رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

ماذا يحدث عندما تشترى الشهرة؟

في كل مجتمع، يوجد عاملٌ مشترك للنجاح، ويتفق أفراده على أن الإنجاز الحقيقي هو ذلك الذي يلامس اهتمامات الغالبية. فبعض المجتمعات ترى أن قمة النجاح تتمثل في لاعب كرة قدم، وأخرى في سياسي، أو خبير مالي، أو حتى صاحب موهبة أو هواية معينة. وخلال العقد الأخير، سادت ظاهرة جديدة مفادها أن من يحصد أكبر عدد من المتابعين نتيجة حدثٍ اجتماعي عابر على إحدى منصات التواصل الاجتماعي، يسحب البساط سريعاً ويصبح مشهوراً، بل وقائد رأي، وأحد المنصات المؤثرة والناشرة باستمرار داخل مجتمعه. ومع تغيّر سايكوغرافيا المشاهير واهتمامات الجمهور، قد تبدو هذه الظاهرة في جانبٍ منها إيجابية؛ فالدليل أن العديد من المشاهير يحملون خصالاً حميدة تعكس عاداتنا وتقاليدنا القطرية، وأصبحوا بالفعل موجّهين للشباب في المجتمع. غير أن الخطر الحقيقي يكمن فيمن يقوم بشراء منصة الشهرة. فوجود علامة توثيق أو نجمة صفراء بات عاملاً مساعداً لبناء الثقة، وقد يدفع الجماهير إلى متابعة الحساب لمجرد هذه الميزة، ظناً منهم أن هذا “المشهور” يمتلك ما يقدمه. ومع وجود فئات في المجتمع تستخدم المال لصياغة المظهر وتجميله، يقع المتابع ضحية لذلك؛ فصاحب الحساب يشتري المنصة طمعاً في الشهرة، بينما يتبعه الجمهور بحثاً عن المعلومة، لينتهي الأمر بتقديم عشوائي وادعاءات لا أساس لها. هنا يكمن الخطر… إذ إن تضارب الأسباب واختلاف الدوافع يُنتج بالضرورة ظاهرة سلبية. فالمشهور يروّج مظهراً مصطنعاً، والمتابع يتلقى ذلك بثقةٍ معززة بعلامة التوثيق، مما يصنع مع مرور الوقت تأثيراً فضفاضاً يشكّل تحدياً حقيقياً على المجتمع. إن شراء الشهرة يبدو وكأنه شكل من أشكال الاحتيال غير الأخلاقي؛ فكيف لمؤثر، كما يدّعي، أن يؤتمن على المجتمع وهو قد بدأ مسيرته بتصرف غير أخلاقي؟ من هنا، تصبح عملية التدقيق والتقنين لهذه السمات في منصات التواصل الاجتماعي أمراً واجباً، خاصة في ظل التسارع المستمر في التطور التكنولوجي. وفي المقابل، تقع على عاتق المتابع مسؤولية لا تقل أهمية، تتمثل في التحقق وبناء ثقافة الاختيار الواعي للمؤثر الحقيقي، صاحب الشهرة الواقعية والمصداقية. ويتحقق ذلك من خلال فحص الحسابات، وتاريخها، وطبيعة محتواها، والرجوع إلى أهل الاختصاص عند الحاجة. إنها مسؤولية فردية، والوعي يبقى سيّد الموقف في كل زمان. قسم الإعلام -جامعة قطر

