رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المقاومة المذمومة

(1) هل تعلم أنك اثنان ولست واحداً! تلمع في رأسك فكرة، تتحمس لها، تعزم على أن تقوم بها، ثم تهم فعلا بتنفيذها، فإذا بحماسك فجأة يخبو، وإذا بنفسك تتكاسل، وإذا بعقلك ينجدك بسيل من الأعذار، حتى لا تجد حرجا مع ضميرك. لا يمكن أن تتحجج بعوامل خارجية، كأن هناك من أحبط همَّتك، أو عمل على إجهاضها، لكنك أنت، أنت مِن داخلك من حارب فكرتك، وحال دون تنفيذها، وكأنَّك اثنان؛ واحد لديه الفكرة، وآخر يحاربها. (2) «ثمة سر يعرفه الكتاب الحقيقيون ويجهله أنصاف الكتاب، وهو كما يلي باختصار: الصعوبة لا تكمن في الجزء الخاص بالكتابة ذاتها، بل في الجلوس إلى الكتابة. ما يمنعنا عن الجلوس في المقام الأول هو المقاومة» «أكثرنا له حياتان لا حياة واحدة: الحياة التي نعيشها، والحياة الأخرى في داخلنا التي لا نعيشها، وبين الحياتين تقف المقاومة» «المقاومة أكثر طاقة سامة على وجه هذا الكوكب، ومصدر بؤس وتعاسة أشد من الفقر والمرض، والاستسلام للمقاومة يشوه الروح» (3) وقع في يدي كتاب مترجم عنوانه «حرب الفن»، لم أكن أعرف مؤلفه «ستيفن بريسفيلد»، حتى قرأت أنه كاتب أمريكي شهير، من مواليد عام 1943، وأن الكتاب هو أكثر انتاجاته شهرة، ومنه اقتبست العبارات السابقة. ورغم أن الكتاب يخصُّ بالدرجة الأولى العاملين في مجال الفن والأدب؛ فيتناول العقبات التي تواجههم، وكيف بوسعهم التغلب عليها، إلا أن الأمر يخصُّ كلَّ إنسان -برأيي- بغضِّ النظر عن طبيعة عمله. في الكتاب يشرح الكاتب وجهة بخصوص ما أطلق عليها «المقاومة الداخلية» التي تعيق مسارك، وتعرقله، وتثبِّط همَّتك، والتي يعرفها بأنها جملة من القُوى والعوائق التي تعترض تقدُّمك نحو أهدافك، قوى من داخل نفسك وليست من خارجها، ويضرب أمثلة على ذلك كالخوف، والشكِّ، وعدم الثقة بالنفس. ويرى أن أول أعراض تلك «المقاومة الداخلية» التي تحيل دون انطلاقك هو التسويف، فتلجأ إلى تأجيل كلِّ مشروع أو فكرة تسعى إلى تنفيذها، أو تغرق في التعاسة وتستغرق فيها، وتمضي إلى جلْد ذاتك. (4) يَحمل الكتاب رسائل مُلهمة وقوية، خصوصًا وأن الكاتب يمزج بين تجربته الشخصية وأفكاره الفلسفية والنفسية بشكل رائع، وهو يرى أن الخطوة الأولى التي عليك أن تخطوها لتهزم مقاومتك الداخلية هي أن تنخرط في العمل بصورة احترافية. وأول سمة من سمات المحترف هو أنه يستمرُّ في المُضي قُدمًا نحو هدفه لا يبالي إن كان في هذا اليوم يمرُّ بلحظة سيئة أو ينتابه بعض الملل، هو يجتهد ويكدُّ في عمله مهما كانت ظروفه، ومهما كانت وساوسه. وفي اللحظة التي يتحوَّل فيها الإنسان مِن شخص هاوٍ وحالم إلى محترف هي اللحظة التي يستطيع فيها التغلب على كل ما يعيقه، وفي ذات الوقت هو يدرك حدود إمكاناته، ويشير الكاتب إلى أمر هام، فقد تصادفنا أوقات نعاني فيها من التشتُّت بين كثرة المهام وضِيق الوقت فننشغل بالتفكير في كلِّ تلك المهام، ويضعف تركيزنا، ومن ثم نتعثر، فنصل إلى مرحلة الكآبة وانعدام الثقة، إنها دائرة مغلقة، وهو يرى الحل في التدرب على مهارة تحديد الأولويات. يستمر الكاتب في وصف الإنسان القادر على هزيمة مقاومته الداخلية، فهو لا يتوقَّف عن التعلُّم، يتقبَّل المديح مثلما يتقبَّل اللوم، ويمتلك كذلك مهارة الصبر؛ إذ يستطيع التعامل مع الضغط الناتج عن تعدُّد المهام، ويدرك أن الخوف أمر ضروري، لذا فهو لا يهرب من الخوف، بل يتعامل معه ويعرف كيف يروضه. يعتقد الكاتب أن مهمة الإنسان في الحياة لا تكمن في تشكيل نفسه ليصبح الإنسان المثالي، ولكنها تكمن في أن يكتشف المرء قدرات نفسه، فإذا وُلد ليكون كاتبًا فعليه أن يكون ذلك الكاتب الذي ينتفع الناس بفكره. (5) تردَّدت في البداية في أن أقضي وقتًا في قراءة هذا الكتاب مع أجواء حرب غزة، لكن شدتني فكرة «المقاومة الداخلية»؛ فقد اندهشنا جميعًا من وجود أناس بين صفوفنا، يعمل على التشكيك والإحباط، يحملون أسماءنا وهويتنا وديننا وجنسيتنا، لكن قلوبهم وعقولهم وقوَّتهم مع العدوِّ، يعرقلون المسير والتضامن، يبذلون كل ما في وسعهم لإجهاض أي محاولة منا لنصرة غزة. عدوُّك تعرفه تمامًا، وهو بعيد عنك، وإن طالك أذاه، لكن الأخطر هو العدوُّ الداخلي، الذي يعيش جارًا أو زميلاً لك، يعرف نقاط ضعفك، ومكامن قوتك، يعرف الكلمة التي تضعفك، لذلك فإنه يُطلق رصاصته ويعرف أنها ستصيبك.

1002

| 11 ديسمبر 2023

لا تموت مدن تقاوم

(1) لا بأس من حصار ستالينجراد؛ فهي واحدة من قلاع الصناعة السوفيتية، وملتقى طرق مهم، وأهم ميناء نهري في البلاد، وبوابة وحيدة -تقريبًا- إن شئتُ غزو القوقاز وبحر قزوين والسيطرة على آبار النفط الحيوية، والأهم أنها تحمل اسم عدوي ستالين، هكذا قرَّر هتلر. (2) في الشهر السادس لعام 1941، يبدأ سلاح الجو الألماني عمله بحملات قصف جوي عنيف ومتواصل، حولت مدينة (ستالينجراد) الجميلة إلى أنقاض وأطلال. عبارة تُقرأ في عدة ثوانٍ، فيما ثمنها غالٍ جدًّا، والخسارات فادحة، ليس فقط على مستوى الطوب والحجر، ولكن على المستوى الأهم؛ الإنسان. كالعادة، وبعد جرائم الطائرات تبدأ جرائم القوات البرية. وكالعادة -أيضًا- يظن العدو أن الأمر سيمر كالبرق، فتبدأ الدبابات -ما أسمته: «حرب البرق»- بهجومات سريعة خاطفة، لا بدَّ وأن تسقط المدينة، يصل عدد الضحايا لأكثر من 70 ألف إنسان، ولكن المدينة تأبى، فلا بأس إذن من الحصار، لا ماء ولا كهرباء ولا تدفئة ولا وقود؛ ليعيش الناس مأساة معيشية حقيقية. ولأن ميزان القوة كان يميل بشدة لصالح الألمان ضد السوفيت أصحاب المدينة، فإن المواجهة تأخذ شكل حرب شوارع، ليتمكن الألمان من إخضاع كامل المدينة - تقريبًا- بعد مقاومة شرسة واجهوها، إلا أنهم فشلوا في كسر آخر الخطوط الدفاعية للجيش الأحمر الذي تمسكت قواته بالضفة الغربية لنهر الفولغا. (3) غير أن الألمان كانوا يألمون أيضًا؛ فقد تسبب البرد والجوع في إنهاك الجنود، وتعطَّلت الآليات والمدرعات؛ لقلة الوقود، إضافة إلى نقص الذخيرة، فيما انتشرت الأوبئة في صفوف الجنود الذين يعانون نقصًا شديدًا في التغذية في أجواء شتاء قاسية، وقد اقتضت تدابير التقشف ألا تتجاوز حصة الجندي 200 غرام من الخبز والجبن والسكر في اليوم، وبات نحو 300 ألف عسكري ألماني مهددين بالموت جوعًا، فيما السوفيت ماضون في هجماتهم المضادة. يزداد الأمر سوءًا برفض هتلر الانصياع لطلب قياداته بالانسحاب من ستالينغراد؛ حيث أمرهم بالبقاء مهما كلَّفهم الثمن، مع وعدهم بتزويدهم بالإمدادات عن طريق جسر جوي، وقيام قوات مساندة بهجوم مضاد. غير أن هذا الهجوم المضاد فشل، وعجزت عمليات التموين بالجو عن نقل كميات كافية من المؤن والذخيرة لتغطية حاجيات الجيش، بل توقفت كليًّا بعد سيطرة الجيش الأحمر على المطارات التي تستعملها القوات الألمانية سواء التي داخل المدينة أو القريبة منها، وفي غضون ذلك تتمكن فلول الجيش الرابع الألماني من إحداث ثغرة في الجبهة الجنوبية فتنسحب إلى أوكرانيا، في حين يبقى الجيش السادس عالقًا في ستالينغراد. (4) في الشهر الحادي عشر من عام 1942، يُطلق السوفيت هجومهم المضاد، لينهار أمامه الجيش الألماني السادس الذي اضطر قائده فريدريك باولوس للاستسلام في 2 فبراير 1943 ومعه أغلب قواته البالغ عددها 300 ألف، رغم مواصلة البعض الآخر القتال إلى أن تمت تصفيتهم. تقول الأرقام: إن معركة ستالينغراد استمرت حوالي ستة أشهر، خسر فيها الألمان 1.5 مليون شخص بين قتيل وجريح وأسير، وإن ذلك كان يعادل ربع القوات الألمانية العاملة على الجبهة الروسية – الألمانية. لقد تعرض الجيش الألماني لثاني أكبر خسارة له في الحرب العالمية الثانية، والتي كان لها الدور الأكبر في تحول مجرى الحرب العالمية الثانية، فلم يستعد النازيون قوتهم السابقة، ولم يحققوا بعدها أي انتصار إستراتيجي في الشرق. نعم لقد تداعى جيش العدو شيئًا فشيئًا، بعد هزائم متكررة، وصمود من الأهالي، وملاحم قتالية من الجنود السوفيت، تمامًا كما سيكتب التاريخ يومًا -بإذن الله- عن تداعي الجيش النازي في غزة وهزيمته.

