رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قتلتني الحرب التي عشت بعدها
(1)
نحن في الشهر السادس لعام 1917، وها أنا أكمل الثامنة عشرة، جُلُّ أصدقائي ينضمون إلى القتال، جند في جيش الإمبراطورية الألمانية، أشاركهم -متحمسًا- تجربتهم في أول حرب عالمية، وحيث الوعد بأنها الحرب التي ستُنهي كل الحروب.
يتم نقلنا إلى الجبهة الغربية، والحرب هناك بيننا -نحن الألمان- وبين الفرنسيين؛ من أجل كسب مساحة صغيرة من الأرض، تُسترد من الطرف الآخر بعد فترة وجيزة، فيبقى «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية».
(2)
أنسى ما أنسى، إلا اليوم الذي قتلت فيه إنسانًا وجهًا لوجه؛ ففي نهاية الشهر السابع تَشتعل جبهتنا الغربية، بتسارُع غير مُعتاد، وعلى مدى أسبوعين، يقصفنا ثلاثة آلاف مدفع بأربع ملايين ونصف مليون قذيفة، ونحن صامدون.
يصبح الليل نهارًا بفعل الصواريخ التي تنير سماءه، هدير الدبابات لا يتوقف، القنابل تسقط على الخنادق كالمطر، الهواء محشوٌّ بالصراخ والصفير، الأشلاء تتطاير -ومثلها الشظايا- في كل مكان.
فجأةً أسمع في خندقي وقْع أقدام، أُخرج الخنجر فأطعنه، يصرخ بشدة، لكنَّني أواصل الطعن، حتى أُصوِّب إليه في النهاية ضربة قوية فيهوي إلى الأرض، لقدْ طبَّقت مبدأ الحرب الدائم: «اُقتل أو تُقتل».
لكنَّ الرجلَ لم يمت؛ فهو في النزع الأخير، يُحدِّق إليَّ بعينينِ مفعمتين بالرعب والهلع، الجثة ساكنة، لكن رغبة الفرار التي تنطق بها عيناه، يُخيل إليَّ أنها ستحمل الجثة حملاً وتفر بها ذعرًا من الموت، أي: مني.
أقول له في نفسي: لمْ أُرد قتلك، لو أنك تقفز مجددًا إلى هنا فلن أفعلها ثانية، كل ما في الأمر أني كنت أفكِّر بقنبلتك اليدوية وأسلحتك، الآن أرى زوجتك ووجهك وما يجمعنا معًا، سامحني يا رفيقي! إذا رمينا هذه الأسلحة وخلعنا هذا اللباس العسكري، لأمكنك أن تكون أخي.
(3)
وكأنه انتقام إلهي، أُصاب لاحقًا بشظية قذيفة في ساقي اليسرى وذراعي اليُمنى ورقبتي، بمعجزة ينجح المسعفون في إنقاذي بعد أن رأيت الموت بعيني، يقومون بإجلائي إلى مستشفى عسكري بالداخل.
المشهد يكاد يكون أكثر رعبًا من جبهات القتال؛ عنابر مملوءة بالمصابين، أنَّاتهم واهنة ومؤلمة، أطباء وممرضات يسابقون الموت، ينجحون في إنقاذ ساقي من البتر، لكن الألم ما يزال شديدًا.
أغادر مشفاي بعد عدة شهور، تحسَّنت جراح جسدي، وجراح روحي لا تبرأ.
تنتهي الحرب، أحاول تعويض ما فاتني في الدنيا، لكن الحرب تسيطر عليَّ، لماذا وصلنا إلى هذا الحد من الغباء حتى نقتل بعضنا بهذه الصورة؟!
مِثلي مِثل الذين عادوا من المعارك، يحاولون -وبنمط من سُعار عيش متوحش- أن يعوِّضوا ما خسروه في السنين الأربع من الحرب، هؤلاء الناس لا يملكون شيئًا الآن، هذا الجيل بأكمله دُحر وهُزم في الحرب، حتى الذين نجوا من قذائفه.
أتقلَّب في وظائف عدة، حتى أعمل محررًا، فتوقظ الوظيفة في نفسي حمى الكتابة التي بدأتها وعمري لا يتجاوز ستة عشر عامًا، مقالات وقصائد ورواية كنت قد بدأتها قبل الحرب.
أذهب ضمن مهامي الوظيفية لتغطية نزال للملاكم ماكس شميلينغ، أسمع أحدهم يصرخ: «هيا يا ماكس، إنه يترنح، لكمة أخرى وسينتهي أمره»، أتمعن وجه الملاكم المترنح، تقفز في ذاكرتي عيون ذلك الفرنسي الذي قتلته، أعود إلى المنزل وقد اتخذت قراري بكتابة رواية أسجل فيها كل ما رأيت في الحرب.
