رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هديل رشاد

صحفية فلسطينية

مساحة إعلانية

مقالات

270

هديل رشاد

«هل ستتبع الفِيَلة؟»

18 فبراير 2026 , 02:31ص

اليوم هو غرة رمضان المبارك، وهذا الإدراك وحده يوقظ في القلب إحساساً لا يشبه غيره؛ شيء من الهدوء الذي يسبق البداية، وشيء من الترقّب الذي يجعل المرء يتأمل نفسه قبل أن ينظر إلى العالم من حوله، أكتب هذه الكلمات وأنا أحاول أن أستقبل الشهر بروح يقظة، فكل رمضان يأتي محملًا بفرصة قد لا تتكرر، فرصة لإعادة ترتيب الداخل، وللسؤال الذي يفرض نفسه كل عام: أي رمضان نريد أن نعيشه؟ نحن الذين نتحرك في عالم سريع الإيقاع، ينشغل فيه الإنسان بما يمر من حوله، دون أن يلتفت إلى ما يريده داخله.

لم يعد رمضان كما عرفه آباؤنا وأجدادنا؛ تلك المحطة التي ينتظرها الناس ليجددوا فيها علاقتهم بالله، وليشدوا فيها عزائمهم، ويستعيدوا شيئًا من صفاء الروح الذي تلتهمه الأيام مع سرعة إيقاعها، أصبح رمضان اليوم موسماً تتسابق فيه العلامات التجارية، موسم عروض وأسماء لمنتجات صارت تُنسب إليه: جلابيات رمضان، زينة رمضان، أكواب رمضان، مسلسلات رمضان، تتكاثر التسميات حتى يكاد المتابع يظن أن الشهر وُجد ليكون منصة استهلاكية، لا مساحة روحانية، ومرة أخرى، ليس الاعتراض على مظاهر الفرح، فأصبح شهر تجارة دنيوية لا تجارة آخروية، فكل ما يضفي على الشهر جمالًا مرحب به، ولكن المشكلة حين تتحول المظاهر إلى بديل عن الجوهر، وحين يجد المرء نفسه مأخوذاً بما يلمع أكثر مما يلامس قلبه.

ومع هذا التحول، علينا أن نستحضر قصة الإمام مالك بن أنس ويحيى بن يحيى الليثي كمرآة شديدة الدقة لما نعيشه اليوم. فقد كان الإمام مالك يعقد مجلسه في المسجد النبوي حين دخل رجل يصيح بأن فيلًا عظيمًا قد دخل المدينة، ورؤية الفيل آنذاك كانت حدثًا لا يُفوت، فانطلق معظم الطلبة مسرعين، مبهورين بما لم يألفوه. وبقي واحد فقط في مكانه، هو يحيى بن يحيى الليثي، سأله الإمام مالك لماذا لم يخرج معهم، فقال تلك الجملة التي بقيت درسا في الوعي والهدف: «إنما رحلت لأرى مالكًا، لا لأرى الفيل»، ما أشبه اليوم بالأمس؛ فالفيل الذي كان يجر الطلبة خارج المجلس يشبه تماما ما يجرّ الناس في رمضان بعيدا عن الغاية: الترند، المحتوى الهابط الذي يكثف كلما اقترب شهر الصيام، الدراما التي تأخذها فرصة لتتنافس لإلهاء الناس، لكن من يعرف وجهته لا يغادر مجلسه، ومن يعرف ما يريد من الشهر لا تجرّه الفيلة الحديثة مهما عَظم حجمها.

إن رمضان ليس صوما عن الطعام والشراب فقط، بل صوم عن التشتيت، عن الاستنزاف، عن الانسياق وراء كل ما يُقدّم على أنه «لازم» و»ضروري» ومن أجواء الشهر، الصوم الحقيقي هو صوم الجوارح عن كل ما يبعد عن الله، وهو محاولة لإعادة ترتيب الأولويات بحيث يعود الزمن إلى قيمته، وكثيرون يشكون في نهاية الشهر من أنه مرّ سريعًا، وكأنهم لم يمسكوا به أصلًا، رغم أنّ الشهر هو نفسه الشهر، والأيام هي نفسها الأيام، لكن امتلاء الوقت بما لا يترك أثرًا يجعل الزمن يتبخر دون أن نشعر. ولذلك كان السلف يقولون إن الحسرة ليست في نهاية رمضان، بل في أن يخرج المرء منه كما دخله.

وليس القصد هنا أن نصادر لحظة فرح أو بشر في ظل ما يحيطنا من حروب وظلم، أو نرفض مظاهر الاحتفال، أو نجرّم رغبة الناس في الاستمتاع بجوانب الشهر الاجتماعية، كل تلك الأمور جميلة، لكنها تصبح عبئاً حين تتحول من بهجة إلى انشغال، ومن زينة إلى محور، ومن عادة إلى بديل عن العبادة التي جاء الشهر ليذكّرنا بها، وما أكثر ما نسمع في الأسابيع الأخيرة من تحضيرات ضخمة تستبق رمضان وكأنه مهرجان، بينما الجوهر يبدو وكأنه مؤجل لموعد آخر لا يأتي.

وفي النهاية، يبقى كل واحد منا أمام سؤال واحد لا يجيب عنه سواه: كيف أريد أن أعيش هذا الشهر؟ هل أتركه يتشكل وفق ما ترسمه الشاشات والإعلانات والمنصات، أم أصنع له معنى خاصا يشبه حاجتي إلى الاقتراب من الله أكثر من حاجتي إلى الاقتراب مما يلمع؟ هل أريد رمضاناً مزدحماً بالتفاصيل التي تستهلك الوقت، أم رمضاناً أقوم فيه إلى القرآن وأنا أشعر أنني في حضرة معنى لا يُعوَّض؟ هل أتبع الفيلة أم أجلس في مجلس الإمام؟ ليس المطلوب أن نكون مثاليين، ولا أن نعتزل العالم، لكن المطلوب أن نكون واعين؛ أن نعرف أين نقف، وأين نريد أن نصل.

ختاما...

ومهما قيل، يبقى السؤال الأصدق الذي يستحق أن يُطرح في داخل كل واحد منا: لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم بيننا اليوم، هل سيرضى عن الطريقة التي نستقبل بها رمضان ونقضيه؟ هذا هو السؤال الذي يختصر المسافة كلها، ويعيد المعنى إلى مكانه، ويجعل المرء يدخل الشهر بروح مختلفة، روح تعرف ما تريد، ولا تغادر مجلسها لمجرد أن أحدًا صاح: هناك فيل في الخارج.

اقرأ المزيد

alsharq أسرار تضامن العالم مع قطر

لعل بعض المراقبين للشؤون السياسية يتساءلون عن أسرار التضامن الدولي الواسع مع دولة قطر والذي يستمر بدون انقطاع... اقرأ المزيد

150

| 03 أبريل 2026

alsharq رسالة إلى قلبك

كثيرة هي اللحظات التي تجعلك حزيناً، وقد تكون سعيت الى تحقيق ذلك الأمر بكل ما أوتيت من قوة،... اقرأ المزيد

114

| 03 أبريل 2026

alsharq الفن وقت الأزمات.. التوازن النفسي للطلبة

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات وتتصاعد فيه الأزمات الإقليمية تغدو الفنون البصرية داخل حصة الفنون أداةً تربويةً وعلاجيةً... اقرأ المزيد

132

| 03 أبريل 2026

مساحة إعلانية