رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يعد الخليج مجرد ساحة خلفية لصراعات الآخرين، بل أصبح في قلب المعادلة، يدفع كلفة كل تصعيد، ويتحمل تبعات كل تعثر سياسي، وفي ظل الحرب المتصاعدة في المنطقة، تتجه الأنظار اليوم إلى جولة مفاوضات مرتقبة بين إيران والولايات المتحدة، بوساطة باكستان، في محاولة لتفادي العودة إلى المربع الأول، أي الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لن تكون دول الخليج بمنأى عن تداعياتها. الخليج، الذي يشكّل شريان الطاقة العالمي، يقف اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: أمنه مرتبط مباشرة باستقرار الممرات البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية، أي تهديد لهذا الممر لا يعني فقط ارتفاع أسعار الطاقة، بل يضع اقتصادات المنطقة أمام اختبارات حقيقية، ويهدد استقرارها الداخلي. من هنا، لا يبدو مستغرباً أن تتقاطع التحليلات الخليجية عند نقطة واحدة: لا يمكن ترك مصير المنطقة مرهوناً لتفاهمات خارجية فقط، بل لا بد من دور خليجي فاعل يُنتج الحل، أو على الأقل يفرض نفسه طرفاً رئيسياً في صياغته. فالدول الخليجية ليست مجرد متلقٍ للأحداث، بل هي المتضرر الأكبر من أي تصعيد، سواء على مستوى الأمن أو الاقتصاد أو حتى الاستقرار الاجتماعي. في المقابل، تدرك إيران أن أي مواجهة مفتوحة في الخليج لن تكون بلا ثمن، صحيح أنها تمتلك أوراق ضغط، أبرزها موقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في الملاحة البحرية، لكنها في الوقت ذاته تواجه تحديات داخلية وضغوطاً اقتصادية تجعل خيار التهدئة أكثر واقعية من التصعيد الشامل، لذلك، قد تميل طهران إلى استخدام التفاوض كأداة لشراء الوقت وتحسين شروطها، دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة قد تكون كلفتها باهظة. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في استمرار هذه القنوات، بل في تحويلها إلى موقف خليجي موحد، فالتحدي الأكبر الذي يواجه دول الخليج ليس فقط التعامل مع إيران، بل إدارة التوازن بين علاقاتها مع الولايات المتحدة من جهة، وحاجتها إلى استقرار إقليمي من جهة أخرى، هذا التوازن يتطلب رؤية سياسية واضحة، تتجاوز ردود الفعل إلى صناعة المبادرة، فالسيناريوهات المطروحة اليوم تتراوح بين تهدئة مؤقتة تُبقي التوتر قائماً، وبين اتفاق أوسع يعيد ترتيب قواعد الاشتباك في المنطقة. وفي هذا السياق، تبرز الدبلوماسية القطرية كأحد أعمدة التهدئة في الإقليم، عبر تبنّي سياسة تقوم على فتح قنوات الحوار وتفادي الانزلاق إلى التصعيد، دون التفريط في ثوابت الأمن الوطني أو الإقليمي، فقد حرصت الدوحة على الدفع باتجاه حلول سياسية تُجنّب المنطقة كلفة المواجهة، مع تأكيدها في الوقت ذاته على حق الدول في حماية أمنها ومصالحها إذا ما تعرضت للتهديد، غير أن هذا التوازن الدقيق لا يمكن أن يُفهم مساحة مفتوحة لاختبار حدود الصبر، إذ إن استمرار الضغوط أو التهديدات، خصوصا تجاه دول انتهجت الحياد الاستراتيجي، قد يدفع إلى إعادة تقييم هذا النهج. ومن هنا، فإن الحفاظ على الاستقرار لا يرتبط فقط بجهود الوساطة، بل أيضاً بمدى التزام إيران بعدم تجاوز الخطوط التي تمس أمن الخليج، أو محاولة فرض معادلات بالقوة في منطقة لم تعد تحتمل مغامرات محسوبة خطأ، سيما وأنَّ دول الخليج لم تذكِ فتيل الحرب. ختاماً: وبين رهانات التهدئة ومخاطر التصعيد، يبقى أمن الخليج مرهوناً بقدرته على صياغة موقف موحد يوازن بين الردع والدبلوماسية، ويمنع انزلاق المنطقة إلى أتون حرب لا تعرَّف نهايتها، ومن المهم خلال هذه المرحلة أن يدفع نحو تنويع تحالفاته الدولية وتغيير قواعد اللعبة لصالحه.
189
| 21 أبريل 2026
(139).. رقم محفور في ذاكرة الفلسطينيين، وشاهد على التاريخ النضالي للشعب الفلسطيني، فهذا الرقم يحمل خلفه سنوات من الأسر والاعتقال، إذ كان رقم زنزانة الأسير محمود بكر حجازي –أول أسير في الثورة الفلسطينية– الذي اعتُقل في يناير 1965، وأصدرت بحقه حكومة الاحتلال حكمًا بالإعدام لتصفيته، إلا أنّه قُدّر له أن ينال حريته بصفقة تبادل بعد ست سنوات من أسره، في يناير 1971، مقابل الجندي الإسرائيلي شموئيل فايزر، الذي اعتقلته حركة فتح أواخر عام 1969. ومع اقتراب يوم الأسير الفلسطيني الذي يصادف 17 أبريل، لا بد من التوقف عند محطة هذا المناضل، الذي توفي عام 2021 بعد صراع مع المرض، لنستذكر قصته التي ألهمت الكثير من الشباب الأحرار، الذين قدّموا ولا يزالون يقدمون دماءهم رخيصة في سبيل إنهاء الاحتلال، وطرد المحتل من أراضيهم، الذي لم يسرق الأرض فحسب، بل سرق التاريخ والذاكرة. وُلد محمود بكر حجازي عام 1936 في مدينة القدس، التي نشأ وترعرع فيها، وعاش في رحاب المسجد الأقصى. وكغيره من أقرانه، كان طفلاً يحلم بحياة زاهية، ملوّنة بألوان الطفولة، إلا أنّ مجزرة دير ياسين عام 1948 شكّلت نقطة مفصلية في حياته، وهو ابن الثانية عشرة، كما في حياة كثيرين ممن عاصروها. ووفق مقابلة سابقة مع قناة الجزيرة، استقبلت عائلته الهاربين من المذبحة، وبينهم جرحى، كانوا يرددون بمرارة "يا ويلنا، أولاد الميتة يأخذون بلادنا." تلك اللحظة نزعت عن محمود بكر حجازي عباءة الطفولة مبكرا، ودفعت به نحو التفكير في استعادة وطنه المحتل، وبعد مشاركته في عدة عمليات، أُسر عقب تنفيذه مع مجموعة من الفدائيين عملية استهدفت نسف أحد الجسور التي استخدمها جيش الاحتلال ممرًا للتنقل بين مدن الضفة الغربية، قرب بلدة بيت جبرين جنوب الخليل. وأسفرت العملية عن مقتل 24 من جنود الاحتلال، وذلك في 17 يناير 1965، حيث اشتبك مع القوات الإسرائيلية وأمّن انسحاب أفراد مجموعته، قبل أن يُصاب ويقع في الأسر عام 1965، بعد فترة وجيزة من عملية عيلبون، التي تُعد من أولى العمليات العسكرية لحركة فتح وبداية انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة. لكن حكاية حجازي، على رمزيتها، لم تكن سوى بداية لملف يتسع يوماً بعد يوم، فحتى اليوم، ووفق بيانات مؤسسات الأسرى، وعلى رأسها نادي الأسير الفلسطيني، يقبع في سجون الاحتلال أكثر من 9 آلاف أسير فلسطيني، بينهم 350 طفلاً، و66 سيدة، وآلاف المعتقلين إداريا دون تهمة أو محاكمة. ولا يقتصر الأمر على الاعتقال، بل يمتد إلى سياسات ممنهجة من التعذيب والإهمال الطبي والتجويع والعزل، في ظل ظروف احتجاز قاسية تفاقمت بشكل غير مسبوق منذ أكتوبر 2023، وقد أدى هذا الوضع إلى استشهاد 88 أسيراً نتيجة الإهمال الطبي والتعذيب، في حين تشير تقديرات أخرى إلى وفاة نحو 100 أسير، جراء انتهاكات الكيان المحتل لحقوق الإنسان ولمبادئ القانون الإنساني الدولي وقواعده، بما في ذلك اتفاقية جنيف الرابعة. وفي مفارقة قاسية، يتزامن إحياء يوم الأسير الفلسطيني هذا العام مع إقرار ما يُعرف بـ”قانون إعدام الأسرى”، في خطوة تكشف الوجه الحقيقي لمنظومة الاحتلال التي تسعى إلى شرعنة القتل تحت غطاء قانوني. ولا يمكن فصل هذا القانون عن سياق أوسع من سياسات الفصل العنصري الحديثة، التي يعيد الاحتلال إنتاجها بصورة أكثر قسوة، تتجاوز في بعض وجوهها ما شهدته جنوب أفريقيا إبان حقبة الأبارتهايد، من حيث استهداف الإنسان في وجوده وحقه في الحياة. إنَّ تمرير مثل هذا القانون لا يشكل خطرا على الأسرى الفلسطينيين فحسب، بل يمثل سابقة خطيرة تضرب أساس القانون الدولي الإنساني، وتفتح الباب أمام كل دولة معتدية لاتخاذ قرار بإعدام أسرى الدولة المعتدى عليها، دون أن يكون للمجتمع الدولي حينها القدرة على إيقاف هذا القرار. في يوم الأسير الفلسطيني، لا تبدو القضية مجرد أرقام أو مناسبات سنوية، بل واقعًا يوميًا يعيشه آلاف الفلسطينيين خلف القضبان. وبين رقم الزنزانة (139) لمحمود بكر حجازي، وآلاف الأرقام التي يحملها أسرى اليوم، تمتد حكاية شعب لا يزال يقاوم ويكتب تاريخه رغم القيد. ختاما.. إنَّ صمت المجتمع الدولي لم يعد حياداً، بل تواطؤ معلَّن، وإن حماية الأسرى الفلسطينيين والضغط لإسقاط قانون إعدام الأسرى لم يعد خياراً، ففي حال تطبيقه، فإنَّ على جميع المنظمات الحقوقية الدولية أن تغلق أبوابها وتحرق اتفاقياتها ومعاهداتها المتعلقة بحقوق الإنسان، لأن السائد حينها سيكون… قانون الغاب.
