رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هجمات النرويج.. وإعادة تصحيح الصورة

جاءت الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها العاصمة النرويجية أوسلو وجزيرة أوتاوا وأدت إلى مقتل أكثر من 90 شخصا على يد مسيحي متطرف، مفاجئة لكثير من المتابعين لتطور ملف الإرهاب في العالم خلال السنوات العشر الأخيرة حيث كان التركيز يكاد يكون محصورا في التيارات الإسلامية المتطرفة التي تدعي أنها تشن حربا جهادية ضد قوى الكفر والضلال في العالم. فلم يتوقع أي من هؤلاء المتابعين والمراقبين أن تأتي تلك الهجمة الجديدة على يد تنظيمات مسيحية متطرفة من داخل المجتمعات الأوروبية ذاتها التي أعلنت دولها حربا شاملة بقيادة الولايات المتحدة ضد "الإرهاب الإسلامي" بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي تم اتهام عرب مسلمين بالقيام بها. وربما يكون هذا أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت وسائل الإعلام الغربية إلى التسرع في إطلاق الأحكام وتوجيه الاتهام للجماعات الإسلامية المتطرفة منذ اللحظات الأولى للهجوم بأنها تقف خلفه، حيث أعلنت أن الهجوم يحمل بصمات تنظيم القاعدة. وهو الأمر الذي سبب إحراجا كبيرا لهذه الوسائل بعد توصل جهات التحقيق إلى المنفذ الحقيقي لهذه الهجمات، كما أدى إلى فتح ملف دور وسائل الإعلام في نشر العداء للإسلام والمسلمين في السنوات الماضية. ويرى البعض أنه ربما يعيد هذا الجدل الذي أثاره هجوم النرويج تصحيح الصورة النمطية للإرهاب والمحاولات التي جرت خلال السنوات السابقة لربطه بالإسلام والمسلمين، حيث سيتم إعادة توجيه البوصلة نحو الفاعل "الجديد" الذي دخل الساحة بقوة كبيرة وهي جماعات التطرف المسيحية. وفي حقيقة الأمر فإن هذا الفاعل ليس جديدا تماما بل هو قديم قدم الحضارة الأوروبية وثقافتها التي قامت على أسس متطرفة في شتى المجالات، حتى إنه يمكننا القول إن جماعات التطرف المسيحية هي الابن الشرعي للثقافة الأوروبية التي أنتجتها الحضارة الأوروبية وسيطرت على مجتمعاتها طوال القرون الماضية. ووصم الحضارة الغربية بالإرهاب جاء من قبل كتاب ومثقفين كثر بعضهم ينتمي إلى تلك الحضارة، منهم المفكر الفرنسي "روجيه جارودي" في كتابه "الإرهاب الغربي" الذي يتناول فيه جذور الإرهاب الثقافي والسياسي والاجتماعي للحضارة الأوروبية بالعودة إلى ثلاثة آلاف سنة مضت، وصولاً إلى الحضارة الأمريكية الحديثة. في البداية يرد جارودي على الأساطير المؤسسة للعنصرية الغربية – التي تعد الأساس الأول لثقافة الإرهاب - والتي ادعاها مفكرون كبار مثل "بول فاليري " وغيره من مفكري أوروبا الذين يرون أن الحضارة الغربية هي حضارة فريدة من نوعها لم تسبقها أي حضارة أخرى، وهو ما يرفضه جارودي الذي أشار إلى أن ما اتفق على تسميته غربا، ولد في العراق ومصر أي في آسيا وإفريقيا، حيث بداية حضارات الإنسان التي نهل منها الغرب قبل أن يؤسس حضارته الحديثة. ثم يفند جارودي أسطورة أخرى مثلت أساسا قامت عليه الكثير من الجرائم الإرهابية التي ارتكبها الغرب ضد شعوب العالم، وهي أسطورة شعب الله المختار العبرية، والتي لم يجد ما يؤيدها على الأرض في كل أبحاث الآثار التي جرت في منطقة الشرق الأوسط، ولا حتى الوجود العبري ذاته الذي قد يكون في أفضل حالاته قبائل عابرة هاجرت من الجزيرة العربية ضمن الهجرات الآرامية. وقد أكد أن فكرة الشعب المختار كانت أكثر الأفكار دموية في التاريخ. فقد أوحت - بعد تطعيمها بمعارك يشوع الأسطورية إلى الطهريين البروتستانت (البيوريتنز) الانجليز، وهم طائفة بروتستانتية متشددة هاجرت من انجلترا إلى هولندا ثم إلى أمريكا التي اعتبرتها أرض الميعاد لها، وبهذا المبرر استأصلت منها الهنود الحمر وسرقت أراضيهم، إضافة إلى مذابح الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية التي أفنت حضارات متفوقة عرفت الصفر والحساب الفلكي الدقيق لأيام السنة والخسوف وفنون الزراعة وأقامت مدنا منظمة في البيرو والمكسيك وهندوراس، وأوضح أن هذا التعصب الديني بقي وراء السياسة الأمريكية ليومنا حتى أن الرئيس نيكسون قال "إن الله مع أمريكا ويريد أن تقود العالم". ويشير جارودي إلى أن النهضة الأوروبية قامت على ظاهرتين وهما الاستعمار والرأسمالية التي تهدف إلى ظهور الإنسان ذي الهدف الأوحد الذي يتوقع أن يؤدي التطور اللانهائي للعلوم والتكنولوجيا إلى إشباع رغبته في السيطرة والمنفعة، أما الاستعمار فسعى لإيجاد مجتمع يزعم تحويل الإنسان الغربي إلى المعيار الذي يتم به تقييم كل شيء، وهو ما يعني تدمير كل الثقافات غير الغربية، وجميع الأنماط الأخرى للتفكير والحياة. ثم يوضح أن تلك الثقافة الغربية المسيطرة منذ أكثر من خمسة قرون والتي تعتبر نفسها المصدر الوحيد الخلاق للقيم والمحور الفريد للمبادرة التاريخية، تقوم أساسا على ثلاث مسلمات للحداثة: مسلمة آدم سميث الَّتي ألَّهَت السوق، مسلمة ديكارت في علاقة الإنسان مع الوجود التي تجعله ملاك وسيد هذا الوجود، مسلمة فاوست الَّتي أدخلت الإنسان في عالم اللامعنى. ويؤكد أن هذه المسلمات أسست لقوانين إرهاب الرأسمالية الكولونيالية التي خلقت تنافسًا وحشيًا دون حد شرعي، أو أخلاقي، حيث الغرب القوي يسيطر على باقي شعوب العالم وينهب ثرواتها بعد أن يستعبدها. هذه الثقافة الإرهابية التي أوجدتها الحضارة الأوروبية تغلغلت في المجتمعات الغربية حتى أصبحت تمثل بنيتها الثقافية وقانونها الأساسي الذي يحكم العلاقات بين أفرادها. فيقول (فرانك براوننغ) في كتابه (الجريمة على الطريقة الأمريكية)، إن هناك سلطة متجذرة في المجتمع الأمريكي تختلف عن السلطات الأخرى المتعارف عليها سواء السلطة التنفيذية أو التشريعية أو القضائية أو السلطة الرابعة المتمثلة في الصحافة وكذلك السلطة الخامسة المتمثلة في مؤسسات القوة كالجيش والمخابرات. هذه السلطة المختلفة التي أطلق عليها السلطة السادسة، وصفها بأنها وراء كافة هذه القوى الاجتماعية، وهي قوة قادرة على التأثير في الحكومة، وفي القانون، وفي الاقتصاد، وفي الشرطة، وفي الأسعار، وفي الأذواق...إلخ، وأنها تغرز جذورها التي تمتد إلى عمق التاريخ الأمريكي، وأن تأثيرها فاعل وسيطرتها واسعة، وقدرتها متنامية باستمرار. الثقافة التي أوجدت هذه السلطة السادسة تعود إلى نشأة هذا الكيان المسمى الولايات المتحدة مع هجرة البوريتانيين الإنجليز إلى الأراضي الأمريكية. ويتجلى ذلك في قول أحد هؤلاء البوريتانيين: "من الجلي أن الله دعا المستعمرين إلى الحرب حيث يركن الهنود إلى عددهم وأسلحتهم، يتربصون الفرص لارتكاب الشر"... إنها نفس الثقافة التي سيطرت على المجتمعات الأوروبية.. فهي تخرج من معين واحد. ثقافة الإرهاب هذه التي نشأت مع نشأة المجتمع الأمريكي، تحالفت مع الرأسمالية المتوحشة التي خلقتها الثقافة الأوروبية لتنتج مزيجا رهيبا من العنف والإرهاب، تسعى من خلاله الدولة الأمريكية ـ قائدة الحضارة الغربية ونموذجها الأمثل ـ للسيطرة والهيمنة على مقدرات الشعوب وثرواتها ـ يساندها في ذلك باقي دول الغرب الاستعماري ـ ولا تتورع عن استخدام كل الوسائل لتحقيق مآربها، والتي يصفها لنا بشكل أوضح عدد من الكتاب الأمريكيين أبرزهم نعوم تشومسكي في كتابه "ماذا يريد العم سام؟" الصادر في عام 1998 وكتاب "القوة والإرهاب، جذورهما في عمق الثقافة الأمريكية" الصادر في عام 2003 وكذلك وليم بلوم في العديد من كتبه ومن أبرزها كتاب "الدولة المارقة" الذي صدر في العام 2002 وكذلك في كتاب "قتل الأمل" الصادر في العام 2006. وفي ظل ثقافة الإرهاب هذه يكون من الطبيعي نشأة وترعرع جماعات التطرف ذات الصبغة الدينية المسيحية التي تسعى لمواجهة المسلمين ودينهم الذي يعتبرونه التهديد الرئيسي لمملكة الرب المسيحية، عبر القيام بعمليات إرهابية ليس فقط ضدهم ولكن أيضا ضد الدولة التي سمحت لهم بالعيش وسط المجتمعات المسيحية. وهنا نتساءل: هل ستؤدي تلك الهجمات بالفعل إلى إعادة تصحيح صورة الإسلام والمسلمين ليس فقط في أوروبا ولكن في العالم أجمع، التي تم فيها الربط بينهم وبين الإرهاب وإعادة اكتشاف جذور ثقافة الإرهاب الحقيقية لمواجهتها؟ الأيام القادمة سوف تجيب على هذا.. وإن كانت تجارب التاريخ تؤكد دوما على أن ثقافة التطرف الغربية تزداد وحشية بمرور الوقت وأنها ليست في وارد إعادة التصحيح.

