رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(1)
اختاروا لي اسم: «مورفي»، لا أعلم لماذا! لكن أحدهم اقترح لي هذا الاسم، ووافقه الباقي، واشتهرت به.
في الحقيقة هؤلاء البشر غاية في الغباء، أنا وقومي نعرف عنهم ذلك، رغم أنهم يتهموننا نحن بالغباء، لقد خلقهم الله وسخر لهم كل الكون، لكنهم اختاروا أن يقضوا حياتهم في حروب لا تنقطع.
المشكلة أنهم هذه المرة ورطوني معهم في معركتهم التي أطلقوا عليها اسم: «الحرب العالمية الأولى»، والتي انطلقت قبل عام من وقوع حكايتي هذه.
(2)
في خواتيم أبريل (نيسان) من العام 1915، كنت أعيش هناك، بالقرب من مضيق الدردنيل، الواقع في الشطر الأوروبي من تركيا، حينها بدأ مَن يُطلقون على أنفسهم اسم: الحلفاء، القادمون من المملكة المتحدة والهند وفرنسا وأستراليا ونيوزيلندا، معركة كبيرة ومهمة في محاولتهم للوصول إلى إسطنبول.
رأيت العثمانيين بدورهم يدافعون بقوة، تحصد مدافعهم ورشاشاتهم أرواح عشرات الآلاف من القتلى، وزد عليهم من المصابين، لم يكن الأمر ليعنيني، قلت في نفسي: فليقتل هؤلاء الأغبياء بعضهم البعض، وانصرفت لحالي، أستمتع بأكل ما تجود به الأرض.
لكن قاتل الله الفضول، فقد كانت المعركة محتدمة حين شاهدت جنديًّا يغني ويصفر رغم هذا الموت كله، وجدتني أبادله صفيره بنهيقي، وليتني ما فعلت، فقد لفتُّ نظره إليَّ، وإذ به فجأة يترك المعركة والقتلى والمصابين، ويتوجَّه لي، أوحى لي برغبته في أن أساعده وأحمل معه بعض الجرحى.
ترددت، ولكن تذكرت أن من واجبي ألا أكون كهؤلاء البشر، وأن الرحمة يجب أن تسود.
بعد عدة مرات صعودًا وهبوطًا، وبعد أن انتهيت من تنزيل حمولتي في هذه الممرات الجبلية، قدَّموا لي بعض الطعام، وعرفت من حديثهم أن هذا الشخص اسمه: «جون سيمبسون» أو «سيمي» كما يناديه رفاقه، وأنه بريطاني هاجر إلى أستراليا، ولسوء حظه جُنِّد في جيشها مسعفًا، لكن هذا المجنون، وبعد أن أعرب عن حسن صنيعي وشكرني، أبلغني أنه قرر ضمي إلى فريقه من المسعفين، وحدَّد دوري بحمل المصابين على ظهري ونقلهم.
(3)
في الحقيقة أنا ورفاقه قابلنا الفكرة باستخفاف، لكن ما لبثنا جميعًا أن تراجعنا واعترفنا بجدواها، وهكذا أصبح عليهم أن يقتلوا بعضهم بعضًا، وعليَّ أن أحمل على ظهري ضحاياهم، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما دعوا بعض أصدقائي للالتحاق بهم، وهكذا تم تجنيد عدد من أصدقائي مِن نفس فصيلتي، ووزَّعوا عليهم نفس الدور.
وفي وصف ما كنا نقوم به تسنى لي أن أقرأ لاحقًا ما كتبه العقيد بالجيش الأسترالي جون موناش في مذكراتِه:
«الجندي سيمبسون ووحشه الصغيرُ نالا إعجاب الجميع في الطرف العلوي من الوادي، لقد عملا ليلاً ونهارًا طوال فترة الإنزال، وكانت المساعدة المقدمة للجرحى لا تقدَّر بثمن». أعترف فعلاً أن سيمبسون لم يكن يعرف أي خوف، بل كان يتحرك بلا مبالاة وسط نيران الشظايا والبنادق. ويبدو أن هذا السلوك البطولي أغرى زملاء له بتقليده، وهكذا كبر عدد أبناء فصيلتي الذين يساعدون هؤلاء الأغبياء، لكن للأسف قتلت الشظايا البعض منا، وجَرحت آخرين.
