رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(1)
«جون هيرسي» صحفي حربي شهير، غطَّى الحرب العالمية الثانية، وكتب عن أحداثها 14 كتابًا، يعتمد أساليب الكتابة الأدبية والروائية في سرد الأحداث والوقائع السياسية والحربية، له كتاب مشهور يوثِّق فيه حياة ستة من الناجين من قنبلة هيروشيما.
ثمة فتاة تُدعى: «ماري كولفن»، تتابع درسها الأول معه بشغف، وبانتهاء الحصة ينتهي ترددها حيال ما ستفعل في مستقبلها، لقد بهرها تمامًا النموذج الذي صنعه هيرسي لصحفي الحرب، تقرر أن يكون هذا هو تخصصها.
(2)
الحقيقة أن حكاية ماري الأمريكية تبدأ قبل ذلك بكثير، ربما عام 1970، حين تباشر في تسجيل يومياتها وهي في الثالثة عشرة من عمرها، بل تحاول كتابة أول رواية لها، ولأن مشروع أي روائي ناجح هو أن يكون مندمجًا في مجتمعه وليس معزولاً عنه، فإنها تخرج إلى الساحة العامة للمدرسة، على الرغم من تحذير أمها، ممسكة بلوحة عليها صور جنود صغار السن قُتلوا في فيتنام ومكتوب تحتها: «أوقفوا الحرب».. «نريد السلام».
وحين تسافر إلى البرازيل -بعد ذلك بثلاثة أعوام- لتعلم البرتغالية، ترسل ممتعضة إلى والدها رسالة تخبره فيها أن الشعب هنا لا يستطيع التعبير عن قناعاته السياسية؛ بسبب قبضة النظام.
تعود إلى بلدها وتلتحق بالدراسة الجامعية، وتعمل في وكالة تسويق، لكنها طوال الوقت مهووسة بالحديث في أمور السياسة، تقتني كل يوم صحيفة (نيويورك تايمز)، وتحرص على قراءتها كاملة.
في العاشر من يوليو/ تموز عام 1977 يتوفى والدها مريضًا، تهتز بشدة، لا يواسيها سوى عزمها أن تحقق حلمه بالكتابة، ذاك الحلم الذي لم يستطع هو تحقيقه لنفسه.
(3)
تظهر في حياتها الصحفية «مارثا جيلهورن»، وهي الأخرى صحفية حرب، غطَّت الكثير من الحروب حول العالم، منها بضع سنوات في إسبانيا حيث الحرب الأهلية الإسبانية، وجمعت قصصها الحربية التي عاشتها في كتابها: «وجه الحرب»، إنها قدوة أخرى لماري باعتبارها امرأة شجاعة في وسط ميدان الحرب.
تنهي دراستها الجامعية، وتتقلب في عدة وظائف كصحفية، لكن حلمها كمراسلة حربية لم يتحقق بعد، إلى أن تصل إلى فرنسا في عام 1986، وخلال عملها هناك يُطلب منها السفر إلى المغرب؛ لتغطية مؤتمر القمة العربية، فيما التوتر على أشده بين القذافي والولايات المتحدة الأمريكية.
تقرر ماري خوض مغامرة فريدة من نوعها بالبحث عن طريقة تعقد بها لقاء صحفيا مع القذافي، تسافر إلى ليبيا بعد انتهاء القمة العربية، وتنجح في تدبير اللقاء، وتتصدر المقابلة صفحات الجرائد الأولى في الولايات المتحدة، وفي إذاعة (بي بي سي)، وكان ذلك مفاجأة لأسرتها.
تنتقل للعمل في جريدة (الصانداي تايمز) البريطانية في سبتمبر/أيلول 1986، أي بعد حادثة القذافي ببضعة أشهر فقط.
تبدأ مهامها بالتوجه إلى واحدة من أخطر المناطق في ذلك الزمن وهي بيروت، تنجح في عقد مجموعة من اللقاءات مع قادة المجموعات العسكرية لحركة التحرير في لبنان.