621

| 30 يوليو 2011

انقسامات الناتو تسرع من عملية انهيار نظام القذافي

الغرب وضع تصورا لما بعد رحيل القذافي حتى لا تتكرر اخطاء العراق انقسامات الناتو تسرع من عملية انهيار نظام القذافي يبدو أن الأزمة الليبية تقترب من نهايتها مع تسارع الانتصارات التي يحققها الثوار سواء على الجبهة الشرقية التي شهدت اختراقا كبيرا في اليومين الأخيرين حينما استطاعوا السيطرة على مدينة البريقة النفطية والتي تفتح الطريق نحو طرابلس العاصمة، أو على الجبهة الغربية التي تشهد منذ فترة تقدما كبيرا للثوار الذين باتوا على بعد حوالي 50 كيلو مترا من العاصمة بعد سيطرتهم على الجبل الغربي وطرد قوات كتائب القذافي منه. وربما هذا هو الذي دفع العقيد القذافي إلى الخروج بأكثر من خطاب صوتي يهدد فيه الثوار وحلف الناتو بعد أن استشعر قرب نهايته مع هذه التطورات المتلاحقة التي جاءت بعد فترة من السكون المؤقت الذي أدى إلى حدوث انقسامات بين أعضاء الناتو الذين شعروا بأنه لم يتم حسم المعركة سريعا في ليبيا، خاصة مع انتهاء بنك الأهداف العسكرية والإستراتيجية التي يقوم بقصفها الحلف ضمن مناطق نفوذ العقيد معمر القذافي، والقيام بقصف بعض المؤسسات المدنية التي ظن الحلف أنها قد تمثل مخبأ للقذافي أو أحد من المقربين منه. وهو ما ترتب عليه سقوط قتلى مدنيين استطاع نظام القذافي استخدامهم في تشويه صورة مهمة الحلف التي تقوم رسميا على حماية المدنيين وليس قتلهم. وكانت إيطاليا هي التي قادت الدعوة إلى وقف العلميات العسكرية في ليبيا من أجل وقف نزيف الدم في صفوف المدنيين وكذلك من أجل فتح ممرات إنسانية لتقديم المساعدات الإنسانية كما أعلن وزير الخارجية الإيطالي فرانكو فراتيني حينها. لكن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا رفضت الدعوة الإيطالية، وأكدت على أن العملية العسكرية سوف تستمر حتى يتم تحقيق الهدف المتمثل في إسقاط نظام القذافي. وقد عجلت هذه الانقسامات من التحرك على مستويات أخرى مختلفة غير المستوى العسكري، من أجل إنجاز الهدف بسرعة أكبر قبل اتساع هذه الانقسامات. فقامت المحكمة الجنائية الدولية بإصدار مذكرات اعتقال دولية بحق العقيد القذافي، ونجله سيف الإسلام، ورئيس استخباراته عبدالله السنوسي بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بناء على طلب قدمه لويس مورينو أوكامبو المدعي العام بالمحكمة، تضمن توصية بضرورة إصدار أوامر اعتقال بحق الثلاثة بتهمة "القتل العمد" للمحتجين في ليبيا، بعد أن أحال مجلس الأمن القضية للمحكمة. وجاء قرار المحكمة ليساعد على زيادة الضغوط السياسية التي يمارسها الغرب على الدائرة القريبة من القذافي والتي تقود مفاوضات غير مباشرة مع الثوار من أجل التوصل لتسوية سياسية للأزمة لكن وفقا لمبدأ أساسي هو عدم تنحي القذافي. وهو الأمر الذي يرفضه الثوار الذي تدعم موقفهم بإصدار مذكرة الاعتقال من المحكمة، حيث لن يكون بإمكان المفاوضين في نظام القذافي الإصرار على هذا المطلب. فقد أصبح القذافي وابنه ورئيس مخابراته مطلوبين للعدالة الدولية. كذلك وفرت هذه المعطيات الجديدة فرصة كبيرة لحلف الناتو والثوار لتحقيق هدف إنهاء نظام القذافي عبر اعتقال العقيد القذافي أو قتله وبشكل قانوني. فقد أعلن محمد إبراهيم العلاقي، وزير العدل في المجلس الوطني الانتقالي في ليبيا – ممثل الثوار - أن الأخير معني بتنفيذ قرار المحكمة الجنائية الدولية لتوقيف القذافي وأن المجلس قد يشكل وحدة خاصة لتحقيق هذا الهدف. وجاءت هذه التصريحات بعد تصريحات أطلقها مورينو أوكامبو المدعي العام بالمحكمة الجنائية بشأن الجهة المنوط بها تنفيذ أمر اعتقال القذافي وهي الثوار في بنغازي أو حتى الدائرة القريبة من القذافي في طرابلس. اعتقال القذافي وانهيار نظام حكمه الذي بات في حكم المؤكد، دفع الدول الغربية إلى العمل على وضع تصور لما بعد رحيل الرجل، خوفا من تكرار الأخطاء التي وقعت بعد غزو العراق في عام 2003 حينما لم يكن هناك اهتمام كاف من الدول الغازية، بوضع تصور متكامل وتفصيلي لما بعد الحرب. فوقعت التخبطات والقرارات الارتجالية التي زادت من معاناة تلك القوات كثيرا. في هذا الإطار جاءت الوثيقة التي قدمتها بريطانيا بعنوان "وثيقة الاستقرار" وحددت فيها خمس أولويات بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار بين النظام الليبي والثوار. وتمتد تلك الأولويات من منع أعمال النهب والهجمات الانتقامية إلى توفير الخدمات الأساسية وتأمين معلومات واتصالات فاعلة ليعرف المواطنون الليبيون ما يجري في فترة سيكون الالتباس والتشوش عنوانها. وسيكون للولايات المتحدة وبريطانيا والأمم المتحدة دور قوي في التسوية السياسية ما بعد القذافي، خاصة ما يتعلق بقضايا الأمن والعدالة، كما ستسهم تركيا والأمم المتحدة في توفير الخدمات الأساسية. وعلى هذا الأساس يجري نقاش الآن بشأن إرسال قوة كبيرة لحفظ السلام، من المتوقع أن تقوم تركيا بدور أساسي فيها. والسؤال الذي يطرح نفسه: أين الدول العربية من تلك التطورات؟ وأين جامعة الدول العربية؟ بل وأين مصر التي تعد ليبيا امتدادا طبيعيا لأمنها القومي المباشر؟ هل ستترك الغرب وتركيا لتمارس وصايتها في تحديد مستقبل ليبيا؟ لو حدث ذلك فستكون كارثة كبرى أخرى تضاف لكارثة انقسام السودان. وستصبح مصر حينها محاطة بالأعداء من كل اتجاه: إسرائيل في الشمال والدولة السودانية الجديدة التابعة للغرب في الجنوب وليبيا الجديدة التابعة هي الأخرى أيضا في الغرب.

470

| 22 يونيو 2011

روسيا في زمن الثورة العربية: لغة المصالح تفقدها دورها

حينما جاء الرئيس الروسي السابق فلادمير بوتن إلى السلطة خلفا لبوريس يلتسن مع اللحظات الأولى للقرن الحادي والعشرين، كان كثير من المراقبين يتوقعون أن تسير الأمور في مجراها الطبيعي الذي رسمه يلتسن قبل خروجه من السلطة.. لكن بوتن خالف كل تلك التوقعات وبدأ في وضع سياسات داخلية وخارجية مختلفة تماما. وكان الهدف الأول الذي يسعى إليه هو استعادة الأمجاد الروسية التي ضاعت ملامحها مع سقوط الاتحاد السوفيتي المروع. كانت أبرز ملامح السياسة الخارجية الجديدة تتمثل في محاولة استعادة مناطق النفوذ الروسية في مناطق العالم المختلفة خاصة في دول الجوار التي كانت يوما جزءا لا يتجزأ من الاتحاد الكبير الذي بناه قادة الإيديولوجية الاشتراكية. ثم تحرك لدوائر أكثر اتساعا شملت عددا من مناطق العالم المختلفة كانت أبرزها منطقة الشرق الأوسط وقارة أمريكا الجنوبية اللتان كانتا من مناطق الصراع بين الشرق والغرب إبان الحرب الباردة. في منطقة الشرق الأوسط حرص الرئيس بوتن على بناء علاقات قوية مع الكثير من دولها، تقوم بالأساس على لغة المصالح المشتركة.. وقام بزيارات مختلفة شملت العديد من هذه الدول التي كان من بينها دول كانت تعد ضمن الأعداء خلال فترة الحرب الباردة كالمملكة العربية السعودية. وقعت روسيا مع هذه الدول اتفاقيات تعاون سياسي واقتصادي.. لكن  الاتفاقيات الأهم كانت في مجال التعاون العسكري وتحديدا بيع أنواع مختلفة من السلاح الروسي لهذه الدول. وقد تحولت روسيا إلى ثاني أكبر مورد للسلاح في منطقة الشرق الأوسط بعد الولايات المتحدة، ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط بل في العالم كله. فوفقا لأحدث التقارير الصادرة عن معهد ستوكهولم لأبحاث السلام فإن روسيا تأتي في المرتبة الثانية عالميا بعد الولايات المتحدة في مبيعات السلاح في العام 2010 حيث بلغت قيمة مبيعاتها لهذا العام 10.4 مليار دولار. وقد سعت روسيا للسيطرة على سوق السلاح في منطقة الشرق الأوسط في إطار خططها المستقبلية، خاصة مع تعاظم المخاطر والتوترات الموجودة في المنطقة. ونسجت علاقاتها مع النظم القائمة في هذه المنطقة على أساس لغة المصالح الجافة هذه غير المطعمة بأيديولوجية تحميها من غلوائها كما فعل الاتحاد السوفيتي من قبل حينما استخدم هذا المزيج المهم من الأيديولوجية ولغة المصالح لاختراق العديد من مناطق العالم التي كانت حكرا على القوى الغربية ومنها منطقة الشرق الأوسط خلال فترة الحرب الباردة. وبناءً على ذلك ارتبطت مجالات التعاون الأساسية بين روسيا والعديد من الدول العربية بالمجال العسكري سواء ما يتعلق باستيراد السلاح أو بالتعاون الفني المتعلق بهذا السلاح وعمليات صيانته وتطويره. ولم يتم توسيع هذا التعاون إلى باقي المجالات الاقتصادية والسياسية، الأمر الذي ترتب عليه ارتهان الحسابات السياسية للدولة الروسية باستمرار لهذه المصالح مع هذه النظم. وهو ظهر بشكل واضح في العديد من الأزمات التي مرت بها المنطقة وأبرزها أزمة البرنامج النووي الإيراني ثم تسونامي ثورات الحرية والكرامة الذي يعصف حاليا بالكثير من الدول العربية. في أزمة البرنامج النووي الإيراني حاولت روسيا استغلال الأزمة لتحقيق مكاسب استراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة والدول الغربية، رغم الروابط القوية التي تربطها بالدولة الإيرانية خاصة في مجال التعاون العسكري بشقيه التقليدي والنووي. وانتهى الأمر بمقايضتها إيران في مقابل توقف دعم الغرب للدول التي تعتبرها جزءا من حيزها الجيوسياسي مثل أوكرانيا وجورجيا التي شنت عليها حربا طاحنة في عام 2008 ترتب عليها اقتطاع إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وإعلان روسيا الاعتراف باستقلالهما. وفيما يتعلق بالثورات الشعبية العربية، لم يختلف موقف روسيا كثيرا عن موقفها في أزمة البرنامج النووي الإيراني. فقد تحدد على أساس لغة المصالح التي تربطها بالنظم الحاكمة في هذه الدول، وبالتالي كان طبيعيا أن تتخذ موقفا مؤيدا لها في الباطن مع إعلان حيادها في العلن. وذلك خوفا على مصالحها الآنية والمستقبلية التي رسمتها في خططها مع تلك النظم. فضلا عن ذلك تخشى روسيا من تأثر بعض الأقاليم الروسية بتلك الثورات العربية، خاصة تلك التي تطالب بالانفصال عن الاتحاد الروسي، كما هو الحال في منطقة شمال القوقاز الروسية التي شهدت خلال الأشهر الأخيرة تصاعد غير مسبوق في أعمال العنف على خلفية دعوات الانفصال. وقد أشار إلى ذلك صراحة الرئيس الروسي الحالي ميدفيديف الذي أكد في اجتماع طارئ للجنة مكافحة الإرهاب الوطنية بجمهورية أوسيتيا الشمالية "أن سلسلة الأحداث التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط سيكون لها تأثير مباشر على الوضع في روسيا". ورأى أن هذه الأحداث قد تؤدي إلى تفكك دول الشرق الأوسط إلى دويلات صغيرة، وتوقع وقوع أحداث صعبة في المنطقة بما في ذلك وصول من سماهم متطرفين إلى السلطة، مشيراً إلى أن هؤلاء المتطرفين أعدوا مثل هذا السيناريو مسبقاً وأنهم سيحاولون تنفيذه. وأضاف أن هذا السيناريو لن ينجح في روسيا. وكان الرئيس السوفيتي السابق ميخائيل غورباتشوف قد انتقد السلطات الروسية على ما أسماه انعدام حرية التعبير والانتخاب في البلاد، وحذر في حديثٍ صحفي من أن استمرار الأوضاع على حالها في روسيا سي يد من احتمالات السيناريو المصري. لكن هذا العامل على رغم أهميته لم يكن الحاسم في تحديد الموقف الروسي.. ذلك أن الشعب الروسي قام بثورات كثيرة في حياته آخرها تلك التي اندلعت مع انهيار الاتحاد السوفيتي السابق. وليس في الوارد القيام بثورة جديدة في الوقت الراهن لأن الشعوب لا تقوم بثورات مستمرة. إنما العامل المهم الذي على أساسه اتخذت روسيا موقفها من الثورات العربية، هو ذلك المرتبط بمصالحها الآنية والمستقبلية مع النظم العربية التي تتهاوى واحدا بعد الآخر ويتهاوى معها كافة العقود والاتفاقيات التي أبرمتها روسيا وضمنت بها تحقيق مصالح ضخمة لها. وهو أمر سوف يجعلها تدفع سنوات طويلة من العمل الجاد والشاق مع النظم العربية الجديدة التي ستخرج من رحم هذه الثورات لاستعادة تلك المصالح مرة أخرى، ولكن وفق قواعد جديدة ستراعي خلالها مصالح الشعوب العربية التي ستمثلها النظم الجديدة بالفعل. وهو ما سيزيد من الصعوبات التي تقف أمام محاولة روسيا استعادة مكانتها تلك.. ففي الماضي كان من السهل توقيع الاتفاقيات مع النظم التي لا تمثل إلا نفسها والتي لا يوجد عليها أية  ضغوط شعبية.. أما الآن فإن الشعوب هي التي ستوقع على هذه الاتفاقيات عبر ممثليها الحكوميين.