(4)
تمر الأيام ثم في 19 مايو/ أيار 1915 يشنون الهجوم الثالث، تشتد المعارك، يسقط العديد من القتلى والجرحى، وكالعادة أعمل أنا وصديقي «سيمي» بجد في إنقاذ الجرحى، في مسارات لا تنتهي بين القاعدة وخط إطلاق النار، إلى أن يقع حادث رهيب، صديقي يحمل أحد المصابين من خندقه لينقله على ظهري، فإذا برصاصة تصيبه مباشرة في قلبه فيسقط قتيلاً، لكم أوجعني الأمر، وكأنني أعرفه منذ سنوات.
يومها نهقت بما لم أنهق من قبل، لكن إخلاصًا لصاحبي قررت أن أستكمل مهمتنا مع مسعف آخر في جيش آخر من جيوش الحلفاء، وهو «ديك هندرسون» من الهيئة الطبية النيوزيلندية.
بصراحة لم أحبه كصاحبي، وإن كان بنفس الشجاعة التي جعلته يحصل على جائزة الميدالية العسكرية.
(5)
وإن كانت حكايتي تفتح ملف التضحيات التي قدَّمناها -نحن الحمير- للبشر في حروبهم، فلعلني أتذكر المقاومة في أنغولا التي كانت تخوض حربًا ضارية ضد الاستعمارِ البرتغالي، وكان السودان حينها يدعم حركة التحرر تلك.
حكوا لي أن الجميع كان يتصبب عرقًا من ارتفاع درجة الحرارة، حين كان الحضور يناقش قائمة طويلة من المهام في غرفة بمبنى حكومي في العاصمة السودانية الخرطوم.
تقفز ابتسامة على مُحيَّا رجلٍ صارمٍ وهو يقول: «إنهم يطلبون تزويدهم بالحمير؛ لتساعد في حمل العتاد في الأدغال».
يقاطعه آخر: ولكن ألن يدلل نهيقها على مكان القوات؟
يبتسمُ الرجلُ الصارمُ ويجيبه: «لا تقلق.. سنمنعها من النهيق».
وبالفعل يُرسَل عدد منَّا إلى الجبهات في أنغولا؛ لتحمِل العتاد في صمت، وبالفعل هي لا تنهق؛ فالأطباء البيطريون في السودان أجروا عمليات لها لإزالة حبالها الصوتية، لطالما قلت لنفسي في كل مرة أتذكر فيها هذه الحكاية: لا عجب؛ فالبشر يفعلون في بعضهم البعض ما هو أسوأ من ذلك!
(6)
أما في القاهرة -تحديدًا في مبنى السفارة الأمريكية- فنجد «جوكس كوفي» ممثل البيت الأبيض، والذي كانت مهمته الرئيسة تزويد الجهاد الأفغاني من القاهرة، أو عن طريقها، بصفقة غاية في الأهمية.
في اجتماع الرجل مع آخرين يعلن في امتعاض موافقته على المبلغ المطلوب، والذي يرى أنه مبالغ فيه لإتمام الصفقة، التي تتلخص في شراء ألفي حمار تُرسل إلى أفغانستان. وعلى الرغم من أن المواصفات المطلوبة كانت بغالاً قبرصية اعتادت على وعورة التضاريس وثقل الأحمال، إلَّا إنه تم توريد حمير من ريف مصر، ولذلك حكاية أخرى لطيفة.
فقد أراد حاكم لدولة خليجية التخلص من الحمير الضالة في بلاده، فاقترح عليه أحدهم إرسالها للريف المصريِّ لمساعدة الفلاحين، لكن تلك المساعدة التقطَتها يد مورد الصفقة الجهادية، وأرسلها لتحمل العتاد في أفغانستان.
(7)
أما أطرف حكايتنا ربما فهي عن ذلك الحمار الذي كان يعيش في قاعدة أمريكية غرب مدينة الفلوجة أيام غزوِ العراق، فقد اعتاد هذا الحمار على التهام أعقاب السجائر، حتى أصبح الجنود يُطلِقون عليه اسم: «مستر سموك».