345

| 05 يونيو 2026

الموسوعة الإعلامية تنقذنا من هيمنة المفردة الغربية

في عصر تنتقل فيه المفردات من لغة إلى أخرى، ومن ثقافة إلى ثقافة، ويتشارك فيه العالم المعاني ويتنافس في العلوم، بات من الضروري الالتفات إلى الثقافة المحلية، والعودة إلى جذور مفاهيمها التاريخية. ويتحقق ذلك على مستويين أساسيين: أكاديمي وعملي. على المستوى الأكاديمي، فإن تفسير الظواهر ودراسة الحالات يستندان في الغالب إلى نظريات مبنية على مفاهيم ذات أصول غربية، عُرّفت في سياقاتها التاريخية والاجتماعية الخاصة بالعالم الغربي. هذه التعريفات، حين تُنقل حرفياً وتُسقط على مجتمعات مختلفة، قد تفقد كثيراً من دقتها، بل وقد تُنتج فهماً قاصراً أو مضللاً للظاهرة محل الدراسة. أما على المستوى العملي، فإن تبنّي مفاهيم وافدة، لا تنسجم مع الثقافة الأصيلة للمجتمع، لا يفضي بالضرورة إلى ممارسات إيجابية كاملة الأثر، بل قد يحد من فاعلية الاتصال والتأثير المجتمعي. إن أصل المفهوم هو معنى المفردة في لغتها وثقافتها، وفهم المفردة وتعريفها تعريفاً صحيحاً، بما يتلاءم مع الخصوصية الثقافية المحلية أينما كانت، هو أساس الإتقان في المعرفة والممارسة على حد سواء. وفي هذا السياق، جاءت الموسوعة الإعلامية التي دشنتها المؤسسة القطرية للإعلام لتقدم مبادرة رصينة، تشكل قاعدة معرفية لفهم المفردات الإعلامية وتفسيرها وتعريف أصولها اللغوية، ارتكازاً على لغتنا العربية وديننا الإسلامي. وإذا ما تطورت هذه الموسوعة واستمرت، فإنها مرشحة لأن تكون جامعاً للإبداع القطري والعربي، لا على مستوى اللغة فحسب، بل أيضاً على مستوى الابتكار الفردي في صناعة الحدث، وكتابة المحتوى، وابتكار أساليب حديثة أصيلة، تتمسك بجذورها العربية الإسلامية القطرية، وتواكب الحداثة، وترتقي بمستوى الإدراك المجتمعي في الأدب والعلوم والإعلام. ولا شك أن الأكاديميين في مجتمعاتنا يطبقون غالبية النظريات الإعلامية الغربية بهدف التطوير وإحداث تغيير إيجابي في المؤسسات الإعلامية، أو في التوجهات السلوكية والرأي العام. غير أن هذا التطبيق يصطدم في كثير من الأحيان بحدود لغوية ومفاهيمية، تعيق تفسير الظواهر تفسيراً دقيقاً. فعلى سبيل المثال، يختلف الباحثون الغربيون عن نظرائهم من العرب وغيرهم في التمييز بين مفاهيم مثل السلوك والموقف والتصرف؛ إذ تُعدّ في بعض المدارس ثلاث ظواهر متباينة، إحداها عميقة نابعة من الفكر والإدراك، وأخرى ناتجة عن التعلم الاجتماعي. هنا يجد الباحث العربي نفسه في منطقة رمادية عند الاستنتاج، محاولاً رأب الصدع بين المفاهيم داخل الإطار النظري العلمي. هذا مثال واحد على التحدي الأكاديمي، أما على مستوى الممارسة في العلاقات العامة والكتابة الصحفية، فهناك العديد من المفردات التي جرى تداولها وكتابتها كما وردت من السياق الغربي، دون إعادة تأصيل أو مواءمة ثقافية.وفي ختام هذا المقال، لا يسعني إلا أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير للمؤسسة القطرية للإعلام، ولجميع القائمين على هذه الموسوعة القيّمة، التي تشرفت بحضور تدشينها في معرض الكتاب الدولي، مع الأمل بأن تصبح مرجعاً شاملاً للعلم والممارسة والتطبيق، يسهم في تعزيز الهوية اللغوية والمعرفية للإعلام العرب.