282
| 15 أبريل 2026
ليس هذا المقال الأول الذي أكتبه عن المسجد الأقصى المبارك في ظل استمرار إغلاقه، ولن يكون الأخير؛ فهذه قضية لا تُطوى صفحتها، ولا يجوز أن تُؤجَّل أو تُختصر، فالمسجد الأقصى ليس خبراً عاجلاً في نشرة إخبارية، بل وصيةُ الأنبياء، ووقفٌ إسلاميٌّ ممتد عبر التاريخ، تتجاوز قضيته حدود الجغرافيا والسياسة، لتستقر في عمق العقيدة والهوية. لليوم التاسع والثلاثين، تواصل سلطات الاحتلال إغلاق المسجد الأقصى بذريعة ما تسميه «حالة الطوارئ» نظراً للظروف الراهنة التي تشهدها المنطقة، في إجراء يتجاوز البعد الأمني إلى تكريس واقع جديد يفرض السيطرة الكاملة على المسجد ومحيطه، ويمتد حتى كنيسة القيامة، في سابقة تعكس اتساع دائرة الاستهداف لتشمل المقدسات الإسلامية والمسيحية على حد سواء، هذا المسار لا يمكن فصله عن سياسة ممنهجة تهدف إلى تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في المدينة المقدسة، وإعادة تعريف العلاقة مع هذه الأماكن بوصفها خاضعة لسيادة الاحتلال، لا لحقيقتها الدينية والإنسانية. وفي ظل هذا الواقع، لا يمكن فصل ما يجري في المسجد الأقصى عن سياق أوسع من السياسات الممنهجة التي تستهدف إعادة تشكيل الهوية الدينية والتاريخية للمدينة المقدسة، فالإغلاق المتكرر، ومنع المصلين، وفرض القيود على الوصول، كلها أدوات تُستخدم لفرض أمر واقع جديد يُحاول تطبيع الانتهاكات باعتبارها إجراءات أمنية عادية. فالمسجد الأقصى ليس مسجداً عادياً، بل هو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى نبينا محمد ﷺ، حيث يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1]. هذه البركة التي أحاطت بالمكان ليست وصفاً تاريخياً فحسب، بل دلالة مستمرة على مكانته في وجدان الأمة. وفي السنة النبوية، يرد تأكيد هذه المنزلة في قوله ﷺ: «لا تُشَدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» -رواه البخاري ومسلم-، وهو حديث يختزل خصوصية الأقصى وموقعه في العقيدة الإسلامية، كما أن ارتباطه بسلسلة الأنبياء يمنحه بعداً يتجاوز الزمن، ويضعه في قلب الرسالات السماوية. ومنذ الفتح الإسلامي في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، أصبح المسجد الأقصى وقفاً إسلامياً خالصاً، وهو ما عبّر عنه الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز بقوله «تلك أرضٌ أوقفها أولُ المسلمين على آخرهم، فليس لأحد أن يتمولها دونهم»، هذا المفهوم ليس نصا تاريخيا، بل قاعدة فقهية وأخلاقية تؤكد أن الأقصى ليس ملكاً لجيل دون آخر، ولا لشعب دون غيره، بل أمانة ممتدة في ذمة الأمة الإسلامية. ومع ذلك، يبدو أن هذا المعنى قد تراجع في الوعي العام، حيث بات المسجد الأقصى يُنظر إليه أحياناً بوصفه شأناً فلسطينياً محضاً، تُقاس المواقف تجاهه من خلال الموقف من الفلسطينيين، لا من خلال مكانته الدينية، هذا التحول في الإدراك يعكس خللاً عميقاً، إذ لا يمكن فصل الأقصى عن بعده الإسلامي الجامع، ولا اختزاله في سياق سياسي ضيق، والقاعدة التي طالما ترددت في الوعي الإسلامي تقول «متى كان الإيمان حاضراً، كان المسجد الأقصى في متناول الأمة، وحين يضعف، تتنازعه الأيدي»، هذا المعنى يجب أن لا يُفهم بوصفه خطابا وعظيا منفصلاً عن الواقع، بل هو بمثابة قراءة للواقع الذي يعكس علاقة طردية بين حضور المسجد الأقصى في الوجدان، وحضوره فعلاً واقعاً. ما يحدث اليوم يمثل تصعيداً خطيراً، ليس فقط من حيث الإجراءات، بل من حيث الرسائل التي تحملها، فإغلاق المسجد الأقصى وكنيسة القيامة في آن واحد يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل حرية العبادة في المدينة المقدسة، ويكشف عن توجه يسعى إلى إعادة تشكيل الواقع الديني بما يخدم رؤية أحادية، وعلى إثرها حذّرت جهات رسمية ودينية فلسطينية من خطورة استمرار هذه الإجراءات، معتبرة إياها انتهاكاً صارخاً وجسيماً لحرية العبادة التي كفلتها القوانين والمواثيق الدولية. في السياق ذاته، لا يمكن تجاهل أن هذه السياسات تأتي في ظل أوضاع أمنية متوترة تُستخدم كغطاء لتكريس السيطرة، حيث تتحول حالة الطوارئ إلى أداة دائمة لإعادة ترتيب المشهد على الأرض، ومع مرور الوقت، يصبح الاستثناء قاعدة، ويُعاد إنتاج الواقع بما يتوافق مع أهداف الاحتلال. إن استمرار إغلاق المسجد الأقصى لليوم التاسع والثلاثين مؤشر على مسار يتعمق، وعلى واقع يُعاد تشكيله بهدوء، في ظل انشغال إقليمي ودولي، وبينما تتوالى التحذيرات، يبقى السؤال الأهم: هل ما زال المسجد الأقصى حاضراً في موقعه الحقيقي داخل الوعي الإسلامي!؟، أم أنه يُدفع تدريجياً إلى هامش الاهتمام!؟. ختاماً... لا يتعلق الأمر بموقف سياسي بقدر ما يتعلق بمسؤولية أخلاقية ودينية، تستدعي استعادة المعنى الحقيقي للمسجد الأقصى، بوصفه وقفاً للأمة، ورمزاً لوحدتها، وامتحاناً دائماً لوعيها بمكانته وبأنه وصية الأنبياء لنا، ولن يسود السلام إلا بعودة الحق لأهله.
