع من أطفال وعجائز، وعمَّال، وسيارات، وحوانيت، ومشردين، ومبان، وطرقات، وحيوانات، وغيرها من تفاصيل الحياة الزاخرة في الشارع. ولأن الشغف والفضول يدفعان المرء إلى الإنجاز، فإن الشاب مضى يبحث ويتقصى في أمري، ويلتقي بالعديد من الذين عشت بينهم وكانت لي علاقة معهم، لينشر لاحقًا كتابه عني، وينتج فيلمه الوثائقي: «اكتشاف فيفيان ماير» الذي ترشح لجائزة الأوسكار كأحسن فيلم طويل. كان يتساءل مثل كثيرين: مَن هذه المرأة؟ وما سرها؟ وما حكاية صناديقها المكتظة بهذه الثروة البصرية؟! (3) ببساطة أحبُّ التصوير، لكن لم أرغب في أن أمتهنه، فاخترت مهنة «مربية أطفال»، براتب زهيد لدى عائلات شيكاغو الأغنياء، وبالطبع لم تكن هذه العائلات لتتخيل ولو لحظة بأن هذه المربية هي فعليًّا مصورة محترفة، وتستطيع إن شاءت، ومن خلال بيع صورها أن تنتمي إلى طبقتهم البرجوازية. لكني اخترت هذه المهنة؛ لأنها تمنحني حرية الوقت؛ فكنت أصطحب الأطفال في جولات، ألتقط على هامشها الصور، وحين أريد أن أفعل ما هو أكثر، ما هو أبعد، أحصل على عطلتي وأسافر بعيدًا؛ لألتقط المزيد. ولحسم أمري ودوافعي تركت في صناديقي تسجيلاً أقول فيه لمن سيكتشف أمري: «لقد عشت حرة، وسأموت حرة؛ لأنني أفعل دائمًا ما أريد». وصفوني بأني واحدة من أهم مصوري القرن العشرين، وزعم النقاد أن الانطباع الأول الذي تتركه صوري هو «البهجة التي تصادفك في الطريق»، وبأني مصورة عبقرية؛ وذلك لفرادتي بحسب رأيهم، ولإحساسي العالي في تأطير الصور التي تجمع أحيانًا بين الفكاهي والتراجيدي بلقطة عابرة. لم يفهم كثر رغبتي في العمل بعيدًا عن الأضواء، ففسَّر بعضهم ما حدث بأني لم أرغب أن أكون مثل «فان غوخ»، الذي امتلك إحساسًا مرهفًا، لكن الناس لم يعترفوا به، ولم يقدروه إلا بعد مماته، ولذلك انتحر مكتئبًا؛ كونه لم يبع إلا لوحة واحدة خلال حياته كلها. (4) لم يكن الذين كنت أعمل لديهم مربية أطفال يستوعبون مقصدي عندما كنت أقول لهم إذا ما عينت عند أحدهم وانتقلت للعيش معهم: «لقد أحضرت معي حياتي كلَّها»، فأنا بالفعل قد خزَّنت حياتي كلها في صناديق أرحل بها على مدى أربعين عامًا من مكان لآخر، صوري وأفلامي التي ربما لم تحمض وأشيائي الخاصة، أضع عليها أقفالها، وأطلب من الذين أعمل معهم ألا يقتربوا من غرفتي، أو أشيائي الخاصة. وهي ذات الصناديق التي بدأت في رهنها عند تجار المزادات حين ألمت بي ضائقة مالية، وابتاعها الشاب، واكتشف لاحقًا أمري وأمرها. (5) في نهاية حياتي تنال مني الشيخوخة والفقر، إلى حدِّ أني بتُّ مهددة بالطرد من بيتي، ينقذني الأخوان غينسبورغ، اللذان عملت مربية لهما في طفولتهما، لكن الموت مثل الناس لا يرحم. أما هؤلاء الذين اعتنيت بهم، أو عملت مربية لهم، سوف تتناقض أقوالهم عني في فيلم الشاب «جون مالوف»، ما بين من يتهمني بالقسوة المفرطة، إلى حدِّ وصفي بأني كنت مريضة عقليًّا، وبين من يعتقد أني كنت ملهَمة عطوفة، على كل حال ثمة ما لن يختلف عليه اثنان منهم، أنني كنت فنانة، وإن عشت في العتمة.
1077
| 11 سبتمبر 2023
(1) أنا المدعو «فرانز جاجر شتاتر»، أحدثكم من العالم الآخر، بعد أن قضيت على أرضكم ثلاثة عقود، أو أزيد قليلاً. أنا هنا حيث أنتظر وقاتلي المحاكمة التي تفصل بيننا، لست قلقًا أبدًا؛ فهنا يحظى الجميع بقاضٍ عادل، حتى وإن كانت الضحية شخصًا مجهولاً مثلي، ضعيفًا مثلي، لا حول له ولا قوة. (2) في أربعينيات القرن الماضي جرت حكايتي؛ كنت أعيش هادئ البال في ريف بلادي كفلاح نمساوي أصيل، لا أفهم في السياسة، ولا أريد ، لكن السياسة وصلت طرقت باب بيتي ، حين استلمت خطاب استدعاء للتدريب العسكري. لم أتلق الأمر بارتياح، لكن أديت ما طلب مني، وعدت إلى أرضي وعائلتي، لكن ما توقعته حدث؛ فالحرب العالمية الثانية تدور، وماكينة هتلر تبتلع الأرض والبشر، وخطاب التكليف بالالتحاق بالجيش يصلني. ولأني في عرف الناس رجل متدين، لجأت إلى قس كنيستي، قلت له: لا أريد أن أؤدي قسم الولاء لهتلر، ولا أن أشارك في معاركه. انتابه الفزع، تلفت يمنة ويسرة وكأن الجدران ستفتن علينا، نصحني بألا أخبر أحدا بما يدور في نفسي، وأن أقبل ما يطلبونه ، وإلا اتهمت بـأنني خائن لوطني. غادرته وفي نفسي أسئلة أكثر مما أتيت بها إليه. ما قيمة صلواتنا وعباداتنا، إن حملنا أسلحتنا وقتلنا الآخرين وشردناهم؟ ماذا أقول لربي إن وقعت في الخطيئة؟ الخطيئة ليست الزنى وحده؛ الدم المراق بغير حق أيضا خطيئة، تهجير الناس خطيئة، قضيت ليالي طويلة أفكر في الأمر، يتسلل الشيطان إلى نفسي ، يخبرني: لكنك بذلك ستوقع الأذى بنفسك، وأنا أرده: لكل موقف ثمن، ولا أريد أن أدفع ثمن الخطيئة. (3) أما أهلي، زوجتي وأمي وأطفالي، فكانوا بين نارين؛ أن يدعموني في اختياري، ويفقدوني، ويقضوا حياتهم دوني، أو يردُّوني فنحيا جميعًا معًا، لكن نحيا في ظل الخطيئة. لقد اختاروا دعمي وهم يتحسرون علي، على عكس جيراني، الذين لفظوني جميعا، وآذوا أهلي، وحينها أدركت أن الوباء انتشر بين الناس، وأن مصل «الضمير» يحميني وأهلي من الوقوع فيما وقع فيه الآخرون. لست ببطل، ولا أسعى إلى أي دور، ولا حتى معارضا، كل ما في الأمر أنني لا أريد أن أوالي ظالما فأقسم له بالولاء، ولا أريد أن أقتل بريئا، غير ذلك فلا يعنيني. قلت: لا، وأنا في كامل وعي بثمنها، رفضت الجندية في الجيش النازي، اعتقلوني، خطفوني خطفا من أحضان عائلتي، وزجوا بي في زنازينهم. وهناك تجرعت كل أنواع العذاب . (4) في السجن، زارني المحامي بعد جولات من التعذيب، جاءني فرحا؛ فقد وجد الخلاص، أخرج ورقة وقلما، وقال لي: اكتب وسيتم الإفراج عنك حالا. سألته: ماذا أكتب؟ قال: اعتذارا عما فعلت، وتراجعا عنه. رفضت بالطبع. اندهش، قال لي: إنها مجرد ورقة، بضع سطور، ثم تخرج وتلتقط أنفاسك! أخبرته: ونحن ماذا نكون إلا بضع أنفاس؟ كيف نزهقها في الحرام؟ لم يفهمني مطلقا، أين الحرام؟! أعدت له للمرة الألف شرح رأيي، لن أوالي ظالما، لن أقتل الآخرين، إن لم يكن ذلك هو الحرام فما هو الحرام؟! قال لي: هو مجرد توقيع، وتصبح حرا! أجبته بكل بساطة: لكني حر، سقط القلم من يده على هذه الطاولة المهترئة، واهتز كرسيه المهتز، لم يفهم ما قصدت. يبدو أنه ظن أن الجنون من التعذيب أصابني، فقفز ، وغادر زنزانتي. (5) قضيت أياما وليالي هي الأسوأ في حياتي؛ ماذا سيفعلون بي؟ وماذا ستفعل زوجتي؟ وماذا عن أمي العجوز، وعن أطفالي، وعن أرضي؟ هل الثمن يستحق؟ انتهت تساؤلاتي عند لحظة إعدامي. (6) تمر الأيام والسنون بعد رحيلي، ثم يأتي رجل أمريكي يدعى: «تيرنس ماليك»، عمل مع الصحافة المكتوبة، وقام بتدريس الفلسفة، قبل أن يتحول إلى المعهد السينمائي الأمريكي، ليكتب سيناريوهات ويُخرج العديد من الأفلام، تحمل كلها أبعادًا فلسفية، مهموم هو بالإنسان الذي يبحث عن النجاة في عالم مادي. اختار حكايتي، أزال عن ذكراي الأتربة التي علقت بها، وقرر أن يخبر بها العالم، في فيلم طويل امتد لثلاث ساعات، أطلق عليه اسم: «الحياة الخفية»، ليكون واحدا من أجمل الأفلام السينمائية، بشهادة أهل هوليود. حاول المخرج المسكين أن ينقل حكايتي بإخلاص، عبر لوحة فنية مذهلة، تتناغم فيها الرومانسية، والحيوية، والموسيقى، والفلسفة. حسنًا فعلت «تيرنس ماليك» حين ركزت بشدة على فكرة المعنى الحقيقي للإيمان والدين، بين ما يجب أن يفعله المرء السوي، وبين ما يريد المجتمع منه أن يفعله، حين أوضحت الصراع المجنون بين خيارات الإنسان وتبريراته. أشكرك، غير أني فعلت ما فعلت غير منتظر لتصفيق أو إشادة أو جائزة، أنا ببساطة قلت: لا؛ لأني حر، وصاحب ضمير حر؛ لأني سيد، ولست عبدا، هكذا الأمر ببساطة. أترككم الآن إلى أن تشاهدوني بنفسكم يوم المحاكمة العادلة.
