رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(1)
غريبٌ أمر هؤلاء الراغبين في الذهاب إلى حيث تكون الحرب، إنها لم تُفرض عليهم، لكنهم - باختيارهم - يرغبون في الذهاب إلى هناك، ربما يتخيلون أنها مغامرة تدفع الأدرينالين إلى العروق، أو ربما لمتابعة حية لحدث تاريخي لا يتكرر، لكن المشكلة أن صاحبنا - وبعد أن حاز على الأدرينالين، وكاد أن يموت - قرَّر العودة مرة أخرى إلى الحرب، وإذا كان مراهقًا في الأولى، فإنه رجل ناضج في الأخيرة، لكننا نعذره؛ على الأقل قدَّم لنا ما يستحق.
(2)
يبلغ صاحبنا الأمريكي الثامنة عشرة من العمر في العام 1917، أي: العام الذي انضمت فيه بلاده إلى أُتون الحرب العالمية الأولى، وإذا كانت رغبته في المغامرة هي التي دفعته للتطوع مقاتلاً في صفوف جيش بلاده، بعد أن كان يعمل مراسلاً صحفيًّا، فإن الاختبار الطبي حال دون ذلك، ليغادر الوحدة العسكرية جارًّا أذيال الخيبة، فقلبه معلق بفكرة السفر إلى مناطق الحرب.
يتوجَّه بعدها إلى هيئة الصليب الأحمر متطوعًا، يُعين كقائد سيارة إسعاف، ويُرسَل إلى ميلانو الإيطالية، وهناك تضرِب قذيفة سيارته، ويُصاب إصابة بالغة، "انفجر وميضٌ فجأة كما لو أن باب فرن انفتح ليخرج من خلفه اللهيب، كان لونه أبيض، ثم تحوَّل للأحمر".
(3)
يستيقظ في مشفاه، تتفتح عيناه على الممرضة بنت بلده أجنيس فون كروفسكي، ومثل الأفلام الأمريكية، يقع في حبها، وبعد عدة شهور تنتهي الحرب فينطلقا يقضيان وقتهما معًا هنا وهناك، ليبدو واضحًا أنهما على وشك الزواج.
لكن الفتاة يصيبها القلق؛ فقد لاحظت أن فتاها يتغير بسرعة؛ فقد أصبح واثقًا في نفسه أكثر من اللازم، إلى الحد الذي بات مهتمًّا بنفسه بشدة، وغير مبال بالآخرين، يدفعها هذا الشعور إلى التردد في فكرة الارتباط به.
ثم فجأة يخبرها ذات يوم أن عليه أن يرحل عائدًا لبلده؛ لزيارة والديه، تبلِّغه هي الأخرى أنها كذلك سترحل عن ميلانو، وقد كانت تلك لحظة فراق غريبة، فقد انتهت على إثرها قصة حبهما القصيرة، فلم يقابل أي منهما الآخر بعدها، ولم يتراسلا، وليَعلم لاحقًا أن فتاته قد وقعت في حب رجل آخر، وقررت أن تكمل حياتها معه، لتكون تلك تجربة قاسية أخرى بعد تجربة الحرب، فيقرر كتابة روايةٍ يستقي أحداثها من قصة حبه القصيرة مع أجنيس وتصدر الرواية باسم: "وداعًا للسلاح".
(4)
في سبتمبر/أيلول من عام 1922 كان صاحبنا موجودًا في العاصمة الفرنسية باريس حينما عَرض عليه محرر صحيفة تورنتو ستار القيام بتغطية صحفية من داخل جبهة الحرب التركية اليونانية، ليدخل جبهة حربية - لأول مرة - كمراسل صحفي.
سجَّل مشاهداته في الحرب وهروب اللاجئين من كلٍّ من تركيا واليونان.
ثم مضى وقت طويل - منذ تلك المعركة - حتى حلَّت الحرب الأهلية الإسبانية، وقد كان في تلك الفترة على موعد مع زواجه الثاني من الصحفية اللامعة مارثا جيلهورن صاحبة كتاب "وجه الحرب"، وقد كان اهتمامها الكبير بإسبانيا وشغفها بتغطية المواجهات هناك سببًا في جذبه إلى تلك النقطة من العالم.