300

| 24 مايو 2026

هدوء الأزمة.. غير صالح لالتقاط الأنفاس

لتحقيق اتصال إستراتيجي ناجح وإحداث تواصل فعَّال، يجب التفريق بين مرحلة هدوء الأزمة ومرحلة التعافي منها. فهدوء الأزمة غالبًا ما يسبق مرحلة التعافي، وإعادة بناء الثقة، وتعزيز الوعي، والتأكد من أن ما مضى هو درسٌ يتلقاه المجتمع ليزداد قوة. وهنا يحلّ الهدوء محلّ التكيّف وتقبُّل التغيير، ليصنع المجتمع من كل تحدٍّ فرصةً تنمّي مهارات أفراده وترسم ملامح جديدة لأهدافه. ومن جانب آخر، إذا كان هذا الهدوء يسبق موجةً ثانيةً للأزمة، فهو ليس الوقت المناسب للراحة والتقاط الأنفاس، بل يشبه توقّف سيارة السباق لتعود إلى المضمار بشكل أقوى وبعجلات أحدث. والسؤال هو: ما الذي ينبغي على ممارسي الاتصال الإستراتيجي فعله في كلتا الحالتين؟ في الحالة الأولى، وهي حالة الهدوء التي تسبق مرحلة التعافي، عادةً ما يكون التركيز على ما تم نشره سابقًا وتحليله، مع كشف نقاط القوة والضعف فيه. وتُظهر نقاط الضعف الفجوات التي لا بد أن يسدّها الاتصال الفعّال. ونتيجة لذلك، تتركز الجهود على إعادة بناء الثقة بشكل مستمر، ووضع الجمهور في موضع الشريك الذي أسهم في تجاوز هذه الأزمة. هذه الممارسات لا ترتبط بما كان قبل الأزمة، بل تنطلق مما بعدها، وكيف يمكن أن يتحوّل التحدي إلى باب جديد للتطور والتقدم. هذه الحالة من الهدوء تشبه إلى حدٍّ كبير مرحلة التعافي كما ذُكر آنفًا، لذلك تُعد المرحلة المثلى للإعداد الأقوى للمرحلة القادمة. فإعادة بناء الثقة تحتاج إلى تمهيد، ومرحلة الهدوء تمثل هذا التمهيد بأفضل صورة. وبعبارة أخرى، هي مرحلة إعداد وفرصة أكبر لإتقان الاتصال الفعّال في المرحلة التالية. أما إذا كانت المرحلة مجرد هدوء للأزمة، فعادةً ما تتسم لغة الاتصال الإستراتيجي بالتأني، أي الحفاظ على مستوى عالٍ من الحذر مع تذكير أقل كثافة مقارنة بمرحلة ذروة الأزمة، لأن الجمهور هنا يتسم بصفتين: «سرعة النسيان وسرعة التذكّر». في هذه الحالة، يبقى وعي المجتمع في منطقة وسطى بين الإيجاب والسلب. وبالتالي، يتسم ممارسو الاتصال الإستراتيجي في هذا الموقف بدرجة عالية من الحذر في صياغة المحتوى، وتوقيت نشره، وتنوّع مضامينه. فعلى سبيل المثال، يجب ألا يكون المحتوى توجيهيًا بحتًا، بل متوازنًا بين المسؤولية والتوجيه؛ تارةً يعزّز الشعور الإيجابي بالمسؤولية لدى المتلقي، وتارةً يذكّره بالتعليمات وإجراءات الأمن والسلامة. وفيما يخص التوقيت، يكون التركيز على الفترات التي تشهد أعلى استخدام لوسائل الإعلام، بدلًا من الاعتماد على كثافة النشر، وهي مقاربة قريبة من أوقات التذكير. أما من حيث تنوّع المضامين، فيُفضّل الاعتماد على أشكال أكثر لطفًا ولا توحي بالخطر، مثل تجنّب الألوان الدالة على الخطر كالأحمر وتدرجاته، واعتماد صور أكثر إيجابية مع الحفاظ على التوجيه والإرشادات المطلوبة. وقد يكون عدم توحيد الرسالة عبر جميع المنصات أحد أساليب التنويع، بحيث لا يشعر المتلقي بأنه في خضم أزمة جديدة، وفي الوقت نفسه لا يقع في فخ النسيان خلال مرحلة هدوء الأزمة.

