رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

رائد حمزة مقداد

مساحة إعلانية

مقالات

90

رائد حمزة مقداد

صرخة ضمير.. حين مات الستر

16 يناير 2026 , 01:43ص

في زمنٍ تسلّل فيه الهاتف إلى كل يد، ودخلت منصّات التواصل كل بيت، نقف أمام واقعٍ موجعٍ لا يخص فردًا بعينه، بل يهدّد سلامة مجتمعٍ كامل. واقعٌ تُستباح فيه الخصوصية باسم “البث المباشر”، وتُقتل فيه العفّة والستر تحت لافتة “الترند”، ويُستبدل فيه العمق بالضجيج، والقيم بعدّاد المشاهدات. إننا أمام لحظة حرجة تستدعي وقفة صادقة، واستغاثة إنسانية، ونداء رجاء يطرق القلوب قبل العقول. لم يعد التواصل الاجتماعي نافذة معرفة فحسب، بل تحوّل عند كثيرين إلى سوقٍ مفتوحٍ لعرض كل ما نهى عنه ديننا الحنيف ورفضته عروبتنا وثقافتنا. صار المكان الذي يُقال فيه ما كان يُستحى منه، ويُعرض فيه ما كان يُصان، وتُبث فيه أسرار البيوت بلا جدران ولا أبواب ولا نوافذ تحمي. قيل قديمًا: إذا ابتليتم فاستتروا، فخالفنا الوصية، وأصبحنا نعرض ابتلاءاتنا بالمجان، ونكشف أعراضنا طوعًا، ونصفّق لمن يفضح أكثر لأنه “ترند”. دخلت هذه المنصّات كل الأعمار: طفلٌ لا يعرف أسس الاستخدام الصحيح، ومراهقٌ لم يجد من يرشده للبناء لا للهدم، وشيخٌ غاب عنه وقاره، وفتاةٌ ضيّعت كرامتها في سباق الشهرة. تحوّل “البث المباشر” إلى مسرحٍ دائم، لا وقت فيه للتفكير ولا مساحة للحياء. كلما زاد الكشف زادت المتابعة، وكلما انخفض الستر ارتفعت الأرباح. مالٌ بلا تعب، وشهرةٌ بلا قيمة، ونجوميةٌ تصنعها التفاهة والسخافة وغياب الطهر والحياء. وفي المقابل، يُهمَّش المثقف، ويُغيب العالم، ويُدفن صوت النافع الذي يسعى لبناء مجتمعٍ سليم. لا تُسمع كلمته، ولا يُحتفى بجهده، لأن السوق لا يطلب إلا ما يثير، لا ما ينفع. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: حين تصبح التفاهة محركًا، والضجيج عقلًا، والترند قلبًا، تُصاب القيم بالشلل، ويُصاب المجتمع بمرضٍ خطير. أبناؤنا اليوم أسرى هذه الشاشات ليلًا ونهارًا. لا يعرفون النهار إلا من ضوء الطريق إلى المدرسة أو العمل، ولا يعرفون الليل إلا من ظلمة غرفةٍ يضيئها هاتف. ضعفت الأجساد، وغُيّبت العقول، وقُتلت الضمائر، وتبدّلت الأفكار. الطبيعة حولهم صامتة، والمعاني بعيدة، والإنسان داخلهم يتآكل. الأسرة الواحدة لا يجمعها إلا سقفٌ بارد؛ أبٌ وأمٌّ وفتاةٌ وشاب، كلٌّ يبحر في عالمه الرقمي، بلا حوارٍ ولا دفءٍ ولا مشاركة. والأشد إيلامًا أن الخصوصية — وهي حقٌّ أصيل لسلامة المجتمع — أصبحت على العلن. من الصالة إلى المطبخ، ومن أدق تفاصيل اليوم إلى ما يجب أن يبقى سرًّا مصونًا، حتى غرف النوم وخصوصية العلاقة الزوجية التي قوامها الستر والقداسة. يتسابق البعض لكسب مشاهدات أكثر، فيعرض ما لا يجوز علمه، برضا الطرفين، حبًّا للشهرة والمال. هنا تصرخ القيم، وتئنّ العادات، ويصرخ الدين: كفى هتكًا للأعراض، وكشفًا للأسرار. لسنا دعاة حجرٍ ولا أعداء تقنية. التواصل الاجتماعي سلاحٌ ذو حدّين: إمّا أن يكون باب خيرٍ وإصلاح، وإمّا أن يتحوّل إلى أداة قتلٍ بطيءٍ للأخلاق والعلاقات. العلاج ليس معقّدًا؛ هو في متناول كل بيت: وعيٌ، وضبطٌ، وقدوة. أن نرفع النافع ونُعلي قيمته، وأن نُحاسب من يفضح ويهتك ويستبيح. أن نُعيد تعريف الحرية: حريةٌ تقف عند كرامة الآخرين وخصوصيتهم. من هنا نُطلق نداء استرحامٍ ورجاء: احموا بيوتكم، وصونوا أسراركم، واحفظوا كرامتكم. ليس كل ما يُصوَّر يُنشر، ولا كل ما يُبثّ يُبرَّر. ليكن التواصل جسرًا للخير لا مسرحًا للفضائح، ومنبرًا للوعي لا سوقًا للعري. أنقذوا ما تبقّى من الطهر، قبل أن نصحو على مجتمعٍ يعرف كل شيء… إلا معنى الستر.

مساحة إعلانية