999
| 04 سبتمبر 2023
(1) اختاروا لي اسم: «مورفي»، لا أعلم لماذا! لكن أحدهم اقترح لي هذا الاسم، ووافقه الباقي، واشتهرت به. في الحقيقة هؤلاء البشر غاية في الغباء، أنا وقومي نعرف عنهم ذلك، رغم أنهم يتهموننا نحن بالغباء، لقد خلقهم الله وسخر لهم كل الكون، لكنهم اختاروا أن يقضوا حياتهم في حروب لا تنقطع. المشكلة أنهم هذه المرة ورطوني معهم في معركتهم التي أطلقوا عليها اسم: «الحرب العالمية الأولى»، والتي انطلقت قبل عام من وقوع حكايتي هذه. (2) في خواتيم أبريل (نيسان) من العام 1915، كنت أعيش هناك، بالقرب من مضيق الدردنيل، الواقع في الشطر الأوروبي من تركيا، حينها بدأ مَن يُطلقون على أنفسهم اسم: الحلفاء، القادمون من المملكة المتحدة والهند وفرنسا وأستراليا ونيوزيلندا، معركة كبيرة ومهمة في محاولتهم للوصول إلى إسطنبول. رأيت العثمانيين بدورهم يدافعون بقوة، تحصد مدافعهم ورشاشاتهم أرواح عشرات الآلاف من القتلى، وزد عليهم من المصابين، لم يكن الأمر ليعنيني، قلت في نفسي: فليقتل هؤلاء الأغبياء بعضهم البعض، وانصرفت لحالي، أستمتع بأكل ما تجود به الأرض. لكن قاتل الله الفضول، فقد كانت المعركة محتدمة حين شاهدت جنديًّا يغني ويصفر رغم هذا الموت كله، وجدتني أبادله صفيره بنهيقي، وليتني ما فعلت، فقد لفتُّ نظره إليَّ، وإذ به فجأة يترك المعركة والقتلى والمصابين، ويتوجَّه لي، أوحى لي برغبته في أن أساعده وأحمل معه بعض الجرحى. ترددت، ولكن تذكرت أن من واجبي ألا أكون كهؤلاء البشر، وأن الرحمة يجب أن تسود. بعد عدة مرات صعودًا وهبوطًا، وبعد أن انتهيت من تنزيل حمولتي في هذه الممرات الجبلية، قدَّموا لي بعض الطعام، وعرفت من حديثهم أن هذا الشخص اسمه: «جون سيمبسون» أو «سيمي» كما يناديه رفاقه، وأنه بريطاني هاجر إلى أستراليا، ولسوء حظه جُنِّد في جيشها مسعفًا، لكن هذا المجنون، وبعد أن أعرب عن حسن صنيعي وشكرني، أبلغني أنه قرر ضمي إلى فريقه من المسعفين، وحدَّد دوري بحمل المصابين على ظهري ونقلهم. (3) في الحقيقة أنا ورفاقه قابلنا الفكرة باستخفاف، لكن ما لبثنا جميعًا أن تراجعنا واعترفنا بجدواها، وهكذا أصبح عليهم أن يقتلوا بعضهم بعضًا، وعليَّ أن أحمل على ظهري ضحاياهم، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما دعوا بعض أصدقائي للالتحاق بهم، وهكذا تم تجنيد عدد من أصدقائي مِن نفس فصيلتي، ووزَّعوا عليهم نفس الدور. وفي وصف ما كنا نقوم به تسنى لي أن أقرأ لاحقًا ما كتبه العقيد بالجيش الأسترالي جون موناش في مذكراتِه: «الجندي سيمبسون ووحشه الصغيرُ نالا إعجاب الجميع في الطرف العلوي من الوادي، لقد عملا ليلاً ونهارًا طوال فترة الإنزال، وكانت المساعدة المقدمة للجرحى لا تقدَّر بثمن». أعترف فعلاً أن سيمبسون لم يكن يعرف أي خوف، بل كان يتحرك بلا مبالاة وسط نيران الشظايا والبنادق. ويبدو أن هذا السلوك البطولي أغرى زملاء له بتقليده، وهكذا كبر عدد أبناء فصيلتي الذين يساعدون هؤلاء الأغبياء، لكن للأسف قتلت الشظايا البعض منا، وجَرحت آخرين. (4) تمر الأيام ثم في 19 مايو/ أيار 1915 يشنون الهجوم الثالث، تشتد المعارك، يسقط العديد من القتلى والجرحى، وكالعادة أعمل أنا وصديقي «سيمي» بجد في إنقاذ الجرحى، في مسارات لا تنتهي بين القاعدة وخط إطلاق النار، إلى أن يقع حادث رهيب، صديقي يحمل أحد المصابين من خندقه لينقله على ظهري، فإذا برصاصة تصيبه مباشرة في قلبه فيسقط قتيلاً، لكم أوجعني الأمر، وكأنني أعرفه منذ سنوات. يومها نهقت بما لم أنهق من قبل، لكن إخلاصًا لصاحبي قررت أن أستكمل مهمتنا مع مسعف آخر في جيش آخر من جيوش الحلفاء، وهو «ديك هندرسون» من الهيئة الطبية النيوزيلندية. بصراحة لم أحبه كصاحبي، وإن كان بنفس الشجاعة التي جعلته يحصل على جائزة الميدالية العسكرية. (5) وإن كانت حكايتي تفتح ملف التضحيات التي قدَّمناها -نحن الحمير- للبشر في حروبهم، فلعلني أتذكر المقاومة في أنغولا التي كانت تخوض حربًا ضارية ضد الاستعمارِ البرتغالي، وكان السودان حينها يدعم حركة التحرر تلك. حكوا لي أن الجميع كان يتصبب عرقًا من ارتفاع درجة الحرارة، حين كان الحضور يناقش قائمة طويلة من المهام في غرفة بمبنى حكومي في العاصمة السودانية الخرطوم. تقفز ابتسامة على مُحيَّا رجلٍ صارمٍ وهو يقول: «إنهم يطلبون تزويدهم بالحمير؛ لتساعد في حمل العتاد في الأدغال». يقاطعه آخر: ولكن ألن يدلل نهيقها على مكان القوات؟ يبتسمُ الرجلُ الصارمُ ويجيبه: «لا تقلق.. سنمنعها من النهيق». وبالفعل يُرسَل عدد منَّا إلى الجبهات في أنغولا؛ لتحمِل العتاد في صمت، وبالفعل هي لا تنهق؛ فالأطباء البيطريون في السودان أجروا عمليات لها لإزالة حبالها الصوتية، لطالما قلت لنفسي في كل مرة أتذكر فيها هذه الحكاية: لا عجب؛ فالبشر يفعلون في بعضهم البعض ما هو أسوأ من ذلك! (6) أما في القاهرة -تحديدًا في مبنى السفارة الأمريكية- فنجد «جوكس كوفي» ممثل البيت الأبيض، والذي كانت مهمته الرئيسة تزويد الجهاد الأفغاني من القاهرة، أو عن طريقها، بصفقة غاية في الأهمية. في اجتماع الرجل مع آخرين يعلن في امتعاض موافقته على المبلغ المطلوب، والذي يرى أنه مبالغ فيه لإتمام الصفقة، التي تتلخص في شراء ألفي حمار تُرسل إلى أفغانستان. وعلى الرغم من أن المواصفات المطلوبة كانت بغالاً قبرصية اعتادت على وعورة التضاريس وثقل الأحمال، إلَّا إنه تم توريد حمير من ريف مصر، ولذلك حكاية أخرى لطيفة. فقد أراد حاكم لدولة خليجية التخلص من الحمير الضالة في بلاده، فاقترح عليه أحدهم إرسالها للريف المصريِّ لمساعدة الفلاحين، لكن تلك المساعدة التقطَتها يد مورد الصفقة الجهادية، وأرسلها لتحمل العتاد في أفغانستان. (7) أما أطرف حكايتنا ربما فهي عن ذلك الحمار الذي كان يعيش في قاعدة أمريكية غرب مدينة الفلوجة أيام غزوِ العراق، فقد اعتاد هذا الحمار على التهام أعقاب السجائر، حتى أصبح الجنود يُطلِقون عليه اسم: «مستر سموك». يقع الكولونيل «جون فولسوم» قائد المعسكر في حب الحمار، ويقرر السعي لاستقدامه بعد عودة العسكر لبلادهم، ويخوض سلسلة طويلة من الإجراءات، والتحاليل، والشهادات، واستمارات صحية من الجمارك، ومسؤولين في الزراعة والخطوط الجوية. بعد سبعة وثلاثين ساعة من الطيران يصل «مستر سموك» بعد تكلفة بلغت حواليَ ثلاثين ألف دولار، لكنه للأسف يموت في ولاية نبراسكا، حيث كان باديًا عليه بوضوح الألم الشديد، ونهيقُه بدا خَافِتًا، قيل: إنه أصيب بمغص مَعَوي، وقيل: إنها الغربة! وإذا كانت الحكاية لا تبدو لبعضكم طريفة فهاكم أخرى، عن حمار السيدة كلثوم بائعة لبن في مدينةِ القضارف شرقي السودان، فحين كانت القوات الإيطالية تطلق قذائفها، تصيب شظية حمار السيدة الذي ربطته في شجرة وراحتْ تصب الحليب لزبائنها، نَفَق الحمار لكنه صار سببًا للتهكُّم على طيران العدو؛ فغنت المغنيَّة السودانية على أثير إذاعة أم درمان واصفة الطائرة الإيطاليَّة قائلة: «جات تضرب الخرطوم... ضربت حمار كلتوم.. ست اللبن».