عاصر الرجل وزوجته بدايات الصراع في إسبانيا في فندق شبه سري في العاصمة مدريد، وأرسل كلٌّ منهما تغطية صحفية للجريدة التي يعمل بها حول الحصار الفاشي للحكومة الجمهورية الجديدة، والقصف العنيف للعاصمة، وشكَّل كلاهما معًا ثنائيًّا غاية في التميز من الناحية العاطفية والناحية الصحفية في قلب الحرب.
سجَّل في ذاكرته ما يكفي من الأحداث والشخصيات التي شاهدها بعينه خلال الحرب، ليكتب لاحقًا رواية: "لمن تقرع الأجراس"، والتي تحكي عن شاب أمريكي قرَّر المشاركة مع المجموعات الإسبانية المسلحة التي تقاتل لإعلان الجمهورية في مواجهة الفاشية.
يَخلق الرجل لنفسه شيئًا خاصًّا به في الكتابة؛ فهو مراسلٌ حربي ينقل ما يحدث في الواقع كما هو، عن طريق سرد الحكايات التي تجعل من معرفة الحقيقة أمرًا محببًا للقارئ.
يتنقَّل بين جبهات مختلفة خلال الحرب العالمية الثانية، ويشهد حملة الإنزال في نورماندي، وقد بلغ من العمر الرابعة والأربعين عامًا.
(5)
لقد حقَّق إرنست هيمنجواي المولود في 21 يوليو/تموز عام 1899 أمنيته بالسفر إلى الحرب، ليس كجندي مقاتل، ولكن كصحفي حربي وروائي، وسوف تكافئه الأقدار بأن يُشارك في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ليستقي من أحداثهما روايات يسردها ببراعة شديدة، وتمنحه شهرة عالمية، فضلاً عن شغفه بتحويل تجارب حياته إلى مادة لمؤلفاته الروائية والقصصية، ومن هنا يمكن تفسير غزارة إنتاجاته.
كان آخر عمل هام نُشر له خلال حياته هو: "الشيخ والبحر" في عام 1952، وهو رواية قصيرة عن صياد كوبي مسن، والتي كانت قصة رمزية تشير إلى كفاح الكاتب نفسه للحفاظ على فنه في مواجهة الشهرة والاهتمام.
أصبح همنغواي شخصية مشهورة غطَّت الصحافة على نطاق واسع زيجاته الأربع، ومغامراته في صيد الطرائد الكبيرة وصيد الأسماك، ولكن على الرغم من شهرته، إلا أنه لم يُنتج عملاً أدبيًّا كبيرًا في العقد الذي سبق ظهور "الشيخ والبحر"؛ حصل الكتاب على جائزة بوليتزر عام 1953، وفاز بجائزة نوبل للآداب عام 1954، وتحول منزله في كوبا التي انتقل إليها إلى متحف يضم مقتنياته.
صحيح أنه نجا من حادثتي تحطم طائرتين في أفريقيا عام 1953، لكنه أصبح قلقًا ومكتئبًا بشكل متزايد، لتكون سنواته الأخيرة هي الأكثر قسوة وصعوبة عليه؛ نتيجة كتلة من التراكمات الضخمة التي ضربت نفسيته، ليقرر الانتحار ويُنهي حياته التي وصفها بأنها صارت بائسة في 2 يوليو 1961، ببندقية في منزله، تمامًا كما فعل والده.