427

| 18 يونيو 2011

الإعلام الإسرائيلي.. ومحاولة بث اليأس من ثورة مصر

من يتابع الإعلام الإسرائيلي، بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير في مصر، وما يتضمنه من تحليلات سياسية وتصريحات لمسؤولين إسرائيليين، يشعر أن هذه الثورة فشلت فشلا ذريعا في تحقيق أي من أهدافها الداخلية أو الخارجية.. لا بل إنها سوف تقود مصر إلى الانهيار والخراب الكامل. فوسائل الإعلام الإسرائيلية المختلفة تصر بشكل يومي، على طرح التحليلات السياسية الساعية إلى تحليل عناصر التفاعلات السياسية في مصر بعد الثورة ومستقبل هذه التفاعلات داخليا وخارجيا، في اتجاه واحد يقود إلى أن ما يحدث ليس سوى انقلاب ضد نظام الحكم السابق الذي حقق لمصر الأمن والسلام طوال أكثر من ثلاثين عاما. ومنذ اللحظات الأولى للثورة لم يفوت الإعلام الإسرائيلي الفرصة في بث سمومه ضدها عبر تسريب الأخبار والتصريحات التي تؤكد أن هذه الثورة تقودها الولايات المتحدة في إطار استراتيجيها الرامية إلى تغيير بعض أنظمة الحكم في المنطقة العربية. فقد بث موقع ديبكا القريب من المخابرات الإسرائيلية خبرا خلال الأيام الأولى من الثورة يؤكد أن الولايات المتحدة هي التي وقفت وراء تصعيد التظاهرات الشعبية، مشيراً إلى أن واشنطن خططت جيدا وبشكل سري تام لكل ما حدث بغية تقويض حكم حسني مبارك، وأن الخطة الجارية بدأ التخطيط لها عام 2008 أي أثناء حكم الرئيس السابق جورج بوش، حيث تم العمل مع عدد من المنظمات الأهلية من أجل تنظيم الجهود الشعبية للمعارضة المصرية كما تم دعوة العديد من قيادات هذه المؤسسات فضلا عن قيادات شبابية إلى الولايات المتحدة لحضور "دورات تدريب".. هي في حقيقة الأمر دورات تأهيل لكيفية الانقلاب على مبارك تحت مسميات حقوق الإنسان وغيرها. وأضاف الموقع أن هذه العملية تتكون من مرحلتين، الأولى هي التخلص من مبارك والمرحلة الثانية إظهار قادة جدد جرى "تربيتهم وتدريبهم" في واشنطن للترشح للانتخابات وضمان فوزهم. وبعد تنحي الرئيس مبارك بثلاثة أيام نشرت صحيفة معاريف مقالا لـ"دافيد بكعي" يؤكد فيه أن "ما يجري في مصر ليس ثورة اجتماعية – سياسية، ولا يوجد أي ميل للتحول الديموقراطي والحريات، بل العكس تماما. في مصر كان نظام عسكري في سياقات التحول المدني والآن الحكم هو نظام عسكري مباشر، معناه المس بالحريات القليلة التي كانت موجودة". ملقيا باللوم على وسائل الإعلام العربية والعالمية التي قامت بتضخيم الأحداث في مصر حتى ظن البعض أنها ثورة. وبالتزامن مع هذا المقال كتب تسفي مزال مقالا في صحيفة معاريف يعيد فيه طرح الخبر الذي أورده موقع ديبكا لكن بشكل مختلف، حيث أشار إلى أن الاحتجاجات في القاهرة وباقي المدن المصرية ارتبطت بقوى خارجية أساسا هي التي وفرت لها عوامل النجاح مثل قناة الجزيرة التي اعتبرها "الزعيم غير المتوج للمتظاهرين" في ميدان التحرير، وكذلك الأمر بالنسبة للولايات المتحدة التي أسهمت في ذلك عن طريق سحب مساندتها للرئيس مبارك الأمر الذي شجع المتظاهرين على الاستمرار. وأكد أنه بعد تنحي مبارك دخلت مصر إلى المجهول في ظل سيطرة الجيش على السلطة وعدم وضوح مدى قدرته ورغبته في تحقيق الانتقال إلى الحكم المدني الديموقراطي أو استمرار سيطرته على السلطة. بعد ظهور نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي جرت في شهر مارس الماضي، راحت الصحف الإسرائيلية تستغل الحدث في إثبات أن الثورة المصرية فشلت وأنها سوف تقود إلى حكم أوتوقراطي ديني يناهض قيم الديموقراطية. فقد كتبت صحيفة يديعوت أحرونوت تحت عنوان" ربيع الشرق الأوسط.. لا تغيير ولا دراماتيكي" مشيرة إلى أن النتيجة البشعة لما حدث في مصر هو أن الدين أصبح القوة الرئيسة المحركة للأحداث وأن الإخوان المسلمين أصبحوا شريكا صامتا للحكومة العسكرية، أما النشطاء من الشباب والعلمانيين الذين حركوا الاحتجاجات، فلم يعد لهم دور. وقالت الصحيفة إن نتائج الاستفتاء تؤكد على أن الأغلبية تفضل الإسلام غير الديموقراطي، على الليبرالية الديموقراطية، وعليه فإن "الديموقراطية عندهم هي لمرة واحدة: من ينتخب يبقى ويضع حدا للعملية الديموقراطية. حتى... ينحى في الثورة التالية".  واتساقا مع هذا المعنى جاءت تصريحات رئيس الموساد الأسبق شبتي شافيط التي أطلقها في مقابلة مع موقع "بورت تي بورت" الإخباري الإسرائيلي التي استبعد فيها أن تكون الحكومة المصرية القادمة حكومة ديموقراطية أو ليبرالية، معتبرا أن ما يجري الآن في مصر هو التمهيد للخلافة الإسلامية على يد "الإخوان المسلمين". وأضاف أنه "من الصعب خروج أنظمة ديموقراطية وليبرالية عربية من ثورتي مصر وتونس رغم نجاح الجماهير الشعبية في تلك الدولتين في إسقاط الحكام، فلا توجد أي مؤشرات على تغير ديموقراطي". من المؤكد أن هذا السيل الجارف من التحليلات السياسية وتصريحات المسؤولين الإسرائيليين التي تنشرها وسائل الإعلام الإسرائيلية تسعى إلى تحقيق عدة أهداف أبرزها هو بث مشاعر اليأس والإحباط في نفوس الجماهير الثائرة في مصر والدول العربية الأخرى ومحاولة إيقاف المد الثوري العربي، عبر التأكيد مرة أنهم ليسوا أكثر من حطب تقوم جهات خارجية بإشعاله من أجل تحقيق أهدافها.. ومرة أخرى عبر الإشارة إلى أن نتائج ثوراتهم لن تكون في أحسن الأحوال أكثر من تغيير لأشخاص ديكتاتوريين بآخرين أكثر ديكتاتورية. ذلك أن الإسرائيليين يعرفون جيدا أن نجاح الثورات العربية في بلوغ أهدافها المتمثلة في إقامة نظم ديموقراطية حقيقية لا يعني سوى شيئ واحد هو انهيار الدولة الإسرائيلية التي ارتبط استمرار وجودها بوجود نظم الحكم العربية المستبدة التي حظيت منها بالحماية على مدى أكثر من ستين عاما.

