رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(1)
«جون هيرسي» صحفي حربي شهير، غطَّى الحرب العالمية الثانية، وكتب عن أحداثها 14 كتابًا، يعتمد أساليب الكتابة الأدبية والروائية في سرد الأحداث والوقائع السياسية والحربية، له كتاب مشهور يوثِّق فيه حياة ستة من الناجين من قنبلة هيروشيما.
ثمة فتاة تُدعى: «ماري كولفن»، تتابع درسها الأول معه بشغف، وبانتهاء الحصة ينتهي ترددها حيال ما ستفعل في مستقبلها، لقد بهرها تمامًا النموذج الذي صنعه هيرسي لصحفي الحرب، تقرر أن يكون هذا هو تخصصها.
(2)
الحقيقة أن حكاية ماري الأمريكية تبدأ قبل ذلك بكثير، ربما عام 1970، حين تباشر في تسجيل يومياتها وهي في الثالثة عشرة من عمرها، بل تحاول كتابة أول رواية لها، ولأن مشروع أي روائي ناجح هو أن يكون مندمجًا في مجتمعه وليس معزولاً عنه، فإنها تخرج إلى الساحة العامة للمدرسة، على الرغم من تحذير أمها، ممسكة بلوحة عليها صور جنود صغار السن قُتلوا في فيتنام ومكتوب تحتها: «أوقفوا الحرب».. «نريد السلام».
وحين تسافر إلى البرازيل -بعد ذلك بثلاثة أعوام- لتعلم البرتغالية، ترسل ممتعضة إلى والدها رسالة تخبره فيها أن الشعب هنا لا يستطيع التعبير عن قناعاته السياسية؛ بسبب قبضة النظام.
تعود إلى بلدها وتلتحق بالدراسة الجامعية، وتعمل في وكالة تسويق، لكنها طوال الوقت مهووسة بالحديث في أمور السياسة، تقتني كل يوم صحيفة (نيويورك تايمز)، وتحرص على قراءتها كاملة.
في العاشر من يوليو/ تموز عام 1977 يتوفى والدها مريضًا، تهتز بشدة، لا يواسيها سوى عزمها أن تحقق حلمه بالكتابة، ذاك الحلم الذي لم يستطع هو تحقيقه لنفسه.
(3)
تظهر في حياتها الصحفية «مارثا جيلهورن»، وهي الأخرى صحفية حرب، غطَّت الكثير من الحروب حول العالم، منها بضع سنوات في إسبانيا حيث الحرب الأهلية الإسبانية، وجمعت قصصها الحربية التي عاشتها في كتابها: «وجه الحرب»، إنها قدوة أخرى لماري باعتبارها امرأة شجاعة في وسط ميدان الحرب.
تنهي دراستها الجامعية، وتتقلب في عدة وظائف كصحفية، لكن حلمها كمراسلة حربية لم يتحقق بعد، إلى أن تصل إلى فرنسا في عام 1986، وخلال عملها هناك يُطلب منها السفر إلى المغرب؛ لتغطية مؤتمر القمة العربية، فيما التوتر على أشده بين القذافي والولايات المتحدة الأمريكية.
تقرر ماري خوض مغامرة فريدة من نوعها بالبحث عن طريقة تعقد بها لقاء صحفيا مع القذافي، تسافر إلى ليبيا بعد انتهاء القمة العربية، وتنجح في تدبير اللقاء، وتتصدر المقابلة صفحات الجرائد الأولى في الولايات المتحدة، وفي إذاعة (بي بي سي)، وكان ذلك مفاجأة لأسرتها.
تنتقل للعمل في جريدة (الصانداي تايمز) البريطانية في سبتمبر/أيلول 1986، أي بعد حادثة القذافي ببضعة أشهر فقط.
تبدأ مهامها بالتوجه إلى واحدة من أخطر المناطق في ذلك الزمن وهي بيروت، تنجح في عقد مجموعة من اللقاءات مع قادة المجموعات العسكرية لحركة التحرير في لبنان.
