رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هديل رشاد

صحفية فلسطينية

مساحة إعلانية

مقالات

210

هديل رشاد

سؤالٌ مشروع والجواب.. «حرام»!

25 فبراير 2026 , 04:58ص

في غرفة انتظار بأحد المستشفيات، حيث تتقاطع الوجوه وتتقارب الحكايات، دار نقاش قصير بين أم وابنتها التي لا يتجاوز عمرها عشر سنوات. وبسبب السكون الذي يلف المكان، كان صوت الطفلة مسموعًا بوضوح، وكأنه يرغمك على الإنصات، خصوصا أن أسئلتها كانت أكبر من عمرها: عن الكون، عن الخالق، عن بداية الخلق، أسئلة وجودية خالصة، لكنها في الوقت ذاته أسئلة مشروعة تكشف عقلًا بدأ يستيقظ على اتساع العالم.

الأم ـ كما بدا ـ ارتبكت، وأنهت الحوار بجملة حاسمة «هذه الأسئلة حرام! « ثم ساد الصمت، لكن فضول تلك الطفلة ظل معلّقاً في الهواء، يطل من عينيها الحائرتين، قبل أن تعود إلى العبث بهاتفها الذكي.

ذلك المشهد كان صورة مكثفة لواقع يتكرر في بيوت كثيرة، جيل يسأل، وجيل يخاف السؤال، فالمشكلة ليست في السؤال نفسه، بل في الفراغ الذي يليه، حين يُغلق باب الحوار داخل البيت، يُفتح خارجه على مصراعيه، والباب الخارجي اليوم ليس مكتبة ولا مجلس علم، بل شاشة هاتف تعج بالكثير من الغثّ والقليل من السمين، أمام أجيال لم تتشكل بعد بوصلتها في التمييز بين الصواب والخطأ، وبين الحلال والحرام.

في الماضي، كان الوصول إلى الفتوى يمر عبر مسار منضبط: إمام مسجد، أو عالم موثوق، أو كتاب شرعي متخصص، أما اليوم، فيكفي كتابة سؤال في مربع البحث لتنهال على المستخدم عشرات الإجابات المتناقضة، أشخاص مجهولو السند العلمي يتصدّرون مواقع التواصل، يستسهلون الإفتاء، ويحوّلون «تيك توك» إلى منصة للفتاوى السريعة، يقتطعون النصوص من سياقها، ويعرضون الدين في مقاطع لا تتجاوز دقيقة، محكومة بعدد المشاهدات لا بميزان الشرع.

الخطورة ليست في التقنية نفسها، بل في غياب الضابط، فالفتوى في الشريعة مسؤولية ثقيلة كان العلماء يتدافعونها اتقاءً للزلل، إذ حذر النبي ﷺ من الإفتاء بغير علم بقوله (من أفتي بفُتيا غيرِ ثبتٍ فإنما إثمهُ على من أَفْتاه)، أما اليوم، فتصدر بجرأة لافتة، وأحياناً بروح استعراضية؛ يتحدث أحدهم في قضايا عقدية معقدة بسطحية مدهشة، أو يخلط بين الرأي الشخصي والنص الشرعي، أو يصدر أحكاما قاطعة في مسائل خلافية، والأسوأ أن هذه الطروحات تصل للمراهقين واليافعين بلغة جذابة تشبه لغتهم، فتستميلهم رغم ضعف محتواها.

هذه المرحلة العمرية بطبيعتها مرحلة أسئلة، ومن حق الأبناء أن يحصلوا على إجابات صحيحة تشفي فضولهم. فحين تُقابل الأسئلة الوجودية بالقمع أو التخويف، فإنها لا تموت؛ بل تنتقل إلى فضاء آخر، وقد تجد تلك الفتاة نفسها تستمع إلى محتوى يشكك في الثوابت، أو إلى خطاب مشوه تحت عباءة الدين، وهكذا تنتقل من سؤال مشروع إلى معرفة مسمومة.

فالمسؤولية مشتركة فالأسرة أولًا: كان بوسع تلك الأم أن تقول «لا أعرف… لكن دعينا نبحث معاً»، مجرد فتح باب الحوار يحمي الأبناء من الانجراف خلف أي محتوى عابر، ثم تأتي مسؤولية المؤسسات الدينية والتعليمية؛ فلا يكفي التحذير من المنصات، بل يجب حضور العلماء فيها بخطاب رصين يفهم لغة الجيل. فالمعركة ليست مع التطبيق، بل مع الفراغ الذي يملؤه غير المؤهلين، وإذا تُركت الساحة خالية، سيتصدرها من يجيد الأداء لا من يمتلك العلم.

كما أن الجهات الرقابية مطالبة بوضع ضوابط للفتاوى العشوائية التي تملأ المنصات، فكما توجد قوانين تحاسب من يضلّل الناس طبيا أو قانونيا، ينبغي حماية الجمهور من التلاعب بالدين، لأن نتائجه أخطر وأعمق.

الحادثة الصغيرة في غرفة الانتظار لم تكن مجرد موقف، بل جرس إنذار، السؤال الذي لا نجيب عنه اليوم قد يتحول إلى قناعة خاطئة غداً، والفتاة التي أُسكتت بكلمة «حرام» قد تبحث عن جواب عند غير المؤهلين من خلال الهاتف الذكي الذي بين يديها وليس من عالم فقيه أو كتاب شرعي، ليتشكّل وعيها الديني على أساس هش.

ختاما...

لست هُنا لأشيطن وسائل التواصل الاجتماعي، بل للدفاع عن العلم وأهله، ولتنبيه نفسي أولاً وأولياء الأمور لضرورة إحياء الحوار داخل الأسرة، فالمشكلة ليست أن يسأل أبناؤنا، بل أن يكفّوا عن سؤالنا ويتجهوا إلى شاشات لا تعرفهم، ولا تحرص عليهم، ولا يعنيها سوى عدد المشاهدات… ولو على حساب عقيدتهم.

مساحة إعلانية