حمد بن خليفة وجزر القمر.. مرحلة ذهبية من التعاون
يُعد رحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني خسارة للأمتين العربية والإسلامية، لما عُرف عنه من دعم لمسيرة... اقرأ المزيد
33
| 13 يوليو 2026
قطر وسوريا.. روابط أخوية راسخة وشراكة نموذجية
تمثل العلاقات الأخوية الراسخة بين دولة قطر والجمهورية العربية السورية نموذجًا للشراكة القائمة على الثقة والاحترام المتبادل، بما... اقرأ المزيد
147
| 12 يوليو 2026
الحالة البالوجونية في كأس العالم
لعل أسوأ ما قدمته بطولة كأس العالم الحالية هو بروز الحالة البالوجونية، نسبةً للاعب المنتخب الأمريكي: فولارين بالوجون.... اقرأ المزيد
804
| 12 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليست الإجازة الصيفية مجرد أيام تُطوى بعيداً عن الدراسة، وليست فترة فراغ تُستهلك بين النوم الطويل والشاشات الممتدة وساعات الانتظار، في الحقيقة هي موسم استثنائي لصناعة الشخصية، وفرصة ثمينة لإعادة اكتشاف المواهب وتنمية القدرات وبناء القيم التي قد لا تجد المساحة الكافية خلال العام الدراسي. ولهذا السبب تحرص الدولة، من خلال مؤسساتها وهيئاتها ومراكزها المتخصصة، على تقديم عشرات البرامج والأنشطة والفعاليات التي تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتراعي احتياجات الأبناء والبنات، وتمنحهم بيئة آمنة ومفيدة تجمع بين المتعة والفائدة. لقد بذلت الجهات المعنية في الدولة من وزارات ومؤسسات ومراكز وجمعيات جهوداً كبيرة في تصميم برامج صيفية متنوعة تشمل المجالات الثقافية والعلمية والرياضية والفنية والتطوعية والتقنية، مع مراعاة أن تكون في متناول الأسر من حيث التكلفة والوقت والمكان. كما رُوعي أن تتمكن أكبر شريحة ممكنة من أفراد المجتمع من الاستفادة منها، وأن تكون الأعباء المالية محدودة بحيث لا تشكل عائقاً أمام مشاركة الأبناء. ولذلك لم يعد هناك مبرر حقيقي لترك الأبناء أسرى الفراغ أو رهن ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، بينما تتوافر أمامهم فرص حقيقية للتعلم والنمو واكتساب الخبرات. إن مشاركة الأبناء في الأنشطة الصيفية ليست ترفاً، بل استثمار طويل الأمد في مستقبلهم. فكل مهارة يتعلمها الطفل اليوم قد تتحول غداً إلى موهبة متميزة أو مشروع ناجح أو مسار مهني واعد. وكل قيمة إيجابية يكتسبها من خلال العمل الجماعي أو التطوع أو تحمل المسؤولية سترافقه طوال حياته. كما أن هذه البرامج تسهم في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل، وترسيخ روح المبادرة والاعتماد على الذات. ومن المؤسف أن ينظر بعض أولياء الأمور إلى هذه الأنشطة على أنها مجرد وسائل لملء الوقت، بينما هي في الواقع أدوات تربوية وتعليمية متقدمة. فالدول المتقدمة تدرك أن بناء الإنسان لا يقتصر على التعليم النظامي داخل المدارس، بل يمتد إلى كل تجربة تثري الفكر وتصقل الشخصية. ولذلك تستثمر كثير من المجتمعات الناجحة في برامج النشء والشباب خلال الإجازات الصيفية بمبالغ وجهود كبيرة، إدراكاً منها أن الطالب في هذه الفترة يكون أكثر استعداداً للتجربة والاكتشاف، وأكثر تقبلاً للتعلم عندما يُقدم له بأسلوب تفاعلي ممتع بعيد عن ضغوط الاختبارات والواجبات. والجميل في الأنشطة الصيفية الحديثة أنها لم تعد تقدم المعرفة بصورة تقليدية جامدة، بل أصبحت تمزج بين الترفيه والتعليم بطريقة احترافية تجعل الأبناء يتعلمون وهم يستمتعون. فالطفل قد يكتسب مهارات القيادة من خلال لعبة جماعية، ويتعلم مبادئ البرمجة عبر ورشة تفاعلية، ويكتشف أهمية العمل التطوعي من خلال مبادرة مجتمعية، وكل ذلك في أجواء محفزة وممتعة. إن المسؤولية اليوم لا تقع على الجهات المنظمة وحدها، بل تبدأ من الأسرة التي تملك القرار الأول في توجيه أبنائها نحو الاستفادة من هذه الفرص. فكما نحرص على نجاح أبنائنا الدراسي، يجب أن نحرص على بناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم واستثمار أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع. الإجازة الصيفية ستمضي سريعاً، لكن أثرها قد يبقى سنوات طويلة. وبين صيف يضيع في الفراغ وصيف يُبنى فيه الإنسان، يكمن الفرق بين وقت مستهلك ووقت مستثمر. والقرار في النهاية يبدأ من الأسرة، لأنها الشريك الأول في صناعة جيل أكثر وعياً وقدرةً وإسهاماً في خدمة وطنه ومجتمعه.
