رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(1)
عام 2015 يَخرج علينا الكاتب المصري محمد المنسي قنديل برواية تحت هذا الاسم، ليحكي لنا حكاية كتيبة عسكرية تضم جنودًا مصريين وسودانيين، خاضوا معركة هناك، بعيدًا جدًّا في المكسيك بالنيابة عن آخرين.
يُؤلمنا قنديل وهو يغوص في عالم العبودية، عبر بوابة التجنيد الإجباري، ويُسجل ببراعة مشاهد الفراق والحسرة على وجوه الجنود الذين اقتيدوا عنوة وهم فتية صغار إلى حرب لا تخصهم، كفئران تجارب هدية من حاكم إلى آخر، حتى يكونوا هم من يمكن أن يموت بدلاً عن الآخرين.
لكن ما حكاية الكتيبة؟
(2)
في عام 1858، كانت المكسيك تشهد صراعًا محتدمًا بين قوتين محليتين تحاول كل منهما السيطرة على البلاد، واحدة محافظة، والأخرى علمانية، ولأن أي حرب مكلفة، فإن الطرفين كانا في حاجة شديدة للمال؛ لتغطية ثمن الحرب بينهما، وهو ما دفع كلتيهما إلى الاقتراض من الدول الأخرى، مع تقديم وعود سخية بإعادة الأموال المقترَضة بعد الانتصار. تحصل الحكومة المحافظة على قرض من مصرفي سويسري يدعى جيكر، تبلغ قيمته 750 ألف دولار أمريكي، لكنها تخسر الحرب في النهاية، فيما عليها أن تسدِّد المبلغ بفوائده الباهظة.
يُصمم جيكر على استعادة أمواله بأي طريقة حتى لو كان ذلك من الطرف المنتصر في الحرب، يلجأ إلى إقناع السفير الفرنسي في المكسيك بالتدخل ومساعدته على تلك المهمة، بإغرائه بالحصول وبلاده على نسبة جيدة من تلك الأموال، فأوصل السفير الفكرة إلى نابليون الثالث الذي أعجبه الأمر وقرَّر الخوض فيه.
يتزامن ذلك مع ما تبديه القوة الليبرالية المنتصرة من رغبة في طرد سفراء بريطانيا وإسبانيا وعدة دول أخرى، ورفضها سداد ديون بريطانيا، متحججة بمحاولات تلك الدول الدائمة من تدخُّلٍ فجٍّ في شئون المكسيك الداخلية. ولأن الشعب غاضب فإن عدة حوادث اعتداء على أوروبيين تقع في أنحاء المكسيك، ومن بين المتضررين مواطنون بريطانيون ليصبح لدى بريطانيا هي الأخرى عذر لتتدخل، آملة في الحصول على نسبتها من أموال المصرفي السويسري.
تعلن القوى الأوروبية تحالفها، لتصل سفنهم إلى المياه المكسيكية فتحاصرها بالكامل، لكن خلافًا حادًّا يقع بين الأطراف المشتركة في الحصار، مما يدفع بريطانيا للانسحاب لتنفرد فرنسا بالأمر وحدها دون منازع.
(3)
تصل قوات فرنسا إلى العاصمة المكسيكية بعد عدة معارك، ليتضح -فيما بعد- أن هدفها هو احتلال البلاد، وليس استعادة الديون وحسب، ثم تطلب من شقيق إمبراطور النمسا ويدعى ماكسميليان -والذي كان دمية في يدها- أن يحضر إلى المكسيك ليصبح حاكمًا لها.
يرفض الشعب بشدة هذا الحاكم الأجنبي، ويثور ضد العسكر المحتلين، فتفقد فرنسا 37 ألف جندي ما بين قتلى في مواجهات ميدانية، أو بأمراض الحمى والصفراء والدوسنتاريا وغيرها من الأمراض القاتلة التي انتشرت في ذلك الحين، بجانب الخسائر المالية الضخمة.
يقرِّر نابليون الثالث أن يرسل إلى والي مصر يطالبه بإرسال قوات عسكرية؛ لدعم جيشه بعد الخسائر الضخمة التي وقعت فيها قواته، معتقدًا أن الجنود المصريين والسودانيين محصَّنون ضد الإصابة بالحمى الصفراء التي فتكت بجنوده. في الشهر الأول من عام 1863 تتحرك سفينة تقل على متنها جنودًا مصريين وسودانيين، لتستغرق رحلتها 47 يومًا، تفقد خلالها سبعة من رجالها بسبب المرض. تصل الكتيبة لتجد أن الحمى الصفراء تتفشى بين الفرنسيين حتى إن قائد القوات الفرنسية في المنطقة مات بالمرض نفسه.