354

| 07 مايو 2026

الإعلام القطري من تعدد المحتوى إلى عمق التخصص

التنوع الإعلامي ليس ترفاً. هو ما يمنح الفرد حق الاختيار الفعلي، ويحوّله من متلقٍّ يأخذ ما يُقدَّم له إلى ناقد يقارن ويمحّص ويقرر بنفسه ما يستحق وقته. هذا في جوهره معنى العدالة الإعلامية: أن يصل الخبر إلى كل شخص بلغته وبأسلوب يفهمه. وبعبارة أخرى، التنوع والتعدد وجهان لعملة واحدة تنقل الفرد من حالة المتلقي السلبي كونه فقط مستقبلا للمعلومة إلى متلق إيجابي يفهم ويتفاعل بوعيه مع الرسالة. في قطر، اعتدنا على تعدد المنصات الإعلامية سواء على مستوى الإعلام التقليدي في التلفاز والمذياع والصحف، أو على مستوى الإعلام الرقمي. واليوم تستعد المؤسسة القطرية للإعلام لإطلاق قناة «كيو بي سي » الاقتصادية، التي ستتولى نقل المحتوى الاقتصادي ومناقشته وتحليله بحلّة إعلامية متقدمة وخط تحريري مستقل، من شأنه أن يرفع وعي الفرد ويوجد حضوراً فعلياً للكيانات الاقتصادية المحلية والعالمية أمام المشاهد القطري. وجود هذا النوع من الخطوط التحريرية المتخصصة يمثّل قفزة نوعية في تحفيز مساهمات الفرد القطري مستقبلاً في الاقتصاد. والإعلام كما نعلم يلعب دوراً محورياً في تشكيل وعي الأفراد آنياً وإستراتيجياً، أي أنه لا يكتفي بنقل الحدث، بل يغيّر السلوك على المدى البعيد. يمكن النظر إلى المشهد الإعلامي القطري كبنيان متكامل: قناة الجزيرة فتحت نافذة على الممارسة السياسية إقليمياً ودولياً. تلفزيون قطر حمل الصوت الرسمي الجامع. قناة الريان حافظت على التراث والثقافة والعادات القطرية بما يحاكي الهوية الشعبية. وكل هذه المنصات تنوعت بين المرئي والمكتوب، التقليدي والرقمي. ما صنعته هذه المنصات مجتمعة هو فضاء معرفي متراكم أنتج أفراداً قطريين أكثر وعياً في كل مجال. كل قناة رسّخت اهتماماً، وكل محتوى متخصص نمّى مدارك الأفراد الذين يعيشون على هذه الأرض يوماً بعد يوم. وعلى هذا المستوى تأتي «كيو بي سي » لتفتح آفاقاً جديدة وتصنع جيلاً جُلّ اهتمامه الاقتصاد المحلي والدولي. والقنوات السابقة أثبتت أن هذا ممكن: صنعت شباباً متمسكين بهويتهم القطرية وعاداتهم وتقاليدهم، وواعين سياسياً بما يحدث في المنطقة. وفي المستقبل، ستصنع هذه القناة شباباً يديرون الدفة الاقتصادية ويساهمون في تنمية هذا الوطن. الإعلام هو المحرك الأول لأفكار الشباب والمحفّز الأساسي لطموحاتهم، وتنوعه وتعدده ينتج دائماً مدارك واسعة تطّلع على مختلف المجالات. والإعلام القطري اليوم يقود المواطن نحو تحقيق ركائز رؤية قطر الوطنية اجتماعياً واقتصادياً وبيئياً.