5778
| 07 يوليو 2026
سيلعب منتخب مصر الحبيبة أمام المنتخب الأرجنتيني بأحد عشر لاعباً يساندهم خمسمائة مليون قلب عربي نابض بالأمل في التأهل لدور ربع النهائي. هذه المساندة الجماهيرية ليست رياضيةً فحسب، وإنما هي حبٌّ عظيمٌ لمنتخب الساجدين الذي أحيا الحماسة في شعوب أمتنا عندما عبر المدرب حسام حسن عن النواة الصلبة في ضمائرنا ونفوسنا المتمثلة بفلسطين الحبيبة، حين حمل العلم الفلسطيني في الملعب، فهزَّ وجداننا بالحب لمصر وشعبها اللذينِ لهما مكانةٌ عظيمةٌ في تاريخنا الماضي، وحاضرنا، ومستقبلنا. تابعنا الأداء الفني الرفيع والبطولي المتميز للمنتخب المصري، وشاهدنا الجماهير في مدن وقرى وبوادي ديارنا العربية وهي تسانده بالتشجيع في البيوت والمجمعات الرياضية والمقاهي والساحات، وكأنما كل فرد في أمتنا يشعر شعوراً راسخاً بأن المنتخب يمثله شخصياً، ويمثل مجتمعه المحلي، وأمته المتعطشة لإثبات الوحدة النفسية والعقلية لشعوب تجمعها حضارةٌ مجيدةٌ، ولو كان ذلك من خلال كرة القدم. الذي لفت أنظار العالم هو الحماسة العظيمة لأهلنا في غزة الجريحة الذين تجمعوا بين الخيام والدمار وقد تعلقت قلوبهم بأداء المنتخب المصري، وكيف أرسل إليهم حسام حسن رسالةً تحمل توقيعات قلوب أبناء أمتنا برفع العلم الفلسطيني، مما جعل من مباراة اليوم مع الأرجنتين مباراةً تتابعها شعوبنا وهي تهتف للمنتخب المصري من أعماق قلوبها مؤمنةً بأهمية الفوز لمصر والأمة العربية. نحن ندرك جيداً أن الأداء الفني في المباراة هو الفيصل، ولكننا نؤمن بأن وقود الروح القتالية للاعبي المنتخب المصري هو مساندة الجماهير العربية لهم. ولذلك، نتوجه إليهم برسالة محبةٍ عظيمةٍ ممهورةٍ بثقتنا بجدارتهم بالفوز إن شاء الله. ونقول لهم إننا ننتظر منهم تركيزاً كاملاً، وحضوراً ذهنياً لا يغيب طوال التسعين دقيقة، مع تأكيدنا على ثقتنا بأن الكابتن حسام حسن قادر على استثمار طاقات اللاعبين، وتوظيفهم توظيفاً سليماً يحقق الأمل المنشود من المباراة. الأنظار متجهة إلى الأسطورة الكروية العربية؛ محمد صلاح الذي سيكون الركيزة الأساسية في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية. إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية مانحاً المنتخب خياراتٍ متعددةً وخطورةً مستمرةً نحو مرمى الخصم. كلمةٌ أخيرةٌ: يا لاعبي منتخب مصرنا الحبيبة، حين تسجدون بعد إطلاق صافرة النهاية وقد حققتم الفوز، بإذن الله، ستلامس جباهكم قلوبنا التي كانت معكم في أرضية الملعب.