1224
| 28 أغسطس 2023
(1) حكاية كلٍّ منَّا حكاية عادية جدًّا، إلى أن يقرِّر المرء بنفسه أن تكون غير ذلك. ساذجون هؤلاء الذين يعتقدون أن الحكايات الجديرة بالسرد هي حكايات المشاهير والعظماء؛ ثمة أناس عاديون، بل ربما رعاة غنم، لكن حكاياتهم جديرة بالسرد. لا تصدقني! اقرأ واحكم بنفسك. (2) في قريةٍ صغيرة ببادية كُردُفَان بوسطِ السودان ولدت، فما إن بلغت السابعة من عمري، حتى ألحقني والداي -مثل أهل أبناء قريتي- بالكتَّاب، أفك الحرف، أكتب بإصبعي في الرمل، وبالقلم على اللوح، وأحفظ شيئًا من كتاب الله. فلما كبرت قليلاً بت راعيًا للأغنام، وحافظت على دروسي في الكتَّاب، إلى أن بلغت مبلغ الرجال، فقررت السفر بعيدًا قليلاً عن مسقط رأسي؛ طلبًا للرزق. تمر سنوات كثيرة، والحال على ما هو عليه، إلى أن قررت العودة إلى قريتي، وأتزوج قريبة لي، وكان ذلك قبل بلوغي الثلاثين بقليل. وسارت الحياة بأيامها العادية، إلى أن مرض جدُّ أبنائي، فحزنت كثيرًا لذلك، فقد كنت أُكنُّ له الكثير من الحب، ولذلك قررت أن أتولى أمر علاجه مهما كلفني الأمر. صحبته إلى «أم درمان»، وفي مستشفاها الضخم طال البقاء، ونفد ما لديَّ من مال، فقررت البحث عن عمل، أي عمل، حتى لو كان في أعمال البناء. نصحوني بالتوجه نحو قهوة بعينها في السوق يقصدها الباحثون عن العمل من أهل الحرف. ذهبت، وجلست طويلاً، غير أنه لم يقصدني أحد، ولم يطلبني أحد، ربما لأن لا أحد يعرفني، وربما لأن ملابسي لا توحي بحاجتي. فضاق بي الحال جدًّا، إلى أن أتى يوم مالَ فيه عليَّ رجل وسألني عن اسمي، فلما أجبته قال لي: إنه يحتاجني لبعض الأعمال، ففرحت فرحًا لا يوصف. (3) بدأت العمل في منزل الرجل، ليخبرني بعد مرور عدة أيام، أنَّ بوسعي النوم في منزله إلى أن أُنهي مهمتي. وهذا يعني أني نلت العمل والمأوى، إلى أن فوجئت يومًا وهو يبشرني بأن هناك وظائف عمالية متاحة، لكنها تحتاج الخضوع لاختبار بسيط، كان الرجل يجد حرجًا وهو يحدثني؛ مخافة أن يكون المطلوب صعبًا على هذا القروي راعي الغنم، ابتسمت وهو يخبرني أن كل المطلوب هو كتابة الاسم رباعيًّا. استلمت وظيفتي الجديدة، حارسًا ليليًّا لسكن صغير للطلاب، لا يزيد عددهم على عشرين، وكل ما كان عليَّ هو خدمتهم نهارًا، نظافة وطهيًا، وحراستهم ليلاً. عاملتهم بإخلاص وتفان، وهم سرعان ما منحوني حبهم، كنت أتابع حواراتهم وجدالهم، بل أشاركهم -أحيانًا- في حل بعض مسائل الفقه واللغة. والحقيقة... إنني كنت أكتشف نفسي بنفسي؛ فقد أدركت أن شيخ القرية علمني الكثير، وأن قسوة الغربة قد أخرجت من صدري شعرًا حارًّا. هذه الغربة هي التي وثَّقت صلتي بالراديو، فساعات طوال أقضيها في الإنصات له. وحدث أنَّ واحدًا من الطلاب اكتشف أنني أقرأ مذكراتهم الدراسية نهارًا، وأنني أكتب الشعر، تحمس لأمري كثيرًا، حتى إنه قرر أن يصلني بالإذاعة. يغيب أيامًا ثم يعود ليبشرني بأن أشعاري قد قُبلت، وأن الإذاعة تكلِّفني بكتابة مسلسل إذاعي، أبطاله شعراءُ شعبيون. (4) تمر الأيام، ويذهب الطلاب في رحلة علمية أرافقهم فيها. وفي أحد الأيام وبينما يتفقَّد أحد الأساتذة طلابه، يجدهم متحلقين حولي، يسألونني -أنا الرجل الخمسيني المسؤول عن العناية بهم- عن أبيات جرت على لسان أحد أبطالي في المسلسل الإذاعي الذي كتبته. يندهش الأستاذ عندما يعلم أن الحارس الليلي شاعر، وأنه يجيد كتابة السيناريو بذات إجادته الطهي. ينصحني بمتابعة الدروس العلمية في الجامع الكبير بأم درمان، وبالفعل التحقت بمعهدها العلمي. لم يكن الأمر سهلاً، لكني كنت قد قررت المُضي في حياتي، وعدم الاستسلام لأي ظروف عارضة. تمر الأيام، وأخضع لامتحان الإجازة بالمعهد العلمي، ثم يكون الخبر السعيد. أنا البدوي، راعي الأغنام، عامل البناء، الطاهي، الحارس الليلي، أنجح وأصبح مؤهلاً لدخول جامعة أم درمان الإسلامية. أصارحكم القول: كنت سعيدًا للغاية بالخبر، إلا أنني توترت قليلاً؛ فقد بلغت الأربعة والخمسين عامًا، فهل أستطيع خوض رحلة كفاح جديدة في هذا العمر؟ (5) أربعة أعوام تمضي وأنا أزاوج بين العمل والدراسة، إلى أن أتخرج من الجامعة. كان الأمر أشبه بحلم مستحيل يتحقق، غير أنه لم تكن هناك وظيفة شاغرة تناسب مؤهلي الجديد، فقررت الاستمرار في عملي كحارس لسكن الطلاب، إلى أن أجد ما يناسبني، بل قررت أن أواصل رحلتي العلمية لنيل درجة الماجستير، وفيما أنا أجتهد في الأمر يخبرونني أن ثمة وظيفة أصبحت متاحة لي في الجامعة. أنال الماجستير بدرجة ممتاز، وأخوض معركة لنيل الدكتوراه، وأنالها بالفعل، ثم درجة الأستاذية. المشكلة اللذيذة التي أعاني منها أنني لا أستطيع التوقف، فكرة الاكتفاء بما تحقق، وإهدار ما تبقَّى من عمري في راحة أو ما يشبه ذلك كانت فكرة مرفوضة تمامًا. بل كنت أشعر بالامتنان لما حصلت عليه، وهذا الامتنان يستدعي أن أرد الجميل بجميل. قررت أن أنثر علمي في كل مكان، في قاعات المحاضرات، في الحلقات العلمية بالمساجد، بل وحتى في منزلي الذي بات قبلة لطلبة العلم ولمحبي الشعر. ولأنني كائنٌ لا يتوقَّف، فقد واصلت كتابة الشعر، رغم ما يحتاجه من مجهود، وصدر لي ديوانان، وكتاب اسميته: (مذكرات راعي)، وبالطبع قبل ذلك ثمانية مسلسلات إذاعية. (6) في العام ألفين واثني عشر، يشيعون جنازتي، طلاب ومريدون يعلنون فخرهم بهذا السوداني الملقب بـالبروفيسور (قريب محمد راجع)، راعي الأغنام سابقًا، الذي أصرَّ ألا تكون حكايته عادية.
939
| 21 أغسطس 2023
(1) اسمي: باسم خندقجي، فلسطيني رغمًا عني، وفلسطيني بإرادتي؛ فالمرء يولد في مكان لا يختاره، لكني لاحقًا اخترت فلسطين، أعيش منذ عشرين عامًا متنقلاً بين عدة سجون، أما عمري فهو أربع روايات، وديوانان من الشعر، وثلاثة أحكام مؤبد، هذا هو الموجز، وإليكم التفاصيل. (2) وُلدت في الشهر الأخير من عام 1983، درست حيث وُلدت في نابلس، لم أستسغ ما وقع لي في امتحان الثانوية العامة، فقررت إعادة المحاولة، وبالفعل نجحت، وقررت أن أمضي قدمًا وألتحق بجامعة النجاح الوطنية، لم تكتف أمي بتشجيعي ببضع كلمات، بل راحت فباعت هي بعضًا من مصوغاتها الذهبية لتسديد المصروفات، والتحقت أنا بقسم الصحافة والإعلام. عام 2004 كانت الانتفاضة الثانية مشتعلة حين استشهد قائد كتائب الشهيد (أبو علي مصطفى) ونائبه أثناء اشتباك مسلح مع قوات الاحتلال في مدينة نابلس، فقرر رفاقه الانتقام. وبالفعل وقبيل ظهر اليوم الأول من نوفمبر، يدخل عامر الفار -بصحبة أعوامه الثمانية عشر- سوق الكرمل المركزي والمكتظ برواده وسط تل أبيب، يضغط بخفة على زر، ينفجر الحزام الناسف، يلقى الشهادة، ويقتل أربعة من المحتلين، ويجرح عشرات غيرهم. مدركًا أن المرء يدفع ثمن خياراته، نمت في تلك الليلة قرير البال في بيتي، إلى أن اقتحم جنود الاحتلال منزلنا بعنف، قاموا بتفريق العائلة وإنزالهم لبيت الجيران، ثم بادروا إلى اعتقالي دون السماح لي بالحديث مع أهلي، أو حتى توديعهم. اتهمت -مع آخرين- بتقديم المساعدة في هذا العمل الاستشهادي، اعتقلوني بينما كنت في عامي الجامعي الأخير، وحكموا عليَّ بثلاثة مؤبَّدات، لكن الطريف أن الاحتلال طالبني بدفع تعويض يقدَّر بما يزيد على أربعين مليون شيكل لعائلات القتلى. (3) في السجن عانيت عذاب التحقيقات، لكني لم أندم أبدًا، غير أني كنت مخيرًا بين أن أتوقَّف عن الحياة، وبين أن أستمر بها. نكاية في شياطين الأرض اخترت الأخيرة. في السجن كتبت مقالي «شكرًا لمؤبَّداتكم»، وقصدت بها قضاة المحكمة العسكرية الثلاثة الذين قرَّروا إصدار حكم المؤبَّد بحقي ثلاث مرات متتالية. في السجن أكملت دراستي الجامعية للبكالوريوس، والماجستير، وأعمل الآن على نيل درجة الدكتوراه. وفي السجن كتبت «مسودات عاشق وطن»، عشر مقالات عن الهمِّ الفلسطيني، وكتبت أيضًا «وهكذا تحتضر الإنسانية»، عن تجربة الأسير الفلسطيني داخل السجون وهمِّه اليومي. وصدر لي ديوانان من الشعر، ودراسة عن المرأة الفلسطينية، وكتاب «أنا الإنسان نداء من الغربة الحديدية». وفي السجن كتبت أربع روايات: «مسك الكفاية»، و»نرجس العزلة»، و»خسوف بدر الدين»، و»قناع بلون السماء». كان معي حق إذن أن قلت لهم: شكرًا لمؤبداتكم! (4) في الأوقات الصعبة اقلب المعركة لصالحك، أغمض عينيك عن كل ما بك، تحسس نفسك، ابحث جيدًا عن نقطة قوة لديك، أمسك بها، وأطلقها، وأرهم العجب العجاب. أحبُّ السرد منذ صغري. «نهاية رجل شجاع» للروائي السوري الشهير (حنا مينا) كانت أول رواية أقرؤها وعمري لم يتعد العاشرة، كبرت والتحقت بصفوف حزب الشعب الفلسطيني، وعمري آنذاك 15 عامًا، وفي المرحلة الثانوية أسست أول مجلة حائط في مدرستي. وفي السجن اخترت الحكاية. الحكايات طيورك، تنطلق خارج أسوار سجونهم، تلف العالم كله، تحمل رسائلك، تحدِّث العالم بلغاته، وتبلِّغه أن المسألة هي مسألة وقت، أما النصر فلنا. يسألني الناس: كيف لك أن تكتب روايات تاريخية بهذه الدقة وبما تحتاجه من مراجع، بعيدًا عن مقعد أثير، ومشهد رومانسي، وفناجين الشاي والقهوة، وقبلة من أم أو زوجة أو حفيد؟ كيف لك أن تهزم كل هذه الأسوار؟ كيف يفعل ذلك سجين؟ وأنا أجبت مرارًا: كل حر يفعل وإن كان مسجونًا. احتفى الناس بروايتي «خسوف بدر الدين» احتفاء بالغًا، إنها من ذاك النوع التاريخي، تتحدَّث عن البطل الصوفي بدر الدين في رحلة تمرده على الفساد، وعلى وعَّاظ السلاطين، رافضًا لعب دور الببغاء، فما فائدة العلم بلا كرامة؟! قالوا عن الرواية ما قالوا.. إنها تركِّز على أسباب أفول الحضارات، وضياع الأوطان، بعد أن تذهب بريحها كل الصراعات والفتن والحروب. وإنها رواية مليئة بالقلق، رواية التباس وشك وعدم يقين. وإن من يقرؤها إنما يشاهد فيلمًا أكثر منه أنه يقرأ بسبب هذه اللوحات التصويرية البديعة التي رسمتها -كما يقولون- بدقة. وصفوا روايتي بأنها ملحمة عن قائد ثورة اجتماعية لم يقيَّض لها النجاح مثل ثورات سابقة في تاريخ الإسلام والمسلمين، حيث لم تكن الظروف الموضوعية ناضجة لنجاحها، ولتحقيق أهدافها في نصرة المظلومين. أما إبراهيم نصر الله فقد قال: إني بهذه الرواية التاريخية أتأمل معنى القوة في معادلة الحب، ومعنى النصر في ظل الدمار وسفك الدماء، وحال البشر في تنوع أجناسهم وأحلامهم وأديانهم، وطموحات تلتهم أصحابها كما يلتهمون أعداءهم. «أن يذهب شاعر وروائي فلسطيني مثل باسم على الرغم من ظلمة زنزانته، لعناق النور في روح متصوفة، وعناق التسامح والحب والجمال الذي يملأ قلب بدر الدين وقلوب مريديه، فإن ذلك يعني أن السجَّان لن ينتصر، على الرغم من كل الوحشية». (5) في روايتي هذه كتبت: «لَقد قُمنا بما يَتوجب عَلينا القيام به يا أخويَّ، لقد تجرَّأنا على البوح بالحق والعدل والعلم والانعتاق، لجأ إلينا مَن لجأ من الناس، هانئين بما أزلناه عن قلوبهم من علق الخضوع والرضوخ، في زمن البطش هذا، زمن يموت فيه المساكين من شدة صقيع القسوة والسطوة، زمان تعاهدنا فيه على أن نَكون قرابين الدفء».