624

| 11 يونيو 2011

إسرائيل والزمن العربي الجديد

في العام الماضي كتبت مقالا عن "الزمن الإيراني الجديد" الذي بدأ يغزو منطقة الشرق الأوسط متصادما مع "الزمن الإسرائيلي" الذي كان آخذا في الزوال بعد تلقيه عددا من الضربات القاصمة، كانت أقواها الهزيمة العسكرية الإستراتيجية لإسرائيل في عام 2006 حينما لم يستطع جنود "الجيش الذي لا يقهر" من السيطرة على أمتار معدودة في قرى الجنوب اللبناني، وهو ما ترتب عليه سقوط منظومة الردع الإسرائيلية، أو ما يمكن أن نطلق عليه الدور الإسرائيلي، ولم يتبق من المشروع الصهيوني سوى الكيان فقط المتمثل في الدولة التي أوشكت هي الأخرى على الزوال، كما توقع أول رئيس لوزرائها بعد ظهورها، بن جوريون الذي قال: "تسقط إسرائيل عند أول هزيمة تلحق بها". حاولت في ذلك المقال حينها أن أرصد بدايات الزمن الإيراني التي نشأت بعد الثورة الإسلامية التي اندلعت هناك وأسقطت نظام الشاه الذي كان الحارس الأمين على مصالح الغرب في المنطقة بالتعاون مع إسرائيل. وقد ترتب على هذه الثورة خروج إيران من الزمن الإسرائيلي - الأمريكي الذي سيطر على المنطقة بعد إسقاط الزمن العربي في حرب عام 1967 وجر العرب إلى العملية السلمية التي بدأت بالاعتراف بحق إسرائيل في الوجود عبر الموافقة على القرار 242 ثم الدخول معها في ترتيبات سلمية عبر اتفاقيات كامب ديفيد التي وقعتها مصر في عام 1979. الدخول العربي في هذا الزمن الإسرائيلي - الأمريكي وخروج إيران منه نتج عنه صدامات سياسية وعسكرية، كان أبرزها الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات حتى تغيرت بنية النظام الدولي بسقوط نظام القطبية الثنائية وتفرد الولايات المتحدة بقمة هذا النظام، فتوقفت الحرب لتندلع حرب أخرى كانت بمثابة الطريق الموصل إلى ذروة الزمن الإسرائيلي – الأمريكي وهي حرب تحرير الكويت في عام 1991 والتي تم استكمالها في عام 2003 بحرب احتلال العراق، هذه الحرب التي استمرت أكثر من عشر سنوات مثلت قمة الاندماج العربي في الزمن الإسرائيلي، لكنها على الطرف الآخر كانت بمثابة البداية للزمن الإيراني، إذ أنها ساعدت الدولة الإيرانية في الحصول على مكاسب جمة أهمها التخلص من أكثر أعدائها قوة وهو العراق، بل إنها مهدت لتحقيق طهران لسيطرتها الكاملة على هذا البلد العربي عبر إيصال عملائها ومؤيديها للحكم في بغداد سواء من الشيعة أو من الأكراد. كذلك أتاحت لها هذه الحرب الفرصة لبناء قوة عسكرية كبيرة تساعدها في فرض هيمنتها على الإقليم في إطار مساعيها لبدء زمنها الجديد الذي كان يتطلب القضاء على الزمن الإسرائيلي - الأمريكي. لم تضيع إيران الفرصة التاريخية التي وفرتها لها إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن حينما أمرت الجيش الإسرائيلي في عام 2006 بشن حربه العدوانية على حزب الله للقضاء عليه كتمهيد للقضاء على القوة الإيرانية نفسها وربما احتلال طهران تماما كما حدث مع العراق من قبل، لكن حدث العكس وسقطت تل أبيب بدلا من أن تسقط طهران. كان متوقعا وفقا لتطورات الأحداث أن يستمر تقدم إيران على طريق تثبيت زمنها الجديد، خاصة بعد أن استطاعت عبر حلفائها في لبنان أن توجه ضربة قوية أخرى للزمن الإسرائيلي – الأمريكي بإسقاط حكومة سعد الحريري الموالية للغرب في يناير الماضي، لكن كان للقدر قول آخر. فقد حدث ما لم يتوقع أحد حدوثه.. سقط النظام التونسي بعد ثورة شعبية استمرت 27 يوما.. ثم تسارعت الأحداث بشكل كبير ووقعت الواقعة التي غيرت منطقة الشرق الأوسط تماما.. فقد سقط النظام المصري بعد ثورة شعبية استمرت 18 يوما. حينما سقطت حكومة الحريري كانت واشنطن تستعد لمواجهة حكومة حزب الله بحزمة إجراءات سياسية وقانونية تعتمد على محاصرة الحكومة تمهيدا لإسقاطها، لكن اندلاع الثورة المصرية خطف أبصار واشنطن ومن ورائها العالم كله، لأن الجميع كان يعلم كيف يمكن التعامل مع سقوط بيروت بيد حزب الله، لكن لا أحد كان يعرف كيف يمكن التعامل مع مصر من دون نظام مبارك؟ فسقوط نظام مبارك وتحرر مصر من التبعية يعني أن زلزالا سياسيا سيضرب المنطقة وهو ما حدث بالفعل، فبمجرد الإعلان عن تنحي الرئيس مبارك عن الحكم اندلعت الثورات الشعبية في عدد من الدول العربية لتهز عروش الحكام وتوشك على إسقاطهم، وهناك شعوب أخرى ما زالت تنتظر الفرصة حتى تسقط حكامهم المستبدين. مع اندلاع هذه الثورات العربية، ومع نجاح الثورة المصرية وسيرها الحثيث على طريق بناء الدولة العصرية التي ترتكز على أسس الديمقراطية وحقوق الإنسان، تغير المشهد السياسي في منطقة الشرق الأوسط تماما، وتوارى الزمن الإيراني ليحل محله الزمن العربي الجديد الذي استعاد مكانته التي فقدها بعد حرب عام 1967، لكنه هذه المرة جاء وهو أكثر شبابا وقوة من الزمن السابق الذي حكم المنطقة طوال عقدي الخمسينات والستينات، لأن الزمن الجديد هو زمن الشعوب وليس زمن الحكومات المستبدة، حيث مصالح هذه الشعوب هي التي ستكون الركيزة لسياسة كل الحكومات العربية التي ستأتي بإرادة هذه الشعوب وستذهب أيضا بإرادتها. وفي عصر الشعوب تتحقق الطموحات التي كانت يوما أحلاما بل ضربا من المستحيلات.. ولعل البداية كانت مع القضية الفلسطينية التي جاءت ذكرى نكبتها مع فجر العصر الجديد فكان التعامل معها مختلفا.. فبدلا من أن يكتب الشعراء ويغني الفنانون.. خرجت الشعوب لتزحف إلى أرض فلسطين لتحقق الحلم.. حلم التحرير واستعادة الأرض التي اغتصبها المجرمون في غفلة من هذه الشعوب وبتواطؤ من حكامها. اخترق الزاحفون الحدود ووصلوا لأول مرة إلى تلك الأرض التي كانت محرمة عليهم حتى في أحلامهم، واشتبكوا مع المحتلين وسقط منهم من سقط وعاد الباقون بعد أن حطموا الأسوار وفتحوا الطريق أمام تحقيق الحلم، في انتظار أن تلحق بهم باقي الشعوب العربية بعد أن تتحرر أولا من احتلالها الداخلي.

352

| 20 مايو 2011

اتحاد علماء المسلمين.. دور في زمن الثورة

" أوصيهم بما أوصيت به أبناء مصر أن يثبتوا ومهما ضحوا فإنهم منتصرون .. القذافي زال .. انتهى القذافي" .. هكذا صاح رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ يوسف القرضاوي من على منبر قناة الجزيرة ردا على المذابح التي ترتكبها قوات القذافي في مواجهة ثورة السابع عشر من فبراير. وقد تكرر هذا الموقف القوي من الشيخ القرضاوي في الأيام التالية مع اندلاع الثورات في كل من اليمن وسوريا والعراق وغيرها من الدول العربية .. حيث أعلن بشكل صريح أن الأمة تعيش مخاضا عظيما لم تر مثله منذ سقوط الخلافة الإسلامية بعد الحرب العالمية الأولى في بدايات القرن الماضي .. وأن هذا المخاض الذي تلعب فيه الشعوب الدور الأساسي سوف يقود إلى يقظة الأمة العربية ودخولها في قطار التاريخ بعد أن خرجت منه طوال العقود الماضية بفعل سيطرة أنظمة الحكم المتخلفة والمتحالفة مع أعداء الأمة عليها. هذا الدور الذي لعبه وما زال الاتحاد .. يعد امتدادا للدور الذي لعبه خلال الفترة السابقة على هذه الثورات، رغم أن هذا الدور كان يراعي إلى حد ما مواقف الأنظمة الحاكمة بغية عدم الدخول معها في صدام يعقد ما يسعى إليه .. وقد شهدنا ذلك خلال الحرب التي شنتها إسرائيل ضد حزب الله في العام 2006 وكذلك الأمر في الحرب التي شنتها على حركة حماس في العام 2008 حيث طالب الاتحاد من قادة الدول العربية التحرك لمواجهة هذا العدوان الإسرائيلي وتقديم النصرة لقوى المقاومة .. وقد قام رئيس الاتحاد وبعض قادته بجولة في عدد من الدول العربية للقاء زعمائها إبان حرب غزة من أجل الضغط عليهم لاتخاذ موقف أكثر قوة في مواجهة إسرائيل. ورغم أن الاتحاد لم ينجح في تحقيق مسعاه، خاصة وأن بعض الرؤساء العرب رفضوا لقاء قادته مثل الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، إلا إن ذلك لم يضعف من عزيمته وفي زيادة أدواره المستقبلية في مواجهة الأزمات التي كانت تقع في الدول العربية والإسلامية. ولعل الدور الذي قام به الاتحاد في الأزمة القرقيزية، دليل على ذلك حيث نجح الوفد الذي زار البلاد في منتصف شهر يوليو 2010 في إخماد الفتنة التي اندلعت بين عنصري الأمة القرقيز والأوزبك. وكذلك الأمر محاولاته المتكررة لحل الأزمة الصومالية التي كان قد استطاع تحقيق اختراق كبير فيها لولا تدخلات القوى الإقليمية والدولية التي عطلت الحل الذي طرحه وفد الاتحاد مما أدى إلى استمرار الأزمة حتى الآن. هذا الدور المتعاظم الذي يلعبه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، زاد بشكل غير مسبوق مع اندلاع الثورات في الدول العربية وتحديدا منذ اندلاع الثورة المصرية التي مثلت علامة فارقة في تاريخ الأمة العربية وكذلك في الدور الذي يلعبه الاتحاد في تعضيد هذه الثورات ودفعها للوصول إلى نهايتها المأمولة لتغيير واقع الأمة المزري. خلال الثورة المصرية كان واضحا أن الاتحاد قد حسم أمره بشأن التعاطي مع الثورة بتقديم كل وسائل العون لها في مواجهة النظام المصري الذي كان يمثل قمة الانهزامية للمشروع العربي والإسلامي في المنطقة .. لذلك رأينا بيان التأييد والدعم من الاتحاد .. ثم تطور الأمر عبر دعوة الشعب المصري للخروج على النظام الحاكم ودعم ثورة الشباب .. بل وصل الأمر إلى استخدام الخطاب الممزوج بالعاطفة الدينية لاستثارة المصريين ضد نظام حكم مبارك .. وذلك خلال اللقاء الذي بثته قناة الجزيرة يوم 2 فبراير خلال ما عرف إعلاميا بموقعة الجمل التي حاول خلالها النظام المصري القضاء على الثورة، عبر احتلال ميدان التحرير الذي كان يمثل رمز الثورة المصرية، وطرد الثوار منه .. مستخدما في ذلك كافة أنواع العنف الذي بدأ باستخدام الحمير والجمال لتفريق المتظاهرين ثم استخدام البلطجية وانتهاء بإطلاق الرصاص الحي عليهم. في هذه الليلة خرج الشيخ القرضاوي على قناة الجزيرة وألقى خطبة مفعمة بالمشاعر الجياشة ضد النظام المصري وتحديدا حسني مبارك وأفتى بضرورة خروج المصريين لنصرة إخوانهم في ميدان التحرير.. وأنهى خطبته بدعاء أبكى خلاله ملايين المشاهدين من المصريين وغيرهم .. وقد كان لهذا اللقاء دوره الحاسم في دفع المصريين للخروج ونصرة شباب الثورة ... وحسم الأمر ضد النظام. وبعد سقوط النظام وتنحي حسني مبارك عن الحكم شهدت الجمعة التالية التي سميت جمعة النصر ، احتفالا كبيرا في ميدان التحرير .. كان النجم الساطع فيه رئيس الاتحاد الشيخ القرضاوي الذي أمّ المصلين في صلاة الجمعة في مشهد مهيب لم تر مصر مثله من قبل , حيث احتشد في هذا اليوم ما يزيد على أربعة ملايين مصري .. واستمر دعم الاتحاد للثورة المصرية عبر دعوة أبناء الشعب المصري لليقظة في مواجهة الثورة المضادة، كما دعا الدول العربية والإسلامية لتقديم العون المادي لمصر وتونس من أجل نجدة اقتصادهما الذي تأثر بفعل الثورة. وتكرر المشهد في الثورة الليبية حينما خرج الشيخ القرضاوي على ذات المنبر وهو قناة الجزيرة ، ليقول لأبناء الشعب الليبي "أطالبهم بما طالبت به أبناء مصر أن اثبتوا" مؤكدا أن نظام القذافي انتهى وأن النصر قريب. ثم اندلعت الثورة السورية التي نظر إليها البعض على أنها مختلفة على اعتبار أن سوريا في حالة مواجهة مع إسرائيل وأنها تقف في حلف الممانعة .. لكن الاتحاد رأى أن ذلك ليس مبررا للفساد والاستبداد المستشري في مفاصل النظام السوري وأن مقاومة الأعداء لا تعني عدم حصول الشعب على حريته وكرامته .. داعيا الجيش السوري وقوات الأمن إلى عصيان الأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين. من المؤكد أن العالم العربي يمر بزلزال استراتيجي بفعل الثورات التي اندلعت في معظم دوله .. هذا الزلزال ستكون نتيجته الأساسية هو استعادة الشعوب العربية لحريتها وكرامتها ومن ثم سيطرتها على الحكم بمعنى أن تكون نظم الحكم الجديدة ممثلة بشكل حقيقي لطبيعة ومكونات هذه الشعوب وكذلك توجهاتها. ولأن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بطبيعته يعد ممثلا للشعوب العربية والإسلامية كان لا بد أن يأخذ زمام المبادرة ليكون صوت هذه الشعوب المسموع في مواجهة نظمها الفاسدة إلى أن يأتي الوقت الذي تستطيع هذه الشعوب فيه تمثيل نفسها .. وهو قريب جدا.

