رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(1)
إن كنت لا تعرف “نيريتفا» فقد فاتك الكثير، واحد من أجمل الأنهار في أوروبا، متميز عنها بلونه؛ فهو خليط من الأزرق والأخضر، صحيح أنه يمر بمدينة موستار ويقسمها إلى شطر شرقي وآخر غربي، لكن لا بأس فإن الجسر العثماني يربط بينهما.
أما الشطر الشرقي فتعيش به أغلبية من البوشناق المسلمين، وأما الغربي فتسكنه أغلبية كرواتية كاثوليكية، وأقلية صربية مع أقليات أخرى.
موستار أيضًا رائعة الجمال، من مدن أوروبا العتيقة، وتقع في جنوب دولة البوسنة والهرسك، التي هي بدورها رائعة الجمال، لا يختلف على ذلك أحد، لكن الحرب لها رأي آخر.
(2)
ثمة عائلة صربية، من والدين وابنين، هما زوران وغوران، تسكن الشطر الشرقي مع المسلمين، ولا بأس في ذلك؛ فالناس هنا تتعايش بشكل رائع، خصوصًا مع شعارات تيتو المرفوعة: الإخاء والمحبة.
ولكن ولأن الحرب -كما قلت- لا تعترف بذلك كله فقد اندلعت في البلاد في أبريل عام 1992، وهو الأمر الذي صدم الشابين كما صدم والديهما، لكن الجميع كان يأمل أن الأمر لا يعدو أن فئة صربية متطرفة خرجت لتحقيق مغانم لها، وما تلبث أن تتم مواجهتها وتعود إلى رشدها، لكن ذلك لم يحدث.
استمرت الحرب، واتسع لهيبها، وازدادت قسوتها، وبدأ يساور الأخَوَان ومَن على شاكلتهما، شعور بالقلق، تحوَّل مع الوقت إلى خوف من احتمال أن تزداد الأمور سوءًا، وهو ما حدث متخطيًا كل ما كان يجول بخاطرهما.
(3)
عشية الأول من يونيو حزيران لعام 1992، يدخل والدهما إلى البيت، تعلو وجهه علامات القلق والتجهم، يطلب منهما التأكد من غلق أبواب البيت جيدًا، يطيعه الابنان رغم اندهاشهما، فهذا مخالف لعادة أهل الأحياء الشعبية في البوسنة؛ فهم لا يغلقون أبواب البيت الخارجية؛ حتى لا يُمنع أحد من الجيران، يستغيث أو يطلب المساعدة.
يجلس الابنان والأم، وقد انتقلت إلى وجوههم علامات القلق، التي كست وجه الأب، الذي بدأ في الكلام، وليته ما تكلم!.
يخبرهم أنه قرر أن ينتقل معهم إلى الشطر الآخر من النهر، حيث يعيش الصرب، طالبًا من ابنيه الانضمام إلى القوات الصربية؛ لأداء الواجب المقدس في محاربة الأعداء، وتطهير موستار من غير الصرب، ينزل كلامه عليهما كالصاعقة، موستار ليست بها أعداء، الجميع هنا أصدقاء.
يرفض الأخوان -بشكل قاطع- طلب الوالد، لم يكن بوسعهما أن يتصورا إمكانية حمل البنادق لقتل شركاء الدراسة والحياة، والمشاركة في جريمة تدمير موستار الجميلة.
تنحاز الأم للولدين، يغضب الوالد ويغادر وحده، منضمًّا إلى القوات الصربية التي كانت تقصف مدينة موستار بجنون؛ بهدف الاستيلاء عليها، خاصة الجانب الشرقي ذا الأغلبية البوشناقية المسلمة، أي: الجانب الذي تعيش به العائلة.
يقرر زوران وغوران أنهما لن يشاركا في الحرب مع أي طرف، هما يرفضان أن يكونا -بأي شكل من الأشكال- ضمن تلك الحرب.
(4)
في 8 مايو أيار عام 1993، ورغم الحرب التي ما زالت مستمرة، فإن «لوكا» صديق الأخوين يقرر الزواج ويدعوهما إلى زفافه، يذهب زوران مع صديقه حسيب ليصطحبا غوران إلى الحفل، لكن الأخير يرفض الذهاب؛ لأنه لا يملك ثمن هدية للعروسين.