333
| 08 أبريل 2026
في لحظة يحيا بها عالمنا العربي على صفيح ساخن بسبب التوترات التي تشهدها المنطقة، برز صوت سعادة السيدة لولوة بنت راشد الخاطر، وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي في قطر، كواحد من الأصوات القليلة التي اختارت أن ترى المشهد ببصيرتها لا بمجرد بصرها؛ تحلّله بعين المثقف الواعي، لا المتعصّب المندفع وراء عاطفته، لتضع الأمور في سياقها الحقيقي، وتعيد ضبط البوصلة نحو ما ينبغي أن يكون عليه الوعي الجمعي في أوقات الأزمات والحروب. لم تكن تغريدة سعادتها التي عنونتها بـ «يا للمهاجرين! يا للأنصار! فكيف نطفئ نار الفتنة؟» تعليق عابر من مسؤول على حدث سياسي متسارع الوتيرة، بل كانت بمثابة قراءة هادئة للوضع الراهن كما وصفته؛ لأنها جاءت في توقيت بالغ الحساسية، مع تصاعد التوتر إثر الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، وما تبعه من ردٍّ إيراني طال منشآت حيوية في عدد من دول الخليج، من بينها دولة قطر. وفي خضم هذه الأحداث، لا يقتصر الخطر على الأوطان عسكريا فقط، بل هناك خطر موازٍ، أراه أكثر عمقا وتأثيرا على المدى البعيد، يتمثّل في «الفتنة» التي وجدت لنفسها مساحة واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث خرجت أصوات متفرقة، بعضها معلوم الدوافع، وأخرى انساقت دون وعي، لتغذّي خطاب الانقسام بين الشعوب العربية، وتعيد إنتاج الاستقطاب داخل المجتمعات الخليجية والعربية. وسط هذا المشهد، جاء حديث سعادة السيدة لولوة بنت راشد الخاطر ليكسر هذه الحلقة عبر تفكيك السردية التي تقوم عليها الفتنة؛ فقدّمت قراءة هادئة وعقلانية تضع ما يحدث في إطاره الحقيقي، مؤكدة أن التطورات الإقليمية لا ينبغي أن تُترجم إلى خلافات داخلية بين شعوب المنطقة من منطلق أنَ للسياسة رجالها، وهنا، اختارت سعادتها أن يكون حديثها بعيدا عن منصبها الرسمي، منطلقاً من مسؤوليتها كشخص مثقف له ثقله وصوت تجاوز صداه حدود المنطقة إلى العالمية، ومن منطلق غيرتها على دينها وعروبتها، لقد تكلّمت بوعي عميق عن طبيعة الحروب الحديثة، التي لم تعد تُخاض بالأسلحة العسكرية فقط، بل عبر الإعلام، والسرديات، ومنصات توجيه الرأي العام أيضاً. ما قامت به سعادتها ينمّ عن فطنة وكياسة؛ ففي زمن تتحول فيه الكلمة إلى أداة إشعال، اختارت أن تكون كلمتها الماء الذي يطفئ نار الفتنة، وهنا يتجلّى معنى الحديث النبوي الشريف عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ»، وكانت تغريدة سعادتها مفتاحًا للخير»؛ ليس لأنها قدّمت رأيا مختلفا فحسب، بل لأنها أغلقت أبوابا كانت على وشك أن تُفتح على مصراعيها أمام مزيد من الانقسام، فالتفاعل الواسع الذي حظيت به، سواء من المنصات الإخبارية المحلية أو من مؤثرين خليجيين وعرب، يعكس حالة من التعطش لخطاب عقلاني من مثقفي الأمة يوازن بين الانتماء الوطني والوعي الإقليمي، ويعيد الاعتبار لفكرة أن الخلافات السياسية لا يجب أن يصاحبها تشرذمات وانقسامات على مستوى الشعوب، لاسيما الشعوب العربية والخليجية، لما يربطها من دين ومصير واحد. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى موقف سعادة السيدة لولوة بنت راشد الخاطر بوصفه امتدادا لدورها الأصيل في ترسيخ الوعي الرشيد داخل المجتمع، فهي لم تتحدث بصفة المسؤول الحكومي فحسب، بل بصفتها صاحبة رؤية فكرية تؤمن بأن التعليم والثقافة هما الركيزتان الأساسيتان لبناء مجتمع قادر على التمييز بين الحقيقة والتضليل، وهذا يتقاطع مع موقعها كوزيرة للتربية والتعليم؛ إذ ترى أن مسؤولياتها لا تتوقف عند حدود إدارة منظومة تعليمية، بل تمتد لتشمل المساهمة في تشكيل وعي أجيال كاملة، وتمكينهم من قراءة الأحداث بعين العقل لا بانفعال اللحظة. ختاماً... يمكن القول إنه إن كان هناك من درس يمكن استخلاصه من هذا المشهد، فهو أن الكلمة، مهما بدت بسيطة، فإما تكون أداة بناء أو أداة هدم، وفي زمن تتكاثر فيه الأصوات، يبقى الصوت الذي يختار الحكمة ويواجه الفتنة بالوعي، هو الأجدر بأن يُسمع، لقد قدّمت سعادة السيدة لولوة بنت راشد الخاطر نموذجا يحتذى لما يمكن أن يكون عليه دور المثقف في زمن الأزمات، من خلال توجيه الوعي لا تأجيج نار الفتنة؛ وكأن سعادتها تُجسّد قول الإمام النووي رحمه الله» ينبغي للعالِم والرجل العظيم المطاع، وذي الشهرة، أن يسكّن الناس عند الفتن، ويعظهم، ويوضح لهم الدلائل.»
318
| 01 أبريل 2026
أطفأوا سجائرهم في جسده الصغير، وغرسوا مسماراً في ساقه، هذا ليس مشهدا من فيلم قاسٍ تم رفضه رقابيا، بل واقع عاشه الطفل جواد أسامة نصّار لم يُكمل عامه الثاني على يد جنود الاحتلال، حادثة تختصر حجم التناقض بين ما يُروَّج عن أخلاقية جيشهم!، وما يُمارس فعليا على الأرض. في ثاني أيام عيد الفطر، خرج والد الطفل، ويدعى أسامة، في محاولة للتخفيف من أزمته النفسية بعد أن فقد مصدر رزقه الوحيد، إثر نفوق خيله بقصف من جيش الاحتلال، مصطحباً طفله «جواد» في نزهة داخل مخيم المغازي، واتجه شرقًا دون وعي، ليقترب مما يُعرف لدى الغزيين بـ الخط الأصفر، وهي منطقة محرّمة يُطلق فيها النار على كل من يقترب. مع اقترابه من المنطقة المكشوفة، بدأ جيش الاحتلال بإطلاق الرصاص في محيطه، لم تصبه الطلقات حينها، لكنها أجبرته على التراجع، في تلك اللحظة، ظهرت طائرة مسيّرة تحلّق على ارتفاع منخفض، تبث أوامر مباشرة عبر مكبرات الصوت، تَوقَف الأب وكأنه استفاق من سباته على إصابة برصاصة في كتفه، بحسب ما أُبلغت العائلة عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، حينها أُجبر على إنزال طفله ووضعه على الأرض، ثم نزع ملابسه كما طُلب منه، والتقدم نحو الجنود، تاركاً فلذة كبده خلفه وحيدا في العراء. استمر هذا الوضع لساعات طويلة، قبل أن تتلقى العائلة، بعد نحو 12 ساعة من غيابهما بين خوف وهلع عن سبب تغيبهما، اتصالاً من اللجنة الدولية للصليب الأحمر لاستلام الطفل، وحينما توجه جد الطفل إلى المكان المقرر لاستلام حفيده، أُبلغ من رجال اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الأب مصاب ولا يزال قيد الاحتجاز، دون أي إشارة إلى ما تعرّض له الطفل، بل برروا الدماء التي على ملابس الطفل بأنها تعود لوالده!. غير أن الحقيقة تكشفت فور استلامه، حيث كان الطفل في حالة غير طبيعية من البكاء الهستيري والهلع كما روت والدته، وعند تفقده، لاحظت والدته وجود إصابات واضحة على جسده وساقيه، تم على إثرها نقله إلى مستشفى شهداء الأقصى، حيث أظهرت الفحوصات أن الطفل قد تعرض للتعذيب، وأنَّ ما على جسده من ندوب هي لحروق ناتجة عن ولاعة أو إطفاء أعقاب سجائر في جسده، إضافة إلى وجود آثار لثقب عميق نافذ في سمانة الساق، وفق ما نقلته العائلة. هذه الواقعة تعكس نمطاً وحشياً بل وسادياً من السلوك القائم على نزع الإنسانية عن الضحية، خصوصا حين يكون دونهم من «الأغيار» على حسب تعبيرهم، وهنا يبرز التناقض الحاد بين الخطابات المتكررة على ألسنة الناطقين الرسميين باسم الجيش المحتل، بأن جيشهم يعد الأكثر أخلاقية، وبين ممارسات موثقة لا يمكن تبريرها قانونيا أو أخلاقيا، وهذا ما أكدته حرفيا فرنشيسكا ألبانيزي، مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالأراضي الفلسطينية، في آخر تقرير لها تؤكد وحشيتهم وساديتهم بالاستناد إلى القانون الدولي الذي يرى أن التعذيب والإبادة الجماعية ممنوعان بشكل مطلق. قصة جواد تتقاطع مع حوادث أخرى هزّت الرأي العام، من بينها استهداف الطفلة هند رجب حتى سقطت شهيدة مع عائلتها داخل سيارة أثناء محاولتهم البحث عن مكان آمن، ورغم موجة الإدانات الدولية التي أعقبت تلك الحادثة، إلا أن الواقع لم يتغير، ما يعكس خللاً في آليات المساءلة الدولية، طالما أن موازين القوة تميل لصالح طرف دون آخر. .. والسؤال ما الذي يمكن أن يشكّله طفل بهذا العمر من تهديد لجنود مدججين بالسلاح؟!، وأي منطق يسمح بتعذيبه أو استخدامه كوسيلة ضغط؟ الإجابة بكل تأكيد تظل أنه لا يوجد أي مبرر، لهذا الفعل السادي، ولهذا التصرف الوحشي، إلا وأنَّ مرجعيتهم الدينية تأمرهم بهذا الصنيع غير الأخلاقي، حيث نشرت مجلة «مومِنت» (Moment) اليهودية الأمريكية في عددها الصادر في مايو 2009، حوارا مع الحاخام الصهيوني «مانيس فريدمان» حول الطريقة المثلى لتعامل اليهود بفلسطين المحتلة مع جيرانهم من العرب، وقد أتت إجابة «فريدمان» كالتالي «إنني لا أومن بالأخلاقيات الغربية، بمعنى أن عليك ألا تقتل المدنيين أو الأطفال، وألا تُدمِّر الأماكن المقدسة، وألا تقاتل في المناسبات الدينية، وألا تقصف المقابر، وألا تُطلق النار قبل أن يطلقها عليك الآخرون..»، إن الطريقة الوحيدة لخوض حرب أخلاقية هي الطريقة اليهودية « دمِّر أماكنهم المقدسة، واقتل رجالهم ونساءهم وأطفالهم ومواشيهم»، معللا ذلك بأنه الرادع الوحيد والحقيقي للتخلُّص من ثبات الفلسطينيين ومقاومتهم المستمرة، انطلاقا من هذا التأصيل الكتابي، يرى الباحث في الشؤون العبرية الدكتور رشاد الشامي، أن هذه القوانين الكتابية هي التي يتسلمها القادة الإسرائيليون كمصدر وحي، وكشريعة مقدسة لاستئناف البعث الإسرائيلي في فلسطين، على أساس أن كل جريمة تصبح شرعية وقانونية من أجل تحقيق وعد الرب. في ضوء ذلك، لا يعود ما جرى مع جواد حادثة فردية، ومن قام بها سيعاقب!، بل هذه الحادثة نتيجة منطقية لمسار كامل يُعيد تعريف الجريمة كفعل مشروع، فيصبح التعذيب تقربا للرب وفق روايتهم، والإبادة فعلاً رادعاً، ومن قام بها سيكافأ، وهذا يعني أنَّ لهذه الأفعال بداية لكن لا نهاية لها مع منطق أعوج يرى في تعذيب الأطفال وسيلة لرضا الرب «يهوة». ختاماً.. قد تصدر الإدانات، وقد تتكرر بيانات الشجب، لكن ما دام هذا الفكر نابعا من عقيدة حتى وإن كانت محرفة، وما دامت القوة تحميه، فإن المأساة ستتكرر بأسماء جديدة، وسيبقى السؤال بلا إجابة كم طفل آخر يجب أن يُعذَّب، حتى يتوقف العالم عن تصديق الرواية… ويبدأ بمواجهة الحقيقة.