945

| 04 ديسمبر 2023

خواطر في زمن الحرب

(1) ذكَّرتني غزَّة بحرب الشيشان! لا أنسى ما حييت المشهد الذي رأيت حينما دخلت العاصمة غروزني؛ بنايات مدمرة عن بكرة أبيها، وكميات من الصواريخ مزروعة في الأرض، أسقطتها الطائرات الروسية ولم تنفجر، قيل لي: إنها منتهية المفعول أخرجوها من مخازنهم السوفيتية العتيقة، فسقطت وغُرزت في الأرض ولم تنفجر. ليس هناك أبشع من سلاح الطيران، ينقضُّ عليك من السماء فجأة، لا يدعك تهرب أو تلجأ إلى مكان آمن، يُحدث الدمار والموت ويرحل في غمضة عين. في الطريق من داغستان المجاورة إلى الشيشان حذَّروني من الطائرات المروحية، لكن لم يخبروني ماذا أفعل، قيل لي: قد يحدث معك ما قد حدث لغيرك؛ تعبر الجبل، محشورًا في سيارة رافعًا العلم الأبيض، تصل إلى مرتفعه، فإذا بطائرة روسية مروحية تستقبلك من الجهة الأخرى، وكأنها تخرج من باطن الأرض لا تنزل من السماء، يرصدك ربانها فيطلق قذائفه، ثم يضحك ويرحل. حافلة كاملة بنسائها وأطفالها وعلمهم الأبيض وجدوها على الطريق مدمرة ومحروقة، أي وحشية تلك؟! إنها من نفس فصيلة الوحشية التي وقعت في سوريا، وذاتها الجارية في غزَّة. حرب غزَّة تحمل من كل حرب عاصرتُها شيئًا مُريعًا، الدمار الشامل في الشيشان، القتل الجماعي في البوسنة، الوحشية في الكونغو (زائير سابقًا)، العنف في جنوب السودان، وهلم جرا. (2) حرب غزَّة غير مَن كان يتخيل أن يهتف الناس في شوارع لندن أو نيويورك لفلسطين «من النهر إلى البحر»؟ مَن كان يتصور أن يخرج تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات في الغرب تضامنًا مع قضية عربية؟ مَن كان يظن أن أساتذة جامعات وفنانين وكتَّابًا، يجاهرون بمواقفهم الداعمة لفلسطين، ويتحملون عقاب الغرب -الديمقراطي- بحرمانهم من وظائفهم وامتيازاتهم؟ مَن كان يعتقد أن يهود أوروبا وأمريكا يتضامنون بهذا الشكل مع فلسطين المحتلة ضد محتل يحمل نفس معتقدهم؟ بل مَن كان يتخيل أن فتيات ومراهقين يخرجون على المنصات يحكون تجاربهم في قراءة القرآن، بعد أن فتحت غزَّة شهيتهم للتعرف على هذا الدين الذي منح أهل غزَّة كل هذا الصبر وكل هذا الرضا؟ أسأل نفسي عما إذا بات علينا أن نتوقف عن الأحكام الجماعية، وألا نتعامل مع الغرب ككتلة واحدة، وأن نفصل بين الحكومات والمؤسسات الرسمية من جهة وبين الناس العاديين من جهة أخرى. أليس علينا أن نستثمر هذه الحالة، ونمد الحوار «الشعبي» بيننا، متجاوزين حكوماتنا وحكوماتهم؟ أليس واجبًا علينا أن نستفيد من هذه اللحظة الاستثنائية فنجعلها دائمة، وألا نهدر الفرصة؟ فالغرب الآن غربان؛ غرب حكومي مشدود إلى مصالحه، وغرب شعبي بدأ يسمع لنا، وهو أمر عظيم، وتحول كبير. (3) سؤال: لماذا عندهم وليس عندنا؟ أشرح لك سؤالي: ثمة أناس في الغرب، عندما يمرون بموقفٍ ما في حياتهم فإنهم يتوقفون ويبدأون البحث بإخلاص عن الحق، فإذا وجدوه انتصروا له، غير مهتمين بهوية الذين يدافعون عنهم ولا دينهم. وثمة أناس عندنا لا يفعلون ذلك، وإنما ينتصرون لمن يقضي على خصومهم، وينكِّل بهم، ويريهم صنوف العذاب، حتى لو كانوا على يقين أن خصومهم في هذه النقطة بالذات على حق. لذلك وجدنا عندنا من يتمنى أن ينتصر الكيان على المقاومة، نكاية في صفتها «الإسلامية»، وهم أنفسهم ربما الذين أغمضوا عيونهم عن مذبحة في مصر؛ نكاية في ضحاياها الذين هم خصومهم. ولا أتحدث في ذلك بشأن أناس تحركهم مصالحهم، فهذا -على قبحه- مفهوم، ولكن عن أناس عاديين، لا يستفيدون شيئًا، سوى التلذذ بإيقاع الظلم على خصومهم. لماذا لا نستطيع التفريق بين رفضنا المشروع لأفكار حركة ما، وبين وجوب الدفاع عنها إذا تعرضت لظلم، أو إذا دافعت عن حق؟! لماذا عندنا أناس لا يستطيعون ذلك وعندهم أناس يفعلون ذلك؟! (4) غزَّة أعادت ذاكرتنا إلى الوراء قرونًا! الأبطال الذين كنَّا نسمع قصصهم في التاريخ، ولم نكن نتصور إمكانية أن يكونوا نماذج حقيقية، أو أن هناك من البشر من بوسعه أن يقوم بهذه البطولات، رأيناهم في مقاطع مصورة حقيقية وليست خيالاً ولا تمثيلاً. المنافقون، المرجفون، الذين كان يصعب تصور أشكالهم وهيئاتهم وكيف يجرأون على أن يقولوا ما يقولونه أو أن يفعلوا ما فعلوه وهم منَّا، وجدناهم جيرانًا لنا، ونجومًا في الإعلام، بل ومؤسسات إعلامية كاملة. المكابرون الذين ما كنَّا نتصور أن ينصتوا ولو لآية، إذا بهم يدخلون في الإسلام بعواطف جارفة! وأخيرا.. نعم.. جيفارا مات، لكنه بُعث من جديد في شكل بلد كامل اسمه فلسطين، والذين كانوا يحملون صوره رمزًا للحرية وعداء للمستعمرين، باتوا يحملون أعلام فلسطين، ويتباهون بها! المقاومة غيرت كل شيء. إلا عقول الذين لا يريدون أن يفهموا.

2412

| 27 نوفمبر 2023

مِحنة الاختيار (1) «أوراق شمعون المصري»