433

| 19 مايو 2011

باكستان.. محاولة تغيير قواعد التحالف مع واشنطن

تمر العلاقات الباكستانية الأمريكية منذ فترة ليست بالقصيرة بدرجة من التوتر بسبب تراكم الأخطاء المترتبة على العمليات التي تقوم بها وكالة الاستخبارات الأمريكية داخل الأراضي الباكستانية سواء تلك المتعلقة بهجمات الطائرات من دون طيار ضد المسلحين المنتمين للقاعدة أو تلك المتعلقة بالعمليات الاستخبارية التي تتم داخل المدن الباكستانية دون حتى علم السلطات هناك إلى الدرجة التي لا تعلم فيها تلك السلطات أعداد رجال الاستخبارات الأمريكية أو ماذا يفعلون؟! وقد ترتب على هذه الاستباحة من قبل الاستخبارات الأمريكية نشأة صراع استخباري بين مديرية المخابرات الباكستانية ووكالة الاستخبارات الأمريكية كان من نتائجه وقوع حوادث كادت تؤدي لاشتعال أزمات دبلوماسية كبرى بين واشنطن وإسلام آباد. كان آخر هذه الحوادث قيام أحد رجال الاستخبارات الأمريكية بقتل رجلي استخبارات باكستانيين، في مدينة لاهور في نهاية شهر يناير الماضي من داخل سيارته، التي خرج منها وبدأ يسجل المشهد بكاميرا الفيديو الخاصة به، وقبل أن يلوذ بالفرار من موقع الحادث أوقفت امرأة سيارتها أمام سيارته وحاصرته فلم يتمكن من الفرار، واجتمع الناس حوله وأحاطوه من كل جانب. وقد أثارت الحادثة ضجة كبرى بعد أن تم الكشف عن شخصية القاتل الذي ظن الشعب الباكستاني أنه مجرد دبلوماسي أمريكي، خاصة بعد أن حاولت الإدارة الأمريكية بكل ما في وسعها إطلاق سراحه من قبضة السلطات الباكستانية وظلت تردد أنه دبلوماسي وساندها الإعلام الأمريكي في هذا الأمر. ولكن عندما مر شهر كامل على اعتقاله أخذت تتسرب معلومات من مصادر أجنبية كشفت أن القاتل الأمريكي لم يكن دبلوماسيًا وإنما كان عميلا لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية. وليس هذا فحسب، بل هو رئيس مكتب وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في باكستان. واسمه الحركي ريموند ديفيس، أما اسمه الحقيقي هو مايكل جورج فرناندس. وقد مارست واشنطن ضغوطا هائلة على حكومة إسلام أباد من أجل إطلاق سراح فرناندس. ورغم امتناع حكومة إسلام أباد عن الاستجابة للضغوط الأمريكية في البداية، إلا أن تزايد هذه الضغوط أدى في النهاية إلى وضع مخرج لحفظ ماء وجه الحكومتين عبر الاتفاق على دفع فدية لأهل القتيلين مقابل الإفراج عن القاتل. وقد كشفت هذه الواقعة الكثير من الصراع الاستخباري الدائر على الأراضي الباكستانية، بعد توسع مساحة عمل فرق الاستخبارات الأمريكية هناك كثيرا خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وإجبار باكستان على المشاركة في الحرب الكونية التي تشنها واشنطن ضد الحركات المتطرفة. وبعد هذه الواقعة تزايدت الرغبة الباكستانية في تقليص الأدوار التي تلعبها الاستخبارات الأمريكية في المدن الباكستانية، خاصة بعد أن اكتشفت المخابرات الباكستانية أن الفريق الذي كان يقوده فرناندس كان يعمل على نقل الأسلحة البيولوجية والكيميائية إلى عناصر تنظيم القاعدة في باكستان لتقوم هذه العناصر بشن هجوم مماثل لهجمات 9/11 داخل أمريكا ليصبح الطريق ممهدًا لأمريكا لشن عملياتها العسكرية العديدة في دول مختلفة على رأسها باكستان. وتساعد هذه العملية العسكرية الأمريكية المخططة ضد باكستان على استهداف مناطق معينة ونقل الأسلحة النووية الباكستانية علاوة على المواد النووية إلى أمريكا، وهو ما يعني أن المخطط الأمريكي كان يعني ليس فقط احتلال القوات الأمريكية لأراض باكستانية ولكن أيضا محاولة القضاء على عنصر القوة الرئيسية لباكستان والذي يحفظ لها وجودها أمام عدوتها اللدود الهند، وهو سلاحها النووي. في مواجهة هذا المخطط العدواني، تحركت القيادة الباكستانية لمواجهته ووضع حد له، فبدأت في التباحث مع المسؤولين الأمريكيين حول ضرورة تخفيض عدد أفراد الاستخبارات الأمريكية وعملياتهم في المدن الباكستانية مع وضع شرط التعاون الكامل مع الاستخبارات الباكستانية لمعرفة أهداف وخطوات هذه العمليات. وقد أشار موقع صحيفة "نيويورك تايمز" في الثاني عشر من أبريل الجاري إلى هذه المباحثات، مشيراً عن مسؤول أمريكي مشارك في هذه المباحثات إلى أنه طُلب من نحو 335 ضابطا في الاستخبارات الأمريكية، ومتعاقدين مع الوكالة وأفراد من القوات الخاصة مغادرة إسلام أباد. وأكد الموقع أن "الفكرة الأساسية لهذه المباحثات أن الجيش الباكستاني يريد أن توقف "سي آي إيه" العمليات "أحادية الجانب" داخل أراضيها - والمقصود منها غارات طائرات التجسس بالإضافة إلى العمليات البرية السرية - التي لم تحصل على تصريح مسبق محدد". وفي شهر فبراير الماضي، كان رئيس الوزراء الباكستاني سيد يوسف رضا جيلاني قد بدأ يشير إلى هذا الأمر بصورة علنية حينما وجه انتقادات مباشرة إلى سياسة واشنطن في منطقة جنوب آسيا حيث دعا الحكومة الأمريكية إلى ضمان إتباع نهج متوازن تجاه منطقة جنوب آسيا وتبني سياسة غير تمييزية نحو باكستان. من المؤكد أن التوتر المتصاعد الذي تعيشه العلاقات الأمريكية الباكستانية يعود إلى أمرين أساسين، أولهما هو التنازلات الكبيرة التي قدمتها إسلام آباد إلى واشنطن في سياق الحرب الأمريكية على الإرهاب. وهي التنازلات التي أغرت واشنطن للتوغل أكثر على حساب السيادة الباكستانية دون حساب لمصالح البلاد الإستراتيجية. والأمر الثاني يتعلق بتغير الظروف الدولية التي لم تعد تقبل بعمليات الحرب الأمريكية ضد ما تسميه الإرهاب دون والتي لا تتفق وقواعد القانون الدولي المنظمة لمثل هذه العمليات. هذان الأمران دفعا إسلام أباد إلى محاولة تغيير قواعد التحالف الذي حكم علاقتها مع واشنطن بما يحقق مصالح البلاد العليا ويمنع واشنطن من انتهاك السيادة الباكستانية مجددا، وإرسال رسالة واضحة للإدارة الأمريكية مفادها أن هناك خطوطا حمراء يجب أن تقف عندها إذا أرادت أن يستمر الدور الذي تلعبه إسلام أباد في حربها على الإرهاب التي لن تستطيع أن تكسبها من دونها، وألا تتحول العلاقات التحالفية بينهما إلى صدام، قد يكون مسلحا من أجل الحفاظ على كيان وهوية الدولة الباكستانية.