315
| 25 مارس 2026
قرار سلطات الاحتلال بإغلاق المسجد الأقصى منذ بدء التصعيد العسكري في المنطقة تحت ذريعة الإجراءات الاحترازية لا يبدو كما تحاول إسرائيل تصويره، فالتوقيت والسياق يكشفان أن المسألة تتجاوز مسألة الأمن إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ يتقاطع هذا القرار مع خطاب ديني سياسي متصاعد داخل التيار الصهيوني المتطرف يرى في الحرم القدسي موقعا ينبغي إعادة تعريفه وفق الرواية التوراتية التي تتحدث عن إقامة ما يسمى الهيكل المزعوم. فمنذ 28 فبراير 2026 أي منذ بدء الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، أغلقت سلطات الاحتلال أبواب المسجد الأقصى أمام المصلين، في سابقة ثقيلة الدلالة خصوصا أنها امتدت إلى العشر الأواخر من شهر رمضان، وهو الوقت الذي اعتاد فيه عشرات الآلاف من الفلسطينيين -المسموح لهم الوصول إلى المسجد الأقصى وفق قرارات الاحتلال- التوافد إلى المسجد للصلاة والاعتكاف، هذا الإغلاق يعد خطوة تُضاف إلى سلسلة طويلة من الإجراءات التي تستهدف تغيير الواقع القائم في الحرم القدسي، وإعادة رسم حدود السيطرة عليه تدريجياً. التجربة الطويلة للصراع على القدس تشير إلى أن مثل هذه القرارات لا تأتي بمعزل عن سياق سياسي أوسع. فالاحتلال يدرك أن لحظات الاضطراب الإقليمي تمثل فرصة لإحداث تغييرات حساسة في المدينة، خصوصاً عندما تنشغل الدول المؤثرة في المنطقة بأزماتها الأمنية والعسكرية، ومع تصاعد المواجهة في المنطقة وجد الاحتلال في هذا المناخ المضطرب فرصة لفرض إجراءات غير مسبوقة في المسجد الأقصى دون أن يواجه ضغطاً إقليمياً مكثفًا. في الوقت ذاته، يتزامن هذا الإغلاق مع نشاط متزايد لجماعات صهيونية متطرفة تعرف باسم «اتحاد منظمات الهيكل» -يصل عددها إلى أكثر من 50 منظمة ومؤسسة يقود جزءا منها حاخامات ونواب في الكنيست ووزراء في الحكومة الإسرائيلية-، التي تنطلق من معتقد ديني يرى أن الحرم القدسي هو الموقع الذي ينبغي أن يُقام عليه «الهيكل الثالث» تمهيداً لظهور «المسيح المنتظر» –الماشيح- وفق الرواية التوراتية لدى هذه التيارات، وقد كثفت هذه الجماعات خلال الفترة الأخيرة حملاتها للدعوة إلى إدخال طقوس دينية يهودية إلى باحات المسجد الأقصى، وعلى رأسها الدعوة إلى ذبح ما يسمى «قربان الفصح»، في محاولة واضحة لفرض حضور ديني مختلف داخل مكان ظل طوال قرون مسجدًا إسلاميًا خالصًا. هذا الخطاب لم يعد مقتصراً على الهامش الديني المتطرف، بل بدأ يتسلل تدريجياً إلى المجال العام في إسرائيل، وفي هذا السياق أعيد تداول تصريحات مثيرة للجدل للحاخام المتطرف يوسف مزراحي تحدث فيها عن احتمال أن يُصاب المسجد الأقصى بصاروخ يُنسب إلى إيران، بما قد يفتح الطريق – وفق تصوره – أمام إزالة المسجد وإقامة الهيكل مكانه، وتعد هذه التصريحات منتهى الخطورة لأنها تعكس مناخاً فكرياً بات أكثر جرأة في طرح سيناريوهات تمسّ أحد أكثر الأماكن قداسة لدينا كفلسطينيين وكمسلمين. غير أن الخطاب الديني المتطرف لا يتحرك وحده، بل يحتاج إلى واقع سياسي يوازيه، ومن هنا تأتي محاولات تغيير ما يعرف بالوضع التاريخي القائم في المسجد الأقصى، والذي يمنح دائرة الأوقاف الإسلامية بالمملكة الأردنية الهاشمية حق إدارة شؤون المسجد وتنظيم الدخول إليه، فمن خلال الإغلاق المتكرر ومنع الأوقاف من أداء مهامها بشكل طبيعي، تسعى سلطات الاحتلال إلى تكريس واقع جديد يصبح فيه «المحتل» الجهة الفعلية التي تتحكم في فتح المسجد وإغلاقه وتنظيم الوصول إليه. مع مرور الوقت قد يتحول هذا الواقع المؤقت إلى قاعدة دائمة تُضعف الوصاية الإسلامية التاريخية على المسجد الأقصى، وهو ما يثير مخاوف متزايدة لدى الباحثين والمتابعين لشؤون القدس من أن تكون هذه الخطوات تمهيداً لتغيير أوسع في طبيعة إدارة الحرم القدسي. وفي الوقت الذي تُفرض فيه هذه الإجراءات في القدس، تعيش المنطقة واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً منذ سنوات، حيث تتصاعد المواجهة العسكرية وتزداد التوترات الإقليمية، ما يدفع العديد من الدول إلى التركيز على تحدياتها الأمنية المباشرة، في مثل هذه اللحظات غالبا ما تتراجع قضايا سياسية مركزية إلى الخلفية، وهو ما يمنح الاحتلال مساحة أوسع لفرض وقائع جديدة على الأرض. إذاً وفق ما تشهده المنطقة من اضطرابات لا يبدو إغلاق المسجد الأقصى حدثا هامشيا على أجندة الصراع، بل هو لب الصراع لتحقيق أهداف صهيونية تلبي شهوة الاحتلال لمزيد من السيطرة على الأراضي الفلسطينية وصولا إلى ما بعدها لإقامة مشروع إسرائيل الكبرى، ضمن سياق تتقاطع فيه ثلاثة مسارات: خطاب ديني متطرف يسعى إلى إعادة تعريف قدسية المكان وفق الرواية التوراتية، وسياسة ميدانية تعمل على إضعاف الوصاية الإسلامية وتغيير قواعد الإدارة داخل المسجد الأقصى، وسياق إقليمي مشتعل يبعد الأنظار عن ما يحدث للمسجد الأقصى والضفة الغربية وغزة في لحظة غاية في الحساسية. ختاما... ماذا لو تحوّلت تصريحات مزراحي إلى واقع؟، هل ستواصل الأمة الإسلامية الاختباء خلف صمتها؟ أم الاكتفاء بخطابات الشجب والإدانة التي لا تغيّر شيئا في ميزان القوة؟ إن المرحلة تفرض موقفاً واضحاً وصوتاً عالياً يواجه مطامع المحتل بكل الوسائل المشروعة التي يملكها المقاوم، فالمسجد الأقصى، بما يمثّله من تاريخ وهُوية وروح، لن يعود عبر بيانات التنديد، بل عبر إرادة شعبية جماعية تؤمن بأن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة.