رواية يسرد أسامة الشاذلي فيها حكاية بني إسرائيل وخروجهم من مصر. كنتُ قد نحَّيتها جانبًا بعد أن مللت من صفحاتها الأولى، لكني مع حرب غزَّة قررت العودة إليها، اندمجتُ جدًّا في القراءة إلى أن وصلت إلى ما ورد فيها من أن: «كل المخلوقات مسخَّرة لأمره إلا أنت، إن شئتَ آمنتَ به، وإن شئتَ أنكرتَه، لن يمنع نعيمه عنك إن جحدته، ولا يضمن لك نعيم الدنيا إن آمنت به؛ فالجزاء كله مؤجَّل للآخرة، وهذا أصعب ما في الأمر، فلو كان السفر قريبًا لعلمنا مقصده، ولكن بعُدت علينا الرحلة وطمست عنَّا نهايتها». (2) «إن شئتَ آمنتَ به، وإن شئتَ أنكرتَه». إنها نعمة «الاختيار» التي يتمتع بها الإنسان وحده دون سائر المخلوقات، أو على حدِّ وصف علي عزت بيغوفيتش في كتابه (الإسلام بين الشرق والغرب): فإن «القدرة على الاختيار، هي أعلى شكل من أشكال الوجود الممكن في هذا الكون». لكن يبدو أن حق الاختيار أو نعمة الاختيار -سمِّها ما شئت- هي ضريبة الحرية. أنت غير حر فلا اختيار لك. أنت حر فعليك أن تختار. ويفسِّر مصطفى محمود ذلك الأمر في كتابه (يوميات نص الليل): «لو إرادته اقتصرت على توجيه الإنسان إلى النافع لما كان بذلك حرًّا، ولأصبحتْ حياته ذات وجهة واحدة وطريق واحد لا اختيار فيه». «إن شئتَ آمنتَ به، وإن شئتَ أنكرتَه». يمنحك الاختيار حق أن تؤمن بوجود الخالق أو تنكر. غير أن الكارثة تكمن في أنك سوف تتحمل نتيجة اختيارك، وهو أمر مقبول في أي شأن دنيوي، اخترت دراسةً ما أو مهنةً ما أو بلدًا ما لتعيش فيه، ثم ثبت خطؤك، فيمكنك إعادة المحاولة مع تحمُّل الأضرار التي وقعتْ من خسارة وقتٍ ومالٍ، ومع الوضع في الاعتبار أن هناك مكاسبَ تحقَّقت من تجربةٍ وخبرات. غير أن ذلك غير متحقِّق في شأن الرب -جلَّ وعلا؛ فهي حياة واحدة، ومن ثَم مصير واحد. لذلك فإن «الاختيار» هو أصعب مهمة يتحمَّلها الإنسان في الحياة. (2) الاختيار يحتاج حكمة. والحكمة تحتاج بوصلة. والبوصلة تحتاج أن تحدِّد بداية هدفك الذي تسعى إليه بنهاية حياتك؛ لتضبط بوصلتك في اتجاهه. هذه البوصلة ستلجأ إليها كلَّما وجدت نفسك في مفترق طرق، سواء لشأن دنيوي أو شأن ديني. فإذا واجهت -مثلاً- موقفًا كانت كل الخيارات المتاحة فيه سيئة فإن البوصلة ستخبرك عن أقلها سوءًا، فأنت في الدنيا تناور بين التحديات؛ لتخرج فائزًا، فإذا انتظرت حالاً مثاليًّا خسرت كل شيء. وإذا حدَّثتك نفسك أن تلزم الصمت والسكون فيما هناك أناس يُقتلون وتُهدم بيوتهم فوق رؤوسهم، ستخبرك البوصلة أنك بذلك إنما عصيت الرب. إنها معادلة معقَّدة جدًّا. أنت حر، إذن فاختر، إذن فتحمَّل النتائج. (3) الاختيار يحتاج شجاعة. خذ عندك... هؤلاء الذين اختاروا أن يتحولوا عن دينهم، ألا يحتاج الأمر إلى شجاعة فائقة لمواجهة الأهل والأقرباء والأصدقاء، وتحمُّل سخريتهم، وربما عقابهم؟ لكن في المقابل فإنَّ إيمانهم بحُسن اختيارهم يمنحهم قوةً قادرةً على المواجهة. وبالمناسبة فنحن -أيضًا- اخترنا الإيمان التقليدي، أو قل: ورثنا الإسلام، ولم نختره. ولذلك نحن نندهش مِن هؤلاء الذين اختاروا التحوُّل عن دينهم إلى ديننا، كيف يتذوَّقون ما لا نتذوَّقه؟! كيف دخلوا إليه من زوايا مختلفة؟! أسمع سيدة مصرية تقول: إنها تؤدي العبادات منذ صغرها، تصلي وتصوم، لكن ما يذهلها هو تذوق غير الناطقين بلغة القرآن لآياته، تتساءل: كيف يشعرون بما لم نشعر نحن به؟ كيف دخلوا إلى الدين من زوايا لم تُثر اهتمامنا؟ تقول: إنها فكَّرت كثيرًا، ثم لجأت إلى حيلة، وهي أن تعاود قراءة القرآن، ولكن عبر قراءة معانيه بالإنجليزية، على أمل أن تُدرك ما أدركه المسلمون الجدد. هل تعلم لماذا؟ إنها العادة التي تُفقد المعاني -أحيانًا- قوَّتها، وتنزع عنها لذتها، التكرار بدون فهم ولا تدبر، أن تؤدي الطاعات فيما القلب غائبًا. لقد لُقِّنتَ الدين تلقينًا، لكنك لم تُجدِّد إيمانك، تعاملت معه كموروث، تحافظ عليه، لكن لا تعتبره اختيارك أنت الشخصي. لذلك نحن نعود الآن إلى نفس الآيات التي قرأناها مرارًا وتكرارًا؛ لنكتشف فهمًا جديدًا وأبعادًا أخرى. غريبٌ أنَّ أمر تجديد الدين هو أمر الله -تعالى- للمؤمنين أصلاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ إن الآية تطلب من المؤمنين أن يؤمنوا، أي يجدِّدوا إيمانهم والله أعلم. فيما يخص الأحلام فإني شخصيًّا اخترت عالمًا جديدًا أحدثته غزَّة، يَدخل الناس فيه إلى الإسلام، ويُجدِّد المؤمنون فيه إيمانهم.

1386

| 20 نوفمبر 2023

ما لا تُخبرنا به المرآة

(1) أَقضي طيلة اليوم في متابعة نشرة الأخبار، يُخبرني الرجل الواقف بين الحطام بالتفاصيل، أُدقق في الصور التي يعرضها، كأني أبحث في الوجوه عمَّن ما زال حيًّا من عائلتي، لا صلة قُربى لي في غزة، ولم تطأْها أقدامي، لكن أصبح كل سكانها عائلاتنا، وأهالينا. أبيت ليلتي نكِدًا، وأول ما أفعله في الصباح أن أتأكد من أن الرجل الواقف بين الحطام ما زال حيًّا، لم يعد هو الآخر «مراسلاً» كما كان، وإنما أصبح -بفضل ما يقوم به، وبفضل شجاعته- واحدًا منَّا. أتهيأ لمغادرة منزلي، أقف أمام المرآة، أهندم ملابسي، وأتأكد من تسريحة شعري، وأضع عطري، تخبرني المرآة بأن كل شيء على ما يرام، ورغم ذلك فإني أشعر أن لا شيء على ما يرام، تَخرج مني زفرة من قلبي، أغضب من المرآة التي لا تخبرني بحقيقتي، أو قل: لا تعكس الطوفان الهادر داخلي، الذي أطاح بكل شيء، وبعثر كل شيء. (2) أكثر من شهر وأنا مثل الآخرين، أتابع الأخبار، أكاد أجن، أقرِّر التوقف عن متابعة ما يجري، لا أستطيع، فأعاود المشاهدة والألم، وهكذا دائرة لا تنتهي. حزين لما يجري، غاضب من عجزي، أقرِّر ألا أكبت مشاعري كلها، أفلت بعضها، أترك الحزن يفعل فعله بي، أبكي أحيانًا، ثم أتوقف، ثم أفرح مع مشهد الملثم. ظننت أنها سحابة صيف وتمر، لكنها لا تمر، لا العدوان يتوقف، ولا مشاعري تستقر، لقد بعثرتنا غزة من داخلنا، وعلينا أن نلملم أنفسنا من جديد، نعيد تركيب شخصياتنا مثلما نفعل مع لوحة (البازل). غزة أكبر من معركة، وأكثر من مصيبة، وأعظم من فرح، إنها أمور كثيرة مختلطة، والطوفان ليس فقط في فلسطين، الطوفان اندلع بداخلنا، اجتاح كل شيء، وها هو يعيد ترتيب كل شيء. (3) أحاول أن أفهم، أُنصت إلى تصريحات بعض الساسة في الغرب، إنهم يعلنون صراحة أننا لسنا سواسية، وأن أطفالنا ليسوا كأطفالهم، وأن لا حق لصاحب الأرض في المقاومة، وأننا أسأنا فهم الأمر؛ فالمقصود حقوق الإنسان الأبيض، والدفاع عن المرأة عندما تكون هناك حاجة لعذر يبرر تدخلهم في هذا البلد أو ذاك. لقد خلعوا فجأة أزياءهم بآخر صيحاتها، ربطات العنق، وبدلاتهم، وفساتينهم، تخلصوا من كل شيء، وعادوا إلى ما كانوا عليه، رعاة بقر، وتجار عبيد، وغزاة يسرقون ثروات البلاد، يشنون الحروب، ويُسقطون القنابل النووية، ويقيمون في كل مكان معتقل أبو غريب. لقد تخلوا بسهولة عن كل القيم التي عايرونا بها، بل صرحوا علانية أنها حرب دينية، ولم يبق منهم إلا بعض الساسة الشرفاء، وأحرار الشارع يتظاهرون معارضين حكوماتهم وينتصرون للضحايا. لن أكرههم، ولن أرد الإساءة بإساءة، ولا العنف بعنف، لكني سعيد بأني أدركت الأمر على حقيقته بعد أن كنت أظنه ظنًّا. تمامًا كما أدركت بصعوبة أن لعدونا رجاله بيننا، يرتدون مثل ملابسنا، جيراننا، وربما أقرباءنا، و «يصلُّون العشاء معنا» على قول المسيري يرحمه الله. هؤلاء يقصفوننا بقنابل من نوع آخر، قنابل اليأس والإحباط، يرددون ليل نهار: أن لا جدوى من أي فعل تقوم به، ومن أي خطوة تقدم عليها، يبثون الشائعات، يسخرون من أي انتصارات للمقاومة، يشككون في كل شيء، وللأسف يسمع بعضنا لهم ويتأثر. إنهم مخلصون جدًّا لمبادئهم الهدَّامة، مخلصون جدًّا لأسيادهم في تل أبيب، يحسنون الحديث، يزينون خطاباتهم، يكلموننا عن الحكمة والتعقُّل، يتجاهلون كل ما أورده التاريخ من حكايات ينتصر فيها الضعيف المظلوم على القوي الظالم، بل يتجاهلون الحقيقة القرآنية: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، لذلك وجبت مقاومتهم. (4) الطوفان الهادر في نفسي لا يهدأ، شأني شأن الآخرين، أسأل نفسي: ما العمل؟ أجيب السؤال بألف سؤال: كيف أحوِّل غضبي وأحزاني إلى أمرٍ ذي جدوى؟ كيف لا أضيِّع طاقتي في الغضب والحزن؟ كيف أنتقل من مقاعد المشاهدين إلى مقاعد الفاعلين، المشاركين، حتى ولو في الصفوف الخلفية؟ لا يجيب الأسئلة إلا من يؤمن بنفسه، وبقدراته، وقدرته على إحداث تأثير مهما صغر. أتذكر ما قاله دوستويفسكي، من أن العمل وحده يستطيع إنقاذي وتقوية صحتي وجسدي، في حين أن القلق النفسي الدائم والتوتر العصبي المستمر سيدمرني كليًّا. (5) ثم قلت لنفسي: في المعركة إما أن تكون بطلاً أو خائنًا، ما من حل وسط، إلا إذا اعتبرت أن المعركة هناك ليست معركتك، وهذا والله أسوأ وأضل سبيلاً.

