رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(1)
كبرت، وكبرت معي فلسطين.
تلميذًا في المرحلتين الإعدادية والثانوية، كانت رفيقتي في الإذاعة المدرسية، وفي صحف الحائط، عالقة في ذهني، وفيما أكتب وأقول، ولا يمكن وصف سعادتي، حين نشرتْ مجلة «الأشبال» الصادرة عن المقاومة من لبنان رسالة بعثتُ بها إليهم، لقد مشيت يومها بخفة في شوارع مدينتي التي هُجِّرت إليها بعد نكسة 1967 وكأني «ياسر عرفات»، ولما لا؛ فقضيتنا واحدة؟!
لكنها، أي فلسطين، ستكون محك الخلاف الرئيسية مع السادات وهو يوقِّع «كامب ديفيد»، وفي المهرجان الجامعي وفي حضور كبار القوم تجرأ أحدهم وامتدح في خطبته المعاهدة الملعونة، وشبهها بصلح الحديبية، فلم أستطع إلا أن أرد عليه مستغلاًّ أنني أدير الحفل، وأملك الميكرفون: «أستاذي القدير، فارق كبير بين صلح الحديبية التي فتح بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة المكرمة، وبين صلح كامب ديفيد الذي رفع لليهود راية فوق مصر المسلمة».
صحيح أُقر للسادات بذكائه السياسي، خصوصًا إذا قارناه بزعماء هذه الأيام، لكن لم أغفر له في نفسي هذه الخطوة أبدًا.
(2)
نعم كبرت وكبرت معي فلسطين، حتى وإن كانت مساحتها الجغرافية تقلصت.
ثم كانت هذه الفرصة التي هيأها لي «حزب الله»، قبل أن تتعثر بنادقه؛ ففي جبهته مع العدو الصحيح كنت أمارس مهنتي صانعًا للأفلام الوثائقية، حين وعدني مرافقنا من الحزب على تصوير حيٍّ لمعركة مع العدو.
وفي الموعد المحدَّد، كنا نعتلي مرتفعًا، وحولنا جنود المقاومة، ومعي زملائي من الفريق، حين شاهدتُ العَلَم البغيض الذي سبق وشاهدته مرفوعًا على الضفة الأخرى من قناة السويس، وجدته هناك عن بُعدٍ مرفوعًا على ثكنة لهم، ثم يُصدر القائد بجانبي أوامره عبر جهازه اللاسلكي، فتنهال القذائف على ثكنة العدو، ويسقط العَلَم، وأشاهد جنوده يفرون.
كنت في قمة سعادتي، ورجال الحزب من حولي يظنون أن ذلك لحصولي على هذه المادة التي لم تُمنح لصحفي آخر، فيما كنت -أنا- سعيدًا لثأرٍ شخصي؛ فقد عشت مع عائلتي أيامًا صعبة حين كانت طائرات العدو تقصف مدينتي السويس، وقبل أن يفي الجيش المصري بوعده بعبور القناة.
تمر الأيام ويندلع الربيع العربي، وتملأ أخباره العالم كله، يميل على أذني صديق ويقول لي مازحًا: راحت عليك؛ فلسطين تتوارى وسط هذه الثورات، ولن يهتم بها أحد في الفترة المقبلة، سوف ينكفئ كل شعب على قضيته إذا انتصر وأسقط نظامه، أو إذا هُزم.
خالفته الرأي؛ إذ كنت أرى وما زلت أن الكيان وراء كل أذى يصيب المنطقة، وللأسف لم يخب ظني؛ فقد استمدت كل الثورات المضادة وكل الأنظمة التي حاربت الربيع قوتها من هذا الكيان، وكل من يريد أن يستقوي على شعبه إنما يستقوي بهذا الكيان المزروع غصبًا في أراضينا.
(4)
في وقت مبكر من عمري قررت أن أجعل فلسطين معلمي.
أمر يتجاوز الأخبار والتحليلات والآراء.