(4)
أعيش الجحيم مرة أخرى، أتذكر على لسان بطل حكايتي ما عشته في الحرب، أفرغ من الكتابة، أبدأ محاولاتي لطباعتها، يرفض رئيس التحرير ذلك؛ متعللاً بأن الناس بعد الحرب لا تريد الحديث عنها، وبعد جدال بين أصحاب الأمر يتقرر نشرها في حلقات بجريدة: «فويس».
وبالفعل -وفي العاشر من أكتوبر (تشرين الثاني) عام 1928- تُنشر الحلقة الأولى من روايتي، وما أن تصدر الحلقة الثانية حتى يتجاوز توزيع الصحيفة مائة ألف نسخة، فيقرر المسؤولون وقف النشر وطبع الرواية كاملة.
تصل مبيعات روايتي -بعد عدة سنوات- إلى ما يزيد عن ثلاثين مليون نسخة، وتكون أول رواية تُطبع على طريقة برايل لفاقدي البصر، وتتحول إلى فيلم سينمائي يحصد جوائزه في هوليود.
تغضب ألمانيا الهتلرية، وتمنع عرض الفيلم، وتمنع الرواية من التداول، وتسحب الجنسية مني، وتقتل شقيقتي، وأُصبح هدفًا للعنصريين، فأقرر السفر إلى سويسرا، أتابع من هناك ما حدث في إحدى ميادين برلين؛ حيث حُشدت جموع من الشباب؛ ليقوموا بإضرام النيران في الكتب الممنوعة التي يعتقدون أنها ضد نازيتهم، وبالتأكيد فإن روايتي من ضمنها.
يزداد تشبثي بموقفي، وإصراري على إعلان الحرب على الحروب، كارهًا تجربتي في الحرب العالمية الأولى، التي جُمع لها أكثر من سبعين مليون عسكري، لقي فيها أكثر من تسعة ملايين مقاتل، وسبعة ملايين مدني مصرعهم، فضلاً عن عشرات الملايين الذين ماتوا من جراء انتشار الأوبئة.
تمر الأيام والسنون، ويتغير كل شيء، وتظل روايتي جاذبة لمحاربي الحروب، ويُعاد إنتاجها كفيلم سينمائي يحصد -بدوره- العديد من جوائز الأوسكار.
(5)
نسيت أن أخبركم، أنا إيريك ريمارك، صاحب رواية: «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية».
في 25 من الشهر التاسع لعام 1970 ستكتب الصحف أنني توفيت عن عمر يناهز 72 عامًا، وأن روايتي: «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»، هي الرواية الألمانية الأكثر مبيعًا، وأنه تم تحويلها إلى فيلم سينمائي ثلاث مرات: عام 1930، وعام 1979، وأخيرًا عام 2022، لينال صانعوها العديد من جوائز الأوسكار.
وستكون فرصة لتذكِّر الصحف قرَّاءها بأني ولدت في منتصف عام 1898، لعائلة من الطبقة العاملة، في مدينة أوسنابروك الألمانية، والدي كان عامل تجليد كتب، ولأن والدتي كانت تعاني من السل، قرَّر جدي أن يستضيفني، وهو الرجل المختلف عن والدي، المحب للمغامرات، فأحببته، وأحببت المغامرات، وروايتي واحدة منها.
تلك الرواية التي كنت بطلها، بطلها الذي عاش بعد الحرب، لكنه مات في الرواية، ربما أردت أن أقول: إن الحرب تقتل الجميع، حتى الذين يعيشون بعدها.