1050

| 13 نوفمبر 2023

هل حفرت النفق؟

(1) وصلتُ إلى النفق الذي سيعبُر بي إلى الناحية الأخرى حيث سراييفو المحاصرة، أدخلوني وفريقي إلى مكان ضيِّق عند المدخل يَحتشد فيه رجال كثر، سقف منخفض للغاية، وإضاءة معتمة، وأكسجين نادر، وقنبلة واحدة -تسقط مخترقة هذا السقف الهش- كفيلة بالقضاء على الجميع دون إصابات! لاحقًا، وفي الظلام بدأنا مسيرتنا في النفق وراء صف من الرجال بانحناء شديد إلى حد الركوع؛ تفاديًا للاصطدام بالسقف، ثم رويدًا رويدًا أكتشف أن كلَّ واحد منهم يحمل في يديه عبوتين من الوقود، وسيجارة مشتعلة تتدلى من فمه، سقوط واحدة منها كفيلة بإشعال حريق في النفق كله ومن يمرُّ به، يا لها من نهاية مأساوية تنتظرني، نجوت وسرعان ما تحول غضبي إلى ضحك على هؤلاء المدمنين المجانين! (2) تذكرت الواقعة وأنا أقرأ تصريحات جنرال روسي يشكِّك في جدوى القصف الإسرائيلي على غزة، يفيد بأنهم جرَّبوا ذلك من قبل، في أفغانستان وفي سوريا، إذ يخرج المقاتلون من الأنفاق بعد القصف سالمين؛ ليواصلوا القتال ضد عدوهم. ما لم يذكره الجنرال الروسي أو قل: ما لم يستفد به من تجارب السابقين، أن أنفاق فيتنام كانت سببًا مباشرًا في هزيمة فرنسا، ثم هزيمة الجيش الأمريكي بقوامه الذي بلغ 520 ألف مقاتل عام 1976. النفق هو سر النصر وهي أنواع، هناك ما حُفر لتجاوز سور يَفصل بين شعب واحد كما حدث في برلين، في زمن الشيوعية، فكان النفق مخرجًا سريًّا بين برلين الشرقية السوفيتية وبين برلين الغربية. وهناك الأنفاق التي تُحفر للهروب من السجن، كما فعل ستة أسرى فلسطينيين هربًا من سجن (جلبوع) قرب مدينة بيسان الواقعة شمال فلسطين عام 2021. أو تلك التي تُحفر لنجدة المدن المحاصرة كـنفق سراييفو، ونفق ستالينغراد الذي شُق خلال الحرب العالمية الثانية تحت تلك المدينة السوفيتية المحاصرة من القوات الألمانية. (3) لكن أقول متحيزًا: أنفاق غزة «غير»! لقد صُممت بشكل يُشبه بيت العنكبوت، أي أن لها عدة مداخل ومخارج، ويستحيل إغلاق النفق منها بإغلاق منفذ واحد، يُقدَّر عمقها بحوالي 80 مترًا، وطولها بحوالي 500 كم، تحوي فتحات مؤدية إلى البحر، بشكل يقف ماء البحر عند منطقة معينة حتى لا يغمرها. خرائط الأنفاق سرية جدًّا بلا شك، لكن المقاومة سرَّبت منها عدة نسخ مزيفة إلى المخابرات الإسرائيلية، التي باتت لا تعلم أيًّا منها صحيحًا. مِن هذه الأنفاق يخرج الأبطال الآن ليواجهوا عدوهم، بالأحرى عدونا، من المسافة صفر، في بطولات كنَّا نسمع عنها في التاريخ ونكاد لا نصدِّقها، ليحققوا انتصارات لافتة، وليصبح للصفر قيمة. (4) اعتدتُ ألا تقع واقعة إلا وأحاول الاستفادة من دروسها، لذا أجدني أسأل نفسي: ما جدوى أن يحفر المرء لنفسه نفقًا خاصًّا به؟ بالتأكيد نفق معنوي وليس ماديًّا. في العموم تُشق الأنفاق للتحايل على خطر قوة معاكسة ضخمة، ألا يحتاج المرء منَّا إلى نفق حين يواجه في حياته ظروفًا صعبة وتحديات قوية، يعتقد أن مواجهتها المباشرة لن تجدي نفعًا؟ أن تشق نفقًا لك يعني أن تسلك مسارًا في الحياة غير مُعلَن، لا يعرفه لا الخصوم ولا الأصدقاء، تخبئ فيه أسرارك وحاجاتك. مسار متعرِّج لهدف مستقيم. طريق تسير فيه وحدك لا يراك فيه أحد، تستعد فيه لمهمة كبرى، يحرِّرك من المسارات التقليدية التي اعتدتَ عليها واعتاد عليها الآخرون. يمنحك الظلام فيه الفرصة لرؤية ما في عقلك وخيالك، كأنه الأشعة البنفسجية. بل هو فرصة للعثور على الضوء داخل أنفسنا. نفق لا تداوم الحياة فيه، فهو ليس عزلة، وهو ليس مكانًا للاختباء؛ إنما فرصة للعثور على القوة والمرونة. الأمر ليس سهلاً. إنك في حاجة إلى تخطيط دقيق، وعمل متواصل على مدى زمن طويل، وقُدرة على التغلُّب على عقبات الطريق، واستعداد دائم لتقبُّل فكرة التعثر، ومن ثم تكرار المحاولة من جديد، حتى تنتصر في النهاية على تحدياتك. في النفق الذي تحفره بنفسك سوف تختبر كل أفكارك، فعند كل عقبة، ستعاود التفكير فيها، وسوف تتنازل بسهولة عن أضعفها، ستغيرها، تستبدلها بما هو أفضل. لا تنكسر عند ما لا تتمكن من رؤية النهاية؛ ذلك لأنك تؤمن أنها قاب قوسين أو أدنى، ربما هناك عند هذا المنحنى أو بعده. سوف تتعلم أهمية المثابرة وعدم الاستسلام، حتى في أحلك الأوقات. قد يكون النفق ضيقًا، لكن وسِّع رؤيتك ستكتشف أن إمكانياتك تتجاوزه. (5) ثم ذات مرة وفي الوقت الذي يناسبك أخرج إلى العلن اختر المخرج الذي يلائمك، فالنفق الذي سلكته جعلته متعدد المخارج؛ حتى لا يَسدَّ أحدهم عليك مخرجه الوحيد. الآن ترى النور وتنال الحرية وتستمتع بشخصك الجديد الذي أصبحت عليه. قلت لك: النفق سر النصر.

3360

| 06 نوفمبر 2023

معركتي الخفية

(1) عزيزي طارق: تسألني عن رأيي فيما يجري، وأنا أجيبك بصراحة. لقد أوقعتْنا المقاومة في ورطة، ركلتْنا مِن «الكنبة» التي كنَّا نجلس عليها لنشاهد ما يجري، إلى حيث ما يجري، أنا -كما تعرفني- شخص بسيط للغاية، ورغم ذلك بتُّ طرفًا في المعركة، إما أن أنتصر أو انتهي، لا خيار آخر لي، وتلك -والله- هي الورطة بعينها، ودعني أشرح لك الأمر. (2) في بداية الأحداث، تصرَّفت كما يتصرَّف الجميع، سعيت أن أبذل ما في وسعي؛ نصرة لما يزيد على مليونين من البشر، محاصرين على الأرض، تدكُّهم الطائرات الوحْشية من السماء. ثم وجدتني في حالٍ وصفه الربُّ في قرآنه مِن قبل: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: 10]. لم يصلني العدو، لكن أطاحت بي عاصفةٌ من الأسئلة، مِن فوقي ومِن أسفل مني، زاغ بصري، وبلغ قلبي الحنجرة. أين الله -تعالى- من هذا كله؟ لماذا رضي بأن يقع للمؤمنين به ما وقع؟ لماذا لا يدافع عنهم؟ لماذا لا ينصرهم؟ ما الحكمة مِن وراء ذلك كله؟ لقد شعرت أن إيماني يُختبر مرة أخرى؛ الأولى: كانت نظريًّا قبل عقود، وحينها أعلنت إيماني، وبعدها وعلى مر السنين ردَّدت كل عبارات الورع والتقوى، والتسليم لله -تعالى، والرضا بحكمه، فهل أرسب اليوم في الامتحان «العملي»؟ تخيل أنك تكتشف في سن متأخرة أنك كنت منافقًا، وأن إيمانك كان طبقة رقيقة ربما تغطي قلبك، لكن لم تنفذ إليه. لقد وجدت نفسي فجأة حائرًا، أبحث عن إجابات لأسئلتي، وتفسيرًا لما يجري، في الحقيقة قد وجدت نفسي في معركةٍ شخصية جدًّا، تبعد عن غزة آلاف الكيلومترات. (3) عزيزي طارق: لقد كنت -شأن الآخرين- غاضبًا جدًّا لما يجري، وهذا طبيعي، إلى أن تذكَّرت أن الدنيا ليست محل العدل والمساواة، ينتصر فيها المظلوم، وينال الجاني عقابه، وينعم الصالحون بها. هذه ليست صفات دار الدنيا، هذه صفات دار الآخرة، صفات الجنة، الدنيا ليست محل الجزاء، وإلا لما كانت هناك القيامة، والحساب، والجنة، والنار. ورغم ذلك فإن عاصفة الأسئلة لا تتوقف: هل أنا -فعلاً- راضٍ بحكم الله وقَدَره؟ هل أنا متعلِّق -حقًّا- بالله، لا أرى نجاة دونه -تعالى؟ هل واثق من نصره على الشاكلة التي يريدها -عز وجل- وليس على الشاكلة التي أحددها أنا، وفي الوقت الذي يحدِّده هو -القدير- وليس أنا؟ كما ذكرتُ لك: إنني أشعر أن إيماني يُختبر، وقد كنت أعتقد أنني عبرت هذه المرحلة! صدِّقني، كل أهل غزة ناجون، المشكلة فينا نحن. لذلك فإن المعركة شخصية جدًّا. (4) أقلِّب الفيديوهات على المنصات، تخرج لي هذه الفتاة الأمريكية تخبرني أنها تساءلت عن سبب صمود أهل غزة، فقيل لها: تجدين الإجابة في القرآن! يا للهول، تخيل يا طارق، هكذا بكل بساطة، الإجابة في القرآن، تُبادر هي إلى قراءة القرآن لأول مرة في حياتها؛ بحثًا عن الإجابات، وتستعرض ما وجدته وهي غير مسلمة، وأنا هنا صريع الأسئلة. بربك ماذا كنا نفعل نحن طيلة حياتنا؟ ألم نكن نقرأ القرآن عشرات المرات؟ لماذا نهتز الآن؟ لماذا نتساءل: متى نصر الله؟ لماذا يتملَّكنا هذا الشك؟ عزيزي طارق: أتعرف ما هو أسوأ سيناريو؟ أن ينجوَ غير المؤمنين ونرسب نحن! أن يبحث غير المؤمنين عن الإجابة في كتابنا فيجدونها فيؤمنون به، فيما نحن متشكِّكون من كل شيء، غاضبون من كل شيء، ناقمون على كل شيء، لا نفهم ماذا يجري، ولا إلى أين ستسير الأمور! يا لها من مفارقة، ينجو هؤلاء الذين لم يكونوا مؤمنين، ونرسب نحن الذين طالما ردَّدنا آيات الإيمان، لذلك فالمعركة شخصية جدًّا. (5) لماذا غابت عنَّا مقاصد سورة الأحزاب، القوى الكبرى بمفاهيمهم حينها يجتمعون حول القلة المؤمنة، والكل يُختبر، وكأن الغزوة والسورة للتمييز بين المؤمنين والمنافقين. ربما ما يواسيني أن الحزن عمَّ المؤمنين حينها، فلا ضير أن يعُمَّنا، ولذلك جاءت آيات هذه السورة تربت على قلوبهم، اقرأْها فإني أقرؤها كأني أقرؤها أول مرة. أتعرف؟ لقد دعتْني غزة إلى معاودة قراءة كل ما كنت أدَّعي أنني قرأته وتعلَّمته، فإذا بالأمور تبدو لي وكأني أعرفها لأول مرة. «كنَّا إذا حمي الوطيس احتمينا برسول الله». أتعرف يا صديقي: إني أشعر أن التاريخ سيكتب يومًا الآتي: ذات مرة جاء قوم بعد رسول الله بما يزيد عن أربعة عشر قرنًا، فاحتموا به ونجوا.