1452
| 07 يوليو 2026
• في كل صيف، تتكرر الحكاية نفسها؛ وجهات تُقترح، وحقائب تُجهز، وتذاكر تُحجز، وأحاديث لا تنتهي عن لندن وإسطنبول وباريس وسويسرا… وكأن الاستمتاع لا يبدأ إلا بتجهيز الحقائب والعبور من صالة المغادرة. حتى أصبح السفر عند البعض مرادفًا للإجازة، وكأن الوطن يتوقف عن صناعة الفرح مع ارتفاع درجات الحرارة. • لكن، هل سألنا أنفسنا يومًا: هل المشكلة في حرِّ قطر… أم في نظرتنا إلى الصيف؟ فالاستمتاع ليس درجة حرارة، ولا مدينة على الخريطة، ولا تذكرة سفر، بل ثقافة حياة، ونظرة ترى الجمال فيما نملكه قبل أن تبحث عنه في مكان آخر. • وفي قطر، ورغم حرارة الصيف، لم يترك الوطن هذا الفصل موسمًا للركود، بل هيأ له كل أسباب الراحة والاستمتاع؛ من مرافق حديثة، وشواطئ ومنتجعات، ومساحات ثقافية وترفيهية، إلى بنية تحتية متطورة جعلت الحركة أكثر سهولة وجودة. ولذلك، فإن الصيف ليس موسمًا للهروب من الوطن، بقدر ما هو فرصة لاكتشافه من جديد. • ومع بداية الإجازات الصيفية، تتجه كثير من العائلات إلى مدن أوروبية مثل لندن وباريس ومدن في ألمانيا وسويسرا وغيرها، طلبًا للأجواء المعتدلة والاستجمام. غير أن كثيرًا من المسافرين يفاجؤون بموجات حر صيفية قد تكون أكثر إرهاقًا مما توقعوا، ليس بسبب ارتفاع درجات الحرارة وحدها، بل لأن كثيرًا من المباني القديمة، وبعض الشقق السكنية، والمتاجر الصغيرة، وحتى بعض وسائل النقل، لم تُصمم تاريخيًا للاعتماد الواسع على أجهزة التكييف كما هو الحال في دول الخليج، فيتحول الانتقال بين الأماكن إلى رحلة بحث عن مكان بارد أو نسمة هواء. • أما في قطر، فقد أصبح التكييف جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية حتى اعتدناه ولم نعد نستشعر عظمة هذه النعمة. فمن المنزل إلى السيارة، ومن المواقف إلى المجمعات التجارية، ومن المتاحف إلى المكتبات، ومن المطاعم إلى المقاهي، صُممت معظم المرافق لتوفر بيئة مريحة تجعل الحركة ممكنة مهما ارتفعت درجات الحرارة. إنها نعمة لا يشعر الإنسان بقيمتها إلا عندما يغادرها. • ولذلك لم تعد المجمعات التجارية الكبرى، مثل بلاس ڤاندوم، ودوحة فستيفال سيتي، وڤيلاجيو، وقطر مول، ومشيرب قلب الدوحة، مجرد أماكن للتسوق، بل أصبحت وجهات متكاملة للحياة والترفيه؛ تضم المقاهي والمطاعم، ودور السينما، ومدن الألعاب، والفعاليات، والمعارض، والمساحات التي تستوعب جميع أفراد الأسرة، فيقضي الناس ساعات طويلة بين الحركة والراحة دون أن يشعروا بحرارة الصيف أو ملل الإجازة. • ولا يتوقف جمال الصيف عند المرافق المغلقة، فالبحر في قطر له حكايته الخاصة. فشواطئ سيلين، واللؤلؤة، والمنتجعات البحرية، ومنتجع سلوى، وجزيرة بن غنام، وغيرها من الوجهات، تمنح الأسرة فرصة للاسترخاء والاستمتاع بين زرقة البحر وصفاء السماء، حيث تمتزج الأنشطة البحرية بأجواء الراحة والسكينة، مع توافر مختلف الخدمات التي تجعل قضاء يوم كامل تجربة آمنة وممتعة. • وهناك من يختار أن تكون الإجازة داخل البيت، فيكتشف أن أجمل الرحلات قد تبدأ من خلف الباب. فالبيت ليس مكانًا للنوم فقط، بل مساحة تصنع فيها العائلة أجمل ذكرياتها. تعود الكتب المؤجلة إلى الأرفف، وتُفتح دفاتر الكتابة، وتفوح روائح المعجنات والحلويات، ويشارك الأطفال والديهم إعداد الطعام وترتيب المائدة، فتتحول التفاصيل الصغيرة إلى ذكريات لا تُنسى. • ومن أجمل ما تحرص عليه كثير من