تنشر في صحيفتها أنها قابلت أحد أعضاء جمعية أمل المقاومة، وقد أهداها قميصًا ممزقًا بثماني رصاصات من رشاش إسرائيلي، وقال لها: لقد شاهدتِ قميصًا مثل هذا في فيلم رامبو، لكنه كان مجرد فيلم، أما رامبو الحقيقي فهو نحن.
تسافر إلى فلسطين، وتلتقي ياسر عرفات، ثم العراق، وتغطِّي أحداث غزو صدام حسين للكويت، وفي السنوات اللاحقة تسافر إلى أفغانستان لتقابل الملا عمر قائد حركة طالبان، حتى إنها تصل كوسوفو لتسجل واحدة من أهم اللحظات الصحفية في مسيرتها، حيث كتبت صحيفتها: إن ماري أول صحفية أوروبية تستطيع الدخول إلى معاقل القتال في كوسوفو.
في بدايات عام 2001 تلتقي ماري في لندن بثلاثة أشخاص يدعونها إلى مقابلة قائد حركة المعارضة في سريلانكا، والتي عرفت باسم: حركة نمور التاميل، تنهي مهمتها، وفي طريق عودتها تصل الحدود الفاصلة بين الحكومة والمعارضة، تحاول لثلاثة أيام الخروج ولا تفلح؛ بسبب إطلاق النيران المتبادل.
تسير مسافة ثمانية أميال ضمن مجموعة من المدنيين والمقاتلين، ثم فجأة يتعرضون لإطلاق رصاص، تحاول الاختباء، لكن رصاصة تصيب عينًا لها، تصرخ، يصيح من حولها: «صحفية.. صحفية.. مِن أمريكا».
قلبها يدق بشدة، تجاهد للتنفس، كان واضحًا أنها على وشك الموت، يتدخل السفير الأمريكي، وتهبط طائرة مروحية لتحملها إلى مستشفى العاصمة للعلاج، لتعيش بقية حياتها بعين واحدة.
(4)
محملة بذكريات لقاء القذافي تسافر إلى ليبيا فيما ثورتها متقدة، لكنها هذه المرة الثانية قد تجاوزت الخمسين من عمرها، تصف الوضع قائلة: كما لو أنني في إعادة إنتاج لحصار ستالينغراد، لقد كنت نائمة على أرضية إحدى المشافي، وكلما سمعت الأطباء أو مقاتلي المعارضة يصرخون: «الله أكبر» كنت أعرف أنهم يستقبلون مصابًا جديدًا برصاص قوات القذافي.
تحضر رفقة مصور زميل يدعى ريتشارد مقتل القذافي، تكتب في صحيفتها: تحت النياشين العسكرية التي تقلدها، كانت عيناه مغلقة ومظلمة، لم يسبق أن رأيت الناس يحتفلون كما احتفل الليبيون بسقوطه، كان دائمًا ما يصف نفسه بالقائد والمعلم والأخ الأكبر، لكنني لم أر في عيون أي أحد هنا شفقة أو تعاطفًا نحوه، لقد كان مكروهًا.
وبينما كانت ماري في ليبيا تشهد الأحداث هناك انطلقت التظاهرات في سوريا في 8 أبريل/نيسان في مختلف المدن مطالبة بإسقاط بشار الأسد.
تتوالى الأحداث بسرعة، تنجح مجموعة من الشباب في مدينة بابا عمرو بمدينة حمص في تكوين مركز إعلامي للمدينة؛ لنقل فعاليات الثورة، كما استطاعوا التحصل على جهاز يمكِّنهم من القيام بالبث عبر الإنترنت، والقيام بمكالمات (سكايب) دون الدخول إلى شبكة الإنترنت المحلية التي تسيطر عليها الدولة.
تقضي ماري وقتًا طويلاً تتردد على السفارة السورية محاولة الحصول على تأشيرة، لكن طلبها يؤجَّل دائمًا، تعرف أن اثنين من زملائها في صحف أخرى حاولا الدخول إلى سوريا تسللاً من الحدود اللبنانية، لكنهما فشلا، لكنها تقرر أن تحاول، تنجح بالفعل وتصل إلى بابا عمرو.