15096

| 30 أكتوبر 2023

ماذا إذا غاب المنطق؟

(1) المعارك محتدمة، والقائد السبعيني مصمم على زيارة جنوده على الجبهات، يشتكون له نقصًا في الذخيرة والطعام، يتوقع أن يسألوه النجدة، أن يجد لهم مخرجًا، لكنهم على العكس من ذلك يطالبونه بمواصلة الحرب إلى أن يهزم العدو. يقول علي عزت بيغوفيتش في مذكراته: إن ذلك أدهشه، فهو خلاف المنطق تمامًا، ثم يحمد الله، معتقدًا أنه لو عمل البوسنيون بالمنطق لاستسلموا في بداية الحرب، فمن له بمواجهة رابع قوة عسكرية في أوروبا. (2) بعيدًا عن تعريف المنطق، واختلاف الفلاسفة والمفكرين حوله، فإن كلمة «المنطق» زاهية، توحي بالتعقُّل والحكمة؛ فالمنطق يعتمد على العقل فقط، بيانات وتحليلات تؤدي بنا إلى استنتاجات. لكن هل فعلاً هذا أمر محمود، أن تعتمد في قراراتك على المنطق وحده؟ ثم ما الذي يضمن لنا إذا اعتمدنا على العقل، وأطلنا التفكير، وحسبنا المكاسب والخسائر، وأخذنا قراراتنا بناء على ذلك، ألا تكون خاطئة، ألسنا في هذه الحالة نكون قد فقدنا الأمرين، ثمرة التعقُّل، ولذة العاطفة؟ لو راجعتَ حياتك لوجدتَ نفسك قد اتخذتَ -أحيانًا- قرارات خاطئة لأسباب وجيهة، أو العكس، تغاضيت عن المنطق وفزت. لماذا نقمع العاطفة، ونعتبرها رمزًا للضعف والهشاشة؟ هل يمكن أن نخوض في أمر صعب ونحن مجرَّدون من العواطف؟ أليست هي المسؤولة عن منحنا هذه الطاقة الجبَّارة التي تعيننا على أداء واجباتنا واختياراتنا الشاقة؟ اللذة المستحدثة من هذه العاطفة، ألا تستحق منا تغييب المنطق أحيانًا، والاعتماد عليها في أحكامنا؟ تخوض مغامرة تلو مغامرة، وعندما تشيخ تجلس تحاسب نفسك، كيف فعلت هذا، كيف جرأت على أن تخوض ما خضته؟ تسأل نفسك عن الفعل، لكن لا تسأل نفسك عن النتيجة، فما كنت لتحصِّل ما حصلت عليه لولا هذه الجرأة، الجرأة الناتجة عن عاطفة وليس عن منطق. كأنك بعد سنوات طويلة، ومع تراجع عاطفتك التي كانت متأججة حينها، تجلس وتحسب أمورك وفق المنطق، وتندهش كيف أغفلت المنطق، وفعلت ما فعلت! (3) تتجلى أزمة الصراع بين العقل والعاطفة في الحب! وصلتني رسالة تقول صاحبتها: إنها في مقتبل علاقة مع أحدهم، وإنه بالمنطق فإن هذه الزيجة لن تتم، وإن تمَّت فلا تتوقع لها النجاح، ورغم ذلك هي ترغب فيها بشدة، وجاهزة لدفع الثمن. هل خنتها أنا عندما نصحتها بأن تلزم العقل، فيما قناعتي تميل إلى العاطفة، شريطة أن يكون المرء مستعدًّا تمامًا لدفع الثمن، الذي هو في أغلب الأحيان غال جدًّا؟ لذلك صدق من قال: نحن نفقد المنطق عندما نعشق، أو ممكن أن نزيِّن الكلام ونقول: إن للقلب منطقه الخاص به. ليس الحب وحده يغيب فيه المنطق، يقول ميخائيل نعيمة: «ليس من المنطق في شيء أن تباهي بالحرية وأنت مكبَّل بقيود المنطق». كأنه من الحرية أن تتمرد على المنطق. وما هو الحل أيها السادة؟ يقول أبو المنطق أرسطو: «الإنسان مخلوقٌ عقلاني بالأساس، ولكنه يعيش حياته -أيضًا- بالعواطف. يجب أن يكون هناك توازن بين المنطق والعاطفة لتحقيق الحكمة». وينصح سقراط بأن «عليك أن تعرف نفسك؛ إذا عرفت نفسك جيدًا، ستكون قادرًا على تحقيق توازن بين منطقك وعواطفك». أما سيغموند فرويد فيقول: «الوعي يمثِّل قمة الجبل، ولكن العواطف تشكِّل الجزء الأكبر من الجبل، ولهذا يجب أن نكون حذرين دائمًا من الاندفاعات العاطفية». والخلاصة هي فيما قاله كونفوشيوس: «الحكمة تكمن في معرفة متى يجب أن نتبع المنطق ومتى يجب أن نتبع العواطف». (4) أما أنا فمع ما قصده المفكر والرئيس البوسني، فبحسب المنطق، كيف للمسلمين دون جيش لهم أن يواجهوا آلية عسكرية جبارة مثل الجيش اليوغسلافي الذي ورثه الصرب، ولذلك هو يحمد الله أنهم لم يعتمدوا على المنطق، وإلا كانوا استسلموا من أول لحظة. تمامًا مثل الحالة الفلسطينية التي تجلَّت في معارك السابع من أكتوبر؛ ففي هذه الحالة لن يواجه الفلسطينيون رابع قوة، وإنما كل قوى العالم، ورغم أننا ما زلنا في خضمها، ولا نستطيع الحكم عليها، إلا أننا إذا سألنا المنطق فسوف يجيب أن العقل ألا يحاربوا، يعني أن يقبلوا بالاحتلال ينكِّل بهم جيلاً بعد جيل، لذلك سُحقًا للمنطق. الفلسطينيون ليسوا وحدهم في ذلك، ولا البوسنيون، كل أحرار العالم يفعلون ذلك، يغيِّبون المنطق عندما يكون العدو حاضرًا، فيتنام مثالاً، وعُد بعدها أمثلة أخرى كثيرة. المنطق يخبرك أن المقاومة انتحار، وهو لا يمنحك بديلاً سوى الاستسلام، فإذا تحدثت عن الحرية والكرامة فإن المنطق لا يفهمها. لذلك فإن المنطق أحيانًا ألا تُنصت للمنطق.

