رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قتلتني الحرب التي عشت بعدها
(1)
نحن في الشهر السادس لعام 1917، وها أنا أكمل الثامنة عشرة، جُلُّ أصدقائي ينضمون إلى القتال، جند في جيش الإمبراطورية الألمانية، أشاركهم -متحمسًا- تجربتهم في أول حرب عالمية، وحيث الوعد بأنها الحرب التي ستُنهي كل الحروب.
يتم نقلنا إلى الجبهة الغربية، والحرب هناك بيننا -نحن الألمان- وبين الفرنسيين؛ من أجل كسب مساحة صغيرة من الأرض، تُسترد من الطرف الآخر بعد فترة وجيزة، فيبقى «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية».
(2)
أنسى ما أنسى، إلا اليوم الذي قتلت فيه إنسانًا وجهًا لوجه؛ ففي نهاية الشهر السابع تَشتعل جبهتنا الغربية، بتسارُع غير مُعتاد، وعلى مدى أسبوعين، يقصفنا ثلاثة آلاف مدفع بأربع ملايين ونصف مليون قذيفة، ونحن صامدون.
يصبح الليل نهارًا بفعل الصواريخ التي تنير سماءه، هدير الدبابات لا يتوقف، القنابل تسقط على الخنادق كالمطر، الهواء محشوٌّ بالصراخ والصفير، الأشلاء تتطاير -ومثلها الشظايا- في كل مكان.
فجأةً أسمع في خندقي وقْع أقدام، أُخرج الخنجر فأطعنه، يصرخ بشدة، لكنَّني أواصل الطعن، حتى أُصوِّب إليه في النهاية ضربة قوية فيهوي إلى الأرض، لقدْ طبَّقت مبدأ الحرب الدائم: «اُقتل أو تُقتل».
لكنَّ الرجلَ لم يمت؛ فهو في النزع الأخير، يُحدِّق إليَّ بعينينِ مفعمتين بالرعب والهلع، الجثة ساكنة، لكن رغبة الفرار التي تنطق بها عيناه، يُخيل إليَّ أنها ستحمل الجثة حملاً وتفر بها ذعرًا من الموت، أي: مني.
أقول له في نفسي: لمْ أُرد قتلك، لو أنك تقفز مجددًا إلى هنا فلن أفعلها ثانية، كل ما في الأمر أني كنت أفكِّر بقنبلتك اليدوية وأسلحتك، الآن أرى زوجتك ووجهك وما يجمعنا معًا، سامحني يا رفيقي! إذا رمينا هذه الأسلحة وخلعنا هذا اللباس العسكري، لأمكنك أن تكون أخي.
(3)
وكأنه انتقام إلهي، أُصاب لاحقًا بشظية قذيفة في ساقي اليسرى وذراعي اليُمنى ورقبتي، بمعجزة ينجح المسعفون في إنقاذي بعد أن رأيت الموت بعيني، يقومون بإجلائي إلى مستشفى عسكري بالداخل.
المشهد يكاد يكون أكثر رعبًا من جبهات القتال؛ عنابر مملوءة بالمصابين، أنَّاتهم واهنة ومؤلمة، أطباء وممرضات يسابقون الموت، ينجحون في إنقاذ ساقي من البتر، لكن الألم ما يزال شديدًا.
أغادر مشفاي بعد عدة شهور، تحسَّنت جراح جسدي، وجراح روحي لا تبرأ.
تنتهي الحرب، أحاول تعويض ما فاتني في الدنيا، لكن الحرب تسيطر عليَّ، لماذا وصلنا إلى هذا الحد من الغباء حتى نقتل بعضنا بهذه الصورة؟!
مِثلي مِثل الذين عادوا من المعارك، يحاولون -وبنمط من سُعار عيش متوحش- أن يعوِّضوا ما خسروه في السنين الأربع من الحرب، هؤلاء الناس لا يملكون شيئًا الآن، هذا الجيل بأكمله دُحر وهُزم في الحرب، حتى الذين نجوا من قذائفه.
أتقلَّب في وظائف عدة، حتى أعمل محررًا، فتوقظ الوظيفة في نفسي حمى الكتابة التي بدأتها وعمري لا يتجاوز ستة عشر عامًا، مقالات وقصائد ورواية كنت قد بدأتها قبل الحرب.
أذهب ضمن مهامي الوظيفية لتغطية نزال للملاكم ماكس شميلينغ، أسمع أحدهم يصرخ: «هيا يا ماكس، إنه يترنح، لكمة أخرى وسينتهي أمره»، أتمعن وجه الملاكم المترنح، تقفز في ذاكرتي عيون ذلك الفرنسي الذي قتلته، أعود إلى المنزل وقد اتخذت قراري بكتابة رواية أسجل فيها كل ما رأيت في الحرب.