يفشل زوران في إقناع أخيه بالذهاب معه، باعتبار أن مسألة الهدية ليست مشكلة، فصديقهما لوكا يعرف ظروفهما جيدًا، ثم إن الحرب قائمة، لكن غوران يصر على الرفض، فيقرر زوران وحسيب أن يذهبا إلى العرس بدونه.
يعبران الجسر القديم غربًا، يستمر الحفل إلى ساعة متأخرة من الليل، فيصر أهل لوكا الكرواتي أن يبيت زوران الصربي وحسيب المسلم عندهما، على أن يعودا في الصباح إلى بيتهما، يقبل زوران على مضض؛ لأنه لم يعتد على فراق أخيه وأمه.
في صباح اليوم التالي يتحرك الصديقان زوران وحسيب عائدين إلى شرق النهر، لكنهما يلاحظان، على غير العادة، وجود حواجز في كل مكان، وأن عددًا من الدبابات والمعدات الثقيلة تقف موجهة فوهاتها إلى الشرق.
يخبرهما الجنود أن الجسر مغلق لأن الحرب قد اندلعت بين الكروات والبوشناق، يرجع الصديقان حسيب وزوران بسرعة، وهما لا يصدقان ما سمعا، إلى بيت عائلة صديقهما العريس، لقضاء وقت إلى أن تتضح الأمور.
تمر عشرة أيام والأمور تزداد سوءًا؛ فقد بدأت مرحلة التعبئة العامة، يطرق الجنود الكروات كل البيوت بحثًا عن الذكور القادرين على حمل السلاح، يجندونهم قسرًا للمشاركة في الحرب.
أدرك حسيب المسلم أن وجوده خطر عليه وعلى أصحاب البيت بشكل أخص، قال لهم: «إن قبضوا عليَّ في الشارع فسيقتلونني، أما إن وجدوني هنا فسيقتلون الجميع»، فيقرر الرحيل ليلاً، ليخرج من البيت متسللاً للعودة إلى شرق النهر.
في اليوم التالي يصل الجنود الكروات إلى بيت عائلة لوكا، فيأخذونه معهم، يكتشفون وجود زوران عنده، ولأنه صربي القومية، يضمونه معهم لمحاربة «الأعداء المسلمين»، يضطر زوران إلى قبول الأمر؛ لأنه يعرف أن عقوبة الرفض هي القتل، رغم أن أخاه وأمه يعيشان في الجانب الآخر، حيث الأغلبية المسلمة، لقد قرر الصمت والخضوع للأمر الواقع، إنه وقت صعب جدًّا عليه، إن الحرب لا تعني فقط الكراهية، وإنما الجنون أيضًا.
(5)
يحل يوم 6 أغسطس 1993، زوران مناوب في الكتيبة العسكرية في منطقة «هوم»، وهي منطقة جبلية مرتفعة على حدود مدينة موستار، يسهل منها قصف المدينة من أعلى، تصلهم إشارة من جاسوس للقوات الكرواتية يعيش في القسم الشرقي، تفيد بأن ثمة جنازة الليلة لدفن أحد الموتى في مقابر المسلمين.
يُسر الجنود الكروات؛ فهي فرصة كبيرة لقتل عدد كبير من الأعداء أثناء تجمعهم في الجنازة، يُصدر قائد الكتيبة أوامره لأحد أمهر جنوده بالاستعداد لإطلاق عدة قذائف هاون على المكان المحدد في الوقت المحدد.
يعلم زوران بالأمر، يذهب إلى زميله يرجوه بألا يفعل؛ فهم ليسوا مقاتلين، بل هم مشيعون لجنازة، يخبره زميله بما يعرفه هو نفسه، أن الأمر ليس بيده، يذهب زوران إلى القائد، يجثو على ركبتيه باكيًا، يرجوه إلغاء الأمر الصادر بالضرب، فيصدر القائد أوامره بسجنه لمدة 24 ساعة في سجن الوحدة تأديبًا له.