1719

| 23 أكتوبر 2023

المخلص والأسئلة المحرمة

(1) ما زلت أذكر هجرتي الأولى! هل الذاكرة مضطربة، أم أن الأحداث تفرض عليها أن تنتقي ما يناسبها؛ فترفعها إلى سطحها، وأتخيل أنها أول ما لفت نظري في بلاد المهجر؟ مدهش أمر الإنسان هنا في الغرب، إذا ما مرَّ به في حياته اليومية ما لا يعجبه لا يدعه يمر، ولا يقول: «وما جدوى رأيي؟»، وإنما يبادر إلى فعلٍ ما، أي فعل، رسالة احتجاج، أو اتصال، أو تصرف ما، المهم أنه لن يدعه يمر. ما فعلته الشيوعية والنظم الشمولية والديكتاتورية هي أنها حقرت من قيمة الإنسان، فرسخ في ذهنه أنه لا تأثير له مطلقًا، وإنما الأمر كله في أيدي السلطة، سواء الحاكم، أو حتى مسؤول البلدية، إنما هو -كشخص مؤثِّر- فلا وجود له، ولا قيمة له؛ هو كيان عاجز عن فعل أي شيء إلا بإذنٍ من السلطة، لذلك أندهشُ -وأنا ابن العالم الثالث- من حكاية روزا الشهيرة. (2) في مدينة مونتغمري تستقل السيدة السوداء الحافلة، وتجلس في الصف الأول من المقاعد الخلفية المخصصة للسود، إلى أن يصعد -لاحقًا- عدد من الركاب أصحاب البشرة البيضاء، فيتجه السائق إلى حيث تجلس روزا، ويحرِّك علامة المقطع المخصص للسود إلى الخلف؛ ويطالب روزا والركاب السود الثلاثة الجالسين بجانبها بالتخلي عن مقاعدهم، والعودة للوراء؛ حتى يتسنى للمسافرين البيض الجلوس، ينصاع الركاب الثلاثة السود للأمر، إلا روزا فقد قرَّرت أن تقول: لا، وأن تفعل شيئًا ما، مؤمنة بأنها ليست عاجزة. تُعتقل روزا، ينتشر الخبر بين ناسها، ويتضامن معها سود المدينة. الحكاية طويلة جدًّا، لكن روزا تنجح في النهاية في إبطال القانون الذي يشرِّع الفصل العنصري في الحافلات العامة. يقول مارتن لوثر كينغ في كتابه «خطوة نحو الحرية»: في الواقع، لا أحد يستطيع أن يفهم عمل السيدة روزا باركس ما لم يُدرك أن كأس التحمُّل تفيض في النهاية، وأن الطبيعة البشرية تصرخ: «لا أستطيع أن أتجرع المزيد من كأس الظلم». (3) هل تعرف ما هي الأسئلة المحرَّمة؟! في حياتنا تحديات عظيمة، لا أحد ينكرها، التحديات هي من طبائع الأشياء، فماذا أنت فاعل في مواجهتها، هذا هو المحك، وصدقني: لا ينجو إلا مخلص. ولذلك ثمة أسئلة محرَّمة، حرَّمها كل حرٍّ على نفسه، فعند الواجب لا يسأل نفسه: هل أفعل أم لا أفعل؟ وإنما يبادر إلى الفعل، لا يحسِب للأمر كثيرًا، يؤمن بنفسه، وفي قاموسه الحياتي لا يعرف كلمة: «العجز»، يعتبرها عذرًا يعتذر به الناس لأنفسهم؛ ليبرروا تقاعسهم. ذاك الحر المخلص -عندما يباغته العدو- لا يسأل نفسه: هل بوسعي المقاومة أم لا؟ هذا سؤال لا يُثار من أساسه، وإنما يبادر إلى المقاومة، مهما كانت قوة خصمه، ومهما كانت قوته ضعيفة في مواجهتها، إنه يقاوم ولو -تطلب الأمر- بأظافره. وهذا ما فعله الأحرار في فلسطين، حكايتهم -أيضًا- طويلة من الحجارة إلى الصواريخ. (4) نعم لا يعترف المخلص بالعجز خذ مثلاً عدوان الكيان على غزة، انقسم الناس المتضامنون والذين يعيشون خارج غزة إلى فريقين: فريق يلتزم السكون والصمت. يقول: نحن عاجزون لا حيلة لنا، وماذا عسانا أن نفعل؟ وفريق يواجه التحديات. المخلص مبدع، يتحايل على كل المعوقات، يفكر خارج الصندوق، يخترع وسائل، ويبتكر طرقًا، إنه -كما قلت لك- مخلص، والمخلص يُختبر في المحنة، والمخلص ينجو. (5) المخلص ينجو من الطابور الخامس! هذا الطابور هو أشد فتكًا من العدو نفسه؛ لأنه بين صفوفنا. هو نفسه الذي قال يومًا: وما جدوى الحجارة؟ ثم لما أصبحت الحجارة صواريخ قال: وما جدوى هذه الصواريخ إنها أشبه بلعب الأطفال؟ ثم كبرت الصواريخ فأصبحت تدك المدن. المحبِّط -ابن الطابور الخامس- يقول لك ساخرًا: أنت مجاهد الكيبورد، تجلس في بيتك، في منطقة راحتك، تكتب وتحث الناس على المقاومة. نعم، أنا في بيتي، ولكن قلبي هناك، وأفعل ما في وسعي، دلني أنت ماذا تفعل غير تثبيط همَّتي؟! المخلص يؤمن بقيمة الفعل مهما صغر، يدرك أن الكلمة تلو الكلمة تصحِّح المفاهيم، وتعدِّل المسار، تنصح، وتوحِّد، وتسد الفُرَج. لا تحقروا من الأعمال الصغيرة أو البسيطة شيئًا؛ فهي أفضل من الوقوع في خطيئة السكون. (5) لا أحد يطلب من حاملي بنادقهم -للدفاع عن عائلاتهم وبيوتهم- أن يتركوها ويتوجهوا للرأي العام، لكن أنت -أيها المخلص، الذي يعيش بعيدًا عن هذه المأساة الجارية، ولا يستطيع أن يشاركهم الدفاع عن بيوتهم، أو يضمد جريحًا، أو يدفن شهيدًا- ماذا تفعل بربك إذن؟ لا تستهن بنفسك أبدًا، ولا بقدراتك التي سوف يحاسبك الله -تعالى- أنه منحك إياها ولم تنصر بها مظلومًا. ليس بالضرورة أن تكون كاتبًا أو صحفيًّا أو فنانًا. لماذا نستطيع أن نعبِّر عن أنفسنا على منصات التواصل، وعند الجد ندَّعي أننا لسنا بكتَّاب أو مؤلفين؟ اكتب بالعربية، بالعامية، مهما كان أسلوبك، ومهما كانت طريقتك. اكتب لهؤلاء الذين نسميهم: الرأي العام العالمي، يسمع لك أو لا يسمع لك، افعل أنت ما في وسعك، شارك بكلمتك، ولا تعبأ إن كانت تؤثِّر أم لا، افعل ما يمليه عليك ضميرك، ناشد العالم؛ فإن فيه عقلاء وأحرارًا وراشدين، ساسة وكتَّابًا وفنانين. سوف تندم عندما تنقلب كل هذه الأمور لصالح الحق، وسوف تنقلب بإذن الله، وعندها تكتشف أنك كنت من القاعدين. (6) كل الذين انتصروا هم الذين لم يعترفوا بالعجز. لم يعترفوا بعذر «المستحيل». بل استهزأوا به. أنت كثير ولو كنت وحدك. فاحترس من الذين انتصروا؛ فقد أسقطوا عذرك. ولذلك يحق لهم أن يحاسبوك يوم النصر أنك لم تفعل شيئًا. أنت في ظهورهم، فلا تخنهم.

1164

| 16 أكتوبر 2023

درْس الفلسطيني الذي أكره

(1) كبرت، وكبرت معي فلسطين. تلميذًا في المرحلتين الإعدادية والثانوية، كانت رفيقتي في الإذاعة المدرسية، وفي صحف الحائط، عالقة في ذهني، وفيما أكتب وأقول، ولا يمكن وصف سعادتي، حين نشرتْ مجلة «الأشبال» الصادرة عن المقاومة من لبنان رسالة بعثتُ بها إليهم، لقد مشيت يومها بخفة في شوارع مدينتي التي هُجِّرت إليها بعد نكسة 1967 وكأني «ياسر عرفات»، ولما لا؛ فقضيتنا واحدة؟! لكنها، أي فلسطين، ستكون محك الخلاف الرئيسية مع السادات وهو يوقِّع «كامب ديفيد»، وفي المهرجان الجامعي وفي حضور كبار القوم تجرأ أحدهم وامتدح في خطبته المعاهدة الملعونة، وشبهها بصلح الحديبية، فلم أستطع إلا أن أرد عليه مستغلاًّ أنني أدير الحفل، وأملك الميكرفون: «أستاذي القدير، فارق كبير بين صلح الحديبية التي فتح بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة المكرمة، وبين صلح كامب ديفيد الذي رفع لليهود راية فوق مصر المسلمة». صحيح أُقر للسادات بذكائه السياسي، خصوصًا إذا قارناه بزعماء هذه الأيام، لكن لم أغفر له في نفسي هذه الخطوة أبدًا. (2) نعم كبرت وكبرت معي فلسطين، حتى وإن كانت مساحتها الجغرافية تقلصت. ثم كانت هذه الفرصة التي هيأها لي «حزب الله»، قبل أن تتعثر بنادقه؛ ففي جبهته مع العدو الصحيح كنت أمارس مهنتي صانعًا للأفلام الوثائقية، حين وعدني مرافقنا من الحزب على تصوير حيٍّ لمعركة مع العدو. وفي الموعد المحدَّد، كنا نعتلي مرتفعًا، وحولنا جنود المقاومة، ومعي زملائي من الفريق، حين شاهدتُ العَلَم البغيض الذي سبق وشاهدته مرفوعًا على الضفة الأخرى من قناة السويس، وجدته هناك عن بُعدٍ مرفوعًا على ثكنة لهم، ثم يُصدر القائد بجانبي أوامره عبر جهازه اللاسلكي، فتنهال القذائف على ثكنة العدو، ويسقط العَلَم، وأشاهد جنوده يفرون. كنت في قمة سعادتي، ورجال الحزب من حولي يظنون أن ذلك لحصولي على هذه المادة التي لم تُمنح لصحفي آخر، فيما كنت -أنا- سعيدًا لثأرٍ شخصي؛ فقد عشت مع عائلتي أيامًا صعبة حين كانت طائرات العدو تقصف مدينتي السويس، وقبل أن يفي الجيش المصري بوعده بعبور القناة. تمر الأيام ويندلع الربيع العربي، وتملأ أخباره العالم كله، يميل على أذني صديق ويقول لي مازحًا: راحت عليك؛ فلسطين تتوارى وسط هذه الثورات، ولن يهتم بها أحد في الفترة المقبلة، سوف ينكفئ كل شعب على قضيته إذا انتصر وأسقط نظامه، أو إذا هُزم. خالفته الرأي؛ إذ كنت أرى وما زلت أن الكيان وراء كل أذى يصيب المنطقة، وللأسف لم يخب ظني؛ فقد استمدت كل الثورات المضادة وكل الأنظمة التي حاربت الربيع قوتها من هذا الكيان، وكل من يريد أن يستقوي على شعبه إنما يستقوي بهذا الكيان المزروع غصبًا في أراضينا. (4) في وقت مبكر من عمري قررت أن أجعل فلسطين معلمي. أمر يتجاوز الأخبار والتحليلات والآراء. ابتسامة الأسير الفلسطيني تقهر عدوه، يُلقى القبض عليه فيبتسم، يقضي في السجن سنوات، ثم يخرج، ثم لا يتوب، ثم لا يبقى صامتًا، ثم يُعاد إلى سجنه فيبتسم، أفعل مثله في حياتي كلما وقعت بي مصيبة، أو مررت بضائقة، أبتسم وأمضي. يقولون: إن ميزان القوى يفيد بأنه لا أمل، وإن بعد الحسابات والدراسات وتقارير الذكاء الاصطناعي فإن هذا الكيان جاء ليبقى، ويقولون ويقولون، والفلسطيني لا يعبأ بذلك كله، يستمر في نضاله ببساطة وعزم غير عاديين، بحجر أو صاروخ، أو هتاف، بأي شيء هو مستمر، وواضح أنه ينظر إلى الأمام، وأنه يرى شيئًا نحن لا نراه، وهو يفعل ذلك مدركًا أنه قد لا يحصل على الجائزة في حياته، وأنا بت في حياتي الشخصية أفعل مثله، أومن بالفكرة، أناضل من أجلها، يسخر الساخرون، يضعون العراقيل، وأنا مستمر في طريقي، لا أتلفت. يدرك المناضل الفلسطيني أنه قد لا يصل، لكن أمره عجيب، إنه يستمر بنفس الحماس، مؤمنًا بأن نجاته الشخصية في أن يفعل، بغض النظر عن النتيجة، وأنا أتشبه به، أمضي في طريقي الذي أرى أن عليَّ أن أسلكه، وبغضِّ النظر عن النتيجة. فلسطين ليست وثنًا، فلسطين تحطِّم الوثن، ولذلك أحبها، ولست وحدي، فنحن كثر ونزداد، بل أرى أن في عالمنا هذا المحكوم بقوى عظمى هناك مَن بدأ يخرج عن السيطرة، يفهم قضية فلسطين ويرفع شعاراتها، أحيانًا مبادرات فردية، وأحيانًا جماعية، لكن في كل الأحوال فإن الأمر يتغير، وإن نصرة فلسطين تكبر، وإن كان رجال المقاومة قد كفروا بكل شيء سوى سواعدهم بعد إيمانهم بمشيئة الله وقدرته. (5) ذكرى لا أنساها وأنا ابن التاسعة. طاولة صغيرة، أجلس على طرفها، وفي مواجهتي جارتي «سيدة»، هي طفلة في نفس عمري، الأستاذ صالح يتوسطنا، يعلمنا الرياضيات، المادة التي لا أحب، لكن أحببت أنه من فلسطين. في سني المبكرة هذه علَّمني أبي «فلسطين»، ورأيتها مكتوبة على جدران الشوارع، وسمعتها هتافات من أهل مدينتي الواقعة هناك على مدخل القناة التي يعرف العالم اسمها جيدًا «السويس»، فضلاً عن خطابات عبد الناصر التي تعدنا بأننا في الطريق إليها. لكنني كرهت «صالح»؛ لأنه شخص يائس، كافر بالعروبة، يقر بالهزيمة، ويسخر من المقاومة، لا يمل من تكرار جملته البغيضة عن بلاده: «أولها فَلَسٌ وآخرها طين». طلبت من أبي أن أتوقف عن هذه الدروس وعن هذا المدرس، واستجاب لأمنيتي، لكن عبد الناصر لم يستجب، وما هي إلا عدة شهور ووجدنا جيش الكيان على حافة القناة، واضطر صالح أن يهاجر مرة أخرى، معتقدًا أنه على حق فيما يعتقد. غير أن الدرس العظيم الذي تعلمته في هذه السن المبكرة ما زال معي حتى الآن، يمكنك أن تكره شخصًا يحمل فكرتك، لكن لا تكره فكرتك.

