رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رغم تشابه أحداث الثورة الشعبية التي تجري أحداثها في سوريا مع تلك التي جرت وقائعها في عدد من الدول العربية الأخرى، إلا أن تداعيات تلك الثورة تبدو مختلفة في أكثر من اتجاه، أبرزها ما يتعلق بقضية المقاومة التي كان يتبناها النظام السوري والتي مثلت السياق العام للصراع الذي شهدته المنطقة طوال السنوات الماضية بين محورين، أحدهما المحور الأمريكي الإسرائيلي بالتحالف مع دول ما يسمى بالاعتدال العربي، والآخر هو محور الممانعة الذي ضم سوريا إلى جانب إيران وبعض حركات المقاومة مثل حزب الله اللبناني وحركتي حماس والجهاد الفلسطينيتين.
وفي لقاء على إحدى الفضائيات العربية قال مسؤول سوري إن الأحداث التي تمر بها سوريا حاليا لن تؤدي إلى سقوط النظام كما حدث في مصر وتونس، مبررا ذلك بأن سوريا ليست مصر وليست تونس، لأن دمشق لم تقم بمحاصرة قطاع غزة ولم تقم بمشاركة إسرائيل في عدوانها العسكري على حزب الله في لبنان وعلى حماس في قطاع غزة.
ورغم أن تلك الكلمات تذكرنا بتصريح وزير الخارجية المصري عقب سقوط النظام التونسي، حينما أكد أن مصر ليست تونس.. وهي نفس التصريحات التي بات يرددها مسؤولو النظم الحاكمة في الدول العربية ردا على أي تظاهرات أو احتجاجات تطالب بالحرية والديمقراطية. إلا أنها تشير من ناحية أخرى إلى حقيقة هي بمثابة الفضيحة التي كشفتها أحداث الثورة السورية والتي تتمثل في أن قضية المقاومة التي تبناها النظام السوري لم تكن أكثر من مجرد إستراتيجية لحماية النظام الحاكم الذي أدرك أن ثمن المقاومة أقل بكثير من ثمن الاستسلام الشامل للنفوذ الأمريكي في المنطقة، لكن تلك المقاومة لم تكن في جميع الأحوال بالمعنى الشامل، بل كانت ممانعة أي رفض جزئي لهذا النفوذ مع العمل على محاولة تعديل شروط الاستسلام للحفاظ على بنية النظام، ولعلنا في هذا المقام يمكن أن نتذكر الأخبار التي كانت ترد بشكل متقطع عن التعاون السوري مع الولايات المتحدة في عدد من قضايا المنطقة أبرزها القضية العراقية، وكذلك الأمر باستجداء السلام مع إسرائيل، وهي الأمور التي كان يعترض عليها حتى الأطراف المتحالفة مع النظام السوري.
هذه الفضيحة لم تقتصر على النظام السوري فقط، بل وصلت بطبيعة الحال إلى حلفائه في حلف الممانعة خاصة إيران التي احتفلت كثيرا بالثورات التي اندلعت في عدد من الدول العربية خاصة مصر، إلى درجة قيام مرشد الثورة الإيرانية بإلقاء خطبة إحدى الجمع في طهران باللغة العربية والتي أعلن خلالها وقوف بلاده إلى جانب الشعب المصري الثائر ضد الظلم والطغيان، لكن بلاده لم ترى هذا الظلم والطغيان حينما وصلت محطة الثورة العربية إلى دمشق، بل رأت فيها مؤامرة خارجية تستهدف بنية النظام المقاوم، وكأن هذا النظام المقاوم محصن ضد الظلم والفساد والاستبداد وبالتالي ضد الثورة التي هي جزء من الحرب الغربية ضد حلف المقاومة.
هذا الموقف الإيراني تكرر أيضا من جانب بعض القوى والشخصيات الإعلامية المؤيدة للنظام السوري، ففي الوقت الذي أعلن فيه حزب الله وحركة حماس ترحيبهما بل وسعادتهما بالثورة المصرية التي أسقطت نظام المخلوع حسني مبارك، إلى درجة قيام حزب الله بتنظيم مؤتمرات جماهيرية للاحتفال بانتصار ثورة شباب مصر، نرى أنهما يقفان ضد الثورة السورية، فإعلام حزب الله خاصة قناة المنار وصحيفة السفير تتبع نفس الخط الإعلامي الذي يدعي أن ما يجري في سوريا هو جزء من المؤامرة الخارجية الهادفة إلى القضاء على محور الممانعة عبر إسقاط نظام دمشق وبالتالي قطع الرئة التي يتنفس منها حزب الله سلاحا ومساعدات لوجيستية. كما أعلنت حركة حماس في بيان لها في الأيام الأولى لثورة أحرار سوريا وقوفها إلى جانب النظام الحاكم.