1305
| 14 أغسطس 2023
(1) «جون هيرسي» صحفي حربي شهير، غطَّى الحرب العالمية الثانية، وكتب عن أحداثها 14 كتابًا، يعتمد أساليب الكتابة الأدبية والروائية في سرد الأحداث والوقائع السياسية والحربية، له كتاب مشهور يوثِّق فيه حياة ستة من الناجين من قنبلة هيروشيما. ثمة فتاة تُدعى: «ماري كولفن»، تتابع درسها الأول معه بشغف، وبانتهاء الحصة ينتهي ترددها حيال ما ستفعل في مستقبلها، لقد بهرها تمامًا النموذج الذي صنعه هيرسي لصحفي الحرب، تقرر أن يكون هذا هو تخصصها. (2) الحقيقة أن حكاية ماري الأمريكية تبدأ قبل ذلك بكثير، ربما عام 1970، حين تباشر في تسجيل يومياتها وهي في الثالثة عشرة من عمرها، بل تحاول كتابة أول رواية لها، ولأن مشروع أي روائي ناجح هو أن يكون مندمجًا في مجتمعه وليس معزولاً عنه، فإنها تخرج إلى الساحة العامة للمدرسة، على الرغم من تحذير أمها، ممسكة بلوحة عليها صور جنود صغار السن قُتلوا في فيتنام ومكتوب تحتها: «أوقفوا الحرب».. «نريد السلام». وحين تسافر إلى البرازيل -بعد ذلك بثلاثة أعوام- لتعلم البرتغالية، ترسل ممتعضة إلى والدها رسالة تخبره فيها أن الشعب هنا لا يستطيع التعبير عن قناعاته السياسية؛ بسبب قبضة النظام. تعود إلى بلدها وتلتحق بالدراسة الجامعية، وتعمل في وكالة تسويق، لكنها طوال الوقت مهووسة بالحديث في أمور السياسة، تقتني كل يوم صحيفة (نيويورك تايمز)، وتحرص على قراءتها كاملة. في العاشر من يوليو/ تموز عام 1977 يتوفى والدها مريضًا، تهتز بشدة، لا يواسيها سوى عزمها أن تحقق حلمه بالكتابة، ذاك الحلم الذي لم يستطع هو تحقيقه لنفسه. (3) تظهر في حياتها الصحفية «مارثا جيلهورن»، وهي الأخرى صحفية حرب، غطَّت الكثير من الحروب حول العالم، منها بضع سنوات في إسبانيا حيث الحرب الأهلية الإسبانية، وجمعت قصصها الحربية التي عاشتها في كتابها: «وجه الحرب»، إنها قدوة أخرى لماري باعتبارها امرأة شجاعة في وسط ميدان الحرب. تنهي دراستها الجامعية، وتتقلب في عدة وظائف كصحفية، لكن حلمها كمراسلة حربية لم يتحقق بعد، إلى أن تصل إلى فرنسا في عام 1986، وخلال عملها هناك يُطلب منها السفر إلى المغرب؛ لتغطية مؤتمر القمة العربية، فيما التوتر على أشده بين القذافي والولايات المتحدة الأمريكية. تقرر ماري خوض مغامرة فريدة من نوعها بالبحث عن طريقة تعقد بها لقاء صحفيا مع القذافي، تسافر إلى ليبيا بعد انتهاء القمة العربية، وتنجح في تدبير اللقاء، وتتصدر المقابلة صفحات الجرائد الأولى في الولايات المتحدة، وفي إذاعة (بي بي سي)، وكان ذلك مفاجأة لأسرتها. تنتقل للعمل في جريدة (الصانداي تايمز) البريطانية في سبتمبر/أيلول 1986، أي بعد حادثة القذافي ببضعة أشهر فقط. تبدأ مهامها بالتوجه إلى واحدة من أخطر المناطق في ذلك الزمن وهي بيروت، تنجح في عقد مجموعة من اللقاءات مع قادة المجموعات العسكرية لحركة التحرير في لبنان. تنشر في صحيفتها أنها قابلت أحد أعضاء جمعية أمل المقاومة، وقد أهداها قميصًا ممزقًا بثماني رصاصات من رشاش إسرائيلي، وقال لها: لقد شاهدتِ قميصًا مثل هذا في فيلم رامبو، لكنه كان مجرد فيلم، أما رامبو الحقيقي فهو نحن. تسافر إلى فلسطين، وتلتقي ياسر عرفات، ثم العراق، وتغطِّي أحداث غزو صدام حسين للكويت، وفي السنوات اللاحقة تسافر إلى أفغانستان لتقابل الملا عمر قائد حركة طالبان، حتى إنها تصل كوسوفو لتسجل واحدة من أهم اللحظات الصحفية في مسيرتها، حيث كتبت صحيفتها: إن ماري أول صحفية أوروبية تستطيع الدخول إلى معاقل القتال في كوسوفو. في بدايات عام 2001 تلتقي ماري في لندن بثلاثة أشخاص يدعونها إلى مقابلة قائد حركة المعارضة في سريلانكا، والتي عرفت باسم: حركة نمور التاميل، تنهي مهمتها، وفي طريق عودتها تصل الحدود الفاصلة بين الحكومة والمعارضة، تحاول لثلاثة أيام الخروج ولا تفلح؛ بسبب إطلاق النيران المتبادل. تسير مسافة ثمانية أميال ضمن مجموعة من المدنيين والمقاتلين، ثم فجأة يتعرضون لإطلاق رصاص، تحاول الاختباء، لكن رصاصة تصيب عينًا لها، تصرخ، يصيح من حولها: «صحفية.. صحفية.. مِن أمريكا». قلبها يدق بشدة، تجاهد للتنفس، كان واضحًا أنها على وشك الموت، يتدخل السفير الأمريكي، وتهبط طائرة مروحية لتحملها إلى مستشفى العاصمة للعلاج، لتعيش بقية حياتها بعين واحدة. (4) محملة بذكريات لقاء القذافي تسافر إلى ليبيا فيما ثورتها متقدة، لكنها هذه المرة الثانية قد تجاوزت الخمسين من عمرها، تصف الوضع قائلة: كما لو أنني في إعادة إنتاج لحصار ستالينغراد، لقد كنت نائمة على أرضية إحدى المشافي، وكلما سمعت الأطباء أو مقاتلي المعارضة يصرخون: «الله أكبر» كنت أعرف أنهم يستقبلون مصابًا جديدًا برصاص قوات القذافي. تحضر رفقة مصور زميل يدعى ريتشارد مقتل القذافي، تكتب في صحيفتها: تحت النياشين العسكرية التي تقلدها، كانت عيناه مغلقة ومظلمة، لم يسبق أن رأيت الناس يحتفلون كما احتفل الليبيون بسقوطه، كان دائمًا ما يصف نفسه بالقائد والمعلم والأخ الأكبر، لكنني لم أر في عيون أي أحد هنا شفقة أو تعاطفًا نحوه، لقد كان مكروهًا. وبينما كانت ماري في ليبيا تشهد الأحداث هناك انطلقت التظاهرات في سوريا في 8 أبريل/نيسان في مختلف المدن مطالبة بإسقاط بشار الأسد. تتوالى الأحداث بسرعة، تنجح مجموعة من الشباب في مدينة بابا عمرو بمدينة حمص في تكوين مركز إعلامي للمدينة؛ لنقل فعاليات الثورة، كما استطاعوا التحصل على جهاز يمكِّنهم من القيام بالبث عبر الإنترنت، والقيام بمكالمات (سكايب) دون الدخول إلى شبكة الإنترنت المحلية التي تسيطر عليها الدولة. تقضي ماري وقتًا طويلاً تتردد على السفارة السورية محاولة الحصول على تأشيرة، لكن طلبها يؤجَّل دائمًا، تعرف أن اثنين من زملائها في صحف أخرى حاولا الدخول إلى سوريا تسللاً من الحدود اللبنانية، لكنهما فشلا، لكنها تقرر أن تحاول، تنجح بالفعل وتصل إلى بابا عمرو. تبدأ في الأيام التالية لوصولها التحرك في المدينة، تجلس مع الناس، وتسمع حكاياتهم، تدخل المشافي البدائية الميدانية، والتي كانت تحاول إنقاذ المصابين بما يتوافر لها من إمكانيات. تقضي هناك أيامًا لا تسمع فيها سوى صوت القصف والقذائف المستمرة، وتكتب في (الصانداي تايمز): «في بعض الشوارع تجد كل المباني قد انهارت بالكامل، لن تجد هناك سوى ملابس ممزقة وأوانٍ محطمة وأثاث منزلي مُلقى هنا وهناك، ليس هناك أي متاجر تعمل، الأسر تشارك مع بعضها البعض ما يملكونه، الكثير من الناس يخشون الحركة في الشوارع حتى لا تقتلهم رصاصات القناصة، ومن يخرجون للبحث عن الطعام عادة ما يكون مصيرهم الموت». يحاول زميلها المصور بول إقناعها بالمغادرة بعد أن أنجزت ما يكفي، تتجه معه نحو نفق في المدينة استعدادًا للرحيل عنها رفقة مجموعة من المواطنين، في الطريق تصلها أخبار أن القوات السورية قامت بعدة ضربات جوية ضخمة، فتصر على العودة رغم معارضة زميلها المصور. تتوالى مشاهد الموت أمامها، تتأثر بشدة، تقرر الظهور في بث مباشر مع إحدى القنوات، معتقدة أن ظهورها مع قناة أمريكية سوف يساعد في تأليب الرأي العام، ترفض صحيفتها الأمر، لكنها تصر، فلم يكن الأمر بالنسبة لها مجرد عمل صحفي، إنما كانت جادة في محاولة أن تفعل ما في وسعها لإيقاف مذبحة قوات بشار. (5) صبيحة الثاني والعشرين من فبراير/شباط عام 2012 يجري اللقاء: (هنا في هذه المدينة 28 ألف مدني، بينهم نساء وأطفال في مدينة يسودها البرد والجوع، يتضورون جوعًا لا حول لهم ولا قوة، لا توجد هنا هواتف ولا تيار كهربائي، ويشارك العائلات مع بعضهم البعض ما يمتلكونه، المئات هنا يعيشون منذ أسابيع على الماء والسكر، هذا الفتى الصغير الذي ترونه على الشاشة هو أحد ضحايا القصف الذي تتعرض له المدينة، النظام السوري يدَّعي أنه يهاجم الإرهابيين وليس المدنيين، لكن كل المنازل المدنية هنا تعرضت للقصف، لا توجد أي أهداف عسكرية هنا في هذه المدينة، هذه كذبة كبيرة، هذا أسوأ صراع رأيته في حياتي، لقد بدأ الأمر هنا كثورة سلمية، لكنه انتهى بتعرض المشاركين فيها لمذبحة، كما كان الحال في حَماة في الماضي، والكلمات على لسان الجميع هنا هي: «لماذا تخلى عنا الجميع؟ لماذا؟»). ما إن ينتهي البث حتى يقترب القصف من المكان الذي بثت منه، لقد حددوا مكانها بدقة، يزداد القصف شراسة، فجأة تطيح بهما قذيفة، ينجو مصورها، وتموت هي. (6) سؤال: أي مكافأة يمكن أن نهديها لهؤلاء الذين يحاولون نجدة أناس لا يجمعهم بهم لا معتقد ولا قومية؟! سؤال آخر: أي دعوات معبرة يمكن أن يلهج بها الناس لينتقم رب العالمين من هؤلاء الذين أنزلوا بآخرين أشد أنواع العذاب، أناس ليسوا جيرانهم، بل هم منهم؟!