1512

| 09 أكتوبر 2023

المقاومة الممكنة

(1) في خطوة غير مسبوقة قرَّرت الحكومة الأمريكية أن تزيِّن بعض أوراقها النقدية بصورتي، نعم أنا المرأة السوداء التي ستحل صورتي محل صورة الرجل الشهير ألكسندر هاملتون، أحد الآباء المؤسسين، والسر في حكايتي. (2) اسمي: «أرمينتا روس»، ولدت عام 1822 لأبوين يرزحان تحت نير العبودية، ثم عُرفت بعد ذلك باسم: «هاريت توبمان»، أتوسط تسعة من الأشقاء والشقيقات، السيد الذي يملكني وعائلتي يعتقد أن العبيد ليسوا بشرًا أبدًا، وإنما حيوانات ناطقة. يقرِّر يومًا أن يبيع شقيقاتي الثلاث، ولا يفلح صراخ أمي في ثنيه عن ذلك، ومشهد فراقهن المرعب لا يفارقني، فراق لن يكون بعده لقاء أبدًا، وأقرر أنني لن أستسلم أبدًا إذا بت في نفس الموقف. في العام التالي يأتي تاجر عبيد آخر إلى مالكنا يطلب شراء عبد جديد، والدور هذه المرة على شقيقي الأصغر، تعلم الأم بالأمر فتقرر إخفاءه، يجن جنون المالك، لكن أمي تواجهه في ثبات وتحدٍ، تصرخ في وجهه: «من يقترب من هذا البيت سأشج رأسه». أُصاب بالهلع، أَتصبب عرقًا وأَرتعش. يتراجع السيد بعد أن أدرك أن أمي جادة في تهديدها. وأَخرج بدرس عظيم «المقاومة ممكنة». (3) تمر الأيام، تقع حادثة فارقة في حياتي؛ فقد أرسلني سيدي لشراء بقوليات، فلما دخلت المتجر وجدت عبدًا آخر هناك، طفل في مثل عمري يحاول الهرب من المشرف عليه، يستنجد بي، فيما سيده يطالبني بالمساعدة في كبح جماحه، بالطبع رفضت ذلك بشدة، وقفت بين الرجل والطفل مما يساعد الأخير على الهروب. المشرف اليائس يمسك بثقل رطلين من الميزان، ويلقي به على العبد الذي يحاول الهروب، تخطئه الإصابة، تضرب رأسي بضربة تكاد تقتلني، يسيل الدم بغزارة على جبهتي، وأفقد الوعي. يحملونني إلى منزل سيدي وأنا بين الموت والحياة، ورغم ذلك يحرمونني من أي رعاية طبية، فأصاب بصداع مؤلم للغاية ونوبات من فقدان الوعي وهلاوس بصرية، وحين أسترد وعيي أصبح شخصًا آخر، شخصًا يؤمن أنه خُلق لمهمة أكبر من مجرد العمل لهذا السيد أو غيره. ولأنني أصبحت مريضة فإن سيدي يحاول بيعي، وإذا بالمفاجأة أنه يموت، فينتابني خوف شديد مما سيحدث لي، يسيطر عليَّ سؤال واحد: كيف يمكن ألا أترك مصيري في يد سادة جدد؟ (4) وجدت الإجابة! أنا أعيش في ولاية ماريلاند، وتجاورنا ولاية بنسلفانيا التي ألغت العبودية وحرَّمتها. فلماذا لا أهرب إليها؟ غير أن ذلك يحتِّم عليَّ أن أسير مائة ميل على أقدامي في تلك الليالي الشتوية مسترشدةً بنجمة الشمال، والأمر مرهون بنجاحي في الهروب من صائدي العبيد الذين يترصدونهم وكلابهم المتوحشة في الطرق، مدركة تمامًا أنه إذا أُلقي القبض عليَّ فإن ذلك يعني الموت. المشكلة الأخرى أن مائة ميل سيرًا على الأقدام أمر قد يكون محتملاً، لكنها مسافة تمر بغابات شائكة ومستنقعات وممرات جليدية تفعل فعلها في الأقدام. فإذا نجحت في عبورها فإنَّ عليَّ أن أُكمل طريقي بملابس مبللة في طقس شديد البرودة، وأن أختبئ إذا رحل الليل في الصباح في منزل من منازل المتعاطفين متنكرة في صورة وهيئة أخرى. صدقوا أو لا تصدقوا لقد فعلت ذلك كله، نجحت -أنا الفتاة المسكينة- في الهروب، فقد صدق حدسي... إن «المقاومة ممكنة». أشعر -لأول مرة في حياتي- بطعم الحرية، لكن الوحدة تعصف بهذا الشعور اللذيذ؛ فليس هناك من يرحِّب بي، لقد بت غريبة في أرض غريبة، بيتي ما يزال في أرض العبودية، الكوخ الفقير مع العجائز وأخواتهن وإخوانهن، لكن أنا حرة، ويجب أن يكونوا هم -أيضًا- أحرارًا. (5) لقد قررت العودة إلى حيث كنت أعيش مع أهلي، ليس لأن أعاود الحياة بينهم، ولكن لأقود مجموعة منهم عبر نفس الطريق عائدة إلى ولاية الحرية، معتمدة على خبرتي التي اكتسبتها في الطريق. وبالفعل أنجح في تحرير سبعين واحدًا، بل أكوِّن شبكة لتحرير العبيد، مدركة مخاطر الأمر، ومخاطر الطريق، لكنني حددت مسارات الهروب بدقة، حتى أَطلق الناس لاحقًا على هذا المسار اسم: «سكك حديد ما تحت الأرض». رغم أنه لم تكن هناك سكك حديد، ولم تكن تحت الأرض، لكن هكذا أُطلق على هذا المسار. الجميل في الأمر أن مشروعي ألهم الآخرين، الذين راحوا يفعلون ما أفعله، لكنني ظللت متميزة، وكنت الوحيدة بينهم التي لم تفقد -في كل رحلاتها- واحدًا، حتى أطلقوا عليَّ اسم: «موسى»، تشبيهًا بالنبي موسى الذي قاد أتباعه للهروب من فرعون. في الرحلة الأخيرة، وبعد انتهائي، أنظر إلى يديّ وأسأل نفسي: أأنا نفس الشخص؟ إني أشعر حقًّا بالمجد، أنظر حولي فإذا بالشمس تأتي كالذهب عبر الأشجار وفوق الحقول. يا إلهي كأنني في الجنة. (6) لا أكتفي بذلك؛ فبعد قيام الحرب الأهلية، أتطوع في قوات الشمال -لتحارب مالكي العبيد في الجنوب- كـ: طاهية وممرضة، أستخدم مهاراتي التي كوَّنتها في طرق التهريب فأعمل كدليل وكجاسوسة. تنتهي الحرب، لكنهم لا يعاملونني كبطل حرب، بل حُرمت من أي تعويض، ولم أحصل على معاش تقاعدي؛ ذلك لأنني امرأة سوداء، لكن متى كان المناضل يأبه للنياشين؟ أهب حياتي لحركة حقوق النساء في التصويت، ورعاية السود العجائز والمقعدين، إلى أن ينتهي أجلي سنة 1913. الطريف أنَّه بعد قرن وثلاث سنوات من موتي يشعر الأمريكيون -أخيرًا- أنني أستحق التكريم؛ فيزينون بعض فئات الأوراق النقدية بها، كأني أُطل على الناس لأخبرهم أن المقاومة ممكنة.