399
| 18 مارس 2026
الحرب النفسية تكاد تكون من أولى الاستخدامات للجوانب النفسية في الأزمات والحروب، وقد شاع استخدامها منذ عصور مبكرة في الحضارات القديمة، وتشير العديد من الشواهد التاريخية إلى أن جذور هذا النوع من الحروب تعود إلى مناطق حضارية مبكرة في العالم القديم، حيث استخدمت أساليب التأثير النفسي والدعاية لبث الخوف في صفوف الخصوم وإرباكهم قبل المواجهة المباشرة. وتذكر المصادر التاريخية أن حضارات قديمة مثل حضارة الفراعنة في مصر، وكذلك الإغريق اليونانيين، استخدمت مبادئ الحرب النفسية ضد خصومها، بهدف إلحاق الرعب والهلع في قلوبهم وإضعاف روحهم المعنوية وخلق حالة من الفوضى والإرباك وعدم الثقة داخل صفوفهم، واعتمدت تلك الأساليب على الإشاعات والتضليل والتلاعب بالصورة الذهنية للخصم، وهي أدوات ما زالت تُستخدم حتى اليوم ولكن بوسائل أكثر تطوراً. وذكر الجنرال والمفكر العسكري الصيني القديم Sun Tzu في كتابه الشهير ( War ( The Art of أنَّ الصينيين القدماء استخدموا الحرب النفسية مثل السحر والدعاية والإشاعة في معاركهم ضد أعدائهم. ورغم قدم هذه المفاهيم، فإن الحرب النفسية في العصر الحديث أخذت أشكالاً أكثر تعقيداً مع تطور وسائل الإعلام والاتصال، وخصوصاً مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت بيئة مثالية لانتقال الرسائل المضللة والإشاعات بسرعة كبيرة،وفي ظل الظروف التي تمر بها المنطقة حالياً، نتيجة التصعيد بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، وما تبعه من هجمات امتدت آثارها إلى دولة قطر ودول المنطقة، لم تقتصر المواجهة على الجانب العسكري فحسب، بل امتدت إلى ساحة أخرى لا تقل خطورة، وهي ساحة الحرب النفسية. فخلال اشتداد الأزمة، ظهرت على منصات التواصل الاجتماعي حملات وخطابات تحاول إثارة الفتن والانقسام بين الشعوب العربية، من خلال الترويج لروايات تحت وسم #الخليج_ليس_قضيتي تزعم بشماتة بعض الشعوب لاسيما الشعب الفلسطيني بما يحدث في دول الخليج من تعرضها لهجمات إيرانية سافرة، الأمر الذي دفع آخرين إلى الرد بوسم #فلسطين_ليست_قضيتي، لتتحول المسألة إلى حالة من التراشق اللفظي الذي يغذي مشاعر الغضب ويعمق الانقسام في ظل ظروف تتطلب منَّا الكثير من الوعي واليقظة والتحلي بسياسة ضبط النفس. غير أن قراءة هذه الظواهر في سياقها الأوسع تكشف أنها ليست انعكاساً حقيقياً لمواقف الشعوب، بقدر ما هي جزء من معركة نفسية تُدار في الفضاء الرقمي، هدفها الأساسي ضرب الثقة بين المجتمعات العربية والإسلامية وإشغالها بصراعات جانبية "مفتعلة" تبعدها عن التحديات الحقيقية التي تواجه المنطقة في ظروف غاية في الحساسية. فالحرب النفسية بطبيعتها تسعى إلى تفكيك المجتمعات من الداخل، ومن هنا تأتي خطورة وسائل التواصل الاجتماعي، التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى ساحة رئيسية لهذا النوع من الحروب، حيث يمكن لأي رسالة أو مقطع فيديو أو تعليق أن ينتشر بسرعة هائلة، ويصنع موجة من التفاعل والانفعال قبل أن يتم التحقق من صحته أو معرفة الجهة التي تقف وراءه. إن إدراك طبيعة الحرب النفسية أصبح ضرورة ملحة، خصوصاً في ظل الأوضاع المتقلبة التي تمر بها منطقتنا، فالمعركة لم تعد تدار في الميدان العسكري فقط، بل أيضاً في العقول والوجدان، ولهذا فإن الوعي المجتمعي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة هذا النوع من الحروب، فالمرحلة الراهنة تتطلب قدراً أكبر من التماسك والوحدة، لا الانشغال بصراعات جانبية أو سجالات تؤجج الشعوب العربية حيال بعضها البعض، وتُغذّيها منصات التواصل الاجتماعي، كما أن إدراك طبيعة هذه الحملات يساعد على كشف الأجندات التي تقف خلفها. ختاما... ..والآن وقد علمنا كيف تدار الحروب، يبقى الوعي هو السلاح الأهم، فكل كلمة يتم نشرها، وكل رسالة يتم تداولها، قد تكون جزءاً من معركة أكبر تستهدف العقول قبل أي شيء آخر، ومن هنا فإن مسؤولية مواجهة الحرب النفسية لا تقع على الحكومات والمؤسسات فقط، بل تمتد أيضاً إلى وعي الأفراد وقدرتهم على التمييز بين الحقيقة والتضليل، وبين الرأي الصادق والرسالة التي تقف خلفها أجندات خارجية تريد لمجتمعاتنا مزيداً من الانقسام والضعف، قال الله تعالى في محكم كتابه ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (سورة الحجرات: 6).
369
| 11 مارس 2026
اختارت دولة قطر منذ تأسيس سياستها الخارجية، أن تجنح للسلم لا لطبول الحرب، وأن تبني لنفسها دورا قائما على الوساطة وتغليب الحلول الدبلوماسية، لم تكن يوماً دولة تبحث عن الصراعات، بل عن مسارات الحوار من موقع قوة لا ضعف، غير أن التطورات الأخيرة وضعتها أمام مشهد لم تختره، حين امتدت المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لتطول أراضيها ومنشآتها الحيوية. تدخل هذه المواجهة مرحلة شديدة الحساسية بعد تبادل الضربات العسكرية واتساع رقعتها لتشمل دولًا في الإقليم. الرد الإيراني الذي استهدف قوات أمريكية تتواجد في عدد من دول الخليج والأردن، ترافق مع استهداف منشآت حيوية، ما نقل الصراع إلى مستوى يمسّ الأمن الإقليمي مباشرة، لتجد قطر نفسها في قلب معادلة تتحمل تبعاتها دون أن تكون طرفًا فيها. فاستهداف خزان مياه يتبع مصانع مسيعيد للطاقة، إضافة إلى أحد مرافق الطاقة في مدينة رأس لفان الصناعية، شكّل مؤشرات خطيرة على اتساع دائرة الأهداف لتشمل بنى تحتية مدنية وحيوية، هذه الوقائع جاءت مناقضة لتصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي أكد أن بلاده تستهدف القواعد العسكرية الأمريكية فقط، والسؤال المشروع هنا هل هذه منشآت عسكرية؟ هل هي مرافق تتبع الولايات المتحدة؟ الواقع أنها مرافق قطرية خدمية بامتياز، تمثل أعمدة أساسية في منظومة الأمن الاقتصادي والمائي والطاقة، واستهدافها لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة، كما أنه يضعف معاني حسن الجوار، فضلاً عن انعكاساته الاقتصادية المباشرة. التصعيد الإيراني لا يقتصر أثره على خسائر في المنشآت، بل ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة والتجارة العالمية، ويضع الممرات الحيوية تحت ضغط أمني متزايد، وقطر، باعتبارها أحد أبرز مصدري الغاز الطبيعي المسال عالمياً، تنافس على الصدارة مع الولايات المتحدة وأستراليا بصادرات تتجاوز 80 مليون طن متري سنويا، تدرك حساسية هذا الموقع، لذلك فإن استهداف مرافقها الحيوية لا يمس أمنها الوطني فحسب، بل يطول شبكة مصالح دولية مترابطة، ما يبرز خطورة الانزلاق نحو استهداف البنى الاقتصادية وما يحمله ذلك من رسائل تتجاوز حدود الجغرافيا. قطر.. دولة حافظت وتحافظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، بما في ذلك طهران، مدفوعة باعتبارات الجغرافيا والمصالح المشتركة، وعلى رأسها التعاون في حقل الغاز المشترك، غير أن استهداف منشآت داخل الأراضي القطرية يضع هذه العلاقة أمام اختبار بالغ التعقيد، ويجعل إيران تبدو كمن لفّ حبل المشنقة على رقبته بإرادته سياسيا لا عسكريا، حين منحت خصومها ما يحتاجونه لتوسيع دائرة العزلة عليها، وضيّقت على نفسها هامش الحركة الذي طالما حرصت على الحفاظ عليه في الإقليم. توسيع نطاق الضربات ليشمل دول الخليج يحمل دلالات تتجاوز الرد التكتيكي، فعندما تمتد النيران إلى دول لم تعلن انخراطها في المواجهة، فإن ذلك يمنح إسرائيل مادة إضافية لترسيخ سرديتها بأنها تواجه التهديد الأكبر لأمن المنطقة. هذه السردية، التي طالما رُوِّج لها في الخطاب الإسرائيلي والأمريكي، تجد في مثل هذه التطورات ما يعزز حضورها أمام الرأي العام الدولي، وبدلًا من تقليص الضغوط، قد يؤدي هذا المسار إلى توسيع دائرة الاصطفاف ضد إيران، ويفتح المجال أمام خطوات إسرائيلية أوسع تحت عنوان حماية الأمن الإقليمي، وتنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى. ورغم ما تواجهه دولة قطر، لا تزال تواصل خطابها المتزن الرصين، مؤكدة تمسكها بالقانون الدولي، ورفضها لأي انتهاك لسيادة الدول، وداعية إلى ضبط النفس وتغليب الحلول الدبلوماسية، هذا النهج يعكس سياسة تراكمت عبر سنوات، قامت على الوساطة واحتواء الأزمات، من أفغانستان إلى غزة، مرورا بملفات إقليمية معقدة، وفي لحظات التوتر، يظل الرهان على العقلانية خط الدفاع الأول عن الاستقرار. داخلياً، تتطلب المرحلة وعيا مجتمعيا بحس عالٍ، فالحروب الحديثة لا تُخاض بالصواريخ وحدها، بل تُدار عبر الشائعات وحملات التضليل التي تستهدف بث القلق وإضعاف الجبهة الداخلية أيضاً، وقد أثبتت التجارب أن المجتمعات المتماسكة، الملتفة حول قيادتها ومؤسساتها، هي الأقدر على امتصاص الصدمات، إن الالتزام بالتوجيهات الصادرة عن الوزارات والجهات السيادية، واستقاء المعلومات من مصادرها الرسمية، يمثلان خطاً فاصلاً بين الوعي والفوضى. ختاماً... ما تشهده المنطقة يضع الجميع أمام مسؤولية مشتركة لتجنب توسيع دائرة الصراع، وحماية المصالح الوطنية، لاسيما في دولة قطر، فعلى كل مواطن ومقيم مسؤولية تتطلب منه أن يصد الشائعات، وأن لا يكن جزءا من الحرب النفسية، بالالتفاف حول القيادة، لإيماننا المطلق بحكمتها وحنكتها، وتمسكها بالحلول الدبلوماسية لإنهاء هذه الفوضى ليس من منطلق ضعف بل لامتلاكها كل مصادر القوة إلا أنها دوما تغلب صوت العقل، وتظل الحكمة السياسية والاصطفاف الداخلي الواعي عنصرين حاسمين في تجاوز المرحلة والحفاظ على تماسك الدولة ومكانتها الإقليمية.