ابتسامة الأسير الفلسطيني تقهر عدوه، يُلقى القبض عليه فيبتسم، يقضي في السجن سنوات، ثم يخرج، ثم لا يتوب، ثم لا يبقى صامتًا، ثم يُعاد إلى سجنه فيبتسم، أفعل مثله في حياتي كلما وقعت بي مصيبة، أو مررت بضائقة، أبتسم وأمضي.
يقولون: إن ميزان القوى يفيد بأنه لا أمل، وإن بعد الحسابات والدراسات وتقارير الذكاء الاصطناعي فإن هذا الكيان جاء ليبقى، ويقولون ويقولون، والفلسطيني لا يعبأ بذلك كله، يستمر في نضاله ببساطة وعزم غير عاديين، بحجر أو صاروخ، أو هتاف، بأي شيء هو مستمر، وواضح أنه ينظر إلى الأمام، وأنه يرى شيئًا نحن لا نراه، وهو يفعل ذلك مدركًا أنه قد لا يحصل على الجائزة في حياته، وأنا بت في حياتي الشخصية أفعل مثله، أومن بالفكرة، أناضل من أجلها، يسخر الساخرون، يضعون العراقيل، وأنا مستمر في طريقي، لا أتلفت.
يدرك المناضل الفلسطيني أنه قد لا يصل، لكن أمره عجيب، إنه يستمر بنفس الحماس، مؤمنًا بأن نجاته الشخصية في أن يفعل، بغض النظر عن النتيجة، وأنا أتشبه به، أمضي في طريقي الذي أرى أن عليَّ أن أسلكه، وبغضِّ النظر عن النتيجة.
فلسطين ليست وثنًا، فلسطين تحطِّم الوثن، ولذلك أحبها، ولست وحدي، فنحن كثر ونزداد، بل أرى أن في عالمنا هذا المحكوم بقوى عظمى هناك مَن بدأ يخرج عن السيطرة، يفهم قضية فلسطين ويرفع شعاراتها، أحيانًا مبادرات فردية، وأحيانًا جماعية، لكن في كل الأحوال فإن الأمر يتغير، وإن نصرة فلسطين تكبر، وإن كان رجال المقاومة قد كفروا بكل شيء سوى سواعدهم بعد إيمانهم بمشيئة الله وقدرته.
(5)
ذكرى لا أنساها وأنا ابن التاسعة.
طاولة صغيرة، أجلس على طرفها، وفي مواجهتي جارتي «سيدة»، هي طفلة في نفس عمري، الأستاذ صالح يتوسطنا، يعلمنا الرياضيات، المادة التي لا أحب، لكن أحببت أنه من فلسطين.
في سني المبكرة هذه علَّمني أبي «فلسطين»، ورأيتها مكتوبة على جدران الشوارع، وسمعتها هتافات من أهل مدينتي الواقعة هناك على مدخل القناة التي يعرف العالم اسمها جيدًا «السويس»، فضلاً عن خطابات عبد الناصر التي تعدنا بأننا في الطريق إليها.
لكنني كرهت «صالح»؛ لأنه شخص يائس، كافر بالعروبة، يقر بالهزيمة، ويسخر من المقاومة، لا يمل من تكرار جملته البغيضة عن بلاده: «أولها فَلَسٌ وآخرها طين».
طلبت من أبي أن أتوقف عن هذه الدروس وعن هذا المدرس، واستجاب لأمنيتي، لكن عبد الناصر لم يستجب، وما هي إلا عدة شهور ووجدنا جيش الكيان على حافة القناة، واضطر صالح أن يهاجر مرة أخرى، معتقدًا أنه على حق فيما يعتقد.
غير أن الدرس العظيم الذي تعلمته في هذه السن المبكرة ما زال معي حتى الآن، يمكنك أن تكره شخصًا يحمل فكرتك، لكن لا تكره فكرتك.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
7614
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4650
| 05 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2373
| 01 أغسطس 2026