في الساعة المحددة، تنطلق القذائف على الجنازة، يسقط ضحايا كثر، يحتفي الجنود بمقتل هذا العدد في الجنازة، يغنون، ويحتسون الخمر، في انتظار صباح الغد، ليتأكدوا من أعداد الضحايا، من خلال الاستماع كالعادة لنشرة الأخبار من إذاعة «حياة موستار» التي يديرها البوشناق المسلمون.
(6)
في الساعة التاسعة صباح يوم 7 أغسطس، يلتف الجميع حول الراديو؛ القائد والجنود، ومن بينهم زوران، ثم يبث الراديو الخبر:
«قامت قوات العدو ليلة أمس بإطلاق عدة قذائف هاون -من جبل (هوم)- على تجمع من السكان كان موجودًا في المقابر لدفن المواطن (حسيب بابيتش) الذي كان قد قُتل البارحة، وتسببت القذيفة في قتل جميع من كانوا في الجنازة، من عائلة وأصدقاء الميت».
آه.. إنه أمر مريع، لقد قتل الصديق حسيب، وفي الجنازة التي ولا بدَّ أن أخاه كان فيها قتل الجميع، في لحظات اكتشف نهاية كل شيء.
(7)
بعد عدة شهور، تتوقف الحرب، ويوقع اتفاق دايتون للسلام، لا يكف زوران عن زيارة المقبرة، حيث أخوه وحيث صديقه حسيب، وفي كل مرة يسأل نفسه: هل قتلتهما حين صمت؟
يُدرك أخيرًا أن العذاب النفسي الذي يعانيه إنما هو عقاب كل من يرى الظلم ويلزم الصمت.
الصامتون مجرمون أيضًا.
أمريكا.. بين النفوذ والمأزق
أثناء تصفحي لإحدى الدراسات السابقة المختصة بتحليل الشؤون السياسية ذكرت فيها مقالة نشرت في 2010 بعنوان "من ينقذ... اقرأ المزيد
24
| 23 يونيو 2026
تفكيك معادلة الأزمات في الشرق الأوسط
يعيش الشرق الأوسط منذ عقود تحت وطأة صراعات ممتدة وجيوسياسية معقدة، جعلت من مفهوم السلام المستدام هدفاً بعيد... اقرأ المزيد
27
| 23 يونيو 2026
وساطة الثقة.. حين تُختبر السمعة
في يوم قائظ من أيام لندن، وكانت بريطانيا تقف على عتبة موجة حر قيل إنها قد تدفع يونيو... اقرأ المزيد
30
| 23 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع كل ارتفاع جديد في أسعار الذهب، يتكرر المشهد نفسه. تبدأ التوقعات بمزيد من الصعود، وتنتشر النصائح بضرورة الشراء قبل فوات الأوان، ويشعر كثير من الناس بأنهم قد يفوتون فرصة استثمارية كبيرة إذا لم يدخلوا السوق سريعاً. لكن ما أن يتراجع الذهب بشكل مفاجئ حتى يبدأ سؤال آخر بالظهور: هل كان قرار الشراء صحيحاً من الأساس؟ الحقيقة أن الذهب من أكثر الأصول الاستثمارية التي يساء فهمها. فالبعض ينظر إليه على أنه استثمار مضمون، بينما يراه آخرون مجرد معدن لا يحقق أي عائد. وبين هذين الرأيين تقع الحقيقة. فالذهب ليس استثماراً سيئاً، لكنه ليس أيضاً الطريق السريع إلى الثراء. لفهم الموضوع بشكل أفضل، علينا أولاً أن نسأل: ما الذي نريده من الاستثمار؟ إذا كان الهدف هو تحقيق دخل دوري منتظم، فإن الذهب ليس الخيار المناسب. فهو لا يوزع أرباحاً مثل الأسهم، ولا يدفع فوائد مثل السندات، ولا يدر إيجارات مثل العقارات. أما إذا كان الهدف هو حماية جزء من الثروة في أوقات الأزمات وعدم اليقين، فإن الذهب يمتلك سجلاً تاريخياً طويلاً يجعله أحد أهم الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون حول العالم. ولهذا السبب تحتفظ البنوك المركزية بآلاف الأطنان من الذهب رغم امتلاكها خيارات استثمارية أخرى قد تحقق عوائد أعلى. وقد يتساءل البعض: إذا كانت الأسهم والعقارات والسندات قادرة على تحقيق عوائد أعلى، فلماذا تواصل البنوك المركزية حول العالم شراء الذهب؟ الجواب أن البنوك المركزية لا تبحث دائماً عن أعلى عائد، بل تبحث عن أعلى درجات الأمان والاستقرار. فالذهب لا يعتمد على ملاءة حكومة معينة، ولا على أداء شركة محددة، ولا يمكن طباعته كما تطبع العملات الورقية. ولهذا ينظر إليه باعتباره أحد الأصول الاحتياطية التي تساعد الدول على تنويع احتياطاتها وتقليل اعتمادها على العملات الأجنبية. وخلال السنوات الأخيرة زادت العديد من البنوك المركزية حول العالم مشترياتها من الذهب، في خطوة تعكس استمرار الثقة في دوره كأداة لحفظ القيمة على المدى الطويل، حتى في عصر تتعدد فيه الخيارات الاستثمارية وتتنوع الأدوات المالية. ومن هنا يمكن تلخيص وظيفة الذهب في عبارة واحدة: الذهب يحمي الثروة أكثر مما يصنعها. وقد عبّر المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافيت عن هذه الفكرة بطريقة مختلفة عندما انتقد الاستثمار في الذهب، معتبراً أن الأصول المنتجة مثل الشركات والمشاريع هي القادرة على بناء الثروة الحقيقية لأنها تحقق أرباحاً وتتوسع مع مرور الوقت. في المقابل، يرى المستثمر المعروف راي داليو أن الذهب جزء مهم من أي محفظة استثمارية متوازنة، ليس لأنه يحقق أعلى العوائد، بل لأنه يساعد على تخفيف المخاطر عندما تتعرض الأسواق لصدمات مفاجئة. فالأسهم والعقارات والسندات صممت أساساً لتحقيق النمو والدخل، بينما يؤدي الذهب دور الحماية والتوازن داخل المحفظة الاستثمارية. ولعل المثال التالي يوضح الصورة بشكل أفضل. لو أن مستثمراً وضع 100 ألف ريال في الذهب قبل عشرين عاماً، فمن المرجح أنه كان سيحقق مكاسب جيدة مع ارتفاع أسعار الذهب على المدى الطويل. لكن لو استثمر المبلغ نفسه في أسهم شركات قوية أو في صندوق يتبع الأسواق العالمية وأعاد استثمار الأرباح الموزعة، لكانت النتيجة في كثير من الفترات التاريخية أفضل من الذهب. أما لو استثمر المبلغ في سندات ذات جودة ائتمانية مرتفعة، فربما كانت الأرباح أقل من الأسهم، لكنه كان سيحصل على دخل دوري منتظم طوال فترة الاستثمار. وفي العقار المؤجر، لا يعتمد المستثمر فقط على ارتفاع قيمة الأصل، بل يستفيد أيضاً من الدخل الإيجاري المستمر. وتشير البيانات التاريخية إلى أن الذهب حقق أداءً قوياً خلال العقدين الماضيين، مستفيداً من الأزمات المالية العالمية وارتفاع معدلات التضخم وزيادة مشتريات البنوك المركزية. لكن الدراسات الاستثمارية طويلة الأجل تظهر أيضاً أن الأسهم العالمية تفوقت على الذهب في كثير من الفترات الزمنية عند احتساب الأرباح المعاد استثمارها، وهو ما يؤكد أن الذهب أداة مهمة لحماية الثروة وتنويع المخاطر، لكنه ليس بالضرورة الأداة الأفضل لتحقيق أعلى العوائد. ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض المستثمرين شراء الذهب بعد موجات الارتفاع الكبيرة بدافع الخوف من ضياع الفرصة، أو وضع نسبة كبيرة من ثرواتهم في أصل واحد، أو اتخاذ قراراتهم بناءً على الأخبار اليومية بدلاً من خطة استثمارية واضحة. ويبقى السؤال الأهم: كم يجب أن أخصص للذهب من أموالي؟ لا توجد نسبة مثالية تناسب الجميع، لكن كثيراً من مديري الأصول العالميين يرون أن تخصيص ما بين 5 % و15 % من المحفظة الاستثمارية للذهب قد يكون كافياً لتحقيق التنويع والحماية دون المبالغة في الاعتماد عليه. وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى الذهب باعتباره منافساً للأسهم أو العقارات أو السندات، بل باعتباره مكملاً لها. فالذهب يشبه حزام الأمان في السيارة. لا أحد يشتري السيارة من أجل حزام الأمان، لكنه يشعر براحة أكبر عندما يكون موجوداً. فالذهب كان وسيبقى جزءاً مهماً من النظام المالي العالمي، لكنه ليس وصفة سحرية للثراء. المستثمر الناجح لا يسأل فقط: إلى أين سيتجه سعر الذهب؟ بل يسأل أيضاً: ما الدور الذي يجب أن يؤديه الذهب داخل ثروتي؟ وعندما يعرف الإجابة عن هذا السؤال، يصبح الذهب أداة استثمارية مفيدة بدلاً من أن يتحول إلى رهان عاطفي على حركة الأسعار.