تنشر في صحيفتها أنها قابلت أحد أعضاء جمعية أمل المقاومة، وقد أهداها قميصًا ممزقًا بثماني رصاصات من رشاش إسرائيلي، وقال لها: لقد شاهدتِ قميصًا مثل هذا في فيلم رامبو، لكنه كان مجرد فيلم، أما رامبو الحقيقي فهو نحن.
تسافر إلى فلسطين، وتلتقي ياسر عرفات، ثم العراق، وتغطِّي أحداث غزو صدام حسين للكويت، وفي السنوات اللاحقة تسافر إلى أفغانستان لتقابل الملا عمر قائد حركة طالبان، حتى إنها تصل كوسوفو لتسجل واحدة من أهم اللحظات الصحفية في مسيرتها، حيث كتبت صحيفتها: إن ماري أول صحفية أوروبية تستطيع الدخول إلى معاقل القتال في كوسوفو.
في بدايات عام 2001 تلتقي ماري في لندن بثلاثة أشخاص يدعونها إلى مقابلة قائد حركة المعارضة في سريلانكا، والتي عرفت باسم: حركة نمور التاميل، تنهي مهمتها، وفي طريق عودتها تصل الحدود الفاصلة بين الحكومة والمعارضة، تحاول لثلاثة أيام الخروج ولا تفلح؛ بسبب إطلاق النيران المتبادل.
تسير مسافة ثمانية أميال ضمن مجموعة من المدنيين والمقاتلين، ثم فجأة يتعرضون لإطلاق رصاص، تحاول الاختباء، لكن رصاصة تصيب عينًا لها، تصرخ، يصيح من حولها: «صحفية.. صحفية.. مِن أمريكا».
قلبها يدق بشدة، تجاهد للتنفس، كان واضحًا أنها على وشك الموت، يتدخل السفير الأمريكي، وتهبط طائرة مروحية لتحملها إلى مستشفى العاصمة للعلاج، لتعيش بقية حياتها بعين واحدة.
(4)
محملة بذكريات لقاء القذافي تسافر إلى ليبيا فيما ثورتها متقدة، لكنها هذه المرة الثانية قد تجاوزت الخمسين من عمرها، تصف الوضع قائلة: كما لو أنني في إعادة إنتاج لحصار ستالينغراد، لقد كنت نائمة على أرضية إحدى المشافي، وكلما سمعت الأطباء أو مقاتلي المعارضة يصرخون: «الله أكبر» كنت أعرف أنهم يستقبلون مصابًا جديدًا برصاص قوات القذافي.
تحضر رفقة مصور زميل يدعى ريتشارد مقتل القذافي، تكتب في صحيفتها: تحت النياشين العسكرية التي تقلدها، كانت عيناه مغلقة ومظلمة، لم يسبق أن رأيت الناس يحتفلون كما احتفل الليبيون بسقوطه، كان دائمًا ما يصف نفسه بالقائد والمعلم والأخ الأكبر، لكنني لم أر في عيون أي أحد هنا شفقة أو تعاطفًا نحوه، لقد كان مكروهًا.
وبينما كانت ماري في ليبيا تشهد الأحداث هناك انطلقت التظاهرات في سوريا في 8 أبريل/نيسان في مختلف المدن مطالبة بإسقاط بشار الأسد.
تتوالى الأحداث بسرعة، تنجح مجموعة من الشباب في مدينة بابا عمرو بمدينة حمص في تكوين مركز إعلامي للمدينة؛ لنقل فعاليات الثورة، كما استطاعوا التحصل على جهاز يمكِّنهم من القيام بالبث عبر الإنترنت، والقيام بمكالمات (سكايب) دون الدخول إلى شبكة الإنترنت المحلية التي تسيطر عليها الدولة.
تقضي ماري وقتًا طويلاً تتردد على السفارة السورية محاولة الحصول على تأشيرة، لكن طلبها يؤجَّل دائمًا، تعرف أن اثنين من زملائها في صحف أخرى حاولا الدخول إلى سوريا تسللاً من الحدود اللبنانية، لكنهما فشلا، لكنها تقرر أن تحاول، تنجح بالفعل وتصل إلى بابا عمرو.