393

| 29 أبريل 2026

فرائس الاتصال المرئي

منذ سنوات، ومنصات التواصل الاجتماعي تدفع المحتوى المرئي إلى الواجهة على حساب المكتوب، ظهرت منصات كاملة مبنية على الصورة والفيديو، سواء عبر المراسلات المصوّرة أو البث المباشر. وفي المقابل، أصبح المستخدم يبحث عن متعة المشاهدة أكثر من اهتمامه بجودة ما يشاهده. الشركات المالكة لهذه المنصات لاحظت هذا السلوك مبكراً، فطوّرت خوارزميات تقيس كم ثانية يقضيها المستخدم أمام مقطع معيّن، ثم تغرقه بمقاطع مشابهة. شاهد مقطعاً عن كرة القدم؟ ستملأ الخوارزمية شاشتك بمباريات وأخبار رياضية وتحليلات حتى يبدو وكأنه لا يوجد شيء آخر في العالم. يسمّون هذا «تقسيم الجمهور المستهدف»: جمهور لكرة القدم، وآخر للأزياء، وثالث للألعاب الإلكترونية، ورابع للطبخ. كل مجموعة في فقاعتها. والهدف؟ تجاري بحت: إعلانات مُوجّهة بدقة تصل إلى الفقاعة (الجمهور) المهتمة بها. لكن الخطر هنا أعمق من الإعلانات، الاستخدام المفرط لهذه المنصات يحبس المستخدم داخل اهتماماته. تفوته أخبارا ومعلومات لا علاقة لها باهتمامه، لكنها تمسّ حياته مباشرة. تنتج هذه الخوارزميات أفراداً أحاديّي التوجه، لا يتفاعلون إلا مع ما يعرفونه سلفاً، وغير قادرين على استيعاب ما يحدث خارج الفقاعة. والأمر أخطر حين يكون المستخدم مراهقاً أو طفلاً. هؤلاء لا يتابعون محتوى بوعي أو اهتمام محدد، بل يتوقفون عند مقطع بالصدفة، فترسم لهم الخوارزمية توجهاً لم يختاروه بأنفسهم. هذا يعني أن الخوارزمية لا تقتصر على رصد الاهتمامات، بل تصنع اهتمامات من العدم. وقصور المقياس التكنولوجي في التمييز بين اختيار واعٍ وتوقّف عشوائي قد يُشكّل أفكار جيل كامل دون أن يُدرك أحد ذلك. من هنا تبرز الحاجة إلى وعي على مستويين: الأول فردي، وهو نشر تعليمات واضحة حول آلية عمل الخوارزميات، وكيفية التعامل معها، وطرق تقليل الانحياز التكنولوجي غير المقصود. أن يعرف المستخدم أن ما يظهر له ليس «كل ما يحدث»، بل «ما تريد الخوارزمية أن يراه». أما الثاني مؤسسي، فهو دور الأسرة والمدرسة والمؤسسات الاجتماعية في توجيه الناشئة وتعليمهم كيف يتفادون الآثار السلبية لهذه الفقاعات الرقمية. وكمثال عملي بسيط: لو قام المستخدم بالبحث يومياً عن مواضيع متنوعة، أخبار، ثم رياضة، ثم سيارات، ثم علوم، فإن الخوارزمية تعيد تشكيل ملفه بصورة أوسع. لن تختفي الفقاعة تماماً، لكنها تصبح أقل ضيقاً وأكثر تنوعاً.