1701
| 07 أغسطس 2023
(1) في العشرينَ من فبراير عام 1910، وفي بلد مثقل بأزماته الاقتصادية والاجتماعية، تُجرى انتخابات رئاسية تسفر عن فوز «فرانسيسكو ماديرو» على خصمه رئيس البلاد «بورفيرو دياز». يتفاءل الناس أن تخرج بلادهم من أزماتها مع الرئيس الجديد، لكن المكسيك شأنه شأن بلادنا، لا تجري الأمور فيها بهذه البساطة؛ فالرئيس المهزوم لا يريد أن يغادر القصر، ويتهم خصمه الفائز بالتزوير. تحتدم الأمور حين يدعو الفائز الذي يحظى بشعبية واسعة إلى انتفاضة شعبية، لكن «الدولة العميقة» تنجح في القبض عليه، والزج به في السجن. ينجح بمساعدة بعض الحراس في الهروب من سجنه، بل والفرار من بلده كله لاجئًا إلى الجارة، وفي الولايات المتحدة الأمريكية يعلن نفسه رئيسًا شرعيًّا للمكسيك. (2) تغلي البلاد؛ أهلها غاضبون منتفضون، «إيمليانو زاباتا»، ضابط سابق في الجيش، متبرئ مما تفعله مؤسسته العسكرية، يؤسس ما يطلق عليه: «مجموعة زاباتا»، يلتف حوله الكثير من المقاتلين، لتصبح رقمًا مهمًّا في الثورة، وتنجح في فرض عودة الرئيس المنتخب ليحكم البلاد، محاطًا بالفلاحين الذين يجدون فيه أملهم الجديد. ينتصر الرجل لهم، فيبدأ في توزيع الأراضي عليهم، لكن يبدو أن فكرة أن يحكم الشعب نفسه بنفسه تزعج الجارة الأمريكية، فتتفق مع قائد القوات المسلحة في المكسيك على إزاحة الرئيس الفائز من الحكم بأي طريقة. وبالفعل، وفي الثامن عشر من فبراير عام 1913، ينقلب الجنرال «هويرنا» قائد الجيش على رئيسه المنتخب، ويزج به في السجن، ومن ثم تُشكل محاكمة زائفة ويقرر العسكر إعدامه، وينفَّذ الحكم في الحال. يستيقظ الناس على خبر إعدام رئيسهم، ولأن الفلاحين لم يكونوا على استعداد لفقدان مكاسبهم، فقد قرروا الخروج ثائرين، كما ترفض مجموعة زاباتا الاعتراف بالرئيس العسكري الجديد، تضع خطة لتنصيب رئيس مدني للبلاد، ويقع الاقتتال. (3) المفاجأة أن النساء يقررن المشاركة، وبعد أن كان دورهن منحصرًا في تسهيل حياة المقاتلين والاعتناء بهم، تقرر بعضهن الانضمام كمقاتلات، ولكن في زي وهوية رجال! من بينهن امرأة تدعى «بيترا هريرا»، ليس لديها أي خبرة بالسلاح ولا بالقتال، لكنها تقرر أن تخوض الحرب؛ لاستعادة السلطة من الانقلاب. متخفية ترتدي زي الرجال، وتطلق على نفسها: «بيدرو هريرا»، تتدرب على الحرب وتتعلم فنون القتال، ولا أحد من المقاتلين الرجال يعلم بأن بينهم امرأة، خصوصًا وأنها استوعبت الأمر سريعًا، واشتهرت (أو اشتهر) كمقاتل شرس قادر على تنفيذ التعليمات باحترافية عالية. تنتقل من مكان لآخر، ومن مواجهة لأخرى، تحقق نجاحات متتالية، يعتبر المقاتلون وجود «بيدرو» -»بيترا» سابقًا- بمثابة حدث فارق وسط المعارك. تُعين كقائد لكتيبة مؤلفة من مائتي جندي، تفكر أنها لم تتخيل نفسها أن يصل الأمر بها إلى هذه النقطة. وفي هذه النقطة أيضا تقرر أن تقلب الطاولة على الجميع، فتعلن عن هويتها الحقيقية، المقاتلة «بيترا هريرا» صاحبة النفس الطويل، ولأن دورها مهم وفارق في القوات المقاتلة، فقد كان من الصعب استبعادها إلى خارج صفوف القتال، بل تزداد شهرتها، وتصبح شجاعتها قصائد وأغاني يرددها الناس في جلساتهم. في العام التالي، وفي مقاطعة توريون، تقود معركة رهيبة، وتحت إمرتها 400 رجل وامرأة، تنتصر وتقع المدينة في أيدي الثوار، وتقع أيضًا المفاجأة، فقائدها الذي تحارب تحت إمرته يرفض أن يرقيها إلى رتبة جنرال كما كان متوقعًا، وهنا يتغير الكثير في مسارها، وتبدأ قصة أخرى، وبالأحرى قصص أخرى. (4) لا بأس في خضم المعارك واختلافات الرفاق بشيء من النوستالجيا، تتذكر صاحبتنا ما جرى لها سابقًا، هذا الصدام الأول الذي خاضته لإنقاذ الرئيس المنتخب، والذي كان الخطوة الأصعب في نظر الجميع، حينها سقطت أسيرة في يد قوات الرئيس السابق، فلم يكن منها سوى أنها صرخت في وجه من أسروها بصوت عال: «ليحيا ماديرو.. ليحيا ماديرو»، لكن فجأة يتعرض مكان أسرها للهجوم، تستغل هي الأمر وتهرب، ليكتب لها النجاة. تصر على مواصلة معركتها، تنتقل «بيترا» من دور إلى دور، ومن مكان إلى آخر، تارة تشكل كتيبتها الخاصة، وتارة تتحرك نحو الشمال لتعمل كجاسوسة لصالح مجموعة من الثوار، ينكشف أمرها وتعتقل، لكنها تنجو وتتمكن من الفرار بأعجوبة. يقول الناس: إن هذه المقاتلة تنتصر دائمًا، وهي تغير موقفها ودورها، لكن لا تغير بوصلتها، وإنها تنجو من المعارك التي أوشك الجميع فيها على الموت، ولأن لكل شيء نهاية، فإن أمرًا فاجعًا يقع عام 1917 حين تلقى حتفها برصاص ثلاثة جنود مخمورين. تمر سنوات طوال حتى يحصل اسمها على التقدير، وتُقلَّد رتبة كولونيل، لتكون تلك الصفحة الأخيرة في حياة مقاتلة شجاعة ربما نسيها كثيرون.
