رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

رائد حمزة مقداد

مساحة إعلانية

مقالات

189

رائد حمزة مقداد

زمن بلا بوصلة

17 أبريل 2026 , 01:18ص

ليس السؤال: ماذا تفعل المنصّات بنا؟ بل: ماذا فعلنا نحن بأنفسنا حين سلّمنا عقولنا لزرّ الإعجاب. في لحظةٍ خاطفة انقلب الميزان: التفاهة تُزفّ كعروس، والفراغ يُتوَّج كإنجاز، والضجيج يُباع كحكمة. صرنا نخلط الشهرة بالقيمة، ونقيس الإنسان بعدد المشاهدات، ونستبدل المعنى بالصدمة، حتى غدت الشاشات مرايا مشوّهة تُقنعنا أن التشوّه طبيعي، وأن الوقاحة جرأة، وأن الانحدار “ترند”. هذا ليس “عصر محتوى”، بل عصر ابتزاز عاطفي رقمي: يبتلع وقتنا، ويستأجر مشاعرنا، ويعيد تشكيل ذائقتنا دون أن نشعر. المنصّة تُغري، نعم، لكنها لا تُجبر؛ نحن من فتح الباب، ونحن من صفق، ونحن من روّج. حين صار الضار حرًّا طليقًا، صار النافع محاصرًا بالبرود والسخرية: “ممل”، “متفلسف”، “كبرت الموضوع”. وهكذا تُقتل الفكرة قبل أن تولد. في قلب المشهد يقف “التوسّل الإلكتروني”: بيع الكرامة بالتقسيط مقابل فتات انتباه. يبدأ الأمر بريئًا: أريد أن أُرى، ثم أريد أن أُصدَّق، ثم أريد أن يُصفَّق لي، ثم: سأفعل أي شيء كي لا أنطفئ. هنا يولد فقر أخطر من فقر الجيب: فقر المعنى. الشهرة تصبح إدمانًا، والجرعة لا تكفي، فتتضخم الجرأة، وتنكسر الحدود، ويُختزل الإنسان إلى لقطة. ولأن المشكلة نفسية قبل أن تكون تقنية، فهي تُغذّي القلق المقارن: ترى حياة الآخرين مصقولة فتحتقر حياتك، وتلاحق صورة مثالية فتكره واقعك. تتبدّل البوصلة: بدل أن نسأل “هل هذا حق؟” نسأل “هل هذا رائج؟” نحتاج تربية رقمية في المدارس، وميثاقًا أخلاقيًا للمؤثرين، ودعمًا رسميًا للمحتوى العلمي والتطوعي، ومساحات تكريم للمعلمين والباحثين. نحتاج إعلامًا يرفع الجودة، وأسرةً تضع حدودًا، وشابًا يختار القدوة بعقله لا بغريزته. ومحاسبة من يروّج للكراهية والابتذال، وتشجيع منصات محلية تُقدّم المعرفة بمتعة، وتُعيد للغة هيبتها وتحمي الطفل من الضياع. الحل واضح كالشمس: اقطع وقود التفاهة بالتجاهل، واصنع نجومية للقيمة، واربِ الذائقة ببديل محترم، واطلب تكريمًا للرسالة لا للضجيج. والأهم أن نُربّي في داخلنا شرطةً أخلاقية: أن نسأل قبل النشر: هل يرضى الله؟ هل ينفع الناس؟ هل يحفظ كرامتي وكرامة غيري؟ عندها فقط تتحول المنصّات من سوقٍ للضجيج إلى منبرٍ للوعي، ويستقيم القلب والعقل والذوق معًا. خاتمتنا ليست سؤالًا بل محاكمة: إن واصلنا التصفيق للخراب، فسنستيقظ يومًا على جيلٍ بلا لغة، بلا قدوة، بلا معنى. وحينها لن نلوم خوارزمية… سنلوم أنفسنا، لأننا كنا شهودًا على سقوط الروح، واخترنا الصمت.

مساحة إعلانية