الأسر إعداد برامج صيفية منزلية للأطفال تجمع بين المتعة والفائدة؛ من الرسم، والقراءة، والأشغال اليدوية، والطهي، والعناية بالنباتات، والمشاركة في ترتيب المنزل، فيتعلم الطفل المسؤولية، ويكتسب مهارات جديدة، ويقضي إجازته في بيئة آمنة مليئة بالمحبة والحوار. • كما تزخر قطر ببرامج ثقافية وتعليمية تثري الإجازة الصيفية؛ فمكتبة قطر الوطنية، ومتاحف مشيرب، ومؤسسة قطر، وغيرها من المؤسسات، تقدم برامج وورش عمل تناسب مختلف الأعمار، لتصبح الإجازة فرصة لتنمية العقل، واكتشاف المواهب، وبناء المعرفة، إلى جانب الترفيه والاستمتاع. • ولا يقتصر الأمر على تنوع الوجهات، بل يمتد إلى التخطيط المتواصل لصناعة تجربة سياحية متجددة. فمن خلال حملة زوروا قطر (Visit Qatar)، وتقويم قطر السنوي للفعاليات، أصبحت الأنشطة الثقافية، والترفيهية، والرياضية، والفنية تُنظم على مدار العام، لتمنح المقيم والزائر خيارات متنوعة تناسب جميع الأعمار والاهتمامات. فالصيف في قطر لم يعد موسمًا ساكنًا، بل أصبح موسمًا حافلًا بالمهرجانات، والمخيمات الصيفية، والورش التعليمية، والعروض العائلية، إلى جانب العروض الفندقية والبرامج السياحية التي تجعل من كل فصل تجربة مختلفة. • وتكمن قيمة هذه المبادرات في أنها لا تروّج لمكان فحسب، بل تصنع تجربة متكاملة تعكس هوية قطر، وتبرز ما وصلت إليه من تطور في قطاع السياحة وجودة الحياة. فمن يتابع تقويم قطر أو منصات «زوروا قطر» يدرك أن لكل أسبوع فعالية، ولكل فصل قصة، وأن هذا الوطن أصبح وجهة سياحية وثقافية تتجدد باستمرار، وتستقبل زوارها ببرامج متنوعة تجعل كل زيارة مختلفة عن سابقتها. • وحتى الصحراء، التي يظن البعض أن الصيف يبعد الناس عنها، أصبحت مع تطور وسائل التبريد والخيام الحديثة وجهة مميزة في ساعات المساء. جلسة بين الكثبان الرملية، وفنجان قهوة، وأحاديث الأصدقاء، وصوت المذياع، وسماء تتلألأ بالنجوم… كلها تفاصيل تجعل من الصحراء مساحة يستعيد فيها الإنسان هدوءه بعيدًا عن صخب المدينة. • ولعل أجمل ما في كل ذلك أننا كثيرًا ما نبحث عن السعادة في مكان بعيد، بينما تكون بين أيدينا دون أن نشعر بها. فالإنسان يعتاد النعمة حتى تصبح جزءًا من يومه، ولا يدرك قيمتها إلا عندما يفقدها أو يقارنها بغيرها. ولذلك، فإن إعادة اكتشاف الوطن ليست رحلة إلى مكان جديد، وإنما رحلة إلى عين ترى ما اعتادت عليه، وقلب يقدّر ما يملكه. • آخر جرة قلم: الاستمتاع لا تحدده مساحة، ولا تصنعه مدينة، ولا يختصره فصل من فصول السنة. إنه ثقافة، وأسلوب حياة، وروح تعرف كيف ترى الجمال فيما حولها. وفي قطر، لا ننعم ببحر وشواطئ وصحراء ومنتجعات ومرافق عالمية فحسب، بل ننعم أيضًا بالأمن، وجودة الحياة، وبنية تحتية متطورة، وتكييف أصبح جزءًا من تفاصيل يومنا حتى نسينا أنه نعمة. ولعل أعظم استثمار تصنعه الدول ليس في بناء الأماكن فحسب، بل في صناعة التجارب والذكريات. وهذا ما نجحت قطر في ترسيخه؛ فكل موسم يحمل فعالياته، وكل زيارة تفتح بابًا لاكتشاف جديد، حتى أصبح الوطن وجهة تتجدد في كل فصل من فصول العام. وما أجمل أن نرى وطننا بعين السائح، وقلب المحب، فنكتشف أن أجمل الإجازات ليست دائمًا تلك التي تبدأ من صالة المغادرة، بل قد تكون تلك التي تبدأ من لحظة امتنان، ومن قرار بأن نستمتع بما وهبنا الله من نعم العائلة والصحبة والأمن والامان في وطننا الغالي قطر.
1224
| 08 يوليو 2026