996

| 06 مايو 2011

ثورة سوريا.. تفضح دعاة المقاومة

رغم تشابه أحداث الثورة الشعبية التي تجري أحداثها في سوريا مع تلك التي جرت وقائعها في عدد من الدول العربية الأخرى، إلا أن تداعيات تلك الثورة تبدو مختلفة في أكثر من اتجاه، أبرزها ما يتعلق بقضية المقاومة التي كان يتبناها النظام السوري والتي مثلت السياق العام للصراع الذي شهدته المنطقة طوال السنوات الماضية بين محورين، أحدهما المحور الأمريكي الإسرائيلي بالتحالف مع دول ما يسمى بالاعتدال العربي، والآخر هو محور الممانعة الذي ضم سوريا إلى جانب إيران وبعض حركات المقاومة مثل حزب الله اللبناني وحركتي حماس والجهاد الفلسطينيتين. وفي لقاء على إحدى الفضائيات العربية قال مسؤول سوري إن الأحداث التي تمر بها سوريا حاليا لن تؤدي إلى سقوط النظام كما حدث في مصر وتونس، مبررا ذلك بأن سوريا ليست مصر وليست تونس، لأن دمشق لم تقم بمحاصرة قطاع غزة ولم تقم بمشاركة إسرائيل في عدوانها العسكري على حزب الله في لبنان وعلى حماس في قطاع غزة. ورغم أن تلك الكلمات تذكرنا بتصريح وزير الخارجية المصري عقب سقوط النظام التونسي، حينما أكد أن مصر ليست تونس.. وهي نفس التصريحات التي بات يرددها مسؤولو النظم الحاكمة في الدول العربية ردا على أي تظاهرات أو احتجاجات تطالب بالحرية والديمقراطية. إلا أنها تشير من ناحية أخرى إلى حقيقة هي بمثابة الفضيحة التي كشفتها أحداث الثورة السورية والتي تتمثل في أن قضية المقاومة التي تبناها النظام السوري لم تكن أكثر من مجرد إستراتيجية لحماية النظام الحاكم الذي أدرك أن ثمن المقاومة أقل بكثير من ثمن الاستسلام الشامل للنفوذ الأمريكي في المنطقة، لكن تلك المقاومة لم تكن في جميع الأحوال بالمعنى الشامل، بل كانت ممانعة أي رفض جزئي لهذا النفوذ مع العمل على محاولة تعديل شروط الاستسلام للحفاظ على بنية النظام، ولعلنا في هذا المقام يمكن أن نتذكر الأخبار التي كانت ترد بشكل متقطع عن التعاون السوري مع الولايات المتحدة في عدد من قضايا المنطقة أبرزها القضية العراقية، وكذلك الأمر باستجداء السلام مع إسرائيل، وهي الأمور التي كان يعترض عليها حتى الأطراف المتحالفة مع النظام السوري. هذه الفضيحة لم تقتصر على النظام السوري فقط، بل وصلت بطبيعة الحال إلى حلفائه في حلف الممانعة خاصة إيران التي احتفلت كثيرا بالثورات التي اندلعت في عدد من الدول العربية خاصة مصر، إلى درجة قيام مرشد الثورة الإيرانية بإلقاء خطبة إحدى الجمع في طهران باللغة العربية والتي أعلن خلالها وقوف بلاده إلى جانب الشعب المصري الثائر ضد الظلم والطغيان، لكن بلاده لم ترى هذا الظلم والطغيان حينما وصلت محطة الثورة العربية إلى دمشق، بل رأت فيها مؤامرة خارجية تستهدف بنية النظام المقاوم، وكأن هذا النظام المقاوم محصن ضد الظلم والفساد والاستبداد وبالتالي ضد الثورة التي هي جزء من الحرب الغربية ضد حلف المقاومة. هذا الموقف الإيراني تكرر أيضا من جانب بعض القوى والشخصيات الإعلامية المؤيدة للنظام السوري، ففي الوقت الذي أعلن فيه حزب الله وحركة حماس ترحيبهما بل وسعادتهما بالثورة المصرية التي أسقطت نظام المخلوع حسني مبارك، إلى درجة قيام حزب الله بتنظيم مؤتمرات جماهيرية للاحتفال بانتصار ثورة شباب مصر، نرى أنهما يقفان ضد الثورة السورية، فإعلام حزب الله خاصة قناة المنار وصحيفة السفير تتبع نفس الخط الإعلامي الذي يدعي أن ما يجري في سوريا هو جزء من المؤامرة الخارجية الهادفة إلى القضاء على محور الممانعة عبر إسقاط نظام دمشق وبالتالي قطع الرئة التي يتنفس منها حزب الله سلاحا ومساعدات لوجيستية. كما أعلنت حركة حماس في بيان لها في الأيام الأولى لثورة أحرار سوريا وقوفها إلى جانب النظام الحاكم. وكان آخر تلك المواقف إعلان الإعلامي الشهير غسان بن جدو القريب من حزب الله، استقالته من قناة الجزيرة احتجاجا على السياسة التحريرية للقناة التي رأى أنها تحولت من خلالها إلى غرفة للحشد والتعبئة ضد نظام دمشق.. والغريب أن بن جدو لم يلاحظ تلك التغيرات على السياسة التحريرية للجزيرة إلا في حالة سوريا فقط، أما في حالة الثورات العربية الأخرى خاصة مصر فكان يرى أنها محايدة ولذلك لم يتوان عن المشاركة في هذه السياسة عبر برنامجه الأسبوعي " حوار مفتوح ". الشعوب العربية كانت وما زالت مؤيدة لكل مقاومة عربية بغض النظر عن أي عوامل أخرى ما دامت هذه المقاومة تصب في صالح الأمة العربية، ولذا فقد وقفت إلى جانب حزب الله في حرب العام 2006 وكذلك الأمر مع حركة حماس في حرب العام 2008، كما وقفت إلى جانب النظام السوري نفسه أمام الضغوط الأمريكية والغربية خلال الفترة التي أعقبت احتلال العراق والتي انتهت بخروج القوات السورية من لبنان، لكن هذا لم يكن يعني بحال من الأحوال أن هذه الشعوب أعطت صكا مفتوحا لتلك القوى يحميها في مواجهة الشعوب العربية نفسها خاصة إذا كان الأمر يتعلق بحريتها وكرامتها. لقد أيدت الشعوب العربية النظم والحركات التي كانت تدعي المقاومة لأنها كانت تشعر بأن هذه المقاومة ترد إليها جزءا من كرامتها المهدورة على يد الأعداء، الذين تقف في مواجهتهم الآن بعد أن أصبح في مقدورها أن تسترد كرامتها وحريتها بيدها، ولذا فلن تقبل أن تستبدل هذا بمقاومة سوف تستردها قريبا بعد أن استردت حريتها. لقد بدا واضحا أن الشعوب العربية أصبحت هي الآن خط المقاومة الأول في المنطقة وبالتالي فهي المرجعية لهذه المقاومة وليست أي جهة أخرى سواء أكانت نظما حاكمة أو حركات مسلحة، وهذا يعني أن محاولة النظام السوري وحلفاءه لمواجهة الثورة باسم المقاومة سيكون مصيرها الفشل وستؤدي إلى التعجيل بسقوط النظام. ومع ارتفاع شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، لم يتبق أمام نظام دمشق الكثير من الوقت لترديد الاتهامات وعليه استغلاله في تنفيذ إصلاحات جذرية حقيقية تقضي على جذور الاستبداد والفساد، فحركة الشعوب حينما تبدأ لن يوقفها سوى تحقيق أهدافها كاملة، مهما كانت التضحيات.

587

| 30 أبريل 2011

مبارك.. إنه الآن يسأل

لحظة نادرة تعيشها مصر هذه الأيام.. لم تشهد لها مثيلا في تاريخها القديم والجديد على السواء.. لحظة أصبح الحاكم فيها محكوما والمحكوم حاكما.. لحظة أصبح فيها القاضي متهما والمتهم قاضيا.. لحظة أصبح فيها الجلاد مجلودا والمجلود جلادا.. لحظة عاد فيها الحق إلى أصحابه من مغتصبيه.. وأصبح القانون هو حاكم هذا الوطن بعد غياب استمر لعقود طويلة.. ذاق أهله فيها كل صنوف الذل والهوان. عاش المصريون يوم الأربعاء الماضي تلك اللحظة النادرة التي سمعوا ورأوا فيها بداية التحقيقات مع رئيس جلاديهم وأسرته.. المخلوع حسني مبارك.. ثم قرار حبسه خمسة عشر يوما على ذمة التحقيقات في بعض الجرائم التي ارتكبها ضد هذا الشعب العظيم طوال سنين حكمه التي زادت على الثلاثين عاما. سيقف التاريخ كثيرا أمام هذه اللحظة التي ستكون مفصلية في بنية الدولة المصرية الجديدة التي يتم تشكيلها الآن في شتى المجالات.. خاصة مجال العدل والقانون.. حيث أصبح الجميع سواسية أمامه.. بعد أن جاءت البداية من محاكمة من أهانه وأقصاه عن صفحة هذا الوطن. دولة الظلم ساعة ودولة العدل إلى قيام الساعة.. وفقا لهذه الحكمة يسعى المصريون إلى بناء دولة العدل والقانون التي ستسود إلى قيام الساعة بعد أن قضوا على دولة الظلم والفساد والاستبداد.. لتكون نموذجا مشرفا يسعى الجميع إلى السير على نهجه.. كما كانت ثورتهم المباركة في الخامس والعشرين من يناير.. تلك الثورة التي رفضت مبدأ الانتقام والتشفي كما فعلت الكثير من الثورات التي شهدتها دول أخرى حيث سارت الدماء أنهارا.. وخسرت أهم مبادئ البناء الجديد وهو سيادة القانون على الجميع حتى أعداء الثورة.. نعم لقد نجحت الثورة المصرية في ترسيخ هذا المبدأ حينما تعاملت مع أعدائها وفقا للقانون حيث لم تطلب سوى القصاص العادل منهم دون التغول في تطبيق قوانين استثنائية أو عقد محاكم عسكرية لمحاكمتهم.. وقد حدث ذلك حتى في أحلك أيام الثورة وهي لم تزل مجرد جنين لمّا ينمو بعد، حينما كان شباب الثورة يرفضون الرد بالمثل على جرائم النظام التي كان يرتكبها ضدهم، خاصة جرائم القتل التي قام بها بلطجية النظام.. حيث كانوا يقومون بالقبض على هؤلاء البلطجية ثم تسليمهم للسلطات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية ضدهم. وبعد نجاح الثورة لم يتغير الأمر.. فقد طالب الشعب الثائر بمحاكمة رموز النظام السابق وفقا للقانون على جرائمهم.. وهو ما حدث بالفعل مع كل هؤلاء الرموز واحدا بعد الآخر.. حتى انتهى الأمر برأس النظام نفسه الرئيس المخلوع حسني مبارك.. الذي يحتمي الآن بالقانون من أجل تأخير عمليات التحقيق معه مستخدما وضعه الصحي كوسيلة في هذا الصدد. فضلا عن وسائل أخرى منها استدرار العطف والشفقة عبر البكاء لمحققيه من أجل أن يمنحوه وضعا استثنائيا يجعله بعيدا عن السجن وهو ما قوبل بالرفض التام.. فما فعله هو وبقية رموز نظامه في حق هذا الوطن يجعل من المستحيل أن يجد معه تعاطفا من أحد. لن نستطيع أن نعدد الجرائم التي ارتكبها هذا المجرم وباقي أركان حكمه في حق الوطن وأبنائه.. لأنها شملت كل شيء ولم تستثن أحدا.. بدءا من مجال التعليم والثقافة التي دمرهما فتحولت مصر في عهده من دولة الريادة التعليمية والثقافية، حيث يؤمها أبناء العالمين العربي والإسلامي للنهل من معينها، إلى دولة متخلفة بكل المقاييس العلمية والثقافية.. وفي المجال الاجتماعي شهدت البلاد انهيارا لم يحدث مثله قط في مجتمع من المجتمعات.. أما في مجال الصحة فحدث ولا حرج عن الأعداد الهائلة من الأمراض التي استوطنت هذا الشعب.. وهي أمراض تم استيرادها عمدا من أجل قتل هذا الشعب وتحويله إلى مجموعة من العواجيز رغم أنهم ما زالوا في ربيع العمر. أما في المجال السياسي.. قد ارتكب هذا النظام في حق الوطن جرائم لم يجرؤ حتى أعداء مصر على ارتكابها.. حيث تحولت البلاد في عهده داخليا إلى سجن كبير لأبنائها، وخارجيا إلى مجرد قزم تابع لأسياده في واشنطن وتل أبيب. وذلك كله من أجل استمراره قابضا على صدور المصريين.. مستنفدا لثرواتهم التي راح ينهبها ويهديها لأصدقائه في الداخل والخارج بلا خوف أو وجل من قانون أو يوم للحساب.. حتى جاء يوم الحساب الذي لم يكن يتسع سوى للحساب. وفي يوم الحساب.. ليس هناك عطف أو شفقة.. أو حتى دعاء.. فأصحاب الأيدي المرفوعة الآن.. يصرخ أصحابها.. ادعوا على مبارك فإنه الآن يسأل.