1968
| 31 يوليو 2023
(1) إن كنت لا تعرف “نيريتفا» فقد فاتك الكثير، واحد من أجمل الأنهار في أوروبا، متميز عنها بلونه؛ فهو خليط من الأزرق والأخضر، صحيح أنه يمر بمدينة موستار ويقسمها إلى شطر شرقي وآخر غربي، لكن لا بأس فإن الجسر العثماني يربط بينهما. أما الشطر الشرقي فتعيش به أغلبية من البوشناق المسلمين، وأما الغربي فتسكنه أغلبية كرواتية كاثوليكية، وأقلية صربية مع أقليات أخرى. موستار أيضًا رائعة الجمال، من مدن أوروبا العتيقة، وتقع في جنوب دولة البوسنة والهرسك، التي هي بدورها رائعة الجمال، لا يختلف على ذلك أحد، لكن الحرب لها رأي آخر. (2) ثمة عائلة صربية، من والدين وابنين، هما زوران وغوران، تسكن الشطر الشرقي مع المسلمين، ولا بأس في ذلك؛ فالناس هنا تتعايش بشكل رائع، خصوصًا مع شعارات تيتو المرفوعة: الإخاء والمحبة. ولكن ولأن الحرب -كما قلت- لا تعترف بذلك كله فقد اندلعت في البلاد في أبريل عام 1992، وهو الأمر الذي صدم الشابين كما صدم والديهما، لكن الجميع كان يأمل أن الأمر لا يعدو أن فئة صربية متطرفة خرجت لتحقيق مغانم لها، وما تلبث أن تتم مواجهتها وتعود إلى رشدها، لكن ذلك لم يحدث. استمرت الحرب، واتسع لهيبها، وازدادت قسوتها، وبدأ يساور الأخَوَان ومَن على شاكلتهما، شعور بالقلق، تحوَّل مع الوقت إلى خوف من احتمال أن تزداد الأمور سوءًا، وهو ما حدث متخطيًا كل ما كان يجول بخاطرهما. (3) عشية الأول من يونيو حزيران لعام 1992، يدخل والدهما إلى البيت، تعلو وجهه علامات القلق والتجهم، يطلب منهما التأكد من غلق أبواب البيت جيدًا، يطيعه الابنان رغم اندهاشهما، فهذا مخالف لعادة أهل الأحياء الشعبية في البوسنة؛ فهم لا يغلقون أبواب البيت الخارجية؛ حتى لا يُمنع أحد من الجيران، يستغيث أو يطلب المساعدة. يجلس الابنان والأم، وقد انتقلت إلى وجوههم علامات القلق، التي كست وجه الأب، الذي بدأ في الكلام، وليته ما تكلم!. يخبرهم أنه قرر أن ينتقل معهم إلى الشطر الآخر من النهر، حيث يعيش الصرب، طالبًا من ابنيه الانضمام إلى القوات الصربية؛ لأداء الواجب المقدس في محاربة الأعداء، وتطهير موستار من غير الصرب، ينزل كلامه عليهما كالصاعقة، موستار ليست بها أعداء، الجميع هنا أصدقاء. يرفض الأخوان -بشكل قاطع- طلب الوالد، لم يكن بوسعهما أن يتصورا إمكانية حمل البنادق لقتل شركاء الدراسة والحياة، والمشاركة في جريمة تدمير موستار الجميلة. تنحاز الأم للولدين، يغضب الوالد ويغادر وحده، منضمًّا إلى القوات الصربية التي كانت تقصف مدينة موستار بجنون؛ بهدف الاستيلاء عليها، خاصة الجانب الشرقي ذا الأغلبية البوشناقية المسلمة، أي: الجانب الذي تعيش به العائلة. يقرر زوران وغوران أنهما لن يشاركا في الحرب مع أي طرف، هما يرفضان أن يكونا -بأي شكل من الأشكال- ضمن تلك الحرب. (4) في 8 مايو أيار عام 1993، ورغم الحرب التي ما زالت مستمرة، فإن «لوكا» صديق الأخوين يقرر الزواج ويدعوهما إلى زفافه، يذهب زوران مع صديقه حسيب ليصطحبا غوران إلى الحفل، لكن الأخير يرفض الذهاب؛ لأنه لا يملك ثمن هدية للعروسين. يفشل زوران في إقناع أخيه بالذهاب معه، باعتبار أن مسألة الهدية ليست مشكلة، فصديقهما لوكا يعرف ظروفهما جيدًا، ثم إن الحرب قائمة، لكن غوران يصر على الرفض، فيقرر زوران وحسيب أن يذهبا إلى العرس بدونه. يعبران الجسر القديم غربًا، يستمر الحفل إلى ساعة متأخرة من الليل، فيصر أهل لوكا الكرواتي أن يبيت زوران الصربي وحسيب المسلم عندهما، على أن يعودا في الصباح إلى بيتهما، يقبل زوران على مضض؛ لأنه لم يعتد على فراق أخيه وأمه. في صباح اليوم التالي يتحرك الصديقان زوران وحسيب عائدين إلى شرق النهر، لكنهما يلاحظان، على غير العادة، وجود حواجز في كل مكان، وأن عددًا من الدبابات والمعدات الثقيلة تقف موجهة فوهاتها إلى الشرق. يخبرهما الجنود أن الجسر مغلق لأن الحرب قد اندلعت بين الكروات والبوشناق، يرجع الصديقان حسيب وزوران بسرعة، وهما لا يصدقان ما سمعا، إلى بيت عائلة صديقهما العريس، لقضاء وقت إلى أن تتضح الأمور. تمر عشرة أيام والأمور تزداد سوءًا؛ فقد بدأت مرحلة التعبئة العامة، يطرق الجنود الكروات كل البيوت بحثًا عن الذكور القادرين على حمل السلاح، يجندونهم قسرًا للمشاركة في الحرب. أدرك حسيب المسلم أن وجوده خطر عليه وعلى أصحاب البيت بشكل أخص، قال لهم: «إن قبضوا عليَّ في الشارع فسيقتلونني، أما إن وجدوني هنا فسيقتلون الجميع»، فيقرر الرحيل ليلاً، ليخرج من البيت متسللاً للعودة إلى شرق النهر. في اليوم التالي يصل الجنود الكروات إلى بيت عائلة لوكا، فيأخذونه معهم، يكتشفون وجود زوران عنده، ولأنه صربي القومية، يضمونه معهم لمحاربة «الأعداء المسلمين»، يضطر زوران إلى قبول الأمر؛ لأنه يعرف أن عقوبة الرفض هي القتل، رغم أن أخاه وأمه يعيشان في الجانب الآخر، حيث الأغلبية المسلمة، لقد قرر الصمت والخضوع للأمر الواقع، إنه وقت صعب جدًّا عليه، إن الحرب لا تعني فقط الكراهية، وإنما الجنون أيضًا. (5) يحل يوم 6 أغسطس 1993، زوران مناوب في الكتيبة العسكرية في منطقة «هوم»، وهي منطقة جبلية مرتفعة على حدود مدينة موستار، يسهل منها قصف المدينة من أعلى، تصلهم إشارة من جاسوس للقوات الكرواتية يعيش في القسم الشرقي، تفيد بأن ثمة جنازة الليلة لدفن أحد الموتى في مقابر المسلمين. يُسر الجنود الكروات؛ فهي فرصة كبيرة لقتل عدد كبير من الأعداء أثناء تجمعهم في الجنازة، يُصدر قائد الكتيبة أوامره لأحد أمهر جنوده بالاستعداد لإطلاق عدة قذائف هاون على المكان المحدد في الوقت المحدد. يعلم زوران بالأمر، يذهب إلى زميله يرجوه بألا يفعل؛ فهم ليسوا مقاتلين، بل هم مشيعون لجنازة، يخبره زميله بما يعرفه هو نفسه، أن الأمر ليس بيده، يذهب زوران إلى القائد، يجثو على ركبتيه باكيًا، يرجوه إلغاء الأمر الصادر بالضرب، فيصدر القائد أوامره بسجنه لمدة 24 ساعة في سجن الوحدة تأديبًا له. في الساعة المحددة، تنطلق القذائف على الجنازة، يسقط ضحايا كثر، يحتفي الجنود بمقتل هذا العدد في الجنازة، يغنون، ويحتسون الخمر، في انتظار صباح الغد، ليتأكدوا من أعداد الضحايا، من خلال الاستماع كالعادة لنشرة الأخبار من إذاعة «حياة موستار» التي يديرها البوشناق المسلمون. (6) في الساعة التاسعة صباح يوم 7 أغسطس، يلتف الجميع حول الراديو؛ القائد والجنود، ومن بينهم زوران، ثم يبث الراديو الخبر: «قامت قوات العدو ليلة أمس بإطلاق عدة قذائف هاون -من جبل (هوم)- على تجمع من السكان كان موجودًا في المقابر لدفن المواطن (حسيب بابيتش) الذي كان قد قُتل البارحة، وتسببت القذيفة في قتل جميع من كانوا في الجنازة، من عائلة وأصدقاء الميت». آه.. إنه أمر مريع، لقد قتل الصديق حسيب، وفي الجنازة التي ولا بدَّ أن أخاه كان فيها قتل الجميع، في لحظات اكتشف نهاية كل شيء. (7) بعد عدة شهور، تتوقف الحرب، ويوقع اتفاق دايتون للسلام، لا يكف زوران عن زيارة المقبرة، حيث أخوه وحيث صديقه حسيب، وفي كل مرة يسأل نفسه: هل قتلتهما حين صمت؟ يُدرك أخيرًا أن العذاب النفسي الذي يعانيه إنما هو عقاب كل من يرى الظلم ويلزم الصمت. الصامتون مجرمون أيضًا.