تبدأ في الأيام التالية لوصولها التحرك في المدينة، تجلس مع الناس، وتسمع حكاياتهم، تدخل المشافي البدائية الميدانية، والتي كانت تحاول إنقاذ المصابين بما يتوافر لها من إمكانيات.
تقضي هناك أيامًا لا تسمع فيها سوى صوت القصف والقذائف المستمرة، وتكتب في (الصانداي تايمز):
«في بعض الشوارع تجد كل المباني قد انهارت بالكامل، لن تجد هناك سوى ملابس ممزقة وأوانٍ محطمة وأثاث منزلي مُلقى هنا وهناك، ليس هناك أي متاجر تعمل، الأسر تشارك مع بعضها البعض ما يملكونه، الكثير من الناس يخشون الحركة في الشوارع حتى لا تقتلهم رصاصات القناصة، ومن يخرجون للبحث عن الطعام عادة ما يكون مصيرهم الموت».
يحاول زميلها المصور بول إقناعها بالمغادرة بعد أن أنجزت ما يكفي، تتجه معه نحو نفق في المدينة استعدادًا للرحيل عنها رفقة مجموعة من المواطنين، في الطريق تصلها أخبار أن القوات السورية قامت بعدة ضربات جوية ضخمة، فتصر على العودة رغم معارضة زميلها المصور.
تتوالى مشاهد الموت أمامها، تتأثر بشدة، تقرر الظهور في بث مباشر مع إحدى القنوات، معتقدة أن ظهورها مع قناة أمريكية سوف يساعد في تأليب الرأي العام، ترفض صحيفتها الأمر، لكنها تصر، فلم يكن الأمر بالنسبة لها مجرد عمل صحفي، إنما كانت جادة في محاولة أن تفعل ما في وسعها لإيقاف مذبحة قوات بشار.
(5)
صبيحة الثاني والعشرين من فبراير/شباط عام 2012 يجري اللقاء:
(هنا في هذه المدينة 28 ألف مدني، بينهم نساء وأطفال في مدينة يسودها البرد والجوع، يتضورون جوعًا لا حول لهم ولا قوة، لا توجد هنا هواتف ولا تيار كهربائي، ويشارك العائلات مع بعضهم البعض ما يمتلكونه، المئات هنا يعيشون منذ أسابيع على الماء والسكر، هذا الفتى الصغير الذي ترونه على الشاشة هو أحد ضحايا القصف الذي تتعرض له المدينة، النظام السوري يدَّعي أنه يهاجم الإرهابيين وليس المدنيين، لكن كل المنازل المدنية هنا تعرضت للقصف، لا توجد أي أهداف عسكرية هنا في هذه المدينة، هذه كذبة كبيرة، هذا أسوأ صراع رأيته في حياتي، لقد بدأ الأمر هنا كثورة سلمية، لكنه انتهى بتعرض المشاركين فيها لمذبحة، كما كان الحال في حَماة في الماضي، والكلمات على لسان الجميع هنا هي: «لماذا تخلى عنا الجميع؟ لماذا؟»).
ما إن ينتهي البث حتى يقترب القصف من المكان الذي بثت منه، لقد حددوا مكانها بدقة، يزداد القصف شراسة، فجأة تطيح بهما قذيفة، ينجو مصورها، وتموت هي.
(6)
سؤال: أي مكافأة يمكن أن نهديها لهؤلاء الذين يحاولون نجدة أناس لا يجمعهم بهم لا معتقد ولا قومية؟!
سؤال آخر: أي دعوات معبرة يمكن أن يلهج بها الناس لينتقم رب العالمين من هؤلاء الذين أنزلوا بآخرين أشد أنواع العذاب، أناس ليسوا جيرانهم، بل هم منهم؟!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8901
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4821
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3549
| 23 سبتمبر 2026