533

| 17 أبريل 2011

مبادرة السلام الإسرائيلية .. الإنجاز القومي الأول للثورة العربية

أعلنت مجموعة من الشخصيات الإسرائيلية البارزة في الأسبوع الأول من شهر إبريل الجاري، عن مبادرة خاصة بعملية السلام مع العالم العربي، ترتكز على المبادئ الأساسية التي قامت عليها مبادرة السلام العربية التي تم إقرارها رسميا في القمة العربية ببيروت العام 2002. ورغم أن المبادرة كانت في حد ذاتها مفاجأة من العيار الثقيل .. لكن المفاجأة الأكبر كانت في الشخصيات التي طرحتها والتي تمثل قمة النظام الأمني والسياسي الإسرائيلي السابق .. والذي يرتبط بالتأكيد بعلاقات قوية مع قمة النظام الحالي .. أي أن المبادرة أخذت الضوء الأخضر قبل الإعلان عنها. قبل شهور قليلة كان من المستحيل توقع مجرد الإعلان عن أية مبادرات إسرائيلية، حتى لو كانت تتضمن لا ترقي إلى تلك التي تم الإعلان عنها لجهة الحقوق الفلسطينية سواء ما يتعلق بالدولة الفلسطينية التي ستكون على حدود الرابع من يونيو من العام 1967 أو بالقدس الشرقية التي ستكون عاصمة تلك الدولة الوليدة أو ما يتعلق بمسألة اللاجئين وغيرها من مسائل الحقوق الفلسطينية .. لكن وقع المستحيل وتم الإعلان عن المبادرة !! وهذا المستحيل لم يقع من تلقاء نفسه بل وقع لأن مستحيلا أكبر منه سبقه في الوقوع وهو اندلاع الثورة العربية على هيئة ثورات قطرية في الجزء الأكبر من الدول العربية .. والتي نجحت في الإطاحة باثنين من أهم رموز الفساد والاستبداد في العالم العربي، وهما الرئيس التونسي بن علي والرئيس المصري حسني مبارك. وهناك ثلاثة رؤساء آخرين ينتظرون الإطاحة بهم، وهم اليمني على عبد الله صالح والسوري بشار الأسد والليبي معمر القذافي، فضلا عن بذور الثورة التي نمت في البحرين والأردن والجزائر والمغرب ولبنان والعراق. هذا المستحيل العربي أحدث تغييرات عميقة في بنية الواقع الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، عجلت بظهور المستحيل الإسرائيلي الذي تمثل في تلك المبادرة التي تم الإعلان عنها .. من أجل إيقاف تأثير تلك التداعيات على ملف الصراع العربي الإسرائيلي عبر وضع أطر سياسية وقانونية استباقية تمكن إسرائيل من الحفاظ على الحد الأدنى من سيطرتها على ذلك الملف. وهذا ما عبر عنه رئيس جهاز الموساد الأسبق، الجنرال داني ياتوم، الذي كان قد دعا الحكومة الإسرائيليّة إلى طرح مبادرة سياسية فورا، لأنَّ البديل لها سيتمثل بمواجهة إسرائيل لأخطار كثيرة، بما فيها احتمال وصول أنظمة معادية لها للسلطة في بعض البلدان العربية. وعدد ياتوم خمسة تحديات أمنية مركزية تقف أمام الدولة العبريّة، يأتي بمقدمتها خطر نشوب حرب شاملة نتيجة تدهور الوضع مع حزب الله من جهة أو مع سورية من جهة أخرى. أما التحدي الثاني فيتمثل في نجاح إيران بامتلاك قنبلة نووية، مما سيشكل تهديدا جديا لإسرائيل، إلى جانب التحدي الثالث المتمثل في الإرهاب، وصولا إلى تحد رابع يتجسد في تنظيم القاعدة، الذي يواصل تمكين جذوره في الشرق الأوسط، وينسق مع التنظيمات المعادية لإسرائيل. واختتم ياتوم تحذيره بالقول: التهديد الأخير الذي تواجهه إسرائيل هو احتمال وصول أنظمة معادية لها إلى السلطة، لتحل محل الأنظمة التي سقطت في مصر وبعض الدول الأخرى، ما يعني أنه في غياب مبادرة سياسية إسرائيلية فسيعطي ذلك الفرصة للدول والمنظمات المعادية لمواصلة نشاطاتها ضد إسرائيل، معتبرا أن المبادرة السياسية من شأنها التأثير على الجمهور في الدول العربية لدفعه لاختيار مرشحين وصفهم بمعتدلين، يعتبرون السلام مع إسرائيل مصلحة لبلدانهم. ويبدوا من كلام ياتوم أن القيادة الإسرائيلية تحاول التأقلم مع الواقع الجديد عبر التركيز على الشعوب العربية بعد أن تيقنت أنها أصبحت صاحبة السلطة الحقيقية في مجتمعاتها .. بعد أن أسقطت أنظمتها المستبدة التي كانت تعد خير عون لإسرائيل .. حتى أن أحدها وهو نظام الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك كان بمثابة كنز إسرائيلي وفقا لتصريحات كبار مسئوليها. فضلا عن ذلك، تحاول إسرائيل قطع الطريق على عملية التحالف المستقبلية بين إيران والدول العربية، باعتبارها نتيجة حتمية بعد نجاح الثورة العربية، والتي بدأت أولى مؤشراتها في عملية التقارب المصري الإيراني بعد تصريحات الحكومة المصرية الجديدة التي ترى في إيران دولة صديقة وليست عدوة وأنها تسعى لفتح صفحة جديدة معها تقوم على مبادئ الاحترام المتبادل لمصالح الدولتين. هذا التقارب مع إيران ستكون نتيجته وخيمة على مستقبل وجود إسرائيل ذاتها، بجانب تأثير الثورة العربية المباشر على مقومات هذا الوجود، لذا نرى ياتوم يدعو إلى استئناف العملية السياسية مع الفلسطينيين باعتبار أن ذلك يتعارض مع مصالح إيران والدول والمنظمات المتحالفة معها، مؤكدا أن "من شأن مبادرة السلام المرجوة إضعاف أعداء إسرائيل"، والإضرار بالمحور الإيراني في المنطقة. بغض النظر عن الرؤية الإسرائيلية التي طرحت هذه المبادرة في محاولة منها لتحسين شروط التفاوض المستقبلية في ظل أنظمة الثورة العربية، فإنه يمكن القول بلا تردد أن هذه الثورة العربية استطاعت أن تنجز هدفا قوميا كبيرا وهي لا تزال طورا جنينيا لمّا يصل بعد إلى مرحلة البناء والفعل المباشر .. يتمثل في إجبار إسرائيل على الموافقة على الانسحاب إلى حدود الرابع من يونيو1967 .. وهو ما يعني أنه بعد نجاح الثورة وبناء أنظمتها الديمقراطية المرتقبة تمهيدا لتوفير المبادئ الأساسية لحلم الوحدة العربية .. ستكون الدول العربية .. أو ربما الولايات العربية المتحدة جاهزة لانجاز هدفها القومي الأكبر وهو القضاء على الكيان الصهيوني وتحرير فلسطين من البحر إلى النهر. هو حلم ليس ببعيد .. فنحن نعيش في عصر تحقيق الأحلام .. فمن كان يظن قبل أشهر قليلة أن المنطقة العربية سوف تشهد كل ما تشهده الآن.

450

| 14 أبريل 2011

تركيا تخسر في أزمة ليبيا ما كسبته في قضية فلسطين

كما كان الموقف التركي من القضية الفلسطينية مثيرا ودراماتيكيا خاصة منذ الحرب العدوانية التي شنتها إسرائيل ضد قطاع غزة في نهاية العام 2008.. كذلك يبدو موقفها من الأزمة الحالية في ليبيا أكثر إثارة ودراماتيكية وإن كان في اتجاه مختلف. في القضية الفلسطينية لعبت تركيا دورا وصف بأنه الأكثر أهمية مقارنة بأدوار الدول الأخرى في منطقة الشرق الأوسط، والذي جاء مختلفا عن الموقف التركي التقليدي المحايد علنا والمناصر سراً لإسرائيل، بالنظر إلى الروابط الاستراتيجية التي ميزت علاقات البلدين طوال عقود خلت حتى وصول حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية إلى الحكم في العام 2002 حيث بدأت مرحلة جديدة تقوم على أساس التقارب مع الدول العربية والإسلامية بدرجة توازي عملية التباعد عن الدولة الإسرائيلية عبر محاولة فك تلك الروابط الاستراتيجية معها. لقد بدا الموقف التركي حازما حيال الحرب التي شنتها إسرائيل ضد قطاع غزة معلنة وقوفها التام إلى جانب أبناء القطاع ضد عمليات القتل التي استهدفت آلاف الأشخاص منهم بحجة محاولة إقصاء حكم حركة حماس عن القطاع. وشهدت العلاقات التركية الإسرائيلية توترات متصاعدة في تلك الفترة، زادت حدتها بعد الموقف الأشهر لرئيس الوزراء التركي الطيب أردوغان حينما غادر إحدى قاعات النقاش في مؤتمر دافوس على خلفية رفض إدارة القاعة إعطائه الفرصة كاملة للرد على أكاذيب الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز حول دوافع حرب غزة، معلنا قبل مغادرته أن إسرائيل تمارس إرهاب الدولة.. وأنها دولة تقتل الأطفال. استمرت هذه التوترات التي طبعت علاقات البلدين حتى مايو من العام الماضي حينما وقع حادث السفينة مرمرة التركية التي كانت تقل مجموعة من الناشطين الذين يحملون مساعدات إنسانية متوجهين بها إلى قطاع غزة من أجل كسر الحصار الذي فرضته إسرائيل على القطاع منذ يونيو من العام 2006، موعد سيطرة حماس على القطاع، حيث قتل عدد من الناشطين جلهم من الأتراك. ترتب على هذا الحادث وصول العلاقات إلى الدرجات القصوى من التوتر والذي تمثل في سحب السفير التركي لدى إسرائيل واشتراط أنقرة لإعادة تطبيع العلاقات بين البلدين ثلاثة أمور أساسية، أولها تقديم اعتذار رسمي وثانيها تقديم تعويضات لأسر الضحايا، أما الشرط الثالث فتمثل في رفع الحصار عن قطاع غزة. وبطبيعة الحال لم تستجب إسرائيل سوى لشرط واحد هو تعويض أسر الضحايا. خلال هذه الفترة تحصلت تركيا من وراء هذه المواقف المتشددة من إسرائيل الكثير من المكاسب، ولعل أهمها الجماهيرية الجارفة التي أصبحت تتمتع بها تركيا ورئيس وزرائها داخل الدول العربية، حتى إن البعض كان يقول بأن رئيس الوزراء التركي لو ترشح في أية انتخابات تجري في أية دولة عربية فإنه سيفوز بالإجماع. كذلك كان هناك العديد من المكاسب المادية إلى جانب المكاسب الجماهيرية، ومنها توطيد وتوسيع العلاقات مع العديد من الدول العربية في شتى المجالات، خاصة في المجال الاقتصادي. وكان من أبرز هذه الدول، سوريا وليبيا ودول مجلس التعاون الخليجي. واستمر صعود نجم تركيا ورئيس وزرائها أردوغان حتى اندلاع الثورات العربية التي بدأت بتونس ثم مصر، التي كان لأردوغان موقف متميز منها، حينما دعا الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك إلى الاستماع لصوت الشعب والتنحي " لأننا كلنا فانون". لكن مع اندلاع الثورة الليبية وقعت المفاجأة.. حيث تغيرت نبرة رئيس الوزراء التركي واختفت لغة القيم والمبادئ التي توجه بها إلى الرئيس المصري.. وظهرت لغة جديدة.. هي لغة المصالح. فقد أعلن أردوغان منذ اللحظة الأولى أنه يقف إلى جانب الشرعية الليبية.. وحينما بدأت المشاهد المرعبة للقتل والدمار التي يمارسها الجيش الليبي ضد المدنيين، تظهر على شاشات التلفزة العربية والعالمية، وتعالت الأصوات الداعية لتدخل دولي لحماية هؤلاء المدنيين.. وجدنا رئيس الوزراء التركي يرفض أي تدخل دولي في ليبيا بحجة أن هذا ضد الشرعية، معتبرا أن الفكرة الداعية إلى فرض حظر جوي على ليبيا "غير مفيدة وتنطوي على مخاطر" وأن التدخل العسكري من قبل حلف شمال الأطلسي (الناتو) سيعطي مفاعيل عكسية.. وحينما أصدر مجلس الأمن قراره رقم 1973 القاضي بتشريع هذا التدخل.. أعلنت تركيا ضرورة التقيد بنص القرار وعدم مناصرة جهة على أخرى.. بل واستمرت في طرح المبادرات الساعية إلى تفادي لحظة انهيار نظام القذافي، وكان آخرها اقتراح أردوغان أن يقوم القذافي بتعيين "رئيس" يحظى بدعم الشعب!! صدم هذا الموقف التركي شعوب العالم العربي والإسلامي التي كانت تتوقع من تركيا موقفا مختلفا، على الأقل مشابها لموقفها خلال الثورة المصرية، إن لم يكن أكثر تقدما منه عبر المشاركة في عملية التدخل العسكري ضد النظام الليبي. لكن هذه الصدمة ربما تجد تفسيرها في القاعدة الذهبية التي تحكم علاقات الدول وهي أن "الدول ليست جمعيات خيرية".. بما يعني أن الدولة تصوغ سياساتها الخارجية على أساس مصالحها وليس على أساس مشاعر إنسانية قد تحكم الأفراد العاديين وليس الدول. تركيا حينما تحركت في القضية الفلسطينية، كانت تتحرك وفق مصالح الدولة التركية التي تغيرت كثيرا مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، حيث أصبحت أولوياتها هي السعي للتوجه شرقا والاستفادة من التقدم الصناعي التركي في خلق أسواق جديدة في منطقة الشرق الأوسط الأقرب لها من الاتحاد الأوروبي الذي تبدوا أبوابه الموصدة عصية على الفتح رغم مرور عقود عديدة على طرقه من قبل الأتراك. هذه المصالح التي تحركت على أساسها الدولة التركية، لم تلحظها حركة الشعوب وهي ترى رئيس الوزراء التركي يصيح عاليا ضد الحرب الإسرائيلية على غزة وكذلك الأمر وهو يخرج مندفعا من منتدى دافوس.. والآن وهو يطالب بعدم التدخل في الشؤون الداخلية الليبية التي تربطه بها علاقات اقتصادية تبلغ مليارات الدولارات.. وربما من هنا جاءت الصدمة. بالتأكيد هذه الصدمة تعني أن تركيا خسرت الكثير مما استطاعت الحصول عليه خلال السنوات الماضية.. على الأقل خسرت مكانتها الجماهيرية بين الشعوب العربية والإسلامية.. كما أنها بالتأكيد سوف تخسر الكثير من مصالحها الاقتصادية في ليبيا مع انتهاء حكم القذافي الذي بات قريبا بدرجة لم ترها العين الخبيرة في الدولة التركية.. وتلك تمثل صدمة جديدة.

