رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(1)
كانت الحياة تجري بشكلها الاعتيادي إلى أن ضجت قريتنا يومًا بزيارة الأمير عبد القادر. رأيته وأنا لا أكاد أصدق نفسي، أهذا هو المجاهد العظيم الذي يقاوم الاستعمار؟! تنتهي الزيارة، غير أنها تظل حاضرة دومًا في حياتي، وأنا الأمازيغية الجزائرية، التي سطرت سطرًا في التاريخ، سيذكرني به قومي دائمًا.
أما عدوي الفرنسي فإنه قد عرفني أيضًا جيدًا.
(2)
في الشهر السابع لعام 1830، وفي آيت بو يوسف، تلك القرية الصغيرة الساكنة شمال شرق الجزائر، ولدت لشيخ الزاوية الرحمانية، ليصبح اسمي: «فاطمة بنت سيدي أحمد محمد»، ولأكبر في بيت تحفه أصوات القرآن وذكر الله، وفيه يعلمونني القراءة والكتابة، وفي الزاوية أبدأ حفظ آيات الله، وتعلم العلوم الشرعية.
أكبر، أتأمل حال النسوة من حولي، كثير من الجهل، ومجتمع لا يمنح المرأة كل حقوقها التي تعلمتها في الزاوية.
تنتابني حالة من التمرد، يمتد تمردي إلى رفض الزواج، رغم أني قد بلغت السادسة عشرة، إلى أن تقع المصيبة، ويتوفى والدي الحبيب، لم أملك حينها إلا أن أحبس نفسي في غرفتي، حتى أن أهل قريتي زعموا أن الأرواح تتلبسني.
لاحقًا يتقدم أحد أقارب والدتي للزواج بي، يرغمني أخي سي الطيب على الأمر، أُزف بالقوة إلى زوجي، أدعي المرض وأتمنع عنه، فيعيدني إلى بيت أبي.
تهفو روحي إلى التنسك والتصوف، يكثر الهمس في قريتنا الصغيرة، تحمل النظرات كثيرا مما لا يقال، أضيق بذلك كله، وأقرر الالتحاق بأخي الأكبر سيدي الطاهر في قريته سومر، وهناك أحظى بعطفه، وهو شيخ الطريقة الرحمانية في قريته، وقد كثر طلابه ومريدوه.
أنتهز الفرصة وأهرع إلى اكتساب المزيد من المعارف والعلوم، فتدب في روحي السكينة، يقصدني الناس، يسألونني، وأجيبهم قدر ما أعرف، يطلقون عليَّ: «لالَّة فاطمة نسومر»، فنحن الأمازيغ نقول: لالَّة للسيدة الشريفة، ثم إننا عندما ننسب شخصًا لمكان نقدم حرف النون على المكان المنسوب إليه وهو سومر، فيصبح نسومر، وهكذا عرفت بـ: اللالة فاطمة نسومر.
(3)
الفرنسيون منزعجون جدا؛ لأن منطقة القبائل التي أنتمي إليها لم يصلها احتلالهم بسبب طبيعتها الجبلية الوعرة؛ فهي جزء من سلسلة جبال جرجرة الجزائرية، ينظر أهلها إلى الفرنسيين باحتقار، ولا يسمحون بدخولهم إليها أو التجارة معها، والأنكى أن بعض المجاهدين يختبئون هناك.
هؤلاء الفرنسيون الذين وصلوا بلادي محتلين، في الخامس من نفس شهر ميلادي لنفس العام، وحينها اندلعت المقاومة هنا وهناك، يقودها في شرق البلاد الباي أحمد باي، وفي غربها الأمير عبد القادر. يقرر المحتل غزو منطقة القبائل مستغلاً سقوط مقاومة الأمير عبد القادر، يرسل رسالة إلى قادة القبائل يطلب إليهم الاستسلام ، وتسليم خليفة الأميرِ عبد القادر الذي يدعى «أحمد الطيب بن سالم»، يهددونهم بحرق قراهم ومحاصيلهم. يأتي الرد من قادة القبائل: «لقد طلبتم منا أن نطرد ابن سالم، فكيف نوافق على ذلك ونحن مسلمون؟ومن عاداتنا أن نتحدى النفي والتشريد والموت، ولا تظنوا أن إتلاف محاصيلنا يجعلنا ننخذل أمامكم؛ لأن هذه المحاصيل كثيرًا ما يقضي عليها الجراد، أو تجرفها السيول، وتلكَ الأشجار كثيرًا ما تموت، وما الرزق إلا من عند الله».