تبدأ في الأيام التالية لوصولها التحرك في المدينة، تجلس مع الناس، وتسمع حكاياتهم، تدخل المشافي البدائية الميدانية، والتي كانت تحاول إنقاذ المصابين بما يتوافر لها من إمكانيات.
تقضي هناك أيامًا لا تسمع فيها سوى صوت القصف والقذائف المستمرة، وتكتب في (الصانداي تايمز):
«في بعض الشوارع تجد كل المباني قد انهارت بالكامل، لن تجد هناك سوى ملابس ممزقة وأوانٍ محطمة وأثاث منزلي مُلقى هنا وهناك، ليس هناك أي متاجر تعمل، الأسر تشارك مع بعضها البعض ما يملكونه، الكثير من الناس يخشون الحركة في الشوارع حتى لا تقتلهم رصاصات القناصة، ومن يخرجون للبحث عن الطعام عادة ما يكون مصيرهم الموت».
يحاول زميلها المصور بول إقناعها بالمغادرة بعد أن أنجزت ما يكفي، تتجه معه نحو نفق في المدينة استعدادًا للرحيل عنها رفقة مجموعة من المواطنين، في الطريق تصلها أخبار أن القوات السورية قامت بعدة ضربات جوية ضخمة، فتصر على العودة رغم معارضة زميلها المصور.
تتوالى مشاهد الموت أمامها، تتأثر بشدة، تقرر الظهور في بث مباشر مع إحدى القنوات، معتقدة أن ظهورها مع قناة أمريكية سوف يساعد في تأليب الرأي العام، ترفض صحيفتها الأمر، لكنها تصر، فلم يكن الأمر بالنسبة لها مجرد عمل صحفي، إنما كانت جادة في محاولة أن تفعل ما في وسعها لإيقاف مذبحة قوات بشار.
(5)
صبيحة الثاني والعشرين من فبراير/شباط عام 2012 يجري اللقاء:
(هنا في هذه المدينة 28 ألف مدني، بينهم نساء وأطفال في مدينة يسودها البرد والجوع، يتضورون جوعًا لا حول لهم ولا قوة، لا توجد هنا هواتف ولا تيار كهربائي، ويشارك العائلات مع بعضهم البعض ما يمتلكونه، المئات هنا يعيشون منذ أسابيع على الماء والسكر، هذا الفتى الصغير الذي ترونه على الشاشة هو أحد ضحايا القصف الذي تتعرض له المدينة، النظام السوري يدَّعي أنه يهاجم الإرهابيين وليس المدنيين، لكن كل المنازل المدنية هنا تعرضت للقصف، لا توجد أي أهداف عسكرية هنا في هذه المدينة، هذه كذبة كبيرة، هذا أسوأ صراع رأيته في حياتي، لقد بدأ الأمر هنا كثورة سلمية، لكنه انتهى بتعرض المشاركين فيها لمذبحة، كما كان الحال في حَماة في الماضي، والكلمات على لسان الجميع هنا هي: «لماذا تخلى عنا الجميع؟ لماذا؟»).
ما إن ينتهي البث حتى يقترب القصف من المكان الذي بثت منه، لقد حددوا مكانها بدقة، يزداد القصف شراسة، فجأة تطيح بهما قذيفة، ينجو مصورها، وتموت هي.
(6)
سؤال: أي مكافأة يمكن أن نهديها لهؤلاء الذين يحاولون نجدة أناس لا يجمعهم بهم لا معتقد ولا قومية؟!
سؤال آخر: أي دعوات معبرة يمكن أن يلهج بها الناس لينتقم رب العالمين من هؤلاء الذين أنزلوا بآخرين أشد أنواع العذاب، أناس ليسوا جيرانهم، بل هم منهم؟!
