رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

45

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

القيم الغربية

14 يونيو 2026 , 02:00ص

لم تكن القيم الغربية المُشاهَدَة اليوم وليدة اللحظة! بل هي تعاقب لرصيد متراكم من الثقافات عبر العقود والسنين ورغم ما يُشاع حول علمانيتها، وفصلها للدين عن السياسة، ودعوتها لاحترام التنوع الإنساني، إلا أن الاختبار الحقيقي لهذه القيم يكمن في مدى اتساقها مع مبادئها المعلنة. في سنة ٢٠١٠ ميلادية؛ عُرض مجسم فني لنحات إسباني اسمه «يوجينيو ميرينو» في معرض أركو للفنون المعاصرة في العاصمة الإسبانية مدريد. وقد كان المجسم يسمى بـ «درج إلى السماء» وهو عبارة عن شكل تمثال تبدأ قاعدته بمجسم لشخص يرتدي ملابس بيضاء في وضعية السجود يمثل المسلمين، واقفاً فوقه في وسط المجسم قس نصراني يرتدي السواد وهو في وضعية الجثو على الركبتين مع قبض اليدين عند الصدر في طقس رجاء النصارى، ومن فوقهم جميعاً ومن الأعلى حبر يهودي يرتدي الملابس التقليدية وهو في وضعية الوقوف. قامت سفارة الكيان الصهيوني بردة فعل من خلال الاحتجاج رسمياً معتبرةً هذا متقززا لليهود ولكنه بسبب تمثال آخر بجانبه على شكل بندقية آلية (رشاش) يخرج من فوهته شمعدان يهودي. لم تكن هذه الواقعة مجرد حادثة فنية، بل كانت كاشفة لسطوةٍ تتجاوز الفن؛ حيث أثبتت تلك «الخطوط الحمراء» التي فُرضت بقوة الضغط، أن المنظومة القيمية الغربية - بما تدعيه من انفتاح وحرية - تبدو انتقائية وموجهة حينما يتعلق الأمر بمركزية العقيدة الصهيونية ومكانتها داخل ذلك النسق. 

في لقاء مثير للجدل على منصة «دي ول واتش» مع الإعلامي الروسي ذي العلاقة البارزة والمقربة من الكرملين «فلاديمير سولوفيوف»، تحدث بمنتهى الصراحة منزوعة الدبلوماسية عن ازدواجية القيم الغربية وتناقضها من حيث معايير حقوق الإنسان، فقد ارتكبت جرائم فظيعة ضد شعوب الأرض قاطبة عبر التاريخ. فوصفهم بأنهم كالفراشات التي تفقد الذاكرة! وفي مقابلة مع قناة إيطالية أخرى انتقد فيها الموقف الأوروبي تجاه الأزمة الأوكرانية. كما سلَّط الضوء على الانهيار الأخلاقي وفوضى القيم المتراجعة. مما بيَّن الكثير من الحقائق الواقعية للأزمات الاجتماعية التي يعاني منها الغرب الأوروبي، والذي حاول تقضيته باستقطاب العمالة الشرقية لعل ذلك يرقع الهوة العميقة في المجتمع الغربي. 

تعاني المجتمعات الغربية من أزمةٍ بنيويةٍ في صميم نسيجها الاجتماعي، حيث أدت «الفردانية المفرطة» إلى تآكل مفهوم الأسرة والروابط الجماعية. لقد تحول الإنسان في تلك المنظومة إلى ذرةٍ معزولة، تغرق في مستنقع من الخواء الروحي والعزلة الإنسانية، متوهماً أن التحرر من القيم هو ذروة الرقي. لكن الواقع يشير إلى أن هذه الحرية المطلقة - بمعزل عن المسؤولية الاجتماعية - قد أنتجت مجتمعاتٍ مفككة تفتقر إلى صمامات الأمان التي توفرها منظومة القيم الأخلاقية المتماسكة. 

في المقابل، تقدم القيم العربية والإسلامية نموذجاً حضارياً يقوم على مبدأ «التوازن»؛ فهي لا تلغي الفرد، بل تضعه ضمن إطارٍ أوسع من المسؤولية تجاه الجماعة والأسرة. إن قيم العدالة، الرحمة، والتكافل ليست مجرد شعارات، بل هي منظومةٌ متكاملة لحماية الإنسان وتنمية المجتمع. وعلى خلاف التوجهات التي تعلي من شأن الأنا المفرطة، تؤكد مرجعيتنا أن استقرار الفرد رهينٌ باستقرار محيطه، مما يجعلها اليوم - أكثر من أي وقت مضى - حاجةً إنسانية لتصحيح بوصلة الأخلاق العالمية. 

 ختاماً، إن القيم التي تُفرض اليوم كـ «معايير كونية» لا يمكن أن تستقيم طالما أنها تغض الطرف عن ازدواجيتها وانتقائيتها. إن العالم في أمسِّ الحاجة إلى مراجعةٍ شجاعة، تتجاوز الاستعلاء الثقافي وتؤمن بـ «تلاقح القيم» بدلاً من هيمنة نموذجٍ أحاديٍّ مأزوم. ولن يكون بمقدور القوى الغربية الاستمرار في تقديم دروسٍ أخلاقيةٍ للعالم، بينما تعجز هي عن حل أزماتها الداخلية. آن الأوان لنعتز بمرجعيتنا الأخلاقية، ونطرحها بقوةٍ كنموذجٍ حضاريٍّ متوازنٍ وقادرٍ على حماية الإنسان، لا على هدمه باسم الحرية.

مساحة إعلانية