أهل قطر.. الصادقون المخلصون
من تابع واجتهد مثلي عن ماضي وحاضر أهل قطر سيسعد فخراً بمحافظتهم على العادات والقيم الحميدة وحبهم لوطنهم... اقرأ المزيد
186
| 14 يونيو 2026
المرأة التي لم تعش لنفسها يوماً
في كل بيتٍ امرأةٌ لا تُذكر تفاصيل تضحياتها كاملة، ولا تُكتب قصتها في الكتب، ولا تُمنح الأوسمة التي... اقرأ المزيد
369
| 13 يونيو 2026
التمثيلية
يخرج علينا الإعلام الغربي بين الفينة والأخرى بما يسميه تسريبات المحادثات الهاتفية التي جرت بين الرئيس الأمريكي والنتن... اقرأ المزيد
144
| 13 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
2700
| 10 يونيو 2026
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً مع الزمن والميزانيات من أجل تأمين أفضل مستقبل لأبنائهم، فيبحثون عن المدارس المتميزة، ويتحملون أعباء الرسوم المرتفعة ويتابعون التحصيل الدراسي بدقة أملاً في بناء جيل واعٍ ومتفوق غير أن المفارقة التي تتكرر مع بداية الإجازة الصيفية تكمن في أن كثيراً من الأسر تتراجع فجأة عن دورها التربوي والتوجيهي وكأن المهمة قد انتهت بمجرد إغلاق أبواب المدارس فيُترك الأبناء لفراغ طويل بلا تخطيط ولا رقابة حقيقية تحت شعار منحهم الراحة بعد عناء الدراسة، بينما الحقيقة أن هذا الفراغ يتحول سريعاً إلى بيئة خصبة لإهدار ما تم بناؤه طوال العام. فالمشكلة الكبرى في عصرنا لم تعد نقصاً في المعرفة بل أصبحت أزمة إدمان رقمي يسيطر على عقول الأبناء من خلال الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تبتلع الوقت والانتباه وتدمر التركيز، وخلال الدراسة يكون الطالب محكوماً بجدول يومي يحد من هذا الانغماس، أما في الصيف فإن غياب النظام يمنح الشاشات فرصة كاملة للهيمنة على حياته. وعندما تبتعد الأسرة من دورها التوجيهي فإن الخوارزميات تتولى التربية فتغرس في الأبناء العزلة والخمول والتشتت وتستبدل القيم والانضباط بمحتويات سريعة ومشتتة تؤثر في الأخلاق والسلوك والهوية ومع مرور الأيام يتحول الطفل من إنسان نشيط متعلم إلى مستهلك سلبي يقضي ساعات طويلة أمام شاشة لا تضيف لعقله ولا لشخصيته شيئاً نافعاً بل تدمر أفكاره وأخلاقه. ومن الأخطاء التربوية الشائعة الاعتقاد بأن التربية مرتبطة فقط بالمدرسة بينما الحقيقة أن الإجازة الصيفية تمثل الاختبار الأهم للأسرة، ففي المدرسة يجد الطالب من يوجهه ويراقبه وينظم وقته، أما في الصيف فإنه يواجه فراغاً مستمراً يحتاج إلى إدارة واعية، وقد أثبت كثير من الدراسات السلوكية أن ما يتم بناؤه خلال أشهر الدراسة يُهدم سريعاً خلال أسابيع من الإهمال والسهر والإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، لذلك لا ينبغي النظر إلى الصيف على أنه موسم للنوم والتراخي بل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب وتنمية المهارات وبناء الشخصية بصورة أعمق بعيداً عن ضغط الاختبارات والواجبات المدرسية. ومن هنا تأتي أهمية البدائل العملية التي تشغل وقت الأبناء بما ينفعهم فالأندية الرياضية والمراكز الشبابية والأنشطة الحركية تمنح الجسد نشاطاً وصحة وتبعد الأبناء عن الخمول، كما أن المراكز الصيفية والدورات التدريبية في اللغات والبرمجة والمهارات الإبداعية تسهم في توسيع المدارك وتنمية التفكير بينما تساعد مراكز بناء الشخصية والأنشطة الجماعية على تعزيز الثقة بالنفس وتنمية روح التعاون وتحمل المسؤولية، وهي بدائل أكثر تأثيراً من مجرد المنع أو الحرمان لأن النفس إن لم تُشغل بالنافع انجرفت نحو الضار. إن الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يتوقف عند دفع الرسوم الدراسية المكلفة أو اختيار المدرسة المناسبة بل يمتد إلى حسن إدارة أوقاتهم في الإجازات فالتربية عملية مستمرة لا تعرف التوقف، والصيف قد يكون فرصة عظيمة لصناعة شخصية قوية وواعية إذا أحسن الوالدان استثماره وقد يتحول في المقابل إلى بوابة للهدم والتراجع إذا تُرك الأبناء أسرى للفراغ والشاشات لذلك فإن حماية عقول الأبناء من إدمان العصر تبدأ من قرار أسري واعٍ يملأ أوقاتهم بالعلم والنشاط والتجارب المفيدة قبل أن يملأها غيرهم بما يفسد عقولهم ويبدد مستقبلهم.