408

| 21 أبريل 2026

هل المتلقي سقط سهواً؟ نحو إعلام أزمات في قطر يفهم جمهوره

حين تضرب الأزمة، يتحرك الإعلام. تُفتح غرف الأخبار، تتصاعد نبرة المذيعين، وتتدفق التقارير من كل اتجاه. غير أن ثمة سؤالاً يظل معلقاً في الهواء، نادراً ما يجد إجابة: من الشخص الذي يجلس في الطرف الآخر؟ وكيف يتلقى ما يصله؟ هذا السؤال هو نقطة البداية لإعادة رسم خريطة اتصال الأزمات في قطر لا من منظور المرسل، بل من منظور المتلقي. لا يختلف اثنان في أن اتصال الأزمات حالة استثنائية تختلف جذرياً عن سائر أشكال الاتصال. فالمرسل يعمل تحت ضغط، والرسالة تُصاغ في ظل معلومات ناقصة، والمتلقي يستقبلها وهو في حالة من القلق والترقب. هذا المثلث الهش هو ما تحاول نظريات إعلام الأزمات الكلاسيكية إدارته. هذه النظريات من ترميم الصورة، إلى نظرية الاتصال الموقفي، مروراً بنظريتَي التأطير ووضع جدول الأعمال (ترتيب الاجندة) بنيت في معظمها لتُجيب عن سؤال واحد: كيف تحمي المؤسسة صورتها؟ أما سؤال كيف يفهم المتلقي ما يجري؟ فيظل في الهامش. وفي قطر، يصبح هذا الغياب أكثر إلحاحاً. فقطر ليست مجرد دولة مرّت بأزمات، بل هي دولة اختبرت أزمات متعددة الأبعاد في فترة وجيزة كجائحة كوفيد، واستضافة كأس العالم تحت ضغوط دولية متصاعدة، إلى التوترات الإقليمية الراهنة المتصلة بالصراع المتشعب في محيطها الجغرافي المباشر. في كل هذه المحطات، تعرّض المتلقي القطري لموجات إعلامية هائلة، دون أن تتوفر له أدوات كافية لفهمها وتمييزها وإدارة أثرها النفسي والمجتمعي. ومع التغيرات الديموغرافية وتسارع التطور الاتصالي، ثمة تحول بنيوي عميق في طريقة تلقي الجيل القطري الجديد للأخبار. الشاب الذي لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره لا يقرأ التقرير الصحفي المطوّل، ولا يُشاهد نشرة الأخبار في موعدها المحدد. هو يتلقى العالم عبر مقطع مرئي قصير يجمع بين الخبر والإثارة، أو عبر تعليق ساخر يختزل حدثاً معقداً في ثوان. اما الفئة التي من الخامسة والعشرين إلى الثلاثين تتقبل الأخبار الرقمية المكتوبة لكن القصيرة والمُكثفة. ومن هم فوق ذلك، فلا يزالون يحتفظون ببعض الولاء للمنصات الإخبارية التقليدية. بالتالي، حين تنشر مؤسسة إعلامية تقريراً تحليلياً عن أزمة بالغة الخطورة، وتنتشر بدلاً منه مقاطع مشوهة أو مُضللة في الفضاء الرقمي، فالمشكلة ليست في غياب المحتوى الجيد، بل في غياب فهم كيف يتلقاه الناس. ومن هذا المنطلق تتميز قطر بخاصية ديموغرافية نادرة على المستوى العالمي وهو مجتمع يجمع بين مواطنين يحملون هويتهم الوطنية الراسخة، ومقيمين من جنسيات عديدة، يعيشون جنباً إلى جنب، ويتلقون الأخبار ذاتها، لكن من خلفيات ثقافية ومرجعيات معرفية مختلفة تماماً. كل مقيم جاء بخبرته وتجربته وطريقة فهمه للعالم. وحين تقع أزمة، فإن كل هذه الخلفيات تُصبح مرشحاً مختلفاً للرسالة الإعلامية الواحدة. وتتبنى دولة قطر عدة أساليب لغوية وبصرية واستراتيجية لإيصال الرسائل بشكل واضح ومفهوم، ولكن يقع على عاتقنا العمل الدؤوب وفهم هذه الاختلافات لتحقيق الاتصال الفعال في الأزمات. النظريات الغربية تتجاهل هذا التعقيد كلياً لأنها بُنيت في سياقات ثقافية متجانسة نسبياً. لكن الواقع القطري يستدعي إطاراً مختلفاً يعترف بهذا التنوع ويجعله متغيراً مركزياً لا هامشياً في فهم كيفية وصول الرسالة وأثرها. ما تحتاجه قطر اليوم ليس استيراد نموذج غربي وترجمته، بل بناء إطار مفاهيمي أصيل ينطلق من تجربتها الخاصة، ويستحضر خبراتها المتراكمة في إدارة الأزمات، ويأخذ طبيعة مجتمعها وقيمه متغيراً جوهرياً لا ثانوياً. هذا الإطار يقوم على فكرة محورية مفادها أن السردية الإعلامية الفعالة في الازمات لا تُقاس بمعيار الشفافية المجردة، ولا بسرعة الاستجابة وحدها، بل تُقاس بقدرتها على تحقيق توازن دقيق بين الطمأنة التي تحفظ تماسك المجتمع، والاحتراز الذي يُعلي من يقظته الوطنية. هذا المفهوم الثنائي (الطمأنة والاحتراز) ليس ترفاً فكرياً. إنه معادلة عملية تحتاجها كل مؤسسة إعلامية حين تقرر: ماذا تنشر؟ ومتى؟ وكيف؟ وبأي لغة؟ لأي جمهور؟.

