رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. طالب العذبة

قسم الإعلام – جامعة قطر

مساحة إعلانية

مقالات

714

د. طالب العذبة

هل المتلقي سقط سهواً؟ نحو إعلام أزمات في قطر يفهم جمهوره

09 أبريل 2026 , 03:20ص

حين تضرب الأزمة، يتحرك الإعلام. تُفتح غرف الأخبار، تتصاعد نبرة المذيعين، وتتدفق التقارير من كل اتجاه. غير أن ثمة سؤالاً يظل معلقاً في الهواء، نادراً ما يجد إجابة: من الشخص الذي يجلس في الطرف الآخر؟ وكيف يتلقى ما يصله؟ 

 هذا السؤال هو نقطة البداية لإعادة رسم خريطة اتصال الأزمات في قطر لا من منظور المرسل، بل من منظور المتلقي. لا يختلف اثنان في أن اتصال الأزمات حالة استثنائية تختلف جذرياً عن سائر أشكال الاتصال. فالمرسل يعمل تحت ضغط، والرسالة تُصاغ في ظل معلومات ناقصة، والمتلقي يستقبلها وهو في حالة من القلق والترقب. هذا المثلث الهش هو ما تحاول نظريات إعلام الأزمات الكلاسيكية إدارته. هذه النظريات من ترميم الصورة، إلى نظرية الاتصال الموقفي، مروراً بنظريتَي التأطير ووضع جدول الأعمال (ترتيب الاجندة) بنيت في معظمها لتُجيب عن سؤال واحد: كيف تحمي المؤسسة صورتها؟ أما سؤال كيف يفهم المتلقي ما يجري؟ فيظل في الهامش. 

وفي قطر، يصبح هذا الغياب أكثر إلحاحاً. فقطر ليست مجرد دولة مرّت بأزمات، بل هي دولة اختبرت أزمات متعددة الأبعاد في فترة وجيزة كجائحة كوفيد، واستضافة كأس العالم تحت ضغوط دولية متصاعدة، إلى التوترات الإقليمية الراهنة المتصلة بالصراع المتشعب في محيطها الجغرافي المباشر. في كل هذه المحطات، تعرّض المتلقي القطري لموجات إعلامية هائلة، دون أن تتوفر له أدوات كافية لفهمها وتمييزها وإدارة أثرها النفسي والمجتمعي. 

ومع التغيرات الديموغرافية وتسارع التطور الاتصالي، ثمة تحول بنيوي عميق في طريقة تلقي الجيل القطري الجديد للأخبار. الشاب الذي لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره لا يقرأ التقرير الصحفي المطوّل، ولا يُشاهد نشرة الأخبار في موعدها المحدد. هو يتلقى العالم عبر مقطع مرئي قصير يجمع بين الخبر والإثارة، أو عبر تعليق ساخر يختزل حدثاً معقداً في ثوان. اما الفئة التي من الخامسة والعشرين إلى الثلاثين تتقبل الأخبار الرقمية المكتوبة لكن القصيرة والمُكثفة. ومن هم فوق ذلك، فلا يزالون يحتفظون ببعض الولاء للمنصات الإخبارية التقليدية. 

بالتالي، حين تنشر مؤسسة إعلامية تقريراً تحليلياً عن أزمة بالغة الخطورة، وتنتشر بدلاً منه مقاطع مشوهة أو مُضللة في الفضاء الرقمي، فالمشكلة ليست في غياب المحتوى الجيد، بل في غياب فهم كيف يتلقاه الناس. ومن هذا المنطلق تتميز قطر بخاصية ديموغرافية نادرة على المستوى العالمي وهو مجتمع يجمع بين مواطنين يحملون هويتهم الوطنية الراسخة، ومقيمين من جنسيات عديدة، يعيشون جنباً إلى جنب، ويتلقون الأخبار ذاتها، لكن من خلفيات ثقافية ومرجعيات معرفية مختلفة تماماً. كل مقيم جاء بخبرته وتجربته وطريقة فهمه للعالم. وحين تقع أزمة، فإن كل هذه الخلفيات تُصبح مرشحاً مختلفاً للرسالة الإعلامية الواحدة. وتتبنى دولة قطر عدة أساليب لغوية وبصرية واستراتيجية لإيصال الرسائل بشكل واضح ومفهوم، ولكن يقع على عاتقنا العمل الدؤوب وفهم هذه الاختلافات لتحقيق الاتصال الفعال في الأزمات.

النظريات الغربية تتجاهل هذا التعقيد كلياً لأنها بُنيت في سياقات ثقافية متجانسة نسبياً. لكن الواقع القطري يستدعي إطاراً مختلفاً يعترف بهذا التنوع ويجعله متغيراً مركزياً لا هامشياً في فهم كيفية وصول الرسالة وأثرها. ما تحتاجه قطر اليوم ليس استيراد نموذج غربي وترجمته، بل بناء إطار مفاهيمي أصيل ينطلق من تجربتها الخاصة، ويستحضر خبراتها المتراكمة في إدارة الأزمات، ويأخذ طبيعة مجتمعها وقيمه متغيراً جوهرياً لا ثانوياً. هذا الإطار يقوم على فكرة محورية مفادها أن السردية الإعلامية الفعالة في الازمات لا تُقاس بمعيار الشفافية المجردة، ولا بسرعة الاستجابة وحدها، بل تُقاس بقدرتها على تحقيق توازن دقيق بين الطمأنة التي تحفظ تماسك المجتمع، والاحتراز الذي يُعلي من يقظته الوطنية. هذا المفهوم الثنائي (الطمأنة والاحتراز) ليس ترفاً فكرياً. إنه معادلة عملية تحتاجها كل مؤسسة إعلامية حين تقرر: ماذا تنشر؟ ومتى؟ وكيف؟ وبأي لغة؟ لأي جمهور؟. 

 

مساحة إعلانية