رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(1)
غريبٌ أمر هؤلاء الراغبين في الذهاب إلى حيث تكون الحرب، إنها لم تُفرض عليهم، لكنهم - باختيارهم - يرغبون في الذهاب إلى هناك، ربما يتخيلون أنها مغامرة تدفع الأدرينالين إلى العروق، أو ربما لمتابعة حية لحدث تاريخي لا يتكرر، لكن المشكلة أن صاحبنا - وبعد أن حاز على الأدرينالين، وكاد أن يموت - قرَّر العودة مرة أخرى إلى الحرب، وإذا كان مراهقًا في الأولى، فإنه رجل ناضج في الأخيرة، لكننا نعذره؛ على الأقل قدَّم لنا ما يستحق.
(2)
يبلغ صاحبنا الأمريكي الثامنة عشرة من العمر في العام 1917، أي: العام الذي انضمت فيه بلاده إلى أُتون الحرب العالمية الأولى، وإذا كانت رغبته في المغامرة هي التي دفعته للتطوع مقاتلاً في صفوف جيش بلاده، بعد أن كان يعمل مراسلاً صحفيًّا، فإن الاختبار الطبي حال دون ذلك، ليغادر الوحدة العسكرية جارًّا أذيال الخيبة، فقلبه معلق بفكرة السفر إلى مناطق الحرب.
يتوجَّه بعدها إلى هيئة الصليب الأحمر متطوعًا، يُعين كقائد سيارة إسعاف، ويُرسَل إلى ميلانو الإيطالية، وهناك تضرِب قذيفة سيارته، ويُصاب إصابة بالغة، "انفجر وميضٌ فجأة كما لو أن باب فرن انفتح ليخرج من خلفه اللهيب، كان لونه أبيض، ثم تحوَّل للأحمر".
(3)
يستيقظ في مشفاه، تتفتح عيناه على الممرضة بنت بلده أجنيس فون كروفسكي، ومثل الأفلام الأمريكية، يقع في حبها، وبعد عدة شهور تنتهي الحرب فينطلقا يقضيان وقتهما معًا هنا وهناك، ليبدو واضحًا أنهما على وشك الزواج.
لكن الفتاة يصيبها القلق؛ فقد لاحظت أن فتاها يتغير بسرعة؛ فقد أصبح واثقًا في نفسه أكثر من اللازم، إلى الحد الذي بات مهتمًّا بنفسه بشدة، وغير مبال بالآخرين، يدفعها هذا الشعور إلى التردد في فكرة الارتباط به.
ثم فجأة يخبرها ذات يوم أن عليه أن يرحل عائدًا لبلده؛ لزيارة والديه، تبلِّغه هي الأخرى أنها كذلك سترحل عن ميلانو، وقد كانت تلك لحظة فراق غريبة، فقد انتهت على إثرها قصة حبهما القصيرة، فلم يقابل أي منهما الآخر بعدها، ولم يتراسلا، وليَعلم لاحقًا أن فتاته قد وقعت في حب رجل آخر، وقررت أن تكمل حياتها معه، لتكون تلك تجربة قاسية أخرى بعد تجربة الحرب، فيقرر كتابة روايةٍ يستقي أحداثها من قصة حبه القصيرة مع أجنيس وتصدر الرواية باسم: "وداعًا للسلاح".
(4)
في سبتمبر/أيلول من عام 1922 كان صاحبنا موجودًا في العاصمة الفرنسية باريس حينما عَرض عليه محرر صحيفة تورنتو ستار القيام بتغطية صحفية من داخل جبهة الحرب التركية اليونانية، ليدخل جبهة حربية - لأول مرة - كمراسل صحفي.
سجَّل مشاهداته في الحرب وهروب اللاجئين من كلٍّ من تركيا واليونان.
ثم مضى وقت طويل - منذ تلك المعركة - حتى حلَّت الحرب الأهلية الإسبانية، وقد كان في تلك الفترة على موعد مع زواجه الثاني من الصحفية اللامعة مارثا جيلهورن صاحبة كتاب "وجه الحرب"، وقد كان اهتمامها الكبير بإسبانيا وشغفها بتغطية المواجهات هناك سببًا في جذبه إلى تلك النقطة من العالم.
عاصر الرجل وزوجته بدايات الصراع في إسبانيا في فندق شبه سري في العاصمة مدريد، وأرسل كلٌّ منهما تغطية صحفية للجريدة التي يعمل بها حول الحصار الفاشي للحكومة الجمهورية الجديدة، والقصف العنيف للعاصمة، وشكَّل كلاهما معًا ثنائيًّا غاية في التميز من الناحية العاطفية والناحية الصحفية في قلب الحرب.
سجَّل في ذاكرته ما يكفي من الأحداث والشخصيات التي شاهدها بعينه خلال الحرب، ليكتب لاحقًا رواية: "لمن تقرع الأجراس"، والتي تحكي عن شاب أمريكي قرَّر المشاركة مع المجموعات الإسبانية المسلحة التي تقاتل لإعلان الجمهورية في مواجهة الفاشية.
يَخلق الرجل لنفسه شيئًا خاصًّا به في الكتابة؛ فهو مراسلٌ حربي ينقل ما يحدث في الواقع كما هو، عن طريق سرد الحكايات التي تجعل من معرفة الحقيقة أمرًا محببًا للقارئ.
يتنقَّل بين جبهات مختلفة خلال الحرب العالمية الثانية، ويشهد حملة الإنزال في نورماندي، وقد بلغ من العمر الرابعة والأربعين عامًا.
(5)
لقد حقَّق إرنست هيمنجواي المولود في 21 يوليو/تموز عام 1899 أمنيته بالسفر إلى الحرب، ليس كجندي مقاتل، ولكن كصحفي حربي وروائي، وسوف تكافئه الأقدار بأن يُشارك في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ليستقي من أحداثهما روايات يسردها ببراعة شديدة، وتمنحه شهرة عالمية، فضلاً عن شغفه بتحويل تجارب حياته إلى مادة لمؤلفاته الروائية والقصصية، ومن هنا يمكن تفسير غزارة إنتاجاته.
كان آخر عمل هام نُشر له خلال حياته هو: "الشيخ والبحر" في عام 1952، وهو رواية قصيرة عن صياد كوبي مسن، والتي كانت قصة رمزية تشير إلى كفاح الكاتب نفسه للحفاظ على فنه في مواجهة الشهرة والاهتمام.
أصبح همنغواي شخصية مشهورة غطَّت الصحافة على نطاق واسع زيجاته الأربع، ومغامراته في صيد الطرائد الكبيرة وصيد الأسماك، ولكن على الرغم من شهرته، إلا أنه لم يُنتج عملاً أدبيًّا كبيرًا في العقد الذي سبق ظهور "الشيخ والبحر"؛ حصل الكتاب على جائزة بوليتزر عام 1953، وفاز بجائزة نوبل للآداب عام 1954، وتحول منزله في كوبا التي انتقل إليها إلى متحف يضم مقتنياته.
صحيح أنه نجا من حادثتي تحطم طائرتين في أفريقيا عام 1953، لكنه أصبح قلقًا ومكتئبًا بشكل متزايد، لتكون سنواته الأخيرة هي الأكثر قسوة وصعوبة عليه؛ نتيجة كتلة من التراكمات الضخمة التي ضربت نفسيته، ليقرر الانتحار ويُنهي حياته التي وصفها بأنها صارت بائسة في 2 يوليو 1961، ببندقية في منزله، تمامًا كما فعل والده.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4311
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2580
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1173
| 28 سبتمبر 2026