يقع الكولونيل «جون فولسوم» قائد المعسكر في حب الحمار، ويقرر السعي لاستقدامه بعد عودة العسكر لبلادهم، ويخوض سلسلة طويلة من الإجراءات، والتحاليل، والشهادات، واستمارات صحية من الجمارك، ومسؤولين في الزراعة والخطوط الجوية.
بعد سبعة وثلاثين ساعة من الطيران يصل «مستر سموك» بعد تكلفة بلغت حواليَ ثلاثين ألف دولار، لكنه للأسف يموت في ولاية نبراسكا، حيث كان باديًا عليه بوضوح الألم الشديد، ونهيقُه بدا خَافِتًا، قيل: إنه أصيب بمغص مَعَوي، وقيل: إنها الغربة!
وإذا كانت الحكاية لا تبدو لبعضكم طريفة فهاكم أخرى، عن حمار السيدة كلثوم بائعة لبن في مدينةِ القضارف شرقي السودان، فحين كانت القوات الإيطالية تطلق قذائفها، تصيب شظية حمار السيدة الذي ربطته في شجرة وراحتْ تصب الحليب لزبائنها، نَفَق الحمار لكنه صار سببًا للتهكُّم على طيران العدو؛ فغنت المغنيَّة السودانية على أثير إذاعة أم درمان واصفة الطائرة الإيطاليَّة قائلة:
«جات تضرب الخرطوم... ضربت حمار كلتوم.. ست اللبن».
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع كل ارتفاع جديد في أسعار الذهب، يتكرر المشهد نفسه. تبدأ التوقعات بمزيد من الصعود، وتنتشر النصائح بضرورة الشراء قبل فوات الأوان، ويشعر كثير من الناس بأنهم قد يفوتون فرصة استثمارية كبيرة إذا لم يدخلوا السوق سريعاً. لكن ما أن يتراجع الذهب بشكل مفاجئ حتى يبدأ سؤال آخر بالظهور: هل كان قرار الشراء صحيحاً من الأساس؟ الحقيقة أن الذهب من أكثر الأصول الاستثمارية التي يساء فهمها. فالبعض ينظر إليه على أنه استثمار مضمون، بينما يراه آخرون مجرد معدن لا يحقق أي عائد. وبين هذين الرأيين تقع الحقيقة. فالذهب ليس استثماراً سيئاً، لكنه ليس أيضاً الطريق السريع إلى الثراء. لفهم الموضوع بشكل أفضل، علينا أولاً أن نسأل: ما الذي نريده من الاستثمار؟ إذا كان الهدف هو تحقيق دخل دوري منتظم، فإن الذهب ليس الخيار المناسب. فهو لا يوزع أرباحاً مثل الأسهم، ولا يدفع فوائد مثل السندات، ولا يدر إيجارات مثل العقارات. أما إذا كان الهدف هو حماية جزء من الثروة في أوقات الأزمات وعدم اليقين، فإن الذهب يمتلك سجلاً تاريخياً طويلاً يجعله أحد أهم الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون حول العالم. ولهذا السبب تحتفظ البنوك المركزية بآلاف الأطنان من الذهب رغم امتلاكها خيارات استثمارية أخرى قد تحقق عوائد أعلى. وقد يتساءل البعض: إذا كانت الأسهم والعقارات والسندات قادرة على تحقيق عوائد أعلى، فلماذا تواصل البنوك المركزية حول العالم شراء الذهب؟ الجواب أن البنوك المركزية لا تبحث دائماً عن أعلى عائد، بل تبحث عن أعلى درجات الأمان والاستقرار. فالذهب لا يعتمد على ملاءة حكومة معينة، ولا على أداء شركة محددة، ولا يمكن طباعته كما تطبع العملات الورقية. ولهذا ينظر إليه باعتباره أحد الأصول الاحتياطية التي تساعد الدول على تنويع احتياطاتها وتقليل اعتمادها على العملات الأجنبية. وخلال السنوات الأخيرة زادت العديد من البنوك المركزية حول العالم مشترياتها من الذهب، في خطوة تعكس استمرار الثقة في دوره كأداة لحفظ القيمة على المدى الطويل، حتى في عصر تتعدد فيه الخيارات الاستثمارية وتتنوع الأدوات المالية. ومن هنا يمكن تلخيص وظيفة الذهب في عبارة واحدة: الذهب يحمي الثروة أكثر مما يصنعها. وقد عبّر المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافيت عن هذه الفكرة بطريقة مختلفة عندما انتقد الاستثمار في الذهب، معتبراً أن الأصول المنتجة مثل الشركات والمشاريع هي القادرة على بناء الثروة الحقيقية لأنها تحقق أرباحاً وتتوسع مع مرور الوقت. في المقابل، يرى المستثمر المعروف راي داليو أن الذهب جزء مهم من أي محفظة استثمارية متوازنة، ليس لأنه يحقق أعلى العوائد، بل لأنه يساعد على تخفيف المخاطر عندما تتعرض الأسواق لصدمات مفاجئة. فالأسهم والعقارات والسندات صممت أساساً لتحقيق النمو والدخل، بينما يؤدي الذهب دور الحماية والتوازن داخل المحفظة الاستثمارية. ولعل المثال التالي يوضح الصورة بشكل أفضل. لو أن مستثمراً وضع 100 ألف ريال في الذهب قبل عشرين عاماً، فمن المرجح أنه كان سيحقق مكاسب جيدة مع ارتفاع أسعار الذهب على المدى الطويل. لكن لو استثمر المبلغ نفسه في أسهم شركات قوية أو في صندوق يتبع الأسواق العالمية وأعاد استثمار الأرباح الموزعة، لكانت النتيجة في كثير من الفترات التاريخية أفضل من الذهب. أما لو استثمر المبلغ في سندات ذات جودة ائتمانية مرتفعة، فربما كانت الأرباح أقل من الأسهم، لكنه كان سيحصل على دخل دوري منتظم طوال فترة الاستثمار. وفي العقار المؤجر، لا يعتمد المستثمر فقط على ارتفاع قيمة الأصل، بل يستفيد أيضاً من الدخل الإيجاري المستمر. وتشير البيانات التاريخية إلى أن الذهب حقق أداءً قوياً خلال العقدين الماضيين، مستفيداً من الأزمات المالية العالمية وارتفاع معدلات التضخم وزيادة مشتريات البنوك المركزية. لكن الدراسات الاستثمارية طويلة الأجل تظهر أيضاً أن الأسهم العالمية تفوقت على الذهب في كثير من الفترات الزمنية عند احتساب الأرباح المعاد استثمارها، وهو ما يؤكد أن الذهب أداة مهمة لحماية الثروة وتنويع المخاطر، لكنه ليس بالضرورة الأداة الأفضل لتحقيق أعلى العوائد. ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض المستثمرين شراء الذهب بعد موجات الارتفاع الكبيرة بدافع الخوف من ضياع الفرصة، أو وضع نسبة كبيرة من ثرواتهم في أصل واحد، أو اتخاذ قراراتهم بناءً على الأخبار اليومية بدلاً من خطة استثمارية واضحة. ويبقى السؤال الأهم: كم يجب أن أخصص للذهب من أموالي؟ لا توجد نسبة مثالية تناسب الجميع، لكن كثيراً من مديري الأصول العالميين يرون أن تخصيص ما بين 5 % و15 % من المحفظة الاستثمارية للذهب قد يكون كافياً لتحقيق التنويع والحماية دون المبالغة في الاعتماد عليه. وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى الذهب باعتباره منافساً للأسهم أو العقارات أو السندات، بل باعتباره مكملاً لها. فالذهب يشبه حزام الأمان في السيارة. لا أحد يشتري السيارة من أجل حزام الأمان، لكنه يشعر براحة أكبر عندما يكون موجوداً. فالذهب كان وسيبقى جزءاً مهماً من النظام المالي العالمي، لكنه ليس وصفة سحرية للثراء. المستثمر الناجح لا يسأل فقط: إلى أين سيتجه سعر الذهب؟ بل يسأل أيضاً: ما الدور الذي يجب أن يؤديه الذهب داخل ثروتي؟ وعندما يعرف الإجابة عن هذا السؤال، يصبح الذهب أداة استثمارية مفيدة بدلاً من أن يتحول إلى رهان عاطفي على حركة الأسعار.
31113
| 20 يونيو 2026
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
18027
| 16 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4446
| 15 يونيو 2026