حين تتحول المجاملة من ودّ إلى واجب
نحن لا نعيش بالعقود والقوانين فقط، بل نعيش أيضًا بسلسلة طويلة من الإشارات الصغيرة التي تحفظ الود بين... اقرأ المزيد
24
| 30 يونيو 2026
هل تغيرت سيكولوجية الجماهير في القرن 21 ؟
يُقصد بسيكولوجية الجماهير كما يعرفها البعض بذلك العلم الاجتماعي والنفسي الذي يدرس سلوك الأفراد عندما ينخرطون في حشد... اقرأ المزيد
30
| 30 يونيو 2026
كيف نتخلى عن تعلقنا بهواتفنا؟
من الرائع أن تعيش بدون مواقع التواصل الاجتماعي. شعور وكأنك تعيش خارج العالم، في عالم خاص بك لا... اقرأ المزيد
27
| 30 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4356
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
2313
| 29 يونيو 2026
يواصل التحكيم القطري ترسيخ مكانته على الساحة الدولية من خلال الكفاءات الوطنية التي أثبتت جدارتها في أكبر البطولات، ويأتي الحكم الدولي عبدالرحمن الجاسم في مقدمة هذه الأسماء التي أصبحت محل تقدير واحترام داخل الأوساط الرياضية العالمية. وقد جاءت إدارته لمباراة البرتغال وجمهورية الكونغو الديمقراطية في كأس العالم 2026 لتؤكد من جديد أن الحكم القطري قادر على تحمل مسؤولية المباريات الكبرى بثقة واقتدار. من وجهة نظري، فإن أكثر ما يميز عبدالرحمن الجاسم ليس فقط معرفته الدقيقة بقانون اللعبة، بل شخصيته القوية وحضوره الواضح داخل الملعب. فمنذ صافرة البداية بدا مسيطراً على مجريات اللقاء، يتخذ قراراته بثقة وهدوء، بعيداً عن التردد أو التأثر بضغوط المباراة وأهميتها. وهذه الصفات تمثل أساس نجاح أي حكم يسعى لإدارة مباريات على أعلى المستويات. كما لفت انتباهي مستوى التركيز العالي الذي ظهر به طوال اللقاء، إضافة إلى حسن تمركزه وقراءته المميزة للعب، الأمر الذي ساعده على الاقتراب من معظم الحالات التحكيمية واتخاذ القرارات المناسبة في توقيتها الصحيح. ولم يكن نجاحه فردياً، بل جاء أيضاً نتيجة التناغم الكامل مع الحكمين المساعدين طالب سالم المري وسعود أحمد، إلى جانب التعاون الفعال مع حكام تقنية الفيديو، وهو ما عكس صورة مشرفة للتحكيم القطري كفريق عمل متكامل. ومن الصفات التي تستحق الإشادة كذلك قدرته على التعامل مع نجوم المباراة بحكمة واحترام. فالحكم الناجح لا يكتفي بإشهار البطاقات أو إطلاق الصافرة، بل يعرف كيف يدير الحوار مع اللاعبين ويحافظ على أجواء المنافسة بروح رياضية راقية. وقد نجح الجاسم في تحقيق هذا التوازن، حيث جمع بين الحزم عند الحاجة والابتسامة التي تعكس الثقة والهدوء. إن الإشادة الإعلامية العالمية التي حظي بها عبدالرحمن الجاسم بعد هذه المباراة لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتيجة أداء متميز يعكس سنوات من العمل والاجتهاد والخبرة. ونحن كقطريين نشعر بالفخر ونحن نرى أبناء الوطن يمثلون بلادهم بأفضل صورة في أكبر المحافل الرياضية العالمية. كلمة أخيرة نتمنى للحكم الدولي عبدالرحمن الجاسم وطاقمه القطري كل التوفيق في مباراتهم المقبلة بين إنجلترا وبنما، وأن يواصلوا تقديم الصورة المشرقة للتحكيم القطري، الذي أصبح اليوم علامة بارزة في كرة القدم العالمية.
1362
| 26 يونيو 2026