صحيح أن أولئك الجنود المصريين لم يُصب أي منهم بالمرض، لكن حوالي خمسين منهم ماتوا بسبب سوء التغذية، وعدم الحصول على ما يكفي من طعام يمكِّن الجنود من القيام بالمهام الشاقة التي توكل إليهم.
يدفع ذلك السلطات في فرنسا لإعادة تنظيم الأمر وضبطه، فتتحسن أوضاع الجنود، ويُمنحون سلاحًا فرنسيًّا بدلاً من المصري الذي حضروا به إلى المكسيك.
الرعاية الكبيرة التي حصل عليها الجنود المصريون تجعلهم يُظهرون قوة كبيرة في تلك المواجهات، ويصبحون أكثر قدرة على تنفيذ المهام.
(4)
بنهاية عام 1863 تكون الكتيبة المصرية قد دخلت ثماني معارك قاسية وضارية تنتصر فيها كلها، حتى يقول عنها حاكم فيراكروز المكسيكية الموالي للمحافظين: «لقد حمل الجنود المصريون والسودانيون العبء الأكبر من تلك المعركة، ولقد توَّجوا تلك الموقعة بأكاليل الفخار، لم يبال أحد منهم بالنيران الكثيفة التي كان العدو يرميها عليهم من كل صوب». يرفع قائد الجيش الفرنسي رسالة إلى قصر الحكم في مصر، مادحًا ما قدَّمه الجنود فكان قرار قصر الحكم بصرف مساعدات ومعونات لأسر من سقطوا ضحايا في تلك الحرب من المصريين والسودانيين، الذين في الحقيقة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، لكنها مجرد مصالح سياسية ومالية لا تخصهم بأي شكل. تنتهي الحرب الأهلية الأمريكية في عام 1865، وتتعامل الولايات المتحدة مع تلك الحرب الدائرة في المكسيك على أنها معركة لا معنى لاستكمالها، فتطالب فرنسا بسحب قواتها من المكسيك. ينسحب بالفعل الجيش الفرنسي، خاذلاً الحاكم ماكسيميليان، الذي قبض عليه في النهاية وأُعدم شنقًا بتهم التمرد والخيانة، ورفضت المكسيك إعادة جثمانه إلى أوروبا إلا بعد فترة طويلة.
(5)
تعود الكتيبة المصرية إلى مصر في أبريل/نيسان عام 1867 بإجمالي 313 جنديًّا بعدما كانت قد خرجت من مصر قوامها 450 جنديًّا، وكان ما كشفه الأطباء الفرنسيون عن تحصين المصريين من الإصابة بالحمى الصفراء لا يرجع إلى قوة خارقة أو ما شابه، وإنما كان لأن معظمهم أصيب بها بالفعل قبل أن يكونوا جزءًا من تلك الكتيبة وتلك الحرب.
(6)
«ثلاثة أنواع من البشر يجب على المكسيك التخلص منهم قبل أي إصلاح: القضاة المرتشين، والضباط الجبناء، ورجال الدين الشرهين، لن يحدث تقدُّم طالما بقيت هذه الفئات».
«ما جدوى وضع الأوسمة على صدور الموتى».
«يسمع القائد وهو يقول في أسى: ها هو أفندينا يرسلنا للحرب إلى بلد مجهول لا نعرف حتى اسمه، لا أحد يأبه بتقديم شرح أو تفسير، أرواح رخيصة تساق إلى حرب غامضة، لا نعرف متى قامت ولا لأي سبب ستنتهي، وربما نكون موتى في ذلك الحين».
هكذا قال الراوي في روايته.
نصائح الشيطان
(1) لا تجلدوا أنفسكم، وإنما أشعِروها بالعجز. أنتم عاجزون تمامًا عن فعل أي شيء. ليس كحكومات وأنظمة، وإنما... اقرأ المزيد
1464
| 06 مايو 2024
المرأة حين تخوض الحرب
(1) في العشرين من الشهر الثاني لعام 1910، وفي قلب العاصمة المكسيكية، تعلن الانتخابات الرئاسية في بلد مثقل... اقرأ المزيد
597
| 29 أبريل 2024
الذي لا ينتصر أبدًا
(1) لا يكاد يمر يوم، إلا وأقرأ مكتوبًا يحذِّر من أن الأحوال في الأيام المقبلة بهذا البلد أو... اقرأ المزيد
1290
| 22 أبريل 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5493
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3036
| 24 سبتمبر 2026