31359
| 20 يونيو 2026
عندما يتعرض أي منتخب لخسارة قاسية، يكون من السهل توجيه أصابع الاتهام إلى اللاعبين وتحميلهم كامل المسؤولية، لكن ما حدث للعنابي أمام كندا يستوجب قراءة أكثر إنصافاً وواقعية. فاللاعبون أنفسهم الذين خرجوا بنتيجة إيجابية أمام سويسرا في الجولة الأولى لا يمكن أن يفقدوا قدراتهم بين ليلة وضحاها. ما تغير لم يكن مستوى اللاعبين بقدر ما كان غياب الرؤية الفنية الواضحة وسوء إدارة المباراة، وهي أمور يتحمل مسؤوليتها المدرب قبل أي طرف آخر. المشكلة الحقيقية لم تكن في الأسماء الموجودة داخل المستطيل الأخضر، بل في الطريقة التي أُديرت بها المباراة منذ بدايتها وحتى صافرة النهاية. وهنا تبرز مسؤولية المدرب الذي يتحمل النصيب الأكبر من هذه الخسارة الثقيلة، فالفريق ظهر من دون شخصية واضحة، ومن دون جاهزية ذهنية تسمح له بمواجهة الضغط أو العودة إلى أجواء اللقاء بعد استقبال الأهداف. كما بدا واضحاً أن العنابي لم يدخل المباراة بالحالة البدنية التي تمكنه من مجاراة نسق المنافس أو الحد من تفوقه. ولم تتوقف الأخطاء عند حدود الإعداد الذهني والبدني، بل امتدت إلى الجانب الفني. فالمدرب لم ينجح في استثمار قدرات لاعبيه بالشكل الصحيح، الأمر الذي أفقد الفريق الكثير من فاعليته، فظهر بعض اللاعبين بعيدين عن مستواهم المعتاد لأنهم لم يوظفوا فنياً في الأدوار التي تناسب إمكاناتهم. وكما نعلم فإن مباراة بهذا الحجم يصبح استغلال لاعب بحجم عفيف ضرورة وليس خياراً، وعندما يعجز المدرب عن توظيف أهم الأوراق الهجومية للفريق بالشكل الأمثل، فإن ذلك يعكس خللاً مباشراً في الرؤية الفنية قبل أي شيء آخر. الأكثر إحباطاً كان الإصرار على نهج دفاعي عقيم منح المنتخب الكندي أفضلية كاملة في الاستحواذ والسيطرة على مجريات اللعب، وبينما كان المنافس يهاجم بأريحية ويصنع الفرص تباعاً، اكتفى العنابي بالتراجع وانتظار ما سيحدث، وعندما بدأت النتيجة تتجه نحو سيناريو كارثي، لم نشاهد أي تدخل فني حقيقي يغير شكل المباراة أو يعيد التوازن إلى الفريق. صحيح أن طرد همام الأمين وعاصم مادبو شكّل ضربة مؤثرة وأربك حسابات الفريق، إلا أن اختزال النتيجة الكارثية للمباراة في حالتي طرد فقط لا يعكس الصورة الكاملة لما حدث، فالمنتخبات التي تمتلك هوية واضحة وشخصية قوية تستطيع التكيف مع النقص العددي وتقليل الأضرار، لكن العنابي بدا فاقداً للسيطرة والتنظيم حتى قبل حالات الطرد، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول الجاهزية الفنية والتكتيكية. المدرب لم يقرأ المباراة بالشكل المطلوب، ولم ينجح في إيجاد حلول أو إجراء تعديلات مؤثرة تحد من تفوق المنافس. التبديلات جاءت متأخرة ومن دون أثر واضح، والخطة بقيت كما هي رغم أن المباراة كانت تسير في اتجاه واحد. والأسوأ من ذلك أن المدرب لم يحرر اللاعبين القادرين على صناعة الفارق، بل وضعهم داخل أدوار حدّت من خطورتهم وأفقدت الفريق أحد أهم أسلحته الهجومية. كلمة أخيرة: تحيةٌ وتقديرٌ واحترامٌ لجماهير منتخبنا التي بقيت في المدرجات بروحٍ وطنيةٍ عاليةٍ رغم الخسارة الثقيلة.