1293
| 24 يوليو 2023
(1) عام 2015 يَخرج علينا الكاتب المصري محمد المنسي قنديل برواية تحت هذا الاسم، ليحكي لنا حكاية كتيبة عسكرية تضم جنودًا مصريين وسودانيين، خاضوا معركة هناك، بعيدًا جدًّا في المكسيك بالنيابة عن آخرين. يُؤلمنا قنديل وهو يغوص في عالم العبودية، عبر بوابة التجنيد الإجباري، ويُسجل ببراعة مشاهد الفراق والحسرة على وجوه الجنود الذين اقتيدوا عنوة وهم فتية صغار إلى حرب لا تخصهم، كفئران تجارب هدية من حاكم إلى آخر، حتى يكونوا هم من يمكن أن يموت بدلاً عن الآخرين. لكن ما حكاية الكتيبة؟ (2) في عام 1858، كانت المكسيك تشهد صراعًا محتدمًا بين قوتين محليتين تحاول كل منهما السيطرة على البلاد، واحدة محافظة، والأخرى علمانية، ولأن أي حرب مكلفة، فإن الطرفين كانا في حاجة شديدة للمال؛ لتغطية ثمن الحرب بينهما، وهو ما دفع كلتيهما إلى الاقتراض من الدول الأخرى، مع تقديم وعود سخية بإعادة الأموال المقترَضة بعد الانتصار. تحصل الحكومة المحافظة على قرض من مصرفي سويسري يدعى جيكر، تبلغ قيمته 750 ألف دولار أمريكي، لكنها تخسر الحرب في النهاية، فيما عليها أن تسدِّد المبلغ بفوائده الباهظة. يُصمم جيكر على استعادة أمواله بأي طريقة حتى لو كان ذلك من الطرف المنتصر في الحرب، يلجأ إلى إقناع السفير الفرنسي في المكسيك بالتدخل ومساعدته على تلك المهمة، بإغرائه بالحصول وبلاده على نسبة جيدة من تلك الأموال، فأوصل السفير الفكرة إلى نابليون الثالث الذي أعجبه الأمر وقرَّر الخوض فيه. يتزامن ذلك مع ما تبديه القوة الليبرالية المنتصرة من رغبة في طرد سفراء بريطانيا وإسبانيا وعدة دول أخرى، ورفضها سداد ديون بريطانيا، متحججة بمحاولات تلك الدول الدائمة من تدخُّلٍ فجٍّ في شئون المكسيك الداخلية. ولأن الشعب غاضب فإن عدة حوادث اعتداء على أوروبيين تقع في أنحاء المكسيك، ومن بين المتضررين مواطنون بريطانيون ليصبح لدى بريطانيا هي الأخرى عذر لتتدخل، آملة في الحصول على نسبتها من أموال المصرفي السويسري. تعلن القوى الأوروبية تحالفها، لتصل سفنهم إلى المياه المكسيكية فتحاصرها بالكامل، لكن خلافًا حادًّا يقع بين الأطراف المشتركة في الحصار، مما يدفع بريطانيا للانسحاب لتنفرد فرنسا بالأمر وحدها دون منازع. (3) تصل قوات فرنسا إلى العاصمة المكسيكية بعد عدة معارك، ليتضح -فيما بعد- أن هدفها هو احتلال البلاد، وليس استعادة الديون وحسب، ثم تطلب من شقيق إمبراطور النمسا ويدعى ماكسميليان -والذي كان دمية في يدها- أن يحضر إلى المكسيك ليصبح حاكمًا لها. يرفض الشعب بشدة هذا الحاكم الأجنبي، ويثور ضد العسكر المحتلين، فتفقد فرنسا 37 ألف جندي ما بين قتلى في مواجهات ميدانية، أو بأمراض الحمى والصفراء والدوسنتاريا وغيرها من الأمراض القاتلة التي انتشرت في ذلك الحين، بجانب الخسائر المالية الضخمة. يقرِّر نابليون الثالث أن يرسل إلى والي مصر يطالبه بإرسال قوات عسكرية؛ لدعم جيشه بعد الخسائر الضخمة التي وقعت فيها قواته، معتقدًا أن الجنود المصريين والسودانيين محصَّنون ضد الإصابة بالحمى الصفراء التي فتكت بجنوده. في الشهر الأول من عام 1863 تتحرك سفينة تقل على متنها جنودًا مصريين وسودانيين، لتستغرق رحلتها 47 يومًا، تفقد خلالها سبعة من رجالها بسبب المرض. تصل الكتيبة لتجد أن الحمى الصفراء تتفشى بين الفرنسيين حتى إن قائد القوات الفرنسية في المنطقة مات بالمرض نفسه. صحيح أن أولئك الجنود المصريين لم يُصب أي منهم بالمرض، لكن حوالي خمسين منهم ماتوا بسبب سوء التغذية، وعدم الحصول على ما يكفي من طعام يمكِّن الجنود من القيام بالمهام الشاقة التي توكل إليهم. يدفع ذلك السلطات في فرنسا لإعادة تنظيم الأمر وضبطه، فتتحسن أوضاع الجنود، ويُمنحون سلاحًا فرنسيًّا بدلاً من المصري الذي حضروا به إلى المكسيك. الرعاية الكبيرة التي حصل عليها الجنود المصريون تجعلهم يُظهرون قوة كبيرة في تلك المواجهات، ويصبحون أكثر قدرة على تنفيذ المهام. (4) بنهاية عام 1863 تكون الكتيبة المصرية قد دخلت ثماني معارك قاسية وضارية تنتصر فيها كلها، حتى يقول عنها حاكم فيراكروز المكسيكية الموالي للمحافظين: «لقد حمل الجنود المصريون والسودانيون العبء الأكبر من تلك المعركة، ولقد توَّجوا تلك الموقعة بأكاليل الفخار، لم يبال أحد منهم بالنيران الكثيفة التي كان العدو يرميها عليهم من كل صوب». يرفع قائد الجيش الفرنسي رسالة إلى قصر الحكم في مصر، مادحًا ما قدَّمه الجنود فكان قرار قصر الحكم بصرف مساعدات ومعونات لأسر من سقطوا ضحايا في تلك الحرب من المصريين والسودانيين، الذين في الحقيقة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، لكنها مجرد مصالح سياسية ومالية لا تخصهم بأي شكل. تنتهي الحرب الأهلية الأمريكية في عام 1865، وتتعامل الولايات المتحدة مع تلك الحرب الدائرة في المكسيك على أنها معركة لا معنى لاستكمالها، فتطالب فرنسا بسحب قواتها من المكسيك. ينسحب بالفعل الجيش الفرنسي، خاذلاً الحاكم ماكسيميليان، الذي قبض عليه في النهاية وأُعدم شنقًا بتهم التمرد والخيانة، ورفضت المكسيك إعادة جثمانه إلى أوروبا إلا بعد فترة طويلة. (5) تعود الكتيبة المصرية إلى مصر في أبريل/نيسان عام 1867 بإجمالي 313 جنديًّا بعدما كانت قد خرجت من مصر قوامها 450 جنديًّا، وكان ما كشفه الأطباء الفرنسيون عن تحصين المصريين من الإصابة بالحمى الصفراء لا يرجع إلى قوة خارقة أو ما شابه، وإنما كان لأن معظمهم أصيب بها بالفعل قبل أن يكونوا جزءًا من تلك الكتيبة وتلك الحرب. (6) «ثلاثة أنواع من البشر يجب على المكسيك التخلص منهم قبل أي إصلاح: القضاة المرتشين، والضباط الجبناء، ورجال الدين الشرهين، لن يحدث تقدُّم طالما بقيت هذه الفئات». «ما جدوى وضع الأوسمة على صدور الموتى». «يسمع القائد وهو يقول في أسى: ها هو أفندينا يرسلنا للحرب إلى بلد مجهول لا نعرف حتى اسمه، لا أحد يأبه بتقديم شرح أو تفسير، أرواح رخيصة تساق إلى حرب غامضة، لا نعرف متى قامت ولا لأي سبب ستنتهي، وربما نكون موتى في ذلك الحين». هكذا قال الراوي في روايته.
1032
| 17 يوليو 2023
(1) «جيواني آندريز» هو شاب في الخامسة والعشرين من عمره، جنَّدته الميليشيا في عمر الثامنة عشرة، ومعهم مضت أيامه في القتال، إلى يوم التحقت فيه مقاتلة جديدة بالقوة التي ينتمي إليها. فتاة جميلة لا يتجاوز عمرها الخمسة عشر عامًا، ومثل حكايات الحب المعتادة، ما أن وقع نظر صاحبنا عليها إلا وأحبها، وبادلته هي الأخرى الشعور ذاته، وغرق الاثنان في أحلام الزواج والأسرة والأطفال. علمت القيادة بالأمر، لم يرُق لها ذلك؛ فالأمور العاطفية غير مسموح بها، وكل هؤلاء الفتية والفتيات الذين جُندوا في هذا العمر، إنما وهبتهم القيادة للحرب لا للحب، ومن ثم تم ترحيل الفتى إلى منطقة قتالية أخرى بمعزل عن حبيبته، التي أبقوها في مكانها تعاني من آثار ما حدث، إلى أن امتلكت الشجاعة وهي في السابعة عشرة من عمرها وفرَّت من هذا الجحيم. صدفة تلتقي الفتاة الهاربة بفريق «خوسيه»، يسمعون حكايتها ويقررون إذاعتها، يسمعها فتاها ويسأل نفسه: وأنا ما الذي أفعله هنا؟ لقد امتلكت فتاتي شجاعة الهرب فانفكت عنها الأغلال، وإنِّي على إثرها، وليومين كاملين يسير الفتى مخاطرًا بحياته، ينجح في الفرار، ويلتقي بفتاته مرة أخرى. (2) «خوسيه ميجيل سوكولوف»، يوصف بأنه خبير الدعاية، وأحد رواد السلام في عصرنا الحديث، تقرر الحكومة الكولومبية الاستعانة به لمساعدتها للتواصل مع ميليشيا القوات الثورية، التي تحاربها. يعرف الجميع أن مائتي ألف قتيل أغلبهم من المدنيين، ونحو خمسة ملايين نازح نصفهم من الأطفال، هم حصيلة الحرب الدموية التي استمرت لخمسين عامًا بين حكومة كولومبيا المدعومة من الولايات المتحدة، وبين القوات المسلحة الثورية الكولومبية FARC المدعومة من الاتحاد السوفيتي، نعم فقد كانت كولومبيا أيضًا ساحة للحرب الباردة بين القوتين العظميين. ويعرف خوسيه أن القوام الرئيسي لهذه الميلشيا إنما هم من الشباب والمراهقين الذين يتم تجنيدهم إجباريًّا في صغرهم، فلماذا لا يبحث في خطة لاستمالة هؤلاء اليافعين وتحييدهم، فإن نجح الأمر فلن تجد الميليشيا المزيد من القوات. يتواصل وفريقه مع ستين عنصرًا من المنشقين عن هذه الميليشيا؛ ليفهموا منهم أفضل سبل الاتصال بزملائهم، يتحدث هؤلاء الشبان عن أسباب انضمامهم ودوافع الاستمرار، يتحدثون عن آمالهم وأحلامهم بعد الانشقاق، لقد كانوا محض أسرى يحاربون من أجل سجَّانهم، شأنهم شأن المساجين الذين كانوا يعتقلونهم، إلا أن الفارق الوحيد أنهم يحملون السلاح. يُدرك خوسيه أن الأسير لا يثق إلا في زميل محبسه، لذا يطلب من هؤلاء الشباب تسجيل حكاياتهم وما وقع لهم حتى نجحوا في الفرار، ثم يقوم فريقه بوضعها على الأشجار، وبثها في الإذاعة، ومن ضمنها كانت حكاية «جيواني» وفتاته. (3) سعيد هو خوسيه؛ لقد أتت هذه الوسيلة أكلها مع المقاتلين الصغار، فما لنا لا نجربها على القادة؟ وبالفعل يقصد فريقه قادة منشقين ويطلب منهم الأمر نفسه: تسجيل حكاياتهم ودعوة زملائهم للفرار؛ ليخبروهم أن ثمة حياة أفضل في الخارج، وأنهم على ما يرام، وأن انشقاقهم لم ينته إلى مقتلهم. لكن لسوء الحظ، لم تُجدِ هذه الاستراتيجية النفع مع الكبار؛ إذ أقنعتهم قياداتهم أن هذه الرسائل الصوتية قد سُجِّلت تحت التهديد، وأن زملاءهم يغررون بهم، فلا تطيعوهم ولا تصدقوا زعمهم.