423
| 04 مارس 2026
في غرفة انتظار بأحد المستشفيات، حيث تتقاطع الوجوه وتتقارب الحكايات، دار نقاش قصير بين أم وابنتها التي لا يتجاوز عمرها عشر سنوات. وبسبب السكون الذي يلف المكان، كان صوت الطفلة مسموعًا بوضوح، وكأنه يرغمك على الإنصات، خصوصا أن أسئلتها كانت أكبر من عمرها: عن الكون، عن الخالق، عن بداية الخلق، أسئلة وجودية خالصة، لكنها في الوقت ذاته أسئلة مشروعة تكشف عقلًا بدأ يستيقظ على اتساع العالم. الأم ـ كما بدا ـ ارتبكت، وأنهت الحوار بجملة حاسمة «هذه الأسئلة حرام! « ثم ساد الصمت، لكن فضول تلك الطفلة ظل معلّقاً في الهواء، يطل من عينيها الحائرتين، قبل أن تعود إلى العبث بهاتفها الذكي. ذلك المشهد كان صورة مكثفة لواقع يتكرر في بيوت كثيرة، جيل يسأل، وجيل يخاف السؤال، فالمشكلة ليست في السؤال نفسه، بل في الفراغ الذي يليه، حين يُغلق باب الحوار داخل البيت، يُفتح خارجه على مصراعيه، والباب الخارجي اليوم ليس مكتبة ولا مجلس علم، بل شاشة هاتف تعج بالكثير من الغثّ والقليل من السمين، أمام أجيال لم تتشكل بعد بوصلتها في التمييز بين الصواب والخطأ، وبين الحلال والحرام. في الماضي، كان الوصول إلى الفتوى يمر عبر مسار منضبط: إمام مسجد، أو عالم موثوق، أو كتاب شرعي متخصص، أما اليوم، فيكفي كتابة سؤال في مربع البحث لتنهال على المستخدم عشرات الإجابات المتناقضة، أشخاص مجهولو السند العلمي يتصدّرون مواقع التواصل، يستسهلون الإفتاء، ويحوّلون «تيك توك» إلى منصة للفتاوى السريعة، يقتطعون النصوص من سياقها، ويعرضون الدين في مقاطع لا تتجاوز دقيقة، محكومة بعدد المشاهدات لا بميزان الشرع. الخطورة ليست في التقنية نفسها، بل في غياب الضابط، فالفتوى في الشريعة مسؤولية ثقيلة كان العلماء يتدافعونها اتقاءً للزلل، إذ حذر النبي ﷺ من الإفتاء بغير علم بقوله (من أفتي بفُتيا غيرِ ثبتٍ فإنما إثمهُ على من أَفْتاه)، أما اليوم، فتصدر بجرأة لافتة، وأحياناً بروح استعراضية؛ يتحدث أحدهم في قضايا عقدية معقدة بسطحية مدهشة، أو يخلط بين الرأي الشخصي والنص الشرعي، أو يصدر أحكاما قاطعة في مسائل خلافية، والأسوأ أن هذه الطروحات تصل للمراهقين واليافعين بلغة جذابة تشبه لغتهم، فتستميلهم رغم ضعف محتواها. هذه المرحلة العمرية بطبيعتها مرحلة أسئلة، ومن حق الأبناء أن يحصلوا على إجابات صحيحة تشفي فضولهم. فحين تُقابل الأسئلة الوجودية بالقمع أو التخويف، فإنها لا تموت؛ بل تنتقل إلى فضاء آخر، وقد تجد تلك الفتاة نفسها تستمع إلى محتوى يشكك في الثوابت، أو إلى خطاب مشوه تحت عباءة الدين، وهكذا تنتقل من سؤال مشروع إلى معرفة مسمومة. فالمسؤولية مشتركة فالأسرة أولًا: كان بوسع تلك الأم أن تقول «لا أعرف… لكن دعينا نبحث معاً»، مجرد فتح باب الحوار يحمي الأبناء من الانجراف خلف أي محتوى عابر، ثم تأتي مسؤولية المؤسسات الدينية والتعليمية؛ فلا يكفي التحذير من المنصات، بل يجب حضور العلماء فيها بخطاب رصين يفهم لغة الجيل. فالمعركة ليست مع التطبيق، بل مع الفراغ الذي يملؤه غير المؤهلين، وإذا تُركت الساحة خالية، سيتصدرها من يجيد الأداء لا من يمتلك العلم. كما أن الجهات الرقابية مطالبة بوضع ضوابط للفتاوى العشوائية التي تملأ المنصات، فكما توجد قوانين تحاسب من يضلّل الناس طبيا أو قانونيا، ينبغي حماية الجمهور من التلاعب بالدين، لأن نتائجه أخطر وأعمق. الحادثة الصغيرة في غرفة الانتظار لم تكن مجرد موقف، بل جرس إنذار، السؤال الذي لا نجيب عنه اليوم قد يتحول إلى قناعة خاطئة غداً، والفتاة التي أُسكتت بكلمة «حرام» قد تبحث عن جواب عند غير المؤهلين من خلال الهاتف الذكي الذي بين يديها وليس من عالم فقيه أو كتاب شرعي، ليتشكّل وعيها الديني على أساس هش. ختاما... لست هُنا لأشيطن وسائل التواصل الاجتماعي، بل للدفاع عن العلم وأهله، ولتنبيه نفسي أولاً وأولياء الأمور لضرورة إحياء الحوار داخل الأسرة، فالمشكلة ليست أن يسأل أبناؤنا، بل أن يكفّوا عن سؤالنا ويتجهوا إلى شاشات لا تعرفهم، ولا تحرص عليهم، ولا يعنيها سوى عدد المشاهدات… ولو على حساب عقيدتهم.