4140
| 21 يونيو 2026
خمسة أهداف في شباك تونس، نتيجة قاسية تجاوزت حدود الخسارة وأشعلت حالة من الذهول والقلق، لكن الأكثر إيلاماً من النتيجة نفسها هو السؤال الذي يفرض نفسه بقوة بعد صافرة النهاية: هل هذا هو المنتخب ذاته الذي أنهى التصفيات دون خسارة واحدة؟ وهل هذه هي المجموعة التي عبرت الطريق إلى المونديال من دون أن تهتز شباكها ولو بهدف واحد؟ إذا كان الجواب نعم، فكيف انهار كل شيء بهذه الصورة منذ المباراة الأولى؟ أين اختفت الصلابة التي صنعت نجاح المنتخب طوال مشوار التصفيات؟ وأين ذهب الانضباط الذي منح الجماهير الثقة في قدرة هذا الفريق على الذهاب بعيداً؟ الجواب كان واضحاً على أرضية الملعب: كل ما بُني في التصفيات بدا وكأنه تبخر في ليلة واحدة، وكأن المنتخب الذي أرهق منافسيه طوال مشوار التأهل ترك مكانه لفريق عاجز عن مجاراة إيقاع مباراة مونديالية. وأين شخصية اللاعبين؟ أين الروح التي انتظرها الجمهور التونسي في أكبر محفل كروي على وجه الأرض؟ هل كانت رهبة المونديال أكبر من طموحات المنتخب؟ أم أن بعض اللاعبين اكتفوا بمجرد الوصول إلى البطولة ونسوا أن المنافسة الحقيقية تبدأ بعد التأهل؟ وماذا عن الجهاز الفني؟ ألم يكن يعلم أن كأس العالم لا ترحم؟ ألم يقرأ قوة المنتخب السويدي جيداً؟ وأين كانت الحلول عندما بدأت المباراة تخرج عن السيطرة؟ وأين كانت ردة الفعل بعد الهدف الثاني والثالث والرابع؟ أسئلة مشروعة تنتظر إجابات أكثر من انتظارها للتبريرات. هل كانت التصفيات تخفي عيوباً لم تظهر إلا أمام منافس من العيار الثقيل؟ أم أن المنتخب وقع ضحية الثقة الزائدة؟ وكيف يتحول فريق لم يتلقَّ هدفاً طوال التصفيات إلى منتخب يستقبل خمسة أهداف في تسعين دقيقة فقط؟ الجمهور التونسي لا يطالب بالمستحيل، ولا يطلب رفع الكأس، لكنه يطالب بالقتال والشخصية. أما ما حدث أمام السويد فلم يكن مجرد خسارة في النتيجة، بل سقوطاً مؤلماً في الحضور والهيبة والصورة التي رسمها المنتخب عن نفسه قبل المونديال. ويبقى السؤال الأكبر الذي يجب أن يؤرق اللاعبين والجهاز الفني طوال الأيام المقبلة: هل كانت خماسية السويد مجرد كبوة عابرة يمكن تصحيحها؟ أم أنها كشفت حقيقة منتخب ظن الجميع أنه أقوى مما هو عليه في الواقع؟ الإجابة لن تكون في التصريحات والمؤتمرات الصحفية، بل على أرضية الملعب قبل أن يتحول حلم المونديال إلى كابوس مبكر لا يُنسى.
2865
| 17 يونيو 2026