2604
| 09 يونيو 2026
السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد إجابة أو إجابات عملية له من قبل الخبراء وأهل الاختصاص الذين لديهم القدرة على التحليل والتفكير للوصول إلى حلول مفيدة لأوطانهم وشعوبهم على المديين القريب والبعيد، فلا يعقل أن تظل دولنا الخليجية رهينة لهذا التهديد الذي يتم استخدامه ضدها في كل خلاف في المنطقة، وكما يرى الجميع فإنه في كل مرة تتصاعد فيها التوترات الإقليمية، يعود اسم مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم وأكثرها حساسية، ويكفي أن تلوح أي جهة بإمكانية تعطيل الملاحة فيه حتى ترتفع المخاوف العالمية بشأن أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. ولذلك لا بد من تغيير السؤال الذي هو سائد حالياً والذي يركز على "كيف نحمي مضيق هرمز فقط؟"، بل لا بد أن يتم التركيز على كيفية التقليل من أهميته الاستراتيجية بحيث لا يصبح نقطة ضغط يمكن استخدامها كلما تصاعدت الخلافات أو الأزمات، والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الجغرافيا ثابتة، بينما تتغير التحالفات والسياسات والمصالح، وقد أثبتت التجربة التي نشاهدها ونعيشها واقعاً ملموساً أمامنا اليوم، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الاعتماد على ممر واحد لنقل الجزء الأكبر من صادرات الطاقة يمثل نقطة ضعف استراتيجية مهما كانت الضمانات الأمنية القائمة في أي مرحلة من المراحل. ومن هنا فإن التفكير المبدئي يقتضي العمل على إيجاد بدائل عملية تقلل من الاعتماد على المضيق دون أن تلغي أهميته الطبيعية كممر دولي حيوي سيبقى كما هو ممراً هاماً وحيوياً ما بقيت الجغرافيا على حالها، وعليه فإن أول هذه البدائل يتمثل في التوسع في شبكات الأنابيب البرية التي تربط حقول النفط والغاز بالموانئ الواقعة خارج الخليج العربي، سواء على بحر العرب أو البحر الأحمر أو غيرها من المنافذ البحرية، فكل برميل نفط أو شحنة غاز يمكن تصديرها بعيداً عن مضيق هرمز تعني تقليل حجم التأثير الذي قد ينتج عن أي اضطراب محتمل في الملاحة. كما أن تطوير الموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية الخليجية بصورة تكاملية، وليس بصورة منفردة، سيمنح دول المنطقة مرونة أكبر في مواجهة أي تحديات مستقبلية، فالمعادلة لم تعد تقوم على قدرات كل دولة بمفردها، وإنما على قدرة المنظومة الخليجية ككل على العمل كوحدة اقتصادية وأمنية متماسكة وموحدة، والتجربة أثبتت أنه لا بد من التعامل مع المخاطر الخارجية بكل صورها وأنواعها، ويجب التعامل معها بروح الفريق الواحد والجسد والكيان الواحد. وهنا نصل إلى النقطة الأهم، وهي أن أي أفكار لتقليل أهمية مضيق هرمز لا يمكن أن تنجح ما لم تسبقها وحدة حقيقية في الرؤية والأهداف بين دول الخليج العربية، فالتحديات المشتركة لا يمكن التعامل معها بسياسات متفرقة أو حسابات ضيقة، بل تحتاج إلى تنسيق استراتيجي طويل المدى يتجاوز ردود الأفعال المؤقتة. فالمطلوب ليس فقط تعزيز التعاون الأمني، بل بناء تصورات خليجية موحدة لأمن الطاقة والممرات البحرية والتجارة الدولية، بحيث تجعل أي محاولة لتهديد حرية الملاحة عملاً غير مجدٍ من الناحية السياسية أو الاقتصادية، وتؤكد أن أمن الممرات البحرية مسؤولية جماعية ومصلحة مشتركة لجميع دول المنطقة. كما أن هذه الاستراتيجية يجب أن تنطلق من افتراض واقعي، وهو أن التحالفات والمصالح والعلاقات الدولية تتغير باستمرار، فالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة قد يبقى على مستواه الحالي أو يتقلص أو يتغير شكله أو حتى ينتهي في مرحلة من المراحل، وفي عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى، لا يمكن بناء الخطط الاستراتيجية على افتراضات ثابتة بشأن دور أي قوة خارجية، أما الجغرافيا فهي الحقيقة الوحيدة التي ستبقى كما هي، ولذلك فإن بناء عناصر القوة الذاتية والتكامل الخليجي يصبح ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً مؤقتاً. إن تقليل أهمية مضيق هرمز لا يعني الاستغناء عنه، فذلك غير ممكن عملياً، لكنه يعني تقليل القدرة على استخدامه كورقة ضغط أو مصدر قلق دائم، وهذا الهدف لا يتحقق بالشعارات، بل بالاستثمار في البدائل، وتعزيز التكامل الخليجي، وتوحيد الرؤية الاستراتيجية، وبناء منظومة إقليمية قادرة على حماية مصالحها بنفسها في عالم تتغير فيه التحالفات، بينما تبقى الجغرافيا ثابتة لا تتغير. ولذلك فإن أول خطوة على الطريق هي أن تتفق دول الخليج على أن أمنها الاستراتيجي موحد، وأن مستقبلها الاقتصادي مترابط، وأن مواجهة التحديات الكبرى تتطلب موقفاً موحداً ورؤية بعيدة المدى. فعندما تتوحد الأهداف، تصبح التحديات مهما كبرت أكثر قابلية للإدارة والاحتواء، وتتحول نقاط الضعف إلى عناصر قوة واستقرار.
1110
| 07 يونيو 2026