840

| 09 أبريل 2026

الذكاء الاصطناعي واتصال الأزمات

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية مساندة، بل أصبح فاعلًا رئيسيًا في منظومة الاتصال الحديثة، حيث أسهم في إحداث نقلة نوعية في صناعة المحتوى الإعلامي، من تحرير وكتابة الأخبار إلى تصميم واستحداث الصور والمقاطع المرئية، وصولًا إلى دعم ممارسي العلاقات العامة في إعداد الخطط والاستراتيجيات اللازمة وتسريع عمليات التخطيط والإدارة الإعلامية. ورغم هذه التحولات اللافتة، يبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى يمكن ان تعتمد المنظمات والمؤسسات على الذكاء الاصطناعي في أكثر لحظات الاتصال حساسية، أي أثناء الأزمات؟ تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في قدرته الهائلة على الوصول إلى كمٍّ ضخم من البيانات وتحليلها في وقت قياسي، مستندًا إلى قواعد معرفية واسعة تشمل الأبحاث والدراسات والتجارب العالمية. إلا أن هذه الميزة ذاتها تطرح إشكالية عميقة، تتمثل في تحيز معرفي ملحوظ نحو النماذج الغربية، وهو ما قد يؤدي إلى تعميم ممارسات اتصالية لا تتناسب بالضرورة مع خصوصيات المجتمعات الأخرى. لطالما أكد علماء الاتصال أن نقل النماذج الإعلامية من سياق إلى آخر دون مراعاة الفروق الثقافية يُفقد الرسالة فعاليتها، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فلكل مجتمع منظومته القيمية، ولغته الخاصة، وأنماطه الإدراكية التي تشكل طريقة استقباله للرسائل الإعلامية. ومن هنا برزت أهمية تبني استراتيجيات تقوم على التكيف لا التعميم والنقل، وعلى إعادة تشكيل الممارسات بما يتلاءم مع المجتمعات المحلية. في هذا السياق، تبرز حدود وتحديات الذكاء الاصطناعي بصورة واضحة. فرغم دقته اللغوية وقدرته على إنتاج محتوى متماسك، إلا أنه يفتقر إلى المنطق الإنساني العميق الذي يُعد عنصرًا حاسمًا في اتصال الأزمات. فالتعامل مع الأزمات لا يقتصر على نقل المعلومات، بل يتطلب فهمًا دقيقًا لمشاعر وتوجهات الجمهور، وبناء الثقة، وإدارة الانطباعات، وهي عناصر يصعب اختزالها في خوارزميات ووظائف تكنولوجية. على سبيل المثال، قد ينجح الذكاء الاصطناعي في صياغة بيان رسمي متماسك أثناء أزمة مؤسسية، لكنه قد يعجز عن التقاط النبرة العاطفية المناسبة أو مراعاة الحساسية الثقافية للجمهور المحلي، وهو ما قد يضعف من تأثير الرسالة أو يثير ردود فعل غير متوقعة. وفي مثل هذه السياقات، يصبح الاعتماد الكامل على المحتوى الآلي مخاطرة اتصالية. هذا لا يعني التقليل من قيمة الذكاء الاصطناعي، بل على العكس، يمكن توظيفه بفعالية في تحليل البيانات، ورصد اتجاهات الرأي العام، والتنبؤ بتطورات الأزمات، ودعم متخذي القرار بمؤشرات دقيقة. غير أن دوره يجب أن يظل تكميليًا، لا بديلًا عن الخبرة الإنسانية. في الختام، قد يحقق المحتوى المنتج عبر الذكاء الاصطناعي نجاحًا سريعًا على المدى القصير، لكنه لا يكفي لبناء الثقة المستدامة، وهي الركيزة الأساسية في اتصال الأزمات. فبين سرعة الآلة وعمق الإنسان، تظل الكلمة الأكثر تأثيرًا هي تلك التي تحمل فهمًا حقيقيًا للسياق، وإحساسًا صادقًا بالجمهور.