1176

| 08 أبريل 2011

"رمانة الميزان" القطرية في التحالف الدولي ضد القذافي

منذ ظهور الدول العربية الحديثة بعد استقلالها عن الاستعمار الأوروبي في النصف الثاني القرن العشرين، شهدت المنطقة العربية العديد من الأزمات التي استدعت تدخل الدول الكبرى من أجل حماية مصالحها في المنطقة. وفي كل مرة كانت بعض الدول العربية تشارك بشكل مباشر أو غير مباشر وفقا لحساسية موقفها من هذا التدخل ومدى صلابة موقف الدول التي تشن هجومها على الدولة العربية صاحبة الأزمة. استمر هذا الوضع حتى اندلاع الحرب العدوانية التي شنتها إسرائيل ضد لبنان في صيف العام 2006 حيث أصبحت مواقف الدول العربية تتسم بالوضوح الذي كانت تفتقده في الأزمات السابقة بعد انقسام هذه الدول إلى قسمين رئيسيين أحدهما ضمن التحالف الأمريكي الإسرائيلي. والآخر ضمن تحالف الممانعة الذي تقوده إيران وسوريا وتندرج ضمنه قوى وحركات المقاومة العربية، خاصة في لبنان وفلسطين. كان واضحا أن هذا الانقسام في مواقف الدول العربية في هذه اللحظة، هو انقسام استراتيجي وليس تكتيكيا، بالنظر إلى النتائج المترتبة عليه والتي كانت ستؤثر بشكل جذري على طبيعة وصورة المنطقة العربية لسنوات طويلة. وهو ما حدث بالفعل بعد أن وضعت الحرب أوزارها بهزيمة مدوية ذات طبيعة إستراتيجية لإسرائيل أمام حزب الله اللبناني. وتكرر الأمر خلال الحرب ضد قطاع غزة في العام 2008، حيث كانت لها هي الأخرى تبعاتها الإستراتيجية التي زادت في وضوح الرؤية الجديدة للمنطقة التي تغيرت فيها قواعد اللعبة التي استمرت لما يزيد على الستين عاما منذ نشأة الدولة الإسرائيلية في العام 1948. خلال تلك المرحلة، كان هناك موقف للدولة القطرية بدأ يتشكل في نهاية القرن العشرين يقوم على أساس أمرين هو حماية مصالح قطر ثم تقديم المساعدة للدول العربية قدر الاستطاعة وذلك وفق مبدأ الشفافية والمصارحة التي كانت تفتقدهما سياسات الكثير من الدول العربية. وقد ظهر هذا الموقف بوضوح خلال حرب لبنان عام 2006، حينما اتخذت قطر موقفا مختلفا عن مواقف الكثير من الدول العربية وخرجت عن السياق العام الذي حكم موقف الدول الخليجية الذي انصاع لموقف المملكة العربية السعودية. وتكرر الأمر خلال حرب غزة عام 2008، حيث كان موقف الدوحة أشد وضوحا من ذي قبل حينما دعت إلى مؤتمر قمة عربي لمساعدة الشعب الفلسطيني ضد هذه الهجمة الإسرائيلية الشرسة، لكن العديد من الدول العربية الأخرى وقفت ضد السياسة القطرية وعملت على إفشال هذا المؤتمر عبر عدم السماح باكتمال النصاب القانوني له. فتحول لمؤتمر لدول وقوى المقاومة العربية حيث حضرته حركة حماس في سابقة هي الأولى من نوعها. خلال هذه السنوات وما تلتها، اكتسبت الحركة القطرية على المستوى العربي احتراما شعبيا متزايدا رغم محاولة بعض الدول المنضوية في إطار التحالف الأمريكي - الإسرائيلي التأثير على هذه الحركة وتصويرها على أنها تهدف لسيطرة قطر على قضايا العمل العربي المشترك، وكأن هناك من الأساس شيئا اسمه عمل عربي مشترك !! ثم جاء ربيع الديمقراطية العربي مع اندلاع الثورة التونسية في شهر ديسمبر من العام الماضي وما تلاها من ثورات مصرية ويمنية وليبية وغيرها، لتزيد الحركة القطرية رسوخا وتقاربا مع الشعوب العربية. حيث أعلنت منذ اللحظة الأولى عن وقوفها إلى جانب هذه الشعوب مقدمة ما تستطيع من مساندة مادية ومعنوية وإعلامية عبر قناة الجزيرة القطرية التي أصبحت تسمى قناة الشعوب العربية بعدما انحازت لهذه الشعوب وأصبحت صوتها الذي تسمعه الدنيا كلها. ومع اندلاع الأزمة الليبية جراء تحول ثورة الشعب الليبي البيضاء إلى حرب تحرير وطنية بعد أن فرض النظام الليبي عليها حمل السلاح للدفاع عن نفسها ضد بطشه الذي وصل إلى حد استخدام كافة أنواع الأسلحة التي يملكها ضد شعبه بدءا بسلاح الطيران وليس انتهاءً بسلاح المدفعية وراجمات الصواريخ. هنا كان لقطر دورها المتميز الذي سبقت به الكثير من الدول ليس فقط العربية ولكن أيضا دول العالم الخارجي حينما أعلنت منذ اللحظة الأولى وقوفها إلى جانب حق الشعب الليبي في تقرير مصيره. ودعت الزعيم الليبي معمر القذافي إلى التنحي وترك الشعب يختار من يحكمه. وحينما رفض النظام الليبي المناشدات القطرية والدولية الأخرى، دعت قطر إلى تحرك عربي ودولي عاجل من أجل حماية الشعب الليبي، واستطاعت أن تؤمن موافقة خليجية كاملة سبقت عقد اجتماع الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية العرب لتوجيه طلب إلى مجلس الأمن للقيام بواجباته في هذا الصدد. وبعد صدور قرار مجلس الأمن لم تقف مكتوفة الأيدي، بل أعلنت عن مشاركتها في العملية العسكرية التي أقرها المجلس، حيث توجهت أربع مقاتلات قطرية لتشارك في فرض حظر الطيران في الأجواء الليبية. كما أعلنت عن اعترافها رسميا بالمجلس الوطني الانتقالي الذي تشكل عقب قيام الثورة في بنغازي كممثل وحيد للشعب الليبي. فضلا عن قيامها بمهمة بيع النفط الليبي لصالح الثوار من أجل توفير الاحتياجات المعيشية للمدن الخاضعة لهم. هذا الموقف القطري الذي جاء مناصرا للشعب الليبي، كان في نفس الوقت يحمي هذا الشعب ومصالحه من إمكانية انحراف مسار التدخل الدولي بشكل يهدد ثورته ووحدة الدولة الليبية وسيادتها. حيث كان واضحا إصرار قطر على مشاركتها في كافة الاجتماعات التي عقدها التحالف الدولي الذي يقود هذا التدخل من أجل منع أي انحراف ضد مصالح ليبيا، دولة وشعبا. لقد كان الدور القطري في الأزمة الليبية بمثابة "رمانة الميزان" التي تمنع أحد كفتي الميزان من أن تطيح بالأخرى، حتى إنه يمكن القول بلا تردد أن قطر تمثل صوت الشعب الليبي داخل التحالف الدولي.

438

| 06 أبريل 2011

alsharq
«ما خفي أعظم» يفضح المزاعم الإيرانية

-«على خط النار» توثيق مهم لمرحلة دقيقة واستثنائية...

2907

| 12 أبريل 2026

alsharq
آفة التسويف..

كما أن أخطر عدو للإنسان هو ذلك العدو...

1755

| 11 أبريل 2026

alsharq
مضيق هرمز

بين أساطير الآلهة القديمة وحكايات الملوك القدام، يبرز...

1056

| 12 أبريل 2026

alsharq
على أرض صلبة

في عالمٍ تموج فيه الأزمات، وتتعثر فيه الدول...

861

| 08 أبريل 2026

alsharq
قطر تدعم استقرار لبنان

في ظل التوترات المتصاعدة التي تشهدها المنطقة، تواصل...

840

| 10 أبريل 2026

alsharq
"الثقة في بيئة العمل... كيف تُبنى ولماذا تنهار؟"

سلوى الباكر الثقة ليست شعارًا يُرفع في الاجتماعات،...

804

| 10 أبريل 2026

alsharq
حضانات مقار العمل.. رؤية تنظيمية

منذ سنوات والحديث مستمر في مجالسنا ومؤسساتنا الإعلامية...

732

| 08 أبريل 2026

alsharq
قل لي ماذا حققت؟ سأقول لك من انتصر

في الحروب الكبرى، لا يكون السؤال الأهم: من...

717

| 10 أبريل 2026

alsharq
هل المتلقي سقط سهواً؟ نحو إعلام أزمات في قطر يفهم جمهوره

حين تضرب الأزمة، يتحرك الإعلام. تُفتح غرف الأخبار،...

696

| 09 أبريل 2026

alsharq
قيمة الإنسان في وطن يعرفه

• نعيش في وطن لم يجعل أمن الإنسان...

564

| 09 أبريل 2026

alsharq
تدابير..

((يُدَبِّرُ الْأَمْرَ)) فكم في تدابير الله من عبرة!...

558

| 09 أبريل 2026

alsharq
ما يتبقى..

شاهدت مؤخرا مسلسل modern family. ولمن لا يعرف،...

495

| 07 أبريل 2026

أخبار محلية