وكان آخر تلك المواقف إعلان الإعلامي الشهير غسان بن جدو القريب من حزب الله، استقالته من قناة الجزيرة احتجاجا على السياسة التحريرية للقناة التي رأى أنها تحولت من خلالها إلى غرفة للحشد والتعبئة ضد نظام دمشق.. والغريب أن بن جدو لم يلاحظ تلك التغيرات على السياسة التحريرية للجزيرة إلا في حالة سوريا فقط، أما في حالة الثورات العربية الأخرى خاصة مصر فكان يرى أنها محايدة ولذلك لم يتوان عن المشاركة في هذه السياسة عبر برنامجه الأسبوعي " حوار مفتوح ".
الشعوب العربية كانت وما زالت مؤيدة لكل مقاومة عربية بغض النظر عن أي عوامل أخرى ما دامت هذه المقاومة تصب في صالح الأمة العربية، ولذا فقد وقفت إلى جانب حزب الله في حرب العام 2006 وكذلك الأمر مع حركة حماس في حرب العام 2008، كما وقفت إلى جانب النظام السوري نفسه أمام الضغوط الأمريكية والغربية خلال الفترة التي أعقبت احتلال العراق والتي انتهت بخروج القوات السورية من لبنان، لكن هذا لم يكن يعني بحال من الأحوال أن هذه الشعوب أعطت صكا مفتوحا لتلك القوى يحميها في مواجهة الشعوب العربية نفسها خاصة إذا كان الأمر يتعلق بحريتها وكرامتها.
لقد أيدت الشعوب العربية النظم والحركات التي كانت تدعي المقاومة لأنها كانت تشعر بأن هذه المقاومة ترد إليها جزءا من كرامتها المهدورة على يد الأعداء، الذين تقف في مواجهتهم الآن بعد أن أصبح في مقدورها أن تسترد كرامتها وحريتها بيدها، ولذا فلن تقبل أن تستبدل هذا بمقاومة سوف تستردها قريبا بعد أن استردت حريتها.
لقد بدا واضحا أن الشعوب العربية أصبحت هي الآن خط المقاومة الأول في المنطقة وبالتالي فهي المرجعية لهذه المقاومة وليست أي جهة أخرى سواء أكانت نظما حاكمة أو حركات مسلحة، وهذا يعني أن محاولة النظام السوري وحلفاءه لمواجهة الثورة باسم المقاومة سيكون مصيرها الفشل وستؤدي إلى التعجيل بسقوط النظام.
ومع ارتفاع شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، لم يتبق أمام نظام دمشق الكثير من الوقت لترديد الاتهامات وعليه استغلاله في تنفيذ إصلاحات جذرية حقيقية تقضي على جذور الاستبداد والفساد، فحركة الشعوب حينما تبدأ لن يوقفها سوى تحقيق أهدافها كاملة، مهما كانت التضحيات.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
7983
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1596
| 26 يوليو 2026
الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا تُعرض على القضاة فيستمعون إلى الخصوم مباشرة، ويفهمون أصل الخلاف، ثم يفصلون فيه بعد جلسة أو جلستين، من دون هذا الامتداد الطويل الذي نراه اليوم. نتذكر بكل تقدير أصحاب الفضيلة من قضاة المحاكم الشرعية في قطر: الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود، والشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي البنعلي، والشيخ عبدالقادر بن محمد العماري، والشيخ عبدالله بن عبدالعزيز آل محمود، رحم الله من رحل منهم وجزاهم خير الجزاء. أما اليوم، فقد أصبحت بعض القضايا تمر بمراحل وإجراءات متعددة؛ من ابتدائي واستئناف وتمييز، وتأجيلات ومذكرات وردود على المذكرات، حتى إن الإجراءات في بعض الأحيان تبدو أطول من القضية نفسها. كما أصبح كثير من الجلسات يدور حول تقديم المذكرات والرد عليها، بدل المرافعة المباشرة التي تختصر الوقت وتوضح جوهر النزاع، وأصبح المتقاضي بحاجة إلى محامٍ حتى في بعض القضايا البسيطة التي كان يستطيع في السابق عرضها بنفسه. ومن وجهة نظري، فإن تعقيد الإجراءات أسهم في توسيع دور مكاتب المحاماة، حتى في أبسط القضايا، بما جعلها قطاعًا اقتصاديًا مزدهرًا. ولعل الانتشار اللافت لمكاتب المحاماة في كل زاوية من الدولة يعزز هذه الرؤية. ولا أحد ينكر أهمية الضمانات القانونية ودرجات التقاضي، فوجودها لحماية الحقوق وتحقيق العدالة، لكن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى رحلة طويلة تستنزف الوقت والجهد والمال. لا أحد يطالب بالعودة إلى الماضي بحذافيره، ولا بانتقاص حقوق المتقاضين، وإنما نأمل تبسيط الإجراءات، وتسريع الفصل في القضايا، وإعادة الاعتبار للمرافعة المباشرة والصلح، حتى تصل الحقوق إلى أصحابها بأقصر الطرق وأقلها كلفة. فالعدالة لا تكتمل بصحة الحكم وحدها، بل بسرعة وصوله أيضًا.
1299
| 30 يوليو 2026