903

| 02 أكتوبر 2023

معركة الألم

(1) المصارع شخص شرس، لا يعرف الرحمة، يوقع بالآخر الألم، أما الطبيب فهو من يداوي الناس وينقذهم من الألم، أما أنا فقد كنت الاثنين، نعم الاثنان معًا، لذلك تبدو قصتي مثيرة جدًّا. (2) اسمي «جون جوزيف بونيكا»، إيطالي الأصل، في جزيرة فيليكودي بالقرب من سواحل صقلية، ولدت في 16 من الشهر الثاني لعام 1917، لكن ما إن بلغت عشر سنوات من عمري، حتى اختارت عائلتي الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، غير أن والدي توفي بعد وصولنا بخمس سنوات لأجد نفسي مسؤولاً عن نفسي، وقد بلغت الخامسة عشر من العمر. عملت في كل الوظائف الممكنة؛ احترفت المصارعة، وعمري 19 عامًا، ولأن الجمع بين طالب الطب والمصارع صعبٌ، فقد اخترعت هوية جديدة أختفي وراءها، فادعيت أني المصارع المحترف «جوني بول والكر»؛ لأخوض بهذا الاسم منافسات ضد مشاهير المصارعة وأتغلب عليهم، وأفوز ببطولة العالم عام 1941، وأنا أرتدي قناع وجه ليطلق الناس عليَّ لقب: «الأعجوبة المقنعة». (3) في صيف 1941 وفي سيرك مدينة بروكفيلد بنيويورك، وفي خيمة الحيوانات، كان مروض الأسود في مأزق خطير؛ إذ حشرت رأسه داخل فم الأسد، وبالرغم أن الأسد لم يغرس أنيابه في لحمه فإن الهواء داخل فم ملك الغابة لم يكن كافيًا للتنفس، أسرعت بتقديم المساعدة الطبية للرجل الذي أفلته الأسد أخيرًا فاقدًا للوعي على مشارف الموت. لم يكن أمامي سوى أن أخلع قناعي، وأعلن عن هويتي، لكني لاحقًا -ومع دهشة زملائي- حافظت على روتين عملي بالسيرك خلال الصيف؛ حتى أستطيع تأمين تكاليف دراسة الطب، وعلى مر السنوات، عشت هذين العالمين المتوازيين؛ في السيرك مصارع، وفي الكلية طبيب. حتى بعد تخرجي اضطررت للبقاء في السيرك طيلة فترة تدريبي في المستشفى، خاصة مع ذيوع صيتي وتقديمي العروض ذات التذاكر الباهظة في حديقة سكوير ماديسون، وضد منافسين كبار، ويتكلل ذلك بزواجي من حبيبتي (إيما) التي تعرفت عليها في إحدى عروضي. سببت المباريات لي أزمات صحية واضحة؛ فقد تمزق مفصل الورك لديَّ قبل أن تنكسر لي مجموعة من الضلوع، فضلًا عن خضوعي لجراحتين بعيني المكدومتين، وتشوهات بأذني، وهكذا تراكم الألم في حياتي، لكني كنت أتحمله بقوة وصلابة. لكني في الحقيقة لم أتحمل ألم زوجتي عند ولادتها، فطرت بها إلى المستشفى، وهناك حاول الطبيب تخفيف آلامها بحقنة الكحول التي كانت تستخدم حينها لتسكين الآلام، ولكنه عهد بالحقنة لطبيب متدرب، فأخطأ في طريقة الحقن ما سبب تهيجًا كبيرًا في حنجرتها، فتقيأت واختنقت وشحب لونها وكادت أن تموت قبل أن أتدخل وأدفع بالطبيب وأنقي مسار الهواء لزوجتي فأنقذها وابنتي، لأقرر أن أهب حياتي لعلم التخدير؛ حتى أجد وسيلة لتسكين آلام المرضى بعيدًا عن الطرق البدائية التي كادت أن تقتل زوجتي. (4) انضممت إلى قسم التخدير بمركز سانت فنسنت الطبي الكاثوليكي في مانهاتن كطبيب مقيم، قبل أن أنخرط في جيشنا الأمريكي في عام 1944، حيث تم تعييني رئيسًا لقسم التخدير في مركز ماديجان الطبي العسكري في قاعدة (فورت لويس) العسكرية، وأحوز على رتبة نقيب، وأنا في السابعة والعشرين من عمري. عكفت على الكتب، فقرأت كل كتاب طبي وقعت عليه يدي، كل كتاب ذُكرت فيه كلمة «الألم»، فوجدت عجبًا؛ ففي أكثر من 14000 صفحة، لم أجد الألم مذكورًا إلا في سبع عشرة صفحة ونصف فقط. أصدرت كتابي: «إدارة الألم» عام 1953 الذي سمي لاحقًا: «الكتاب المقدس للألم»، و اقترحت فيه خططًا جديدة لتسكين الألم، وعلاجات مستحدثة قائمة على حقن تخدير الأعصاب. أنشأت مؤسسة طبية اعتبارية أطلقت عليها: «عيادة الألم»، وفكرتها أن يلتقي كلٌّ من: الجراحين، وأطباء الأعصاب، والأطباء النفسيين، يلتقون جميعًا على طاولة الغداء، ويتحاورون ويتباحثون حول ما يمكنهم تقديمه لتسكين الآلام ومعالجتها. انتشرت فكرتي انتشار النار في الهشيم، حتى أتى عام 1977 وقد باتت في الولايات المتحدة وحدها 175 عيادة للألم. لقد دفعني الشغف بأمر الألم لأن أعيش رحلة عامرة بالعديد والعديد من الإنجازات، فترأست أقسامًا، وكتبت نصوصًا مميزة في هذا المجال، ونُشرت أعمالي بالعديد من اللغات، وتوليت في عام 1966 منصب رئيس الجمعية الأمريكية للتخدير، بعد أن أسست في عام 1960 قسم التخدير في كلية الطب بجامعة واشنطن في سياتل. (5) أدعي أنني خضت مسيرة حافلة ساهمت بشكل كبير في تطوير طب التخدير وآليات تسكين الألم، لكن للأسف بدأت آثار الماضي تعود لي في أقسى صورة ممكنة؛ إذ أخذ جسدي يتداعى بعد عشرين عامًا من توقفه عن المصارعه؛ لأجد أن الألف وخمسمائة مباراة التي خضتها قد تركت أبلغ الأثر على جسدي الذي بات عجوزًا. لقد قضيت نحوًا من عشرين عامًا في محاربة الألم، ومحاولة تخفيفه عن الناس وعلاجه، ثم قضيت عشرين أخرى أعاني منه بعدما خضعت لاثنين وعشرين عملية جراحية، منها 4 جراحات في العمود الفقري، فضلًا عن استبدالي لعظام الحوض مرة تلو الأخرى حتى بت أرفع ذراعي بأعجوبة، ولا أدير رقبتي إلا بمشقة، بخلاف احتياجي لركائز من الألومنيوم لأتمكن من المشي، حتى أصبح زملائي بل وتلاميذي هم أطبائي، خصوصًا مع ظروف عملي القاسية التي كانت تصل لثماني عشرة ساعة يوميًّا، لكني كنت أردد دائمًا: لولا عملي الشاق هذا لربما أصبحت مشلولًا بالكامل. في إحدى رحلات عملي إلى فلوريدا، هاجت بي الذكريات، فطلبت من أحد تلاميذي إيصالي لأحد المنازل القديمة بالهايد بارك في تامبا؛ لألتقي هناك بزملاء السيرك المتقاعدين، وأستذكر معهم ذكريات هذا الماضي البعيد. تمر الأعوام، وأرحل عن عالمكم في الخامس عشر من أغسطس عام 1994 بعدما تركت ورائي إرثًا علميًّا بتأليف وتحرير 41 كتابًا، بينما ساهمت في 60 آخرين، فضلًا عن 241 مقالة طبية، حتى باتت كتاباتي مرجعًا تأسيسيًّا في طب التخدير، وكتبت عني التايمز -بعد وفاتي- تصفني بأني كنت: «الأب الروحي لتأسيس مسكنات الألم».

786

| 25 سبتمبر 2023

إرثُ الأميرِ الوالدِ الخالد
إرثُ الأميرِ الوالدِ الخالد

هناك لحظات في تاريخ الأوطان تتجاوز حدود الزمن،...

2622

| 18 يوليو 2026

أمانة في أعناقنا
أمانة في أعناقنا

هناك أوطان تُبنى بالحجارة، وهناك أوطان تُبنى بالرؤية....

2376

| 20 يوليو 2026

«يبا».. إلى أبي الحبيب
«يبا».. إلى أبي الحبيب

«المقياس قطر».. لا توجد ترجمة حرفية لهذه العبارة،...

1698

| 19 يوليو 2026

القادة العظماء.. لا يرحلون من ذاكرة الوطن
القادة العظماء.. لا يرحلون من ذاكرة الوطن

- دمــوع فـــي وداع الأمـير الوالـد - «أبو...

1197

| 15 يوليو 2026

رحم الله الأمير الوالد.. لن ننسى طيب مواقفه
رحم الله الأمير الوالد.. لن ننسى طيب مواقفه

أتيحت لي الفرصة من خلال صحبتي- بحكم العمل-...

1194

| 16 يوليو 2026

قائد غير وجه قطر
قائد غير وجه قطر

شكَّل رحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة...

975

| 18 يوليو 2026

سيظل إرثه حاضراً في كل إنجاز وطني وفي ذاكرة كل مواطن
سيظل إرثه حاضراً في كل إنجاز وطني وفي ذاكرة كل مواطن

في مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة...

801

| 17 يوليو 2026

والد الجميع
والد الجميع

هناك رحيلٌ يشبه انطفاء شمعة، وهناك رحيلٌ يشبه...

729

| 15 يوليو 2026

قصة استثمار الأمير الوالد في الرياضة
قصة استثمار الأمير الوالد في الرياضة

لم ينظر الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة...

720

| 16 يوليو 2026

حفظ الله قطر وأميرها الشيخ تميم
حفظ الله قطر وأميرها الشيخ تميم

حكمة لعمر بن الخطاب نقشت على خاتمه لتكون...

708

| 19 يوليو 2026

الحزن الجمعي.. الدرس الذي تلقّاه وطن
الحزن الجمعي.. الدرس الذي تلقّاه وطن

لعلّ أعمق ما كشفه الحزن على رحيل سيدي...

696

| 16 يوليو 2026

قائد صاحب رؤية وقامة شامخة في تاريخ قطر
قائد صاحب رؤية وقامة شامخة في تاريخ قطر

إن امتلاك حلم والسعي الحثيث لتحقيقه ليس بالأمر...

675

| 19 يوليو 2026

أخبار محلية