(4)
أعيش الجحيم مرة أخرى، أتذكر على لسان بطل حكايتي ما عشته في الحرب، أفرغ من الكتابة، أبدأ محاولاتي لطباعتها، يرفض رئيس التحرير ذلك؛ متعللاً بأن الناس بعد الحرب لا تريد الحديث عنها، وبعد جدال بين أصحاب الأمر يتقرر نشرها في حلقات بجريدة: «فويس».
وبالفعل -وفي العاشر من أكتوبر (تشرين الثاني) عام 1928- تُنشر الحلقة الأولى من روايتي، وما أن تصدر الحلقة الثانية حتى يتجاوز توزيع الصحيفة مائة ألف نسخة، فيقرر المسؤولون وقف النشر وطبع الرواية كاملة.
تصل مبيعات روايتي -بعد عدة سنوات- إلى ما يزيد عن ثلاثين مليون نسخة، وتكون أول رواية تُطبع على طريقة برايل لفاقدي البصر، وتتحول إلى فيلم سينمائي يحصد جوائزه في هوليود.
تغضب ألمانيا الهتلرية، وتمنع عرض الفيلم، وتمنع الرواية من التداول، وتسحب الجنسية مني، وتقتل شقيقتي، وأُصبح هدفًا للعنصريين، فأقرر السفر إلى سويسرا، أتابع من هناك ما حدث في إحدى ميادين برلين؛ حيث حُشدت جموع من الشباب؛ ليقوموا بإضرام النيران في الكتب الممنوعة التي يعتقدون أنها ضد نازيتهم، وبالتأكيد فإن روايتي من ضمنها.
يزداد تشبثي بموقفي، وإصراري على إعلان الحرب على الحروب، كارهًا تجربتي في الحرب العالمية الأولى، التي جُمع لها أكثر من سبعين مليون عسكري، لقي فيها أكثر من تسعة ملايين مقاتل، وسبعة ملايين مدني مصرعهم، فضلاً عن عشرات الملايين الذين ماتوا من جراء انتشار الأوبئة.
تمر الأيام والسنون، ويتغير كل شيء، وتظل روايتي جاذبة لمحاربي الحروب، ويُعاد إنتاجها كفيلم سينمائي يحصد -بدوره- العديد من جوائز الأوسكار.
(5)
نسيت أن أخبركم، أنا إيريك ريمارك، صاحب رواية: «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية».
في 25 من الشهر التاسع لعام 1970 ستكتب الصحف أنني توفيت عن عمر يناهز 72 عامًا، وأن روايتي: «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»، هي الرواية الألمانية الأكثر مبيعًا، وأنه تم تحويلها إلى فيلم سينمائي ثلاث مرات: عام 1930، وعام 1979، وأخيرًا عام 2022، لينال صانعوها العديد من جوائز الأوسكار.
وستكون فرصة لتذكِّر الصحف قرَّاءها بأني ولدت في منتصف عام 1898، لعائلة من الطبقة العاملة، في مدينة أوسنابروك الألمانية، والدي كان عامل تجليد كتب، ولأن والدتي كانت تعاني من السل، قرَّر جدي أن يستضيفني، وهو الرجل المختلف عن والدي، المحب للمغامرات، فأحببته، وأحببت المغامرات، وروايتي واحدة منها.
تلك الرواية التي كنت بطلها، بطلها الذي عاش بعد الحرب، لكنه مات في الرواية، ربما أردت أن أقول: إن الحرب تقتل الجميع، حتى الذين يعيشون بعدها.
نصائح الشيطان
(1) لا تجلدوا أنفسكم، وإنما أشعِروها بالعجز. أنتم عاجزون تمامًا عن فعل أي شيء. ليس كحكومات وأنظمة، وإنما... اقرأ المزيد
1533
| 06 مايو 2024
المرأة حين تخوض الحرب
(1) في العشرين من الشهر الثاني لعام 1910، وفي قلب العاصمة المكسيكية، تعلن الانتخابات الرئاسية في بلد مثقل... اقرأ المزيد
615
| 29 أبريل 2024
الذي لا ينتصر أبدًا
(1) لا يكاد يمر يوم، إلا وأقرأ مكتوبًا يحذِّر من أن الأحوال في الأيام المقبلة بهذا البلد أو... اقرأ المزيد
1296
| 22 أبريل 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12144
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10023
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3471
| 22 أكتوبر 2026