تبدأ المعارك، وعلى الرغم من فرق القوة، لم تمل الكفة لطرف دون الآخر.
(4)
حينها رأيت ألا أكتفي بدروس العلم، وإنما أدعو الناس إلى المقاومة، أحدثهم عن الجهاد وفضله، يقع كلامي في قلوب الناس، يلتف حولي المناصرون.
المعارك شرسة، الفرنسيون المحتلون يحققون بعض التقدم، والمقاومة تبذل أقصى ما لديها، وهناك على جبال جرجرة كان أحد المجاهدين يوجعهم ويؤلمهم بعملياته، إنه محمد الأمجد بن عبد المالك، أتواصل معه، نتفق على أشياء كثيرة، يخوض معركة حامية الوطيس للدفاع عن القرى، وأحشد أنا عددًا كبيرًا من النساء.
لقد بت في قلب المعركة، مرتدية زيي الأمازيغي، الجبة والخمار بلونهما الأحمر الذي أحبه، حتى قال الناس عني: العالمة المتصوفة، تحولت إلى مجاهدة.
تستمر المعارك بضراوة، يلتقي الطرفان في وادي سيباو، حيث يُظهر المجاهدون شجاعة نادرة، وفجأة يسقط الشريف محمد الأمجد بن عبد المالك أرضًا بطلق ناري، يقترب جندي فرنسي لأسره، لكني - بفضل الله - أنهي حياته، وأنجح في منع أسر القائد، ويكر المجاهدون عليهم. لم يستطع قائدهم الجنرال الفرنسي رندون تجرع الهزيمة، يقود قواته إلى منطقة «واضية»، لكنَّ جزائريًّا ممن باع نفسه يُدعى: باش آغا الجودي، يساعد الفرنسيين ويقاتل معهم، أنجح في قتله، يخسر الفرنسيون مخلفين وراءهم ثمانمائة قتيل منهم خمسة وعشرون ضابطًا.
(5)
أواصل مع قواتي الإغارة على معسكرات الجيش الفرنسي
تصل قوات إضافية لدعم المحتل، ليصل عددهم إلى خمسة وأربعين ألف مقاتل، وتصبح قوات الاحتلال أكثر عنفًا، تستهدف المدنيين، تحرق قراهم وتقتل عائلات بكافة أفرادها. يتحركون ناحية قرية «آيت تسوراغ»، أوقع بهم خسائر كبيرة.
ولأني أدرك أن المعركة غير متكافئة بالمرة، وأن قواتي أقرب للخسارة أَطرح الهدنة والتفاوض، ويوافق الفرنسيون ليقود المفاوضات من جانبنا أخي سي الطاهر، ومن جانبهم الجنرال رندون.
لكنها الخيانة، يتظاهر رندون بالموافقة على طلبات أخي، ثم يلقي القبض عليهم جميعًا، ويأمر قواته بمحاصرة ملجئي، ويأسرونني مع عدد من النساء، وأُقاد معتقلة إلى منطقة بني سليمان، وأقضي سنوات اعتقالي الطويلة في القراءة والتعبد، بينما روحي كما هي طليقة متمردة على الباطل.
أُصاب بمرض عضال، يشل حركة نصفي، ليتوفاني الله في الشهر التاسع من عام 1863 مريضة وأسيرة، وأنا ابنة ثلاثة وثلاثين عامًا لتنتهي رحلتي مع العلم والتعبد والجهاد. تحصل بلادي على استقلالها بعد زهاء قرن من وفاتي، وأنال التكريم من شعبي.
نصائح الشيطان
(1) لا تجلدوا أنفسكم، وإنما أشعِروها بالعجز. أنتم عاجزون تمامًا عن فعل أي شيء. ليس كحكومات وأنظمة، وإنما... اقرأ المزيد
1524
| 06 مايو 2024
المرأة حين تخوض الحرب
(1) في العشرين من الشهر الثاني لعام 1910، وفي قلب العاصمة المكسيكية، تعلن الانتخابات الرئاسية في بلد مثقل... اقرأ المزيد
615
| 29 أبريل 2024
الذي لا ينتصر أبدًا
(1) لا يكاد يمر يوم، إلا وأقرأ مكتوبًا يحذِّر من أن الأحوال في الأيام المقبلة بهذا البلد أو... اقرأ المزيد
1296
| 22 أبريل 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
9945
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2640
| 16 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
2409
| 22 أكتوبر 2026