738

| 29 مارس 2026

التنوع الإعلامي واتصال الأزمات

الاتصال في الأزمات يحمل خصائص أكبر من مرسل ومستقبِل ورسالة فقط، بل هناك مكوّنات مهمة أيضاً تُضاف إلى هذه المكوّنات، وهي (الشراكة العاطفية) كالثقة، والتعاون، والجدية، والوضوح. بالتالي، يندرج اتصال الأزمات تحت الاتصال الإستراتيجي كونه يحمل هدف كسب الثقة واستمرارية الاتصال. وكون الاتصال بطبيعته اتصالاً متسلسلاً لا تقبل مضامينه التعديل، فإن الخطأ الاتصالي، سواء كان في المحتوى أو في العملية الاتصالية، لا تُحمد عقباه في اتصال الأزمات. فالمتلقي، بسبب الأزمة، يرتفع لديه إحساس الجهل بالمستقبل، مما يسبب له التوتر والقلق. ولسد فجوة هذا القلق، يقوم بالبحث المستمر عن المعلومة. لذلك، من سمات رسالة اتصال الأزمات أيضاً، بالإضافة إلى استمراريتها، أن تكون واضحة، ومحددة، ودقيقة، وأن تغطي دائماً معلومات (الظرف الحالي)، مما يُشبع المتلقي حتى وقت الرسالة الأخرى. في ظل الأزمة الحالية والهجوم الإيراني المتهور على دول الخليج، واجهت قطر، كغيرها من دول الخليج، هذه الأزمة بعزم، وعكست الجهات في قطر نجاح اتصال الأزمات وفاعليته لإمداد الجمهور بالمعلومات أثناء الأزمة. وما يميز قطر عن غيرها أنها تضم العديد من الجاليات المختلفة، الأمر الذي يتطلب تنوعاً في اللغة والمنصات والخطوط التحريرية. ويُعد هذا التنوع عاملاً مهماً يحفظ استمرارية الاتصال ويضمن فهم الرسالة بالشكل الصحيح. ومثال على ذلك، قيام المؤسسة القطرية للإعلام بنشر عدة ملصقات ومقاطع تحمل اللغة العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية والأوردو وغيرها من اللغات، وذلك خلال إرشادها للجمهور إلى استقاء المعلومات من المصادر الصحيحة. ومن جهة أخرى، قامت أيضاً وزارة الداخلية بنشر عدة مقاطع بعدة لغات عبر منصات التواصل الاجتماعي، وذلك لضمان وصول الرسائل إلى كافة سكان دولة قطر. ومما لا شك فيه أن جميع الجهات في الدولة قامت بنفس الخطة، وذلك لتعزيز الاتصال مع الجمهور المستهدف. يُعد هذا النوع من التعدد والتنوع في رسائل الأزمات تطبيقاً حديثاً لفاعلية وتعزيز واستمرارية الاتصال. وقد نجحت الجهات في دولة قطر في تبنّي هذا المفهوم وتحديد لغات وخطوط تحريرية تحاكي التنوع الديموغرافي في المنطقة. وفي الختام، تصنع الأزمات دائماً إبداعات حديثة مثل هذا التطبيق الحديث؛ إذ شهدت دولة قطر العديد من الأزمات التي عززت من قوة إعلامها الداخلي والخارجي. ويُعد هذا التطور مساحة بحث يمكن من خلالها أن يطوّر الباحثون ماهية وخصائص اتصال الأزمات في منطقة الخليج.

261

| 24 مارس 2026

alsharq
مواد البناء في قطر.. دروس من أزمة المضيق

أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية...

2802

| 31 مايو 2026

alsharq
لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟

قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير...

2550

| 02 يونيو 2026

alsharq
حين يقودنا الوعي بدل العاطفة

في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف...

2409

| 02 يونيو 2026

alsharq
الكورة في ملعبك

لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر...

2013

| 02 يونيو 2026

alsharq
نظرة سوداوية أو مستقبلية؟

دخلنا عصراً جديداً توجهنا معه وخاصة مع جائحة...

1521

| 01 يونيو 2026

alsharq
إحياء مبدأ مونرو.. تخلٍّ عن الهيمنة أم حفاظ عليها ؟

في ديسمبر 2025، أصدرت إدارة ترامب وثيقة الأمن...

1479

| 04 يونيو 2026

alsharq
الحج بين روح العبادة وضجيج المظاهر!

• انقضى موسم الحج لهذا العام، ونجحت المملكة...

1272

| 03 يونيو 2026

alsharq
«مرثية» وداعية.. في رحيل العطية.. "بوحمد".. عنوان النزاهة.. ورمز الشفافية

.اسمه ارتبط بالتحول التاريخي الإيجابي القطري في مجال...

1089

| 04 يونيو 2026

alsharq
كيف نتعامل مع حوادث الانتحار

مع ولادة الفضاء الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت...

906

| 31 مايو 2026

alsharq
من استبد برأيه هلك

ما أهلك فرعون سوى عقله المتحجر المتصلب، وبالمثل...

837

| 04 يونيو 2026

alsharq
الموظف "العومة"

الموظف الحكومي من أكثر الأشخاص الذي مهما فعل...

825

| 31 مايو 2026

alsharq
دلالات وكلفة سيطرة الرئيس ترامب على حزبه الجمهوري..!!

السؤال المهم في الدوائر السياسية الأمريكية منذ نجاح...

756

| 31 مايو 2026

أخبار محلية