279
| 25 فبراير 2026
اليوم هو غرة رمضان المبارك، وهذا الإدراك وحده يوقظ في القلب إحساساً لا يشبه غيره؛ شيء من الهدوء الذي يسبق البداية، وشيء من الترقّب الذي يجعل المرء يتأمل نفسه قبل أن ينظر إلى العالم من حوله، أكتب هذه الكلمات وأنا أحاول أن أستقبل الشهر بروح يقظة، فكل رمضان يأتي محملًا بفرصة قد لا تتكرر، فرصة لإعادة ترتيب الداخل، وللسؤال الذي يفرض نفسه كل عام: أي رمضان نريد أن نعيشه؟ نحن الذين نتحرك في عالم سريع الإيقاع، ينشغل فيه الإنسان بما يمر من حوله، دون أن يلتفت إلى ما يريده داخله. لم يعد رمضان كما عرفه آباؤنا وأجدادنا؛ تلك المحطة التي ينتظرها الناس ليجددوا فيها علاقتهم بالله، وليشدوا فيها عزائمهم، ويستعيدوا شيئًا من صفاء الروح الذي تلتهمه الأيام مع سرعة إيقاعها، أصبح رمضان اليوم موسماً تتسابق فيه العلامات التجارية، موسم عروض وأسماء لمنتجات صارت تُنسب إليه: جلابيات رمضان، زينة رمضان، أكواب رمضان، مسلسلات رمضان، تتكاثر التسميات حتى يكاد المتابع يظن أن الشهر وُجد ليكون منصة استهلاكية، لا مساحة روحانية، ومرة أخرى، ليس الاعتراض على مظاهر الفرح، فأصبح شهر تجارة دنيوية لا تجارة آخروية، فكل ما يضفي على الشهر جمالًا مرحب به، ولكن المشكلة حين تتحول المظاهر إلى بديل عن الجوهر، وحين يجد المرء نفسه مأخوذاً بما يلمع أكثر مما يلامس قلبه. ومع هذا التحول، علينا أن نستحضر قصة الإمام مالك بن أنس ويحيى بن يحيى الليثي كمرآة شديدة الدقة لما نعيشه اليوم. فقد كان الإمام مالك يعقد مجلسه في المسجد النبوي حين دخل رجل يصيح بأن فيلًا عظيمًا قد دخل المدينة، ورؤية الفيل آنذاك كانت حدثًا لا يُفوت، فانطلق معظم الطلبة مسرعين، مبهورين بما لم يألفوه. وبقي واحد فقط في مكانه، هو يحيى بن يحيى الليثي، سأله الإمام مالك لماذا لم يخرج معهم، فقال تلك الجملة التي بقيت درسا في الوعي والهدف: «إنما رحلت لأرى مالكًا، لا لأرى الفيل»، ما أشبه اليوم بالأمس؛ فالفيل الذي كان يجر الطلبة خارج المجلس يشبه تماما ما يجرّ الناس في رمضان بعيدا عن الغاية: الترند، المحتوى الهابط الذي يكثف كلما اقترب شهر الصيام، الدراما التي تأخذها فرصة لتتنافس لإلهاء الناس، لكن من يعرف وجهته لا يغادر مجلسه، ومن يعرف ما يريد من الشهر لا تجرّه الفيلة الحديثة مهما عَظم حجمها. إن رمضان ليس صوما عن الطعام والشراب فقط، بل صوم عن التشتيت، عن الاستنزاف، عن الانسياق وراء كل ما يُقدّم على أنه «لازم» و»ضروري» ومن أجواء الشهر، الصوم الحقيقي هو صوم الجوارح عن كل ما يبعد عن الله، وهو محاولة لإعادة ترتيب الأولويات بحيث يعود الزمن إلى قيمته، وكثيرون يشكون في نهاية الشهر من أنه مرّ سريعًا، وكأنهم لم يمسكوا به أصلًا، رغم أنّ الشهر هو نفسه الشهر، والأيام هي نفسها الأيام، لكن امتلاء الوقت بما لا يترك أثرًا يجعل الزمن يتبخر دون أن نشعر. ولذلك كان السلف يقولون إن الحسرة ليست في نهاية رمضان، بل في أن يخرج المرء منه كما دخله. وليس القصد هنا أن نصادر لحظة فرح أو بشر في ظل ما يحيطنا من حروب وظلم، أو نرفض مظاهر الاحتفال، أو نجرّم رغبة الناس في الاستمتاع بجوانب الشهر الاجتماعية، كل تلك الأمور جميلة، لكنها تصبح عبئاً حين تتحول من بهجة إلى انشغال، ومن زينة إلى محور، ومن عادة إلى بديل عن العبادة التي جاء الشهر ليذكّرنا بها، وما أكثر ما نسمع في الأسابيع الأخيرة من تحضيرات ضخمة تستبق رمضان وكأنه مهرجان، بينما الجوهر يبدو وكأنه مؤجل لموعد آخر لا يأتي. وفي النهاية، يبقى كل واحد منا أمام سؤال واحد لا يجيب عنه سواه: كيف أريد أن أعيش هذا الشهر؟ هل أتركه يتشكل وفق ما ترسمه الشاشات والإعلانات والمنصات، أم أصنع له معنى خاصا يشبه حاجتي إلى الاقتراب من الله أكثر من حاجتي إلى الاقتراب مما يلمع؟ هل أريد رمضاناً مزدحماً بالتفاصيل التي تستهلك الوقت، أم رمضاناً أقوم فيه إلى القرآن وأنا أشعر أنني في حضرة معنى لا يُعوَّض؟ هل أتبع الفيلة أم أجلس في مجلس الإمام؟ ليس المطلوب أن نكون مثاليين، ولا أن نعتزل العالم، لكن المطلوب أن نكون واعين؛ أن نعرف أين نقف، وأين نريد أن نصل. ختاما... ومهما قيل، يبقى السؤال الأصدق الذي يستحق أن يُطرح في داخل كل واحد منا: لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم بيننا اليوم، هل سيرضى عن الطريقة التي نستقبل بها رمضان ونقضيه؟ هذا هو السؤال الذي يختصر المسافة كلها، ويعيد المعنى إلى مكانه، ويجعل المرء يدخل الشهر بروح مختلفة، روح تعرف ما تريد، ولا تغادر مجلسها لمجرد أن أحدًا صاح: هناك فيل في الخارج.
297
| 18 فبراير 2026
لم تُسمّ غزة الكاشفة من فراغ، ولم تكن يومًا تفصيلًا عابرًا في سجل هذا العالم المضطرب. غزة هي الرافعة والخافضة، الميزان الذي يفضح أكثر مما يشرح. كل ما يجري حولها يبدو في الظاهر وكأنه يسير عكس هواها: حصار، حرب، خذلان، وصمت دولي ثقيل. لكن ما يحدث في العمق ليس عليها بل معها، لأنها في كل مرة تُجبر العالم على مواجهة تناقضاته كما هي، بلا مساحيق تجميل ولا أقنعة. وقد يكون ملف جزيرة جيفري إبستين نموذجًا فاضحًا لحقيقة الغرب، ليكشف الهوة بين ما تُعلنه حضارة القيم عن نفسها، وما تمارسه فعليًا عندما يُختبر ميزان العدالة والأخلاق. ما كُشف عن جزيرة إبستين وشبكته لا يندرج في خانة انحرافات أخلاقية عادية. نحن نتحدث عن منظومة استغلال جنسي منظّم، اغتصاب قاصرات، اعتداءات ممنهجة، وشبكة استدراج وتواطؤ. شهادات الضحايا والتحقيقات تتحدث عن ممارسات وحشية، إذلال، وتحويل أجساد الأطفال إلى ساحة متعة لنخبة تمتلك المال والنفوذ والعلاقات. هذه ليست جريمة فرد واحد، بل بنية كاملة سمحت بتكرار الجريمة وحمت مرتكبيها وأخّرت وصول الحقيقة إلى العلن. الأبشع في هذه القصة ليس فقط ما جرى في “مسلخ” جزيرة إبستين، بل الطريقة التي جرى بها التعامل معه لاحقًا. بدلاً من أن تتحول القضية إلى لحظة مساءلة أخلاقية وسياسية شاملة وإدانة لا مواربة فيها، أُعيد إدخالها إلى قنوات ضيقة: إجراءات، تنقيح وثائق، حجب أسماء، جدل قانوني طويل حول ما يُنشر وما لا يُنشر. كأن المشكلة ليست في الجريمة نفسها، بل في كيفية إدارتها إعلاميًا وقضائيًا بأقل كلفة ممكنة على صورة النظام ونخبه. المفارقة أن الغرب الذي يتعامل مع فظائع إبستين بوصفها قضية جنائية معقدة تحتاج وقتًا وإجراءات وحذرًا لغويًا، هو نفسه الذي لا يتردد في إطلاق أقسى الأوصاف على مقاومة شعب تحت الاحتلال منذ قرابة 76 عامًا. جرائم اغتصاب الأطفال والتلذذ بإذلالهم لا تُوصَف في الخطاب السياسي الغربي بأنها “إرهاب”، ولا تُقدَّم كمنظومة رعب منظم، أما مقاومة تقاتل في ساحة معركة دفاعًا عن أرضها، فتُختزل في كلمة “إرهاب”، وتصبح مبررًا لاستباحة أراضيها وقتل أبنائها تحت بند “محاربة الإرهاب”، في حين أن ما حدث في جزيرة إبستين يتم التعامل معه بوجهة نظر رسمية محدودة. الفارق هنا ليس في حجم الألم أو بشاعة الفعل، بل في هوية الفاعل وموقعه من ميزان القوة. من ينتمي إلى دائرة النفوذ تُمنَح جرائمه رفاهية الشرح والتحليل والتأطير الإجرائي، ومن يقف خارجها يُجرَّد حتى من حق السرد، ويُقدَّم في صورة واحدة مسطّحة تصلح للاستهلاك السياسي والإعلامي. حق الشعوب في تقرير مصيرها والدفاع عن أرضها مبدأ أكّدته الأمم المتحدة وتجارب تاريخية عديدة، لكن هذا لا يمنح أي طرف حصانة مطلقة، لكنه يوضّح أن مقاومة الاحتلال له سياق سياسي وقانوني خاص لا يمكن تجاوزه ببساطة، ومع ذلك، حين تكون القضية فلسطينية، يُغلق هذا السياق، ويُستبدل بخطاب مترهل، وأحيانا يساوى بين الضحية والجلاد، بدلا من أن ينحاز إلى الضعيف لعدالة قضيته. هنا تظهر غزة بوصفها الكاشفة: تكشف الجانب المظلم من الحضارة الغربية، التي تماطل في محاسبة نخبها، لكنها تتشدد إلى أقصى حد عندما يتعلق الأمر بشعب يطالب بحقه في أرضه وحريته. الأخطر من ذلك أن هذا المنطق لا يبقى حبيس السياسة، بل يُعاد إنتاجه في وعي الجمهور، ليُعاد تشكيل الحسّ الأخلاقي نفسه على مقاس القوة، لا على مقاس العدالة. ملف إبستين، حين يُقرأ من زاوية غزة، لا يعود مجرد قصة سقوط أخلاقي فردي أو شبكة منحرفة، بل يصبح شاهدًا على خلل أعمق في طريقة المحاسبة والإدانة في هذا العالم، عالم يغضّ الطرف طويلًا عن اغتصاب الأطفال حين يكون الفاعلون من علية القوم، لكنه يرفع صوته عاليًا حين يحاول شعب أن يقرر مصيره في أن يحيا حرًا على أرضه. ختاما.. في النهاية، علينا أن نسأل من يملك حق تعريف الجريمة؟ ومن يملك سلطة تحديد من هو المجرم؟ طالما بقي هذا الحق مرهونًا بميزان القوة، سيبقى العالم بوجهه المزيف يحدّثنا عن الفضيلة، بينما يجبرنا على أن نتعايش مع أبشع الفظائع حين تصدر عن «النخب».
297
| 11 فبراير 2026
رسخت الشريعة الإسلامية مبدأً جلياً واضحًا في أنَّ الإنسان مُكرّم، جسده وعِرضه وكرامته خطوط حمراء، والاعتداء عليها جريمة لا تُغتفر، كان الضحية امرأة أو طفلًا أو رجلاً، في الفقه الإسلامي، هتك العرض، واستغلال الضعفاء ليست ممارسات غير أخلاقية فحسب، بل جرائم توجب أشد أنواع العقاب، وتضع الجاني في مواجهة القصاص حماية للمجتمع من هذه الآفات وإحقاقا لمبدأ العدالة. على المقلب الآخر، يقدّم العالم الغربي نفسه اليوم بوصفه الحارس الأكبر لحقوق المرأة والطفل، ويُشيّد منظومة كاملة من القوانين والاتفاقيات والمؤسسات تحت هذا العنوان العريض، بل إن بعض الدول الأوروبية تذهب بعيدًا في التدخل داخل الأسر، إلى حد معاقبة عائلات عربية أو مسلمة بحجة حماية حرية الطفل، إذا ربّت أبناءها على العقيدة أو رفضت تمرير مفاهيم مثل المثلية بوصفها خيارًا طبيعيًا، كما في حالات أثارت جدلًا واسعًا في السويد، هناك، يُعاد تعريف الحماية، وتُستخدم سلطة الدولة لتقويم الأسرة بسحب أطفالها تحت بند إساءة المعاملة!، حتى لو كان ذلك على حساب ثقافتها أو قناعاتها. لكن ماذا يحدث عندما ننتقل من الخطاب إلى الواقع؟ ماذا يحدث عندما ننظر إلى فضيحة جيفري إبستين، لا بوصفها قضية جنائية معزولة، بل كمرآة فاضحة لمنظومة كاملة؟ جيفري إبستين، الملياردير اليهودي الأمريكي صاحب النفوذ والعلاقات الواسعة، لم يكن مجرد منحرف أخلاقيًا كما حاول بعض الإعلام توصيفه، القضية بحسب ما ثبت في التحقيقات والوثائق القضائية وشهادات الضحايا، تتعلّق بشبكة استغلال جنسي لقاصرات استمرت سنوات، واستُخدمت فيها الأموال والنفوذ والاتصالات لحماية الجناة وتسهيل الجريمة، أحد أبرز مسارح هذه الجرائم كانت جزيرته الخاصة في جزر العذراء ، المعروفة باسم Little Saint James، والتي تحوّلت في التقارير الصحفية إلى رمز لانهيار كل الادعاءات عن حماية الطفولة. الفضيحة لم تتوقف عند شخص إبستين نفسه، بل كشفت عن دائرة أوسع من المتنفذين، وأصحاب سلطة ومال، شخصيات يفترض – بحكم مواقعها – أن تكون في صف مكافحة هذه الجرائم لا في صف ممارستها أو التستّر عليها، ومع أن إبستين الذي انتحر في محبسه عام 2019 في ظروف لا تزال مثار جدل، فإن شريكته المقرّبة جيسلين ماكسويل حُكم عليها بالسجن بتهم إغواء القاصرات، والاتجار بالأطفال لممارسات غير أخلاقية، والحنث في اليمين، بملف جنائي ثقيل ومخزٍ. الوثائق التي كُشف عنها لاحقًا – عبر المحاكم وطلبات النشر والضغط الإعلامي – فتحت نافذة على عالم مريب: عالم تُختزل فيه النساء والأطفال إلى سلع، ويُشترى فيه الصمت بالمال، وتُدار فيه الجرائم ببرود إداري يكاد يكون أكثر فظاعة من الجريمة نفسها، عالم يشبه ما كنا نراه في أفلام هوليوود ونظنه خيالًا أو مبالغة درامية، قبل أن نكتشف أن الواقع كان أكثر بشاعة، وأقل رحمة، وأكثر تنظيمًا. ولا يمكن فصل عودة هذه الفضائح إلى الواجهة عن سؤال التوقيت، في السياسة، نادراً ما تكون الصدف بريئة، فتح الملفات بهذا الزخم الإعلامي يطرح تساؤلات مشروعة: هل نحن أمام ضغط غير مباشر على الإدارة الأمريكية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث يتصاعد الحديث عن خيارات المواجهة أو الردع؟ أم أن ضخ هذا الكم من المواد الصادمة في الفضاء العام يأتي أيضا في سياق إعادة توجيه بوصلة الاهتمام العالمي، في وقت تتكدس فيه الجرائم اليومية في غزة وتخبو قدرتها على احتلال العناوين الأولى؟ فحقيقة معروفة في تاريخ الإعلام والسياسة: ما يُكشف، ومتى يُكشف، وكيف يكشف، أسئلة لا تقل أهمية عن مضمون ما يُكشف نفسه، فإدارة الأجندة الإعلامية جزء من إدارة الصراع، وأحيانا يكون فتح الملفات القديمة وسيلة لتشتيت الرأي العام، وصرف الانتباه عن مآسٍ في بقعة ما في العالم جارية لا تجد من يحميها من النسيان. وهنا سؤال آخر، ماذا لو كان بطل هذه الفضيحة مسلمًا أو عربيًا؟ هل كانت المعالجة الإعلامية ستبقى في حدود قضية جنائية؟ أم كنا سنشهد – كما اعتدنا – تعميمًا ثقافيًا، وشيطنةً للدين الإسلامي «الإسلاموفوبيا»، وربطًا مباشرًا بين الجريمة وهوية الفاعل؟ هل كانت العناوين ستكتفي بإدانة الشخص، أم كانت ستذهب إلى اتهام الإسلام ذاته، والتشكيك في قيمه، وتصويره كدين لا يحمي المرأة ولا الطفل؟ الأرجح أن الإجابة يعرفها كل من تابع كيف تُدار الحملات الإعلامية في مثل هذه الحالات ومن يديرها. وكان سيتم التركيز على المجرم لا على الجريمة!، وما يمثله ثقافياً ودينياً، وكانت ستُستدعى اللغة المشحونة، وتُفتح ملفات الهجرة، وتُقترح سياسات التضييق، وتُرفع الأصوات التي تطالب بالمزيد من المراقبة والعقاب الجماعي، أما هنا، في قضية إبستين، فالنقاش – رغم ضخامته – بقي محكوما بسقف محدد: مساءلة أفراد، بعضهم بأسماء محجوبة، وبعضهم بلا تبعات سياسية كبرى حتى الآن، هذا لا يعني أن الإعلام الغربي صمت بالكامل، ولا أن القضية دُفنت، لكن يعني أن المعيار ليس واحدًا، هناك فرق بين محاسبة شخص، وبين تحويل جريمة إلى أداة لإدانة ثقافة كاملة، وهناك فرق بين خطاب العدالة، وخطاب القوة الذي يختار متى يجعجع بالفضيحة ومتى يهمس بها. الشريعة الإسلامية، التي يُساء تصويرها كثيرا في الإعلام الغربي، في ميزانها، الجريمة جريمة، والضعيف مُقدّم، والعدالة لا تُجزّأ بحسب هُوية الجاني أو مكانته، أما عالم اليوم، فيبدو – للأسف – أنه لا يزال يكيل بمكيالين: مكيال العدالة حين يناسبه، ومكيال القوة حين يريد أن ينجو الأقوياء من الحساب. ختاما.. فضيحة جزيرة إبستين اختبار قاسٍ لصدقية الخطاب العالمي عن حقوق الإنسان، اختبار يؤكد أنَّ المشكلة ليست في نقص القوانين، بل فيمن يملك الشجاعة لتطبيقها على الجميع، بلا استثناء، وبلا حصانة سِياجها رؤوس الأموال قبل السلطة، لنقف أمام عدالة عرجاء وملف جنائي فوق السلطة.
456
| 04 فبراير 2026
مساحة إعلانية
أصبح ملاحظًا في الآونة الأخيرة تزايد شكاوى المعلمين...
2970
| 22 أبريل 2026
شهدت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي خلال الفترة...
2052
| 20 أبريل 2026
يُعدّ الغاز الطبيعي أحد الركائز الأساسية لمنظومة الطاقة...
927
| 19 أبريل 2026
لا يحتاج الخذلان إلى لافتة كي يعلن عن...
759
| 19 أبريل 2026
في الجغرافيا، يعد مضيق هرمز واحدًا من أهم...
687
| 18 أبريل 2026
﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ...
618
| 20 أبريل 2026
من آفات هذا العصر الذي تفشت فيه الأمراض...
609
| 19 أبريل 2026
إذا كان الحديث عن الصمود قد بدأ كفكرة...
597
| 19 أبريل 2026
شاركت خلال الأسبوعين الماضيين بتسجيل سلسلة 10 حلقات...
552
| 18 أبريل 2026
يعتقد الكثيرون منا أن وجود عدو في حياتنا...
474
| 21 أبريل 2026
لا شك بأن ماعشناه في الأيام الماضية خلال...
462
| 18 أبريل 2026
خلقنا الله تعالى بفطرة سليمة وقلوب نقية، ومنحنا...
429
| 21 أبريل 2026
مساحة إعلانية