لكن لا بأس، ما زلت الحيلة تُجدي مع الصغار، وهم الأهم والأبقى، فلنستمر، ولكن بعيدًا عن الحكومة والجيش، ينبغي لنا أن نتحدث من إنسان لإنسان، لا من خصم لخصم، إننا نبحث عن بقايا الضمير الإنساني القابع في صدور الفتيان ولم يلوثه طول الأسر بعد، هكذا رأى خوسيه. (4) في أيام الأعياد يطلب خوسيه أشجارًا عملاقة للكريسماس، يكتبون عليها رسائل دعم وتشجيع لهؤلاء المراهقين؛ علَّها تستميل قلوبهم، كانت فكرةً رائعةً، لكنه علم أن الميليشيا لم تعد تستعمل الطرقات بكثرة، وأنها تميل إلى التحرك بالنهر، فذهب مع فريقه إلى قرى النهر، حيث يتم التجنيد لهؤلاء الفتية. يجمع فريق خوسيه نحو 6000 رسالة من أصدقاء هؤلاء الشباب وجيرانهم وأهليهم؛ بعض هذه الرسائل كانت ألعابًا، بعضها الأخرى كانت حلوى وهدايا، يا إلهي إنهم بعدُ صغار، وفي كرات عائمة شُحِنت الهدايا والرسائل وأُلقيت في النهر حتى تصل المُجندين على الضفة الأخرى في ستر الليل. تقول لهم الرسائل: اخرجوا.. عودوا إلى منازلكم في عيد الميلاد! وبالفعل كانت ست ساعات فقط كافية من وقت إرسال الهدايا والرسائل ليهرب إليهم بعضهم، وفي كل يوم كان يتوالى الفارون حتى تجاوز عددهم ثلاثمائة شاب. لقد فعلت الرسائل العاطفية والهدايا الصادقة ما لم تفعله الحكومة طيلة نصف قرن، لكن ثمَّة رسائل أخرى كانت من القوة ما يكفي لتطيح بحروب العالم أجمع. يجمع خوسيه وفريقه سبعًا وعشرين أمًّا ممن جُنِّد أبناؤهم رغمًا عنهم في صغرهم، ويطلبون طباعة صور أبنائهن والكتابة تحتها: «قبل أن تكون من المقاتلين كنت طفلي، لذا عد إلى المنزل؛ فأمك بانتظارك». (5) تنجح خطته في استقطاب المزيد من الشباب، لتأتي مرحلة جديدة من خطته وهي التلفزيون. فنحن في العام 2014، حيث منتخب بلادهم الكولومبي لكرة القدم يقدم أفضل مستوياته في كأس العالم المقامة بالبرازيل، يستغل خوسيه حالة النشوة التي تعيشها البلاد بتألق منتخبهم، ويبث عبر الشاشات رسالة من أحد الجنود مفادها: اخرجوا من الغابات، هيا، لدي في مروحيتي مكان فلنذهب ونشاهد بلادنا في كأس العالم. لقد مكث خبير الدعاية مع فريقه لثماني سنوات من أجل استرداد هؤلاء الشباب، عبر الإذاعة، الملصقات، اللوحات الضخمة، التلفزيون، كانت الرسالة واحدة: تعالوا إلينا، نحن نرحب بكم، نحن أمة واحدة، هذه بلادنا جميعًا، وقد استجاب له حوالي 17000 من المقاتلين الشباب . (6) ثم يأتي يوم الثالث والعشرين من يونيو عام 2016، لتشهد العاصمة الكولومبية هافانا، توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار بين الحكومة الكولومبية والقوات المسلحة الثورية الكولومبية، في وثيقة صلح تجاوزت المائتي صفحة. ألم أخبركم أن في الحكاية النجاة؟
1323
| 10 يوليو 2023
(1) لا أتذكر كم كان عمري حينها؛ فقد وُلدت قبل زمن طويل، ربما ألف عام أو أكثر، لكن أتذكر أن ذلك ما وقع في اليوم الثامن والعشرين من الشهر السادس لعام 1914. (2) هنا في سراييفو جسر جميل، بناه العثمانيون عام 1541، حين كانوا في البوسنة والهرسك لحوالي 500 عام، يعتلي الجسر نهر ميلياتسكا، الذي يمر عادة بهدوء من شرق المدينة إلى غربها، لكنه لما ثار مرة عند الفيضان أصاب الجسر بأضرار بالغة، فتم ترميمه، ثم أعيد بناؤه كجسر حجري ليعرف باسم "الجسر اللاتيني". هناك في صربيا المجاورة "حركة اليد السوداء" التي تأسست عام 1911 كتنظيم سري، يهدف إلى توحيد الدول التي يعيش فيها الصرب بما فيها البوسنة والهرسك، وهي لذلك تحارب إمبراطورية النمسا والمجر التي تسيطر على البوسنة والهرسك منذ عام 1878. ستة من أعضاء هذه الحركة أراهم يتمركزون الآن فوق إحدى البنايات في شارع أبيل كويي، ذاك الشارع الضيِّق الممتد على طول الضفة الشمالية للنهر، في انتظار موكب ولي عهد النمسا الأرشيدوق فرانز فرديناند وزوجته، اللذين يزوران المدينة الجميلة. يصل الموكب بالفعل، فيحاول اثنان من الحركة الاقتراب من الأرشيدوق وإطلاق النار عليه، لكن وجود بعض ضبَّاط التأمين دفعهم للتراجع، فاضطر أحدهما إلى إلقاء قنبلة على الموكب، لكنها تنفجر بعيدًا عن سيارة ولي عهد النمسا، ويُلقى الجمهور الغاضب القبض على الجاني، ويوسعونه ضربًا. (3) تلجم المفاجأة الجميع، لكن ولي العهد يُصرُّ على زيارة مصابي الحادثة في مشفاهم، وما أن تتم الزيارة حتى يتحرك الموكب لاستكمال البرنامج المعد، لكن ولسوء التنظيم والتنسيق، فإن أحدا لم يبلغ سائق سيارة ولي العهد وزوجته بالمسار المعدل للجولة، فيستكمل السير عبر المسار الأصلي. إلى أن يكتشف الأمر فيحاول العودة إلى الخلف وتغيير المسار، وخلال المحاولة وعند الجهة الشمالية من الجسر، يتربص عضو صربي من الحركة، يدعى "غافريلو برينسيب" فيطلق رصاصة في حلق الأرشيدوق، ويقَتل زوجته برصاصة في بطنها، فيعم الهرج والمرج، لقد قتل ولي العهد النمساوي وزوجته. (4) يتضح كل شيء، ويندلع كل شيء. تعلن النمسا الحرب على صربيا، تتدخل روسيا لتنقذ حليفتها الصربية، فتهرع ألمانيا إلى مساعدة شقيقتها الصغرى النمسا، فتقرر فرنسا التعبئة العامة ضد ألمانيا، ومن ثم تعلنها حربًا عليها، وتجتاح بلجيكا كمعبر للأراضي الفرنسية، فتضطر بريطانيا لإعلان الحرب على ألمانيا دفاعًا عن بلجيكا. وهكذا -أيها السيدات والسادة- تبدأ في التاسع من الشهر السابع لعام 1914 حرب الكل ضد الكل، أو ما عُرف حينها بـالحرب التي ستُنهي كل الحروب، والحقيقة أنها لم تكن سوى الحرب العالمية الأولى، التي بنهايتها تتغير خارطة العالم. فتختفي إمبراطوريات وأسر حاكمة، وتظهر دول وقوى اجتماعية وسياسية جديدة، وفيها يَفقد حوالي عشرة ملايين عسكري حياتهم، وعدد مماثل من المدنيين، فضلاً عن خمسين مليون شخص ماتوا بسبب الإنفلونزا الإسبانية التي ساهم في انتشارها حركة الجنود في العالم. (5) أما الجاني "غافريلو برينسيب" فتصل تفاصيل حياته، فقد ولد في قرية فقيرة بين تسعة أطفال، خمسة أولاد وأربع بنات، توفي منهم ستة في طفولتهم، كان عضوًا في مجموعة معروفة باسم "الاتحاد أو الموت"، وهي مجموعة منبثقة من مجموعة أخرى تسمى "البوسنة الشابة"، وهي حركة ثورية نشطت قبل الحرب العالمية الأولى، أغلب أعضائها صرب، وكانت تعمل من أجل استقلال الشعوب السلافية الجنوبية من الحكم المجري النمساوي. طلب برينسيب الالتحاق بحركة اليد السوداء، ولكن عضويته رُفضت لِقِصَر قامته، فقرر الالتحاق بمجموعة أخرى فرَفضت لنفس السبب. فقيل إن هذا الرفض الذي قوبل به هو الذي كان وراء إرادته القيام بعملية شجاعة استثنائية؛ لكي يُثبت لهم أنه ليس أقل منهم قوة. لم يُعدم بعد اقترافه لتلك العملية؛ لأنه كان يعد بأعوامه التسع عشر قاصرًا (6) أما البوسنة فقد دفعت أثمانًا ضخمة بسبب الحرب العالمية الأولى، التي اندلعت بعد 37 يومًا فقط من واقعة اغتيال ولي العهد النمساوي؛ فقد فرضت السلطات العسكرية أحكامًا عرفية على كافة المدن البوسنية، تسببت في حالة واسعة من الشلل على كافة النطاقات، وفرضت كذلك قوانين التجنيد الإجباري؛ لدعم قوتها العسكرية خلال الحرب. من ناحية أخرى كانت الأزمة الاقتصادية تضرب البلاد بقوة؛ فقد وُجِّه معظم الإنتاج الزراعي لخدمة المجهود الحربي، وضَربت البطالة نطاقات واسعة من المواطنين، مما جعل الحياة خلال فترة الحرب أكثر قسوة بجانب فقدان الكثيرين حياتهم بسبب مشاركتهم الإجبارية في الحرب التي تشير التقديرات إلى مشاركة 150 ألف بوسني فيها. كانت الأزمة الاقتصادية العنيفة والأوضاع السياسية المضطربة دافعة الكثيرين للهجرة من البوسنة خلال تلك السنوات الصعبة، فرحل الكثير منهم إلى ألمانيا وعدة دول أوروبية؛ بحثًا عن ظروف اقتصادية وحياتية أفضل. (7) هل كان يظن هذا الشاب الصربي الذي اغتال ولي العهد النمساوي أن ذلك كله سيقع في بلاده، وفي العالم كله، بسبب جريمته، أم أن الأمر كان مُعدًّا في كل حال، في انتظار حدث مناسب، أهداهم إليه هذا الشاب الصربي؟!
1572
| 03 يوليو 2023
مساحة إعلانية
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار...
6957
| 14 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية،...
4293
| 15 يونيو 2026
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها،...
3696
| 10 يونيو 2026
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً...
2649
| 09 يونيو 2026
دائماً ما نجد أنه حين يتحدث الأكاديميون أو...
978
| 09 يونيو 2026
يعتقد كثيرون أن القانون هو العدو الأول للأسرة،...
900
| 11 يونيو 2026
في كل مرة يُذكر فيها الشباب، تتكرر الأحكام...
831
| 10 يونيو 2026
وجد الشرق الأوسط نفسه مرة أخرى على أعتاب...
780
| 13 يونيو 2026
كان يُعتقد لفترة طويلة أن انتشار الإنترنت وتوسع...
777
| 14 يونيو 2026
لم تعد التكنولوجيا المالية مجرد قطاع اقتصادي ناشئ...
708
| 10 يونيو 2026
مع انطلاق كأس العالم 2026، لا يبدو المشهد...
588
| 14 يونيو 2026
هذه نقاط ثلاث تتعلق بمسألة الزواج، أو تحديداً...
561
| 10 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل