رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في غرفة انتظار بأحد المستشفيات، حيث تتقاطع الوجوه وتتقارب الحكايات، دار نقاش قصير بين أم وابنتها التي لا يتجاوز عمرها عشر سنوات. وبسبب السكون الذي يلف المكان، كان صوت الطفلة مسموعًا بوضوح، وكأنه يرغمك على الإنصات، خصوصا أن أسئلتها كانت أكبر من عمرها: عن الكون، عن الخالق، عن بداية الخلق، أسئلة وجودية خالصة، لكنها في الوقت ذاته أسئلة مشروعة تكشف عقلًا بدأ يستيقظ على اتساع العالم.
الأم ـ كما بدا ـ ارتبكت، وأنهت الحوار بجملة حاسمة «هذه الأسئلة حرام! « ثم ساد الصمت، لكن فضول تلك الطفلة ظل معلّقاً في الهواء، يطل من عينيها الحائرتين، قبل أن تعود إلى العبث بهاتفها الذكي.
ذلك المشهد كان صورة مكثفة لواقع يتكرر في بيوت كثيرة، جيل يسأل، وجيل يخاف السؤال، فالمشكلة ليست في السؤال نفسه، بل في الفراغ الذي يليه، حين يُغلق باب الحوار داخل البيت، يُفتح خارجه على مصراعيه، والباب الخارجي اليوم ليس مكتبة ولا مجلس علم، بل شاشة هاتف تعج بالكثير من الغثّ والقليل من السمين، أمام أجيال لم تتشكل بعد بوصلتها في التمييز بين الصواب والخطأ، وبين الحلال والحرام.
في الماضي، كان الوصول إلى الفتوى يمر عبر مسار منضبط: إمام مسجد، أو عالم موثوق، أو كتاب شرعي متخصص، أما اليوم، فيكفي كتابة سؤال في مربع البحث لتنهال على المستخدم عشرات الإجابات المتناقضة، أشخاص مجهولو السند العلمي يتصدّرون مواقع التواصل، يستسهلون الإفتاء، ويحوّلون «تيك توك» إلى منصة للفتاوى السريعة، يقتطعون النصوص من سياقها، ويعرضون الدين في مقاطع لا تتجاوز دقيقة، محكومة بعدد المشاهدات لا بميزان الشرع.
الخطورة ليست في التقنية نفسها، بل في غياب الضابط، فالفتوى في الشريعة مسؤولية ثقيلة كان العلماء يتدافعونها اتقاءً للزلل، إذ حذر النبي ﷺ من الإفتاء بغير علم بقوله (من أفتي بفُتيا غيرِ ثبتٍ فإنما إثمهُ على من أَفْتاه)، أما اليوم، فتصدر بجرأة لافتة، وأحياناً بروح استعراضية؛ يتحدث أحدهم في قضايا عقدية معقدة بسطحية مدهشة، أو يخلط بين الرأي الشخصي والنص الشرعي، أو يصدر أحكاما قاطعة في مسائل خلافية، والأسوأ أن هذه الطروحات تصل للمراهقين واليافعين بلغة جذابة تشبه لغتهم، فتستميلهم رغم ضعف محتواها.
هذه المرحلة العمرية بطبيعتها مرحلة أسئلة، ومن حق الأبناء أن يحصلوا على إجابات صحيحة تشفي فضولهم. فحين تُقابل الأسئلة الوجودية بالقمع أو التخويف، فإنها لا تموت؛ بل تنتقل إلى فضاء آخر، وقد تجد تلك الفتاة نفسها تستمع إلى محتوى يشكك في الثوابت، أو إلى خطاب مشوه تحت عباءة الدين، وهكذا تنتقل من سؤال مشروع إلى معرفة مسمومة.
فالمسؤولية مشتركة فالأسرة أولًا: كان بوسع تلك الأم أن تقول «لا أعرف… لكن دعينا نبحث معاً»، مجرد فتح باب الحوار يحمي الأبناء من الانجراف خلف أي محتوى عابر، ثم تأتي مسؤولية المؤسسات الدينية والتعليمية؛ فلا يكفي التحذير من المنصات، بل يجب حضور العلماء فيها بخطاب رصين يفهم لغة الجيل. فالمعركة ليست مع التطبيق، بل مع الفراغ الذي يملؤه غير المؤهلين، وإذا تُركت الساحة خالية، سيتصدرها من يجيد الأداء لا من يمتلك العلم.
كما أن الجهات الرقابية مطالبة بوضع ضوابط للفتاوى العشوائية التي تملأ المنصات، فكما توجد قوانين تحاسب من يضلّل الناس طبيا أو قانونيا، ينبغي حماية الجمهور من التلاعب بالدين، لأن نتائجه أخطر وأعمق.
الحادثة الصغيرة في غرفة الانتظار لم تكن مجرد موقف، بل جرس إنذار، السؤال الذي لا نجيب عنه اليوم قد يتحول إلى قناعة خاطئة غداً، والفتاة التي أُسكتت بكلمة «حرام» قد تبحث عن جواب عند غير المؤهلين من خلال الهاتف الذكي الذي بين يديها وليس من عالم فقيه أو كتاب شرعي، ليتشكّل وعيها الديني على أساس هش.
ختاما...
لست هُنا لأشيطن وسائل التواصل الاجتماعي، بل للدفاع عن العلم وأهله، ولتنبيه نفسي أولاً وأولياء الأمور لضرورة إحياء الحوار داخل الأسرة، فالمشكلة ليست أن يسأل أبناؤنا، بل أن يكفّوا عن سؤالنا ويتجهوا إلى شاشات لا تعرفهم، ولا تحرص عليهم، ولا يعنيها سوى عدد المشاهدات… ولو على حساب عقيدتهم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
صحفية فلسطينية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